تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » إيماني بالفرائض المقدسة

إيماني بالفرائض المقدسة

الكاتب

 القس إلياس مقار

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر

 

تتفق المذاهب المسيحية في مختلف العصور والأجيال على الإيمان بفريضتي المعمودية والعشاء الرباني، فيما خلا جماعة الكويكرز “الأصحاب” الذين لا يكاد يقام لشذوذهم في هذا الأمر وزن. ومرد هذا الإيمان عند جميع المذاهب أمر المسيح الصريح، ومتى أمر المسيح فلا حاجة بعد ذلك للتساؤل والنقاش. بل إن المذاهب البروتستانتية التي تقصر إيمانها بالفرائض على هاتين الفريضتين ترد هذا الإيمان للسبب ذاته، أن تؤكد انه لا يجوز ابتداع فرائض أخرى لم يأمر بها المسيح أو ينص عليها الإنجيل.. وواضح كل الوضوح إن الفريضتين تشيران إلى معنى المسيحية ولبها، فالمعمودية ترمز إلى الاغتسال من الخطية، والحياة النظيفة المجددة، والتي لا يمكن أن تكون لإنسان يعيش في حياة العالم وأقذاره وأوحاله.. والعشاء الرباني يشير إلى ذلك الثمن العظيم الذي قدمه المسيح لأجلنا على الصليب، إذا بذل حياته لأجل خطايانا، ولتطهيرنا من أوزارنا وآثامنا ولا حاجة إلى الإشارة إلى إن المسيحيين كانوا يعبرون عن إيمانهم بل ويعرفون لدى العالم بممارسة هاتين الفريضتين عرفتا في التاريخ المسيحي  قبل وحي الله بالإنجيل.. ولا حاجة إلى الإشارة أيضا إلى أن الإيمان المسيحي يصل إلى النفس عن طريق الفريضتين لا بمجرد السمع كما في كلمة الله، بل بالرؤية والممارسة العملية الحسية، لان الأعلى في الحياة لا ينطق به، كما يقول جوتة شاعر الألمان، بل يحس به.. وقوة الفريضتين متركزة لا في كونها إعلانا أو اعترافا علنيا بالمسيحية أمام الناس، بل أكثر من ذلك لأنهما تحضان على الدوام، وتذكران بالوحدة والشركة المسيحية التي تربط أبناء الله جميعا في المسيح الواحد.. وها نحن أولا سنتابع كل فريضة على حدة لنرى مدلولها ومعناها وأهميتها وضرورة ممارستها في الحياة المسيحية.

أولا -فريضة المعمودية

والدرس الدقيق من هذه الفريضة ينبغي التأمل فيها من الجوانب التالية:

1- المعمودية ومفهومها التاريخي

قبل أن يأمر المسيح بفريضة المعمودية المسيحية كانت المعمودية عند اليهود تمارس في أكثر من مظهر ومعنى، إذا كانت تشير في المعنى الواسع إلى التطهيرات المختلفة عنده، إذا قيل: “4وَمِنَ السُّوقِ إِنْ لَمْ يَغْتَسِلُوا لاَ يَأْكُلُونَ. وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَسَلَّمُوهَا لِلتَّمَسُّكِ بِهَا مِنْ غَسْلِ كُؤُوسٍ وَأَبَارِيقَ وَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَأَسِرَّةٍ.   (مر7: 4). ولفظ “غسل”  المذكورة ههنا هو ذات اللفظ المستعمل لكلمة “عماد”.. وقيل: “وهي قائمة بأطعمة واشربة وغسلات مختلفة” (عب9: 10). والكلمة “غسلات” هي ذات الكلمة المستعملة “للعماد”. ومن ثم فالعبارة عند اليهود كانت تشير أساسا إلى التطهير، كما جاء في اغتسال هرون وبنيه عند دخولهم خيمة الاجتماع: “18«وَتَصْنَعُ مِرْحَضَةً مِنْ نُحَاسٍ وَقَاعِدَتَهَا مِنْ نُحَاسٍ لِلاِغْتِسَالِ. وَتَجْعَلُهَا بَيْنَ خَيْمَةِ الاِجْتِمَاعِ وَالْمَذْبَحِ وَتَجْعَلُ فِيهَا مَاءً. 19فَيَغْسِلُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْهَا. 20عِنْدَ دُخُولِهِمْ إلى خَيْمَةِ الاِجْتِمَاعِ يَغْسِلُونَ بِمَاءٍ لِئَلاَّ يَمُوتُوا. أو عِنْدَ اقْتِرَابِهِمْ إلى الْمَذْبَحِ لِلْخِدْمَةِ لِيُوقِدُوا وَقُوداً لِلرَّبِّ. 21يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ لِئَلاَّ يَمُوتُوا. وَيَكُونُ لَهُمْ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً لَهُ وَلِنَسْلِهِ فِي أَجْيَالِهِمْ». (خر30: 18-12).

واغتسال النجسين حسب حكم الفريضة كمن يصحب تيس عزازيل إلى البرية أو من يحرق ثور الخطية وتيس الخطية خارج المحلة في يوم الكفارة العظمى: “26وَالَّذِي أَطْلَقَ التَّيْسَ إلى عَزَازِيلَ يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَرْحَضُ جَسَدَهُ بِمَاءٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ إلى الْمَحَلَّةِ. 27وَثَوْرُ الْخَطِيَّةِ وَتَيْسُ الْخَطِيَّةِ اللَّذَانِ أُتِيَ بِدَمِهِمَا لِلتَّكْفِيرِ فِي الْقُدْسِ يُخْرِجُهُمَا إلى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ وَيُحْرِقُونَ بِالنَّارِ جِلْدَيْهِمَا وَلَحْمَهُمَا وَفَرْثَهُمَا.(لا16:  26 و 27)… وكالأبرص وذوي السيل وغيرهم.

وكانت المعمودية في المعنى الأخص والأدق الفريضة التي يتحتم على المتهود ممارستها عند إيمانه باليهودية واعتناقها له كرمز لتخلصه من كل ادرأن الوثنية التي علقت به  كأممي. وكانت معمودية يوحنا المعمدان بذات المعنى تشير إلى اغتسال التائبين وإعدادهم لمجيء المسيح، حمل الله الذي يرفع خطية العالم، وعندما اعتمد المسيح من يوحنا لم يكن هو بذاته في حاجة إلى المعمودية، إذا هو البار القدوس المنزه عن كل خطية، ولكنه قبلها مع ذلك تثبيتا لرسالة يوحنا،  وتأكيدا لصدقها  وعملها في إعداد  الأمة لمجيئه وإعلانا عن نيابته عن البشرية المحتاجة إلى التوبة والاغتسال  من الخطية، وإفصاحا عن كراهيته للخطية ووقوفه إلى جانب البر وتسلمه مركزه الكهنوتي، إذا كان قد بلغ الثلاثين من عمره، وهي سن التجنيد عند الكهنة حسب الشريعة (عد4: 3) ومن كل ما سبق يتبن إن الأصل التاريخي للمعمودية هو الاغتسال من الماضي الملوث، والخطية، والسلوك في منهج القداسة وحياة الطهارة والبر.

2- المعمودية ومعناها المسيحي

أما وقد عرفنا الأصل التاريخي للمعمودية ومفهومها عند اليهود قبل ظهور المعمودية المسيحية، بقي أن نعرف مدلول هذه الأخيرة والمعنى المقصود منها، ولعل من أهم ما تشير إليه أو تكشف عنها إنها:

أولا – ختم الملكية:إذا إن من يعتمد باسم:الأب والابن والروح القدس” إنما يشير إلى قبوله الإيمان المسيحي بالإله الواحد والثالوث الأقدس، وانه يعترف جهارا وعلنا هذا الإيمان أمام الجميع، وانه يفخر بالانتساب إلى هذا الاسم المبارك والولاء الكامل المطلق غير المشروط البتة له، على انه ينبغي في الوقت عينه أن نذكر إن أهمية المعمودية  ومجدها يرجعان في الدرجة الأولى، لا إلى المعتمد أو من عمده، بل إلى جلال هذا الاسم وعظمته، ولذا فلا يجوز البتة تكرار المعمودية لمسيحي عمد بهذا الاسم الكريم، إذا في هذا انتقاص واستخفاف وازدراء بذات الاسم الجليل المطبوع على المعتمد من قل.. هذا من جهة من يطلب أن يعمد المعتمد مرة أخرى، أما من جهة المعتمد نفسه فعليه أن يدرك انه لم يضح بالمعمودية  ملكا لنفسه أو العالم، بل أضحى ملكا خاصا لله، وانه لم يعد فيه أو لهما يمكن أن يكون بعيدا عن سلطان هذا الختم ونطاقه. وفي رسالة منسوبة إلى اكليمندس الروماني  من أوائل التاريخ المسيحي قوله: “المعمودية ختم لا يفض وقد قيل عمن لا يحافظ على سلامة هذا الختم أن دودهم لا يموت ونارهم لا تطفأ”..ولذلك كان من الخطأ آن يعد سكسون شرلمان عندما قبلوا الإيمان المسيحي أن يعتمدوا على شرط واحد يعلنوه أمام المعمودية، وعندما اعتمدوا في النهر غطسوا بأكملهم إلا أذرعهم اليمنى المحاربة، التي أبو أن يخضعوها لأمر ولسلطان المعمودية… ومن المؤسف أن يتكرر هذا الأمر في حياة الملايين من المسيحيين الذين لهم هذه الفرصة طقس بولاء ناقص، أو من غير ولاء على وجه الإطلاق..

ثانيا – رمز الامتياز:إذا إن المعمودية باسم “الأب والابن والروح القدس” ليست ختما للملكية فحسب، لكنها رمز لأعظم امتياز يمكن أن يناله بشري على الأرض، إذا إن المعتمد باسم الأب له كل بركات الأبوة الإلهية وخيراتها ومزاياها، من خلق وعناية وحفظ ورعاية وحراسة وشرف ومجد، والمعتمد باسم الابن له كل آثار الفداء وغناه وجلاله وعظمته ومجده، والمعتمد باسم الروح القدس له كل ما يمكن أن يفعل الروح من تقوية وتشجيع وتأثير وفاعلية.. وهل هو قليل أن يتمتع الإنسان بمثل هذه البركات المجيدة العظمى!!؟

ثالثا- خلاص من الدينونة:والمعمودية هنا رمز لهذا الخلاص من الدينونة، وقد جاءت الإشارة إلى هذا في خلاص نوح وبيته بفلك النجاة، كما ذكر الرسول بطرس في القول: “19 الَّذِي فِيهِ أيضا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ، 20 إذا عَصَتْ قَدِيماً، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إذا كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. 21 الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. “(1بط3: 19-21)، وكما انسكب الماء على الفلك من كل جانب، وجازت تياراته عليه، ولكنه ارتفع فوقها، هكذا المؤمنون، جازوا في المسيح فلك النجاة، تحت تيارات غضب الله، ونالوا خلاصهم ونجاتهم، في موته الكفاري، والمعمودية ترمز إلى ذلك وتشير، لا بالمظهر الخارجي، من ناحية إزالة وسخ الجسد، بل بالحقيقة الداخلية، التي فيها يؤمن المؤمن بموت المسيح وقيامته، الذي اسلم لأجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا..

رابعا – ختان الحياة والانعزال عن العالم:فإذا تحولنا من أيام نوح إلى أيام إبراهيم رأينا المعمودية تأخذ مكان الختان، بنفس المعنى الذي اخذ فيه العشاء الرباني مكان الفصح، فقد كان العهد بين إبراهيم والله عهدا أبديا، كما قيل: “يُخْتَنُ خِتَاناً وَلِيدُ بَيْتِكَ وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّتِكَ فَيَكُونُ عَهْدِي فِي لَحْمِكُمْ عَهْداً أَبَدِيّاً.” (تك17: 13).. والعهد الأبدي لا يمكن أن ينقض، إنما يأخذ صورته الروحية في المعمودية، ولهذا جاء قول الرسول: “11لِئَلاَّ يَطْمَعَ فِينَا الشَّيْطَانُ، لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ.  12وَلَكِنْ لَمَّا جِئْتُ إلى تَرُوَاسَ، لأَجْلِ إِنْجِيلِ الْمَسِيحِ وَانْفَتَحَ لِي بَابٌ فِي الرَّبِّ.” (2كو2: 11، 12) ولا نزاع في إن الرسول هنا يضع المعمودية مكان الختان، فإذا قيل إن الختان في العهد القديم كان للذكور فقط، قلنا إن ذلك يرجع إلى إن الذكر كان رمزا لرعوية شعب الله، أما في المسيح فلا ذكر أو أنثى، إذا الجميع سواء، ولهذا السبب فنحن أيضانأكل المسيح فصحنا في العشاء الرباني، بالمعنى الروحي السامي، الذي يختلف عن الفصح..وكما إن الختان كان يرمز إلى الانفصال عن العالم، ودحرجة العار أو الشر التي تشير إليه العزلة، فان المعمودية التي حلت محل الختان، أشبه بالدفن مع المسح في القبر بعد الصلب، والقيام بحياة جديدة مباركو، معزولة عن الحياة الأولى.

خامسا – اعداد للمجد:وهذا يحولنا من أيام نوح وإبراهيم إلى أيام موسى إذا يقول الرسول بولس :” 2وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ 3وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَاماً وَاحِداً رُوحِيّاً(1كو10: 2، 3) وهذه المعمودية، كما يشير إليها الرسول بولس، وكما كان يعتقد الربيون اليهود، كانت تعني غسل ألامه بأكملها، حتى يمكن الدخول إلى ارض الموعد، ولذل أحاط بها البحر وظللتها سحابة السماء، والواضح إن المعمودية هنا كانت للكبار  والصغار من المنتسبين إلى رعوية شعب الله، شانها شان الختان الذي أشير إليه، وكان للكبار والصغار معا، الذين سقطت جثثهم في البرية، لعدم إيمانهم وتمردهم على الله.

 

سادسا- علامة ظاهرية:والمعمودية من ظاهر ما سبق علامة ظاهرية تدل على حقيقة داخلية، وغير خاف إن هذه العلامة لا تشير بالضرورة إلى الحقيقة الداخلية، إذا لا تلازم حتمي بين الاثنين بنص الكتاب، والواقع، فلو إن المعمودية كانت شرطا للخلاص لتحتم قيامها في العهد القديم إلى جانب الختان أو بدلا عنه.. وكما إن الختان لم يكن إلا رمزا أو إشارة إلى الإيمان، وليس بديلا عن هذا الإيمان أو يغني عنه كما أشار الرسول بولس بالقول:” 25فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّياً النَّامُوسَ فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً! 26إِذاً إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ أَفَمَا تُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَاناً؟ 27وَتَكُونُ الْغُرْلَةُ الَّتِي مِنَ الطَّبِيعَةِ وَهِيَ تُكَمِّلُ النَّامُوسَ تَدِينُكَ أَنْتَ الَّذِي فِي الْكِتَابِ وَالْخِتَانِ تَتَعَدَّى النَّامُوسَ؟ 28لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيّاً وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَاناً 29بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ.(رو2: 25-29). فإذا كان من الثابت إن إبراهيم دخل الإيمان وهو اغر، وان الختان لم يكن إلا العلامة الظاهرية لهذا الإيمان، وانه لم يعرف وغيره من المؤمنين في العهد القديم المعمودية كعلامة الدخول إلى الشركة المقدسة، إن الختان مع كونه العلامة التي يتحتم إظهارها في الجسد عند كل إسرائيلي إلا أنها لم تكن بشهادة الرسول دليل الإيمان وبرهانه، إذا وجد على العكس من ذلك بين الأمم من قبل وهو اغرل أمام الله لأنه كان مختون الحياة والقلب.. إذا كانت هذه الحقائق كلها واضحة  أدركنا إن المعمودية لا يمكن أن تكون إلا علامة ظاهرية لا غنى لها عن الإيمان أو فعل بدونه، وانه إذا استحال أو تعذر ممارستها لسبب من الأسباب فان الإيمان هو الشرط الوحيد للخلاص والتمتع بالأبدية.. وواضح كل الوضوح إن اللص الذي تاب وأمن وانطلق مع سيده إلى الفردوس في ذات يوم الصليب لم يعلق دخوله إلى المجد على أساس هذه المعمودية، كما لا يمكن أن يقال بتاتا  إن في هذه العلامة الظاهرية، فاعلية ذاتية، وان كل من يعتمد ينال الخلاص، إذا فضلا عما في هذا القول من إهدار بشع للإيمان كالسبيل الوحيد للخلاص، فان الواقع والاختيار يصرخان على الدوام ضده، إذا يستحيل إن ملايين الفجار والآثمة والأشرار الذين كانت حياتهم مجموعة من الرزيلة والفساد، يستحيل إن يقال إن هؤلاء يخلصون  لمجرد إن الكنيسة عمدتهم صغارا كانوا أم كبارا في يوم من الأيام. فإذا ظن البعض إن قول المسيح لنيقوديموس يسعف حجتهم عندما قال: “«ﭐلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّهِ. (يو3: 5). قلنا إن هذه الحجة ضدهم لا معهم، إذا إن المسيح إن صح انه يشير هنا إلى المعمودية بالماء، بين عدم كفايتها وجدواها من غير الولادة من الروح، وبما إن الولادة من الروح لا تخضع لقاعدة أو مشورة بشرية إذا : “            8اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا لَكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إلى أَيْنَ تَذْهَبُ. هَكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ». (يو3: 8). تبين سقوط القول إن المعمودية ذات مفعولية ذاتية، ومجددة بمجرد حدوثها.. في الواقع إن إشارة المسيح هنا للماء إشارة رمزية للتطهير والاغتسال الذي يصاحب الولادة الجديدة، ويتأكد هذا مما فعله عندما غسل أرجل التلاميذ عشية ذلك اليوم الذي اسلم فيه، وقوله لبطرس الذي اعترض على غسل رجليه : “8قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَداً!» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «أن كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ»…. 10قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إلى غَسْلِ رِجْلَيْهِ بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ».(يو13: 8 و 10). ومستحيل أن يكون المسيح قد قصد بمجرد هذا العمل الظاهر الخارجي الذي عمله مع التلاميذ، مما يغني عن الحقيقة الداخلية الأساسية المرموز إليها بغسل الأرجل بالماء. ومن كل هذا يتبين إن المعمودية ليست إلا رمزا ظاهريا يشير إلى مرموز داخلي في حياة الإنسان وقلبه.

سابعا- مسئولية حتمية:  وأخر ما تشير إليه المعمودية في معناه المسيحي هو مسئولية المعتمد تجاه من له، ممن لم يدرك بعد معنى المسئولية، أو في لغة أخرى مسئولية المعتمد تجاه الأطفال الصغار وضرورة تنشئتهم وتربيتهم في الحياة المسيحية.. ومن هنا سار التساؤل: هل تجوز معمودية الأطفال؟ وقد وقفت بعض المذاهب المسيحية ضد هذه المعمودية، بدعوى إن الأساس في المعمودية أنها رمز يشير إلى حقيقة، وما لم تثبت الحقيقة فلا يصح الإشارة إليها برمز، كما قالوا إن المعمودية تلحق بالإيمان، لا العكس، إذا جاء قول السيد: “من امن واعتمد خلص” (مر16: 16). وأضافوا إن الخصي الحبشي، وليديا، وسجان فيلبي وغيرهم عمدوا بعد قبل الإيمان، وعليه فلا يجوز معمودية الصغار ممن لم يدركوا بعد الإيمان المسيحي والولادة الجديدة.. وكل ما قيل هنا حق تماما فيما يتعلق بمعمودية الكبار والبالغين، غير إن من يرفضون معمودية الصغار فاتتهم بعض الحقائق الكتابية الأخرى وهي:

أولا: إن المعمودية حلت محل الختان في العهد القديم كما سلفت الإشارة، وان الختان كان يشمل بالأمر الإلهي الكبار والصغار معا، وكان من المفروض ن يختتن الأب ابنه في اليوم الثامن من ميلاده، إذا تحسب عليه رعوية شعب الله من قبل إن يعرف خيرا أو شرا، وان الأب مسئول عن تعليم الابن وتنشئته في الإيمان حتى يدرك هذا الابن مسئوليته، فتتحول العلاقة مباشرة بينه وبين الله، وبهذا المعنى عينه يتحمل الأب المسيحي مسئوليته عن ابنه، حتى تنتقل هذه المسئولية بالإدراك إلى الابن بوعيه ومعرفته.. ومن الغريب إن يسلم هؤلاء الذين يرفضون المعمودية للصغار بمسيحية أولادهم في شهادات ميلاد هم في مختلف الأقطار والبلاد، فيكتبون أمامهم أنهم مسيحيون، ولو ساروا وراء ذلك المنطق والمبدأ الذي اعتنقوه في المعمودية لكتبوا أمام  الدين لا دين لهم، حتى يتبين إن كانوا سيصبحون مسيحيين حقا أم لا . في الواقع انه لا مندوحة في إن تبسط الكنيسة المسيحية  ظلها على الكبار والصغار معا، أما الكبار فعلى أساس المستولية  الذاتية والإدراك الواعي، أما الصغار فعلى أساس المسئولية العائلية للوالدين أو لأحدهما، كما جاء في قول الرسول: “14لأَنَّ الرَّجُلَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي الرَّجُلِ – وَإِلاَّ فَأَوْلاَدُكُمْ نَجِسُونَ. وَأَمَّا الآنَ فَهُمْ مقدس. (1كو7: 14 ).

ثانيا: إن الرسل لم يترددوا قط بناء على هذه القاعدة لا في تعميد رب البيت ممن قبل الإيمان المسيحي، بل في تعميد البيت كله، باعتبار إن دخول الإيمان إلى البيت يشمل جميع من فيه بالتبعية. ولو إن قاعدة معمودية الكبار ممن ثبت إيمانهم كانت قائمة في أذهان الرسل لما عمدوهم إلا إفرادا، ولتريثوا في اقل القليل في معمودية الآخرين من أهل البيت، غير إننا نرى ليديا لما قبلت الإيمان ” اعتمدت هي وأهل بيتها” (اع16: 15). وكذلك سجان فيلبي الذي قيل عنه: “ واعتمد في الحال هو والذين له أجمعون” (اع16 : 33). وبيت استفانوس أيضا: “وعمدت أيضا بيت استفانوس” (1كو1: 16).

ثالثا: وأكثر من ذلك فقد وجدت عادة قديمة شاعت أيام الاضطهاد، إذا كان يحدث إن يؤمن البعض بالمسيح، وقبل إن يعمدوا كانوا يستشهدون، فنشأت عادة المعمودية بالنيابة التي أشار إليها الرسول في القول: “ وإلا فماذا يصنع الذين يعتمدون من اجل الأموات، إن كان الأموات لا يقومون  البتة فلماذا يعتمدون من اجل الأموات.”  (1كو16: 39). ومع ذلك لم يتبن في كلام الرسول تأييده أو اعتراضه على هذه العادة، إلا إن أهميتها التاريخية لا تخفى على البال، فإذا كانت معمودية الموتى النيابية جائزة أفلا تجوز معمودية الأطفال تحت وصاية ومسئولية إبائهم المسيحيين.

رابعا: فإذا رجعنا إلى واقع التاريخ المسيحي، رأينا بما لا يقبل منازعة، إن معمودية الصغار كانت الفريضة المسيحية التي مارستها العائلات المسيحية منذ فجر التاريخ المسيحي، ففي أواخر القرن الثاني المسيحي، كان الخلاف بين كبريانوس وترتليانوس، إن كبريانوس كان يصر على تعميد الطفل حتى اليوم الثامن من عمره، بينما يطلب ترتليانوس إن يعمد الطفل  عندما يعي معنى المعمودية، ونحن لا يعنينا مدى الخلاف بين الاثنين إلا في إثبات إن الكنيسة المسحية كانت تعمد منذ البداءة الأطفال من صغرهم، ثم جاء غريغوري النايزنزي بعد ذلك مصرا على إن نضع ختم المعمودية على أولادنا، لكي نعدهم من الطفولة المبكرة للحياة المسيحية والإيمان المسيحي، كما إن امبروز حتم بالمعمودية الصغار لا لتطهيرهم من خطاياهم الموروثة، بل لإعدادهم لملكوت الله، وأكد اغسطينوس الخطية الأصلية في الأطفال، وان المعمودية رمز يشير إلى اغتسالهم منها بالإيمان المسيحي فيما بعد. وسار جيروم أيضا وراء تعليم اوغسطينوس  في هذا الشأن .. وأيا كانت أفكار أو تفسيرات هؤلاء القديسين القدامى، مما لا يقبل الجدال في التاريخ المسيحي أعلن منذ بدء المسيحية معمودية الأطفال.

3- المعمودية وكيفية ممارستها

أما وقد أدركنا معنى المعمودية ومدلولها بالنسبة للكبار والصغار معا، تعين السؤال بعد ذلك عن كيفية ممارستها، وهذا يقتضينا معرفة من يحق له تعميد الآخرين، وبأي صورة يتم هذا العماد.

أما من جهة من يتولى المعمودية فواضح إن المسيح ترك الأمر للتلاميذ الذين يتولون تبشير الآخرين وتحويلهم إلى الإيمان المسيحي: “19فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.” (مت28: 19) وقد مارس فيلبس هذا الحق وهو شماس مع الخصي الحبشي وزير كنداكة: “فنزلا كلاهما إلى الماء فيلبس والخصي فعمده” (اع8: 38). وقد بين الرسول بولس إن له هذا الحق، وان كان قد درج على عدم القيام به كثيرا، إذا قال: “14أَشْكُرُ اللهَ أَنِّي لَمْ أُعَمِّدْ أَحَداً مِنْكُمْ إِلاَّ كِرِيسْبُسَ وَغَايُسَ 15حَتَّى لاَ يَقُولَ أَحَدٌ إِنِّي عَمَّدْتُ بِاسْمِي. 16وَعَمَّدْتُ أيضا بَيْتَ اسْتِفَانُوسَ. عَدَا ذَلِكَ لَسْتُ أَعْلَمُ هَلْ عَمَّدْتُ أَحَداً آخَرَ 17لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُرْسِلْنِي لأُعَمِّدَ بَلْ لأُبَشِّرَ.”بل لأبشر(1كو1: 14 – 17 ). ومن كل ما ذكر يتبن إن القيام بالمعمودية ليس حقا مشاعا لكل مسيحي بل هو للمخصصين للكرازة وللرعاة، وان كان في الوقت نفسه لم يعط الرسول هذا العمل ذات الأهمية التي أعطاها للكرازة والتبشير، ومع إن عمل الشماس الأساسي لا يتصل بقريب أو من  بعيد بعملية المعمودية، إلا أن فيلبس الشماس  قام به في البرية، مما يشجع على الاعتقاد بأنه في مثل هذه الحالات التي يتعذر فيها وجود رعاة وخدام للكلمة يجوز أن يتولى القيام بالمعمودية أي مسيحي من المؤمنين المتقدمين.

 

أما بأي صورة تتم المعمودية، وهل بالتغطيس أو بالسكب أم بالرش؟ فواضح إن الكتاب لم يعين صورة محددة للأمر، ومع ذلك فان بعض المذاهب المسيحية تصر على التغطيس مأخوذة، تدري أو لا تدري، بمعمودية يوحنا التي درج على القيام بها في نهر الأردن، وان المسيح اعتمد هناك، ومع إن المعمودية تختلف إلى حد ما عن المعمودية المسيحية، فإنها لم تعطنا صور قاطعة عن كيفية ممارسة يوحنا لها في ذلك الوقت، وهب إن معمودية يوحنا كانت بالتغطيس لوجوده على مقربة من النهر، فهل يستطيع احد أن يقطع أن معمودية الثلاثة آلاف يوم الخمسين كانت بالتغطيس!؟ وأين حدث هذا؟وكيف تم في يوم واحد وفيهم الرجال والنساء والكبار والصغار معا؟!!. ومن ذا الذي يمكن أن يجزم إن معمودية إن معمودية بولس في بيت يهوذا في دمشق” (اع9: 18) “ ومعمودية كرينليوس في بيته” (اع10: 48) كانت جميعا بالتغطيس؟ قد يقول البعض أن التغطيس يرجع إلى القول: “فدفنا معه في المعمودية للموت” (رو6: 4) غير إن هذه الحجة قد تكون قاطعة في تأكيد التغطيس كالوسيلة الوحيدة للمعمودية، إذا تنهض في مواجهتها حجة أخرى مفادها، إن “الغسل” الذي استعملت فيه ذات الكلمة المخصصة للمعمودية واشرنا  إليها في (مر7: 4)، (عب9: 10)، لا يمكن أن يفيد التغطيس، إذا لا  يعقا أن جميع الأواني المشار إليها والأطعمة تغسل بالتغطيس حتى ولو كانت أسرة. وعليه فحيث أن اللفظ لا يقطع بالاغتسال بوسيلة معينة، وحيث انه لا يوجد نص صريح يعين طريقة المعمودية وصورتها، حيث أن  الأساس هو في المعمودية ذاتها، لا في الصورة التي تمارس بها، كان القول بالتغطيس دون غيره تحميلا للمعاني الكتابية  أكثر مما تحتمل، وكان من الجائز ممارسة المعمودية على أي صورة ممكنة من التغطيس  أو  السكب أو الرش على حد سواء.

4- المعمودية وأهمية ممارستها

وأخر ما نذكر عن المعمودية هو أهميتها وضرورة ممارستها، ولا حاجة إلى القول أن هذه الأهمية ترجع إلى بادئ ذي بدء إلى أمر المسيح الواضح الصريح بممارستها والى المعاني المتعددة المتضمنة لها، والى جلالها في جمع شمل المسيحيين جميعا تحت راية الولاء للرب يسوع المسح، وربطهم بعضهم البعض من كل امة وجنس ولسان، مما يمكن معه القول: “رب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة” (اف4: 5). فإذا قلل احد من معنى هذه الممارسة أو وجوبها بقصد أو من غير قصد، ارتكب من غير شك خطأ  فاحشا بل وخطيئة نكراء، وإذا امتنع أي شخص ينتسب إلى المسيحية عن قبولها ، وليس ثمة ما يعطل أو يجعل ممارستها متعذرا كان مرتكبا ذات الخطى أو الخطية.

على انه في الوقت ذاته لا خطا أو خطية على المؤمن المسيحي الذي تعلق بالإيمان ومات قبل أن تتاح له الفرصة لممارستها، كما اشرنا أنفا إلى اللص التائب أو الشهداء، ولا خطا أو خطية كذلك على الأطفال الصغار الذين يموتون دون معمودية، إذا أن خلاصهم متحقق بفداء المسيح الذي رفع عنهم على الصليب، عقوبة الخطية الموروثة من ادم، وبما أن هؤلاء الأطفال لم يمارسوا أية خطية فعلية، وعدالة الله لا يمكن أن تحاسبهم على ذنب لم يجنوه، ومسئولية لم يعرفوها أو يختبروها، وعمل لم يأتوا به أو يقصدوه، كان القول بان موتهم دون معمودية لا يعطيهم الخلاص، ليس مجافيا فقط لكل منطق، بل فيه تعريض غير كريم وشنيع بجميع الصفات الإلهية المنسوبة إلى الله. وحاشا لذاته الإلهية الكريمة من ذلك!!..

ولعلنا لا نعجب بعد كل ما ذكر عن هذه الفريضة من اخذ مكانتها السامية الأساسية الهامة في الإيمان المسيحي.

ثانيا : فريضة العشاء الرباني

والفريضة المسيحية الثانية التي أمر بها الرب يسوع هي فريضة العشاء الرباني ويمكن متابعة هذه الفريضة فيما يلي:

1- العشاء الرباني ومعناه المسيحي

وللعشاء الرباني بالنسبة للمسيحيين أكثر من معنى فهو:

أولا: “عهد” بين المسيح وإتباعه وتلاميذه من المؤمنين في كل جيل وعصر، وهو مكتوب بالدم، عهد الجود والإحسان والغفران. وهو بهذا المعنى أكثر عمقا وابعد امتدادا عن العهد الذي قام بين الله وشعبه عندما اخذ موسى: “7وَأَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ. فَقَالُوا: «كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ». 8وَأَخَذَ مُوسَى الدَّمَ وَرَشَّ عَلَى الشَّعْبِ وَقَالَ: «هُوَذَا دَمُ الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ الرَّبُّ مَعَكُمْ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الأَقْوَالِ». (خر24: 7، 8). وغير خاف أن العشاء الرباني حل محل الفصح اليهودي، ويأخذ في الحياة المسيحية معنى أعمق أثرا وابعد مدى من الفصح القديم، إذا أن الفصح القديم في كل طقسيته وفروضه لم يكن إلا رمزا للمسيح: “فصحنا الذي ذبح من اجلنا”. وقد كان الفصح عند اليهود يبدأ من 14 نيسان، وهذا الشهر أضحى أول شهور السنة العبرية، إذا هو بمثابة مولد الأمة وتاريخها الجديد، وكانوا يأتون بحمل بلا عيب، ذكر، ابن سنة، ويضعونه تحت الحفظ إلى اليوم الرابع عشر ثم يذبحه الجمهور ويأخذون من الدم ويجعلونه على القائمتين والعتبة العليا إشارة إلى الفداء بالدم، المعد بترتيب سابق، كما كانوا يأكلون الحمل على إعشاب مرة، رمزا للتخلص من حياة العبودية ويأكلون الفطير معيدين: “8إِذاً لِنُعَيِّدْ لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ. 8إِذاً لِنُعَيِّدْ لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ.”           (1كو5: 8) وكانوا يفعلون كل هذا واحقاؤهم ممنطقة وعصيهم في أيديهم رمزا للتخلص من كل عائق والتأهب للانطلاق إلى ارض الموعد..  وهذه الإشارات كلها تساعد -في المجال المسيحي- على إدراك معنى العهد القائم بيننا وبين سيدنا، إذا هو عهد  الدم المسفوك عنا على الصليب، والمعروف والمعد في علم الله السابق قبل تأسيس العالم، والذي يشير إلى ولائنا الكامل المطلق للسيد والاستعداد التام لتنفيذ ما يطلبه منا، مهما يكن الثمن الذي ندفعه في سبيل هذا الطلب.

ثانيا: شركة كما يقول الرسول: “16كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ (1كو10: 16)أي أن  العشاء في قوة هذا العهد يتحول إلى شركة دائمة حية مستمرة تقوم بيننا وبين سيدنا وبين بعضنا مع البعض، فكلما نتناول العشاء نذكر هذه الشركة العظيمة المباركة، ومن الواضح أن المسيح أسس هذه الشركة وطبعها بطابع خاص مميز، فهو لم يربطنا بنفسه ويبعضنا البعض بشيء عام مما تركه في حياته من تعاليم أو مبادئ أو مثل، مع إنها جميعا وبلا شك ترسم معالم المسيحية.. ولكنه خصص بالذات الشيء الأهم في المسيحية ليكون أساس هذه الشركة ومظهرها وطابعها ورسمها المعين أمام جميع الناس، ونعني به الفداء عندما بذل جسده وحياته من اجلنا…

ثالثا: “شكر” أو “افخارستيا” وقد اخذ هذا اللقب عندما : “اخذ يسوع وبارك. واخذ ألكاس وشكر” (مت26: 26، 27). ومن ثم دعي كاس البركة أو كاس الشكر، وقد بارك المسيح الخبز وقد شكر على ألكاس، لأجل تدبير الله العظيم للخلاص، ولأجل محبته العظمى التي سارت بها إلى الصليب، ولأجل فداء الملايين من المخلصين وأبناء الله في كل جيل وعصر.. وهل نكون نحن ممن تناول هذا العشاء الرباني المجيد اقل إحساس بالشكر أم نهتف من الأعماق  : “فشكر لله على عطيته التي لا يعبر عنها” (2كو9: 15).

رابعا: “تذكار”: “19وَأَخَذَ خُبْزاً وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي».(لو22: 19) ولعله من اللازم أن نعلم أن هذه الذكرى ليست مجرد ذكرى تاريخية للصليب بل هي تذكار حي فال يقوم إمام ذهن الإنسان  ومشاعره ويبدو في الصليب اختبارا متجددا في الحياة  يمكن إزاءه القول: “20مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإيمان، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي.(غل2: 20).

خامسا: “تقدمة” وكثيرا ما أطلق على العشاء الرباني “التقدمة”

إذا كان يشير كما سلف القول إلى عطية الله التي لا يعبر عنها، وقد ألف المسيحيون أن يقرنوا ممارستهم للمائدة بالكثير من العطايا والمتقدمات التي درجوا على تقديمها للكنائس والفقراء عرفانا بالجميل وتذكارا وإجلالا لعطية الله العظمى والمباركة في المسيح.

هذه هي أشهر معاني العشاء الرباني ومدلولاته عند المسيحيين

2- العشاء الرباني واستحقاق تناوله

أما وقد أدركنا معاني العشاء الرباني عند المسيحيين تعين أن نسال بعد ذلك من يجوز له تناوله هذا العشاء؟ وواضح: 

أولا:إن هذا العشاء للمؤمنين، إذا لا يجوز لغيرهم تناوله. وكيف يستطيع هذا الغير الاشتراك في مائدته وهو كما أسلفا القول بمثابة العهد والشركة والشكر والتذكار والتقدمة لكل متناوليه. ومن المعتقد أن يهوذا الاسخريوطي لهذا السبب، وان كان قد تناول من الفصح، إلا انه لم يتناول من العشاء، إذا خرج من صفوف التلاميذ  بعد أن أعطاه السيد اللقمة، ودخله الشيطان، وبقى التلاميذ مع سيدهم ليمارسوا أول فريضة للعشاء الرباني في كل التاريخ.

ثانيا: ويشترط في المؤمنين أيضا أن يكونوا مجهزين للعشاء ومستعدين، أو في لغة أخرى ينبغي أن يشعروا بالاستحقاق للاقتراب من المائدة: “27إِذاً أَيُّ مَنْ أَكَلَ هَذَا الْخُبْزَ أو شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يَكُونُ مُجْرِماً فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ!!… 29لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ.(1كو11: 27، 29) وما من شك بان كلمة “استحقاق” قد أثارت عند الكثيرين من المسيحيين  ارتباكا وحيرة وقلقا، إذا متى يمكن أن يكون الإنسان مستحقا لتناول المائدة  أو غير مستحق!!.. ومن الثابت بادئ ذي بدء إن الاستحقاق هنا ليس الاستحقاق الذاتي، إذا ليس فينا واحد على الإطلاق له في ذاتيته  أو شخصه ما يؤهله من الاقتراب من المائدة، إذا إن أساس الاقتراب إليها هو الخلوة من كل بر ذاتي، والحاجة إلى الفداء بالدم.. إن الاستحقاق هنا – على العكس – هو الاستحقاق النيابي الذي يندمج فيه الإنسان في شخص فاديه، فيحسب استحقاق المسيح استحقاقا له وبر المسيح برا كاملا لشخصه. ولهذا السبب عينه ينبغي ألا يفهم من الاستحقاق معنى الكمال وإلا لما حق لمخلوق أن يجلس على المائدة، ولما وجد واحد من تلاميذ المسيح القدامى آهلا للاقتراب منها. أو كما قال واتكنسن بحق: “كم كان هؤلاء التلاميذ غير مستحقين، فتوما الشاك، وبطرس المتهور الضعيف، ويوحنا الحاد العاطفة، كل منهم كانت له بقعة سوداء في قلبه. لكن السيد رأى وراء أخطاءهم إمكانيتهم اللامعة، فدعاهم إلى مائدته وشركته ولأجل ذلك شربوا. وهكذا نحن الآن ولو إن المسيح دعا الكاملين إلى مائدته لجلس هو وحده عليها، ولكنه قبل نفوس مخلصة، مهما تكن أخطاؤها”. لقد سمح المسيح لتلاميذه بالتناول من المائدة الربانية رغم علمه بأنهم سيهربون منه وشيكا ويتركونه لمواجهة الصليب، إذا أدرك في الوقت ذاته مدى محبتهم له، وعدم إصرارهم على خطية معينة يمكن أن تعطل إيمانهم وتفصم ربطهم وولائهم به. أو في لغة أخرى أن المسيح على استعداد أن يقدم المائدة لكل نفس تأتي مقرة بضعفها تنشد الاقتراب أكثر فأكثر منه، ومن صليبه وروحه ومجده، أما الاقتراب إلى المائدة باستهتار وعدم مبالاة فلا يمكن أن يذهب دون عقاب من الله. ومن ثم رأينا الرسول بولس يرجع أسباب الفشل والاضطراب  والموت عند الكثيرين لهذا السبب  إذا يقول: “30مِنْ أَجْلِ هَذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ. 31لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا 32وَلَكِنْ إذا قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ.            (1كو 11: 30-32).

3- العشاء الرباني ومعنى تناوله

والسؤال الآن: بأي معنى يتناول المؤمنون هذا العشاء؟ إذا اختلف المسيحيون في فهم هذا المعنى، وقامت أربع نظريات مختلفة بشأنه:

1- الذكرى

وهي النظرية التي امن بها زوينجلي والارمينيون والسوسيتيون، وتقوم على أن العشاء الرباني ليس ألا مجرد ذكرى تبين من قول المسيح: “اصنعوا هذا لذكري” وعندما اختلف لوثر وزوينجلي في الأمر، وقال لوثر: “كيف يمكن أن يتفق هذا مع قول المسيح: “هذا هو جسدي” أجاب زوينجلي : “إن التعبير هنا ضرب من المجاز كقول المسيح أيضا ليوحنا عن العذراء: “هوذا أمك” (يو19: 36) ومن ثم فالعشاء عن زوينجلي  مجرد علامة ليس لها أدنى فاعلية ليس لها أدنى فاعلية ذاتية، وخالية من حضور المسيح المصاحب لها روحيا أو جسديا على الإطلاق، وهو لهذا لا يمكن أن يكون من وسائط النعمة. وهذا الرأي ولا شك ضعيف   ومنهار، إذا إن العشاء الرباني أكثر من مجرد ذكرى تاريخية لحادث مضى ما يقرب من ألفي عام، وعلاقة المسيح وأتباعه لا تقف في العادة عند مغابن الماضي أو دهاليز القرون، بل هي العلاقة التي تمتد من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل القريب والبعيد، ودور العشاء في هذه العلاقة دور فعال أكثر من يكون مجرد ذكرى.

ب- الحلولية

وهي النظرية التي اخذ بها مارتن لوثر،  وقوامها حلو المسيح جسديا على كيفية خارقة للعادة في الخبز والكأس، وانه وان كان هذان يبقيان كما هما دون تغيير في مادتيهما، ألا إن المؤمن يتناول بالإيمان جسد المسيح ودمه الحال فيهما، ولهذا فالخبز والكأس فاعلية ذاتية حقيقة، وتأثير فعلي في كل من يقبلهما ويتناولهما بهذا الإيمان، وواضح أن لوثر وقف في الوسط بين “الذكرى” “والاستحالة” فهو يرفض أن يكون العشاء الرباني مجرد ذكرى، كما يأبى أن يقبل تحول هذا العشاء فعلا  وحسا إلى جسد الرب ودمه، غير إن هذه الحلولية التي امن بها لوثر يظهر يها طابع الإبداع والتخيل، إذا ليس لها من سند كتابي أو واقعي على الإطلاق، ولوثر في الحقيقة يحاول حل المشكلة بمشكلة ليست اقل تعقيدا أو عسرا، إذا إن الحلول الجسدي السري في الخبز والكأس ليس اقل صعوبة من تحولهما فعلا إلى جسد الرب ودمه. ومن ثم عجزت نظريته عن أن تضع التفسير الوافي الصحيح لحقيقة الخبز والكأس على المائدة الربانية.

ج – الاستحالة

والنظرية الثالثة التي تأخذ بها الكنائس  التقليدية تقوم على فكرة الاستحالة، أو إن الخبز والكأس يتحولان “فعلا مفعولا” إلى جس الرب ودمه، وان في العشاء نعمة ذاتية لا تتوقف على إيمان المتناول، بل على عدم  مقاومته لها، وانه بمجرد تلفظ الكاهن بالقول: “هذا هو جسدي”  “هذا هو دمي”  يستحيلان كلاهما إلى جسد الرب ودمه حقيقة، ولا يعودان بعد خبزا وكأسا وقد دعي العشاء لذلك “ذبيحة القداس” وهي ذبيحة حقيقية كفارية لا تتوقف استحالتها على حياة الكاهن أو أفعاله الشخصية، مادامت الكنيسة قد أقامته  في منصبه الكهنوتي  بعد رسامة صحيحة..

على إن الكنائس البروتستانتية لا تسلم على الإطلاق بفكرة الاستحالة لأكثر من سبب:

1- السبب التاريخي

إن تعليم الاستحالة في التاريخ  الكنسي تعليم محدث متأخر طارئ، والكنائس البروتستانتية تواجه التقليديين في هذا الأمر بمعظم أبطال وقادة الكنيسة الأولى  الذين لم يعترفوا بفكرة الاستحالة، أو يتمسكوا بها ففضلا على انه ليس في مؤلفات اكليمندوس واوريجانوس وترتليانوس وكبريانوس ما يشير إليها فان يوسابيوس  القيصري قال عام 330م : “إن تذكار ذبيحة المسيح على مائدته بواسطة ” رموز الجسد والدم” وبين اثناسيوس عام 270 م في شرح الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا ” إننا نأكل جسد المسيح ونشرب دمه إذا صار لنا شركة بالكلمة والحكمة بواسطة  تجسده وحياته البشرية ط. وقال غريغوري النازينزي عام 380م : إن عناصر الافخارستيا رموز جسد المسيح ودمه” وقال يوحنا فم الذهب عام 400م  : “إن الخبز المقدس يستحق أن يسمى جسد الرب، مع إن الخبز لم يزل حقيقته” وقال اوغسطينوس عام 420م : إن قول المسيح انه يعطينا جسده لنأكل  لا يجوز فهمه جسديا، لان نعمته لا تقبل بالأسنان وان قول المسيح “هذا هو جسدي” كان بمعنى إن الخبز وضع علامة لجسده وذكرى الوليمة التي فيها قدم ” المسيح لتلاميذه جسده ودمه مجازا”. وقال ثاودوريثوس عام 450م : “إن العناصر إنما هي رموز سرية ” وقال غيلاسيوس عام 495م  : “إن جوهر الخبز وجوهر الخمر لا يزالان فيهما، فالحق إننا نحتفل بالإسرار المقدسة بصورة جسد المسيح ودمه ورمزهما”  أما قول يوستنياس وايرانيوس وكيرلس الأورشليمي ففيها من الرمزية والمجاز مما هو أدنى إلى الحلولية التي اخذ بها لوثر لا إلى الاستحالة، ولا يمكن القطع بتاتا بأنهم أشاروا إلى تغير جوهر الخبز والكأس.

ومن الملاحظ إلى جانب هذا إن الكنيسة الشرقية كانت تؤمن حتى مجمع القسطنطينية المنعقد في عام 754م بان العناصر في الافخارستية إنما هي بمنزلة رموز وإشارات، ولم تأخذ في التحول عن هذا الرأي  ألا مع المجمع النيقوي الثاني الذي حكم سنة 787م بجواز اعتبار العناصر رموزا قبل تقديسها لا بعدها. أما الكنيسة الغربية فلم تأخذ بالفكر على نسق تعليمي ألا من منتصف القرن التاسع حيث ألف باسخاسيوس رادبرتس كتابه الخاص حول: “جسد الرب ودمه” مؤمنا بفكرة الاستحالة، وفي الخال قاومه معاصروه من اللاهوتيين  أمثال سكوتس اريجينا وموريس واسترابو ودروثمار وماجستر وراترامنس الذي وضع كتابا لتفنيد أقوال باسخاسيوس وقال: “أما من جهة الجواهر المادية  فكما كانت قبل التقديس لم تزل كذلك بعده”. وقال اريجينا في تعلق المسيح بالافخارستيا نصه: “نقدمه روحيا ونأكله عقليا بالذهن لا بالأسنان”. ولم تسلم الكنيسة الكاثوليكية بهذه العقيدة إلا في السنودس الروماني عام 1079. ومن وقتها اخذ التعليم بالاستحالة يتغلغل فيها حتى صرح به قانونيا في المجمع اللاتراني الرابع عام 1215م. ومن كل ما ذكر يتبن إن التعليم لم يعرف إلا في العصور المتأخرة في الكنيسة وليس له من سند عند معظم أبطال ومشاهير الكنيسة الأولى.

2- السبب الكتابي

وهذا السبب في عقيدتنا أهم وأعظم من السبب التاريخي، إذا يستند على الوحي الإلهي نفسه وتفسير الكلمة المقدسة، والمنادون بفكرة “الاستحالة” يتمسكون بحرفية قول المسيح ” هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم: “«هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي». 20وَكَذَلِكَ الْكَأْسَ أيضا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: «هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ. (لو22: 19، 20). غير انه لا يمكن الأخذ بهذه الحرفية، لان الأخذ بها يعني إن الصليب قد تم قبل ميعاده، وان المسيح إذا كسر الخبز وقدم ألكاس في العلية معناه إن جسده المكسور ودمه المسفوك قد قدما في العلية، وان العملية كلها تمت بكيفية ما قبل إن يعلق مخلصنا على الصليب، وقبل إن تدق المسامير في يديه ورجليه، وقبل إن يطعن بالحربة في جنبه. وهذا ما لا يستطيع مسيحي واحد إن التسليم به، فكيف يصح القول: “هذا هو جسدي المكسور لأجلكم  هذه ألكاس هي العهد الجديد بدمي” (1كو 11: 24، 25) لجسد لم يكسر بعد، ودم لم يسفك بعد!؟ وبأي معنى يمكن إن يكون الجسد في الوقت نفسه صحيحا ومكسورا، والدم مسفوكا وغير مسفوك!؟ والأخذ بالحرفية تقتضي التساؤل عما إذا كانت هذه الحرفية تلحق بالأوصاف والألقاب التي أشار بها المسح إلى نفسه كالقول: أنا نور العالم” “أنا خبز الحياة” أنا باب الخراف” “أنا الكرمة”  وما أشبه، ولم يمكن إن تكون هذه من قبيل المجاز دون الخبز والكأس في مائدة الرب!؟… وإذا كان المسيح يقصد جسده حرفيا عندما قال: “هذا هو جسدي. هذا هو دمي” وإذا كانت كلمته قد حولت ألكاس إلى دم فعلا – كما هو المعتقد عند التقليديين في إن الجسد والكأس يستحيلان بمجرد نطق الكاهن – فلماذا يطلق المسيح على ألكاس بعد ذلك حالا نتاج الكرمة في القول : “ وأقول لكم إني من ألان لا اشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما اشربه معكم جديدا في ملكوت أبي (مت26: 29) وإذا سرنا في طريق الحرفية هذه، فهل معنى ذلك إن ذبيحة الصليب تتكرر كل عشاء، وكيف ينسجم هذا مع قول رسول العبرانيين: “10فَبِهَذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً. 11وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَاراً كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. 12وَأَمَّا هَذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إلى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ، 13مُنْتَظِراً بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْهِ.”(عب10: 10-14)؟!!.. وإذا لم تكن هذه هي ذات ذبيحة الصليب فأية ذبيحة تكون!؟ وفي كلتا الحالتين هل هي ذبيحة مقترنة بالألم  شان كل ذبيحة، أم من غير الم!؟… وإذا كانت الأولى، فهل هي ذات إلام الفادي التي عانها على الصليب أم إلام أخرى!؟.. وهل يتكرر الم المسيح كلما مورست المائدة  في إي مكان أو زمان!؟ وإذا كانت الثانية، فما نوع هذه الذبيحة التي تخالف ذبيحة الصليب وكل ذبيحة على الإطلاق!؟.

في الواقع إن الاستحالة تواجه من العقبات الكتابية ما لا يستطاع تخطيته بتاتا، ولهذا أبت الكنيسة البروتستانتية جميعا التسليم بها.

3- السبب المنطقي

فإذا أضيف إلى ما سبق إن الاستحالة مضادة للحس، إذا إن الحس يشهد ببقاء الخبز والكأس على ما هما عليه دون تغير؟!! فإذا ما قيل إن شهادة الحس لا يمكن التعويل عليها في هذا المضمار، وان التغيير يقع في الجوهر لا في العرض، وانه بينما يتغير جوهر الخبز والكأس  إلى جسد المسيح ودمع، يبقى العرض كما هو دون تغير،  تسألنا كيف يتغير الجوهر ولا تغيير الإعراض؟. وإذا كان من المعتقد كما جاء في مجمع ترنت إن جسد المسيح ودمه مع نفسه الناطقة ولاهوته في كل دقيقة من الخبز، وفي كل قطرة من ألكاس، وان المؤمن يتناوله في كل جزء مسيحا كاملا، تعين إن نسال قبل التسليم بهذا الرأي عن الأساس الذي يستند إليه، أو الحجة التي يمكن إن يتمسك بها، وهل في قدرة مخلوق كائنا من كان إن يبتدع نظرية خاصة بالمسيح لا يمكن إن يسندها إلى وحي أو س أو عقل أو قياس!؟

ولهذه الأسباب السابقة الذكر لا تقبل الكنائس البروتستانتية جمعاء فكرة الاستحالة وترفضها تماما!!..

4- الشركة

والنظرية الأخيرة في العشاء الرباني هي نظرية الشركة الروحية وهي النظرية التي نجد أساسها الكتابي في قول الرسول: “16كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ 17فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ.(1كو10: 16-17). وواضح كما سلفت الإشارة إلى معنى هذه الشركة ومضمونها، إذا إن العشاء ليس مجرد ذكرى تربطنا بالمسيح، بل هي شركة يدعونا فيها إلى مائدته، لنشترك معه، ومع بعضنا  البعض على ذات الصورة التي تمت في العشاء الرباني الأول، وهذه الشركة مقدسة تباين وتنفصل عن إي شركة أخرى، ومن ثم قال فيها: “3وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَاماً وَاحِداً رُوحِيّاً 4وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَاباً وَاحِداً رُوحِيّاً – لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ.”(1كو10: 3 و 4). وذات المعنى القائل: “17فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ.”(1كو10: 17)  وكيف يمكن التسليم بهذا دون التسليم بالشركة الروحية التي تربطنا في المسيح الواحد: “ وأما انتم فجسد المسيح وأعضاؤه إفرادا” (1كو12: 37). ودون التسليم بالاشتراك الروحي” في الخبز الواحد” الذي هو عشاء الرب. وبذات المعنى المشار إليه سابقا في عرض تفسير القديس اثناسيوس لقول السيد في إنجيل يوحنا: “53فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «ﭐلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. 54مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ 55لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ. 56مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ.” (يو 6: 53-56) وعندما أوضح إن مناولة جسد المسيح ودمه حقيقة أمر لا يقبل، والمعنى الذي يقصده المسيح في فهم هذه الآيات لا يفهم  إلا روحيا.. وهي شركة فعالة تتوقف على حضور المسيح روحيا إي بالروح القدس وتأثيره في قلوب المشتركين حتى ينالوا جسد المسيح، على طريقة روحية، أما الجسد  الحقيقي للسيد فهو في السماء وهو ممجد، إنما يحضر هو مع شعبه على الأرض، وفي احتفال مائدته بروحه متضمنا في الوعد الدائم: “20لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أو ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ». (مت18: 20)..

هذه الشركة وحدها هي التي تجعل العشاء الرباني فترفعه إلى أقدس مكان الذكرى، فلا يضحى بعد مجرد ذكرى تاريخية لحادث الصليب، بل شركة حية نلتقي بها مع المسيح، ونخبر بموته إلى إن يجيء، وهي شركة تعطينا كافة الحلول للصعاب التي واجهت عقيدتي الحلولية والاستحالة، إذا تسلم بالأكل الروحي لجسد المسيح، والمأخوذ بالإيمان، وتحمي في الوقت نفسه من ابتداع نظريات غيبية من دن سند كتابي أو قياس  أو محاجة منطقية.. ومن ثم فنظرية الشركة الروحية هي النظرية التي يتعين الأخذ بها دون غيرها في تفسير عنصري العشاء الرباني ومعنى تناوله.

العشاء الرباني وكيفية تناوله

وأخر ما نذكر في الحديث عن العشاء الرباني هو كيفية تناوله. وهذا يقتضي على الأقل أن ندرك من هم المتناولون ومتى يتناولون؟!!كما يتعين فهم ماذا يتناولون وترتيب وتنظيم تناولهم المائدة المقدسة؟!! وقد بينا أن العشاء من حيث معناه والمستحقين له، لا يجوز أن يتناوله غير المؤمنين  المستعدين، والذين بلا لوم أو عثرة وان من يأخذه من غير معرفة أو فهم أو اعتراف بالإيمان المسيحي، أو من يأخذه وهو يحمل في نفسه خطية مستترة أو ظاهرة، أو ذنبا معينا يعرض نفسه لغضب الله وعقابه، ويكون مجرما في جسد الرب ودمه.

وعلى المؤمنين أن يتناولوا عنصري العشاء بالتعاقب كلا على حدة كما رسم المسيح العشاء الأول، ولذا فلا يجوز بتاتا خلط العنصرين كان يعطيا معا في ملعقة أو ما أشبه، كما لا يجوز الاقتصار على إعطاء الخبز دون ألكاس، والتفرقة بين الشعب وخدام الدين في الأمر، كما يظهر من البدعة التي أدخلت  إلى الكنيسة الكاثوليكية بعد ألف عام، ولم تصر حكما إلا في عام 1415م في مجمع كونستانس والقاضية بإعطاء الخبز فقط للعامة دون ألكاس، ومن العجيب أن المجمع المذكور يعترف بان هذه العادة لم تكن معروفة بالقول: “ومع إن الكنيسة الأولى كانت تتناول هذا السر بالعنصرين، دخلت هذه العادة، وهي إن المناولين يأخذون العنصرين، وإما الشعب فيتناول عنصر الخبز، ولان هذه العادة أدخلتها الكنيسة والآباء القديسون لأسباب مقنعة، وبقيت زمانا طويلا يجب أن تحسب حكمة وشريعة”… ولا يمكن أن يقال في تبرير الأمر أن تناول الخبز بناء غلى فكرة الاستحالة معناه تناول المسيح كاملا، إذا إن كمال السر قائم في كل دقيقة من الخبز أو كل قطرة من ألكاس، لأنه إذا صح  هذا  لما وجد مبرر غلى الإطلاق للتفرقة بين العامة وغير العامة في الأمر، أو إن عصير الكرمة يندر لما قد يصيب المحصول في بعض البلدان، أو يتكلف نفقات باهظة في نقله من مكان إلى مكان أخر في بعض البلاد الأخرى..لان هذه التعليلات إن صحت تنقصها حكمة المسيح الذي كان ولا شك لا يمكن أن تغيب عن فطنته عندما رسم الفريضة المقدسة… كما إن هؤلاء المتأخرين ممن ابتدعوا هذا النظام لا يمكن أن يكونوا أكثر حرصا وإجلالا للمائدة من السيد والرسل والكنيسة لألف عام على الأقل ممن مارسوا الفريضة بالعنصرين معا!!..

في الواقع انه لا يمكن ولا يحق لنا أن نغير أو نجزئ في طريق المسيح في ترتيب العشاء، فكما قدم  المسيح الخبز على ألكاس، وكما شكر على الخبز وبارك  ألكاس ينبغي أن نفعل نحن أيضا. وقد ظهر من عادة الكنيسة الأولى إنهم كانوا يلتزمون هذا النظام بدقة، وقد أمعنوا فيه لدرجة إنهم لدرجة إنهم يتناولون كما هو ظاهر من سفر الأعمال ورسالة كورنثوس الطعام قبله، فمن الغريب أن يجيء بعد ذلك في أخر الأيام من يبتدعون طرقا أخرى، أو يجزئون أو ينقصون من نظام المسيح الكامل!!..

وبما إن السيد لم يعين ميعادا لتناول هذه الفريضة، أن يدخل هذا الميعاد في نطاق القول: “26فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هَذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هَذِهِ الْكَأْسَ تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إلى أَنْ يَجِيءَ.”(1كو11: 26) فانه لهذا السبب يتحد  الميعاد حسب الاستعداد والملائمة، إذا يجوز تناول الفريضة كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر أو ما أشبه،بحسب الموائمة والترتيب، على انه في كل الحالات ينبغي أن يقوم الخدام المعينون للخدمة  بترتيب المائدة وإقامتها على إلا يكون اقتراب مواعيد ممارستها أو تباعدها ما يمكن أن يقلل من هيبتها وقدسيتها وجلالها وجمالها ونظامها. ولنعلم أخر الأمر إن السيد عندما جلس على المائدة وصنع هذه الفريضة يقف في كل العصور والأجيال مراقبا ألكاس وهي تنتقل حول المائدة من تلميذ إلى تلميذ، حتى تنتهي الدائرة العظيمة بنهاية الزمن والتاريخ  لتعود مرة أخرى  إلى يده، بكمال المفديين والمؤمنين، ويتحقق القول الكريم الذي قاله في تلك الليلة الخالدة: “29وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هَذَا إلى ذَلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيداً فِي مَلَكُوتِ أَبِي».(مت26: 29)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.