تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » نريد إسقاط النظام – صموئيل الأول 8

نريد إسقاط النظام – صموئيل الأول 8

الكاتب

 القس هانى سمير

راعى الكنيسة الإنجيلية بإبشادات

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر 

نريد إسقاط النظام

صموئيل الأول 8

          كان المطلب الرئيسي لثورة 25 يناير 2011م هو “نريد إسقاط النظام” عبارة رددها الشعب كثيرًا، ليس غريبًا أن تحدث هذه الثورة الغريب هو العكس، وبالفعل وصل الشعب المصري لحالة انفجار بسبب الفساد وانقسام البلد بين طرفين لا ثالث لهم، القسم الأول طبقة تملك المال وبالتالي تملك السلطة وهؤلاء لم يبالوا بالمصلحة العامة ولكن بمصلحتهم الخاصة فالبلد تخدمهم وليس العكس، وهذا ما كشفته الثورة من إهدار للمال العام وتم هذا من الذين اقسموا على حماية البلد وممتلكاته… الخ، وينطبق عليهم المثل الشعبي الدارج “حاميها حراميها،” القسم الثاني وهم الفقراء الذين ازدادوا فقرًا ومعاناةً بسبب قِلة الموارد ولعدم إحساس المسئولين بهم لأنهم يعيشون في برج عالي جدًا.

أحداث الثورة في أيامنا لها مبرراتها ولكن ما حدث في صموئيل الأول 8 بدأ بأسباب منطقية حقيقية ولكن مع مرور الوقت ظهرت دوافع الشعب غير النقية وراء هذه الأسباب لذا سأتكلم في ثلاثة نقاط رئيسية وهي:

أولاً: أسباب سقوط النظام (الأعداد 1- 5)

          بانتهاء الإصحاح السابع ينتهي عصر القضاة لكن مع بداية الإصحاح الثامن تبدأ فترة الإعداد للملكية، لقد كان صموئيل النبي رجلاً تقيًا منذ نعومة أظافره (1صم 3: 20- 21)، وكلما تقدم في العمر كان يقضي بين الشعب ويقدم الذبائح ليهوه لقد كان بالفعل ملئ بالنشاط ويقوم بكل دوره بأمانة ويوجد بين الإصحاح السابع والثامن حوالي 20 سنة تقريبًا فلقد كبر صموئيل ومع كِبر سنه قام بتعيين أولاده قضاة ليقوموا بواجبات أبيهم ويخدموا الشعب بكل ما هو عادل وفي الغالب كانوا أمناء في بداية حياتهم كقضاة ولكنَّ بريق المنصب أغواهم وبدءوا يلهثون وراء الامتيازات وتركوا المسئوليات وهذا حال معظم من هم في منصب وعلى سبيل المثال نجد بعض المرشحين لعضوية مجلس الشعب أو الشورى يقدمون برامج انتخابية رائعة كل ما تحتوى عليه هو لأجل خدمة الشعب ولكن عندما يعتلوا الكرسي يتحول هذا المنصب لخدمتهم ولا يوجد ولو جزء ضئيل لخدمة مصالح الشعب الغارق في دائرة كبيرة من الهموم والمشاكل، لذا قام شعب إسرائيل بثورة ضد أولاد عالي الكاهن وكانت أسبابهم منطقية ولكن دوافعهم غير نقية وكانت أسبابهم كالتالي:-

1- السبب الأول منطقي وهو أنهم لا يوافقون على اِعوجاج القضاء والرشوة. أليس هذا يتوافق مع ثورتنا اليوم؟

2- السبب الثاني منطقي ولكنه طرح بطريقة غير لائقة وهو أن صموئيل قد شاخ ولم يعد قادرًا على الخدمة فنحن لا نستفد منه بشيء، وهذا ليس غريبًا علينا اليوم لأننا كثيرًا ما ننسي رحلة عطاء أشخاص أفنوا حياتهم وشبابهم في خدمتنا ولكن عند تعرضهم لأول أزمة نلومهم ونعاملهم باِحتقار كأنهم أصبحوا بلا فائدة والمشكلة الحقيقية هنا تكمن في فكرة الأخذ والعطاء لقد تعودنا أن نأخذ دائمًا وبدون ثمن، لم يتذكر هذا الشعب كل ما قام به صموئيل النبي في شبابه، وكم من أشخاص خدمونا طوال حياتهم ومع شيخوختهم أغفلنا خدمتهم مثال الآباء المسنين ومعاملتنا لهم وكأنهم أصبحوا ثقل علينا.

3- السبب الأساسي وهو “لا نريد الله ملك علينا ولكننا نريد ملك مثل باقي الأمم ملكًا يقضي لنا”، لقد رفض الشعب حسني مبارك لأسبابهم المنطقية والواقعية وطالب الشعب بإسقاط النظام لكن ما الذي فعله الله ليعامل بهذه الطريقة القاسية لدرجة أن الشعب يطلب ملكًا أرضيًا بدلاً من الملك السماوي، أين الحكمة في مثل هذا الطلب؟ ونحن كثيرًا ما نقول لله “أبعد عنا وبمعرفة طرقك لا نسر” (أيوب 21: 14)، لقد استعجل الشعب مشيئة الله فلقد خطط الرب لإقامة ملك وأعطي الشعب الشرائع الخاصة بالملك في سفر (تثنية 17: 14- 20).

 

ثانيًا: رد فعل صموئيل والله (الأعداد 6- 9)

          لقد اغتاظ صموئيل بسبب مطلب الشعب ولكن قبل أن يأخذ أي قرار صلي للرب، وكان رد فعل صموئيل غير طبيعي فهذا الطلب كان لابد أن يواجهه صموئيل بأن الشعب جاحد ومتمرد وأن الله سوف يعاقبهم على قراراتهم، لكن موقف صموئيل أتسم بالحكمة لقد توجه لمن بيده الأمر وكان رد فعل الرب أغلب الظن لا يتوقعه صموئيل النبي وهو الاستجابة لتحقيق مطالب الشعب، وهنا نجد إلهنا العظيم يقدر قيمة العمل الجماعي ويحترم الحرية الإنسانية في مقابل تحمل مسئولية هذه الحرية، وهذا درس يجب أن يتعلمه كل من في منصب وهو “الخضوع لروح الجماعة،” فكيف ستكون قائدًا لمجموعة لا تريدك؟ لقد نسي الشعب كل ما فعله معهم الرب وكيف أنه حررهم من العبودية القاسية في أرض مصر؟ وكيف أنه كان معهم في البرية؟ وأخبر الرب صموئيل: بأنهم لم يرفضوك أنت بل رفضوني أنا، وابتدأ الرب يخبر نبيه برسالة هامة لكي يذيعها على مسامع الشعب عن مطالب الملك الذي سيحكمهم.

 

ثالثاً: الإصرار على المطالب برغم العواقب (الأعداد 10- 22)

          لقد كلم صموئيل الشعب بكل الكلام الذي أخبره به الرب وقال لهم ما الذي سوف يحتاجه الملك الأرضي؟ وكيف سيحكمهم؟ وكيف أن الجيش الذي سيفرحون به سوف يكون من أولادهم، وأيضًا يقومون بزراعة وحصاد أرض الملك، وآخرون يصنعون الأدوات الحربية والبنات يعملن طباخات وعطارات وخبازات… الخ، لقد حذر الرب الشعب على لسان صموئيل، ولكن الشعب أصر على التقليد الأعمى الذي لا يقدر العواقب لذلك قال لهم الرب:” فَتَصْرُخُونَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وَجْهِ مَلِكِكُمُ الَّذِي اخْتَرْتُمُوهُ لأَنْفُسِكُمْ، فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَكُمُ الرَّبُّ فِي ذلِكَ الْيَوْم”.  ولكن بالرغم من ذلك رفض الشعب وأصروا على مطلبهم بأن يكون بينهم ملك منهم مثل باقي الأمم يقضي لهم ويخرج أمامهم ويحارب حروبهم، ونسي الشعب أن الرب هو الذي كان يُعطيهم الانتصار على الشعوب الوثنية فالإنسان ليس بمقدرته شئ ونسوا أيضًا أنه بصلاة صموئيل للرب في المصفاة (1صم 7: 9) انتصروا على الفلسطينيين بدون أي جهد منهم. الشعب طلب ملكًا غير الرب وبالتالي بدأ شعب إسرائيل يفقد هويته وقوميته؛ حيث نجد في (خروج 33: 16) “فَإِنَّهُ بِمَاذَا يُعْلَمُ أَنِّي وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ أَنَا وَشَعْبُكَ؟ أَلَيْسَ بِمَسِيرِكَ مَعَنَا؟ فَنَمْتَازَ أَنَا وَشَعْبُكَ عَنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ”، والآن لا يوجد أي فرق بين شعب الله والشعوب الوثنية، فلقد ترك الشعب الخالق وتمسك بالمخلوق وتشبهوا بالأمم الذين في كثير من الأحيان عبدوا ملوكهم مثل شعب مصر الذين عبدوا فرعون وتعاملوا معه كإله وتاريخ الفراعنة حافل بمثل هذه العبادات. ألم يوجه الرب الضربات العشر لأرض مصر وكل ضربة كانت ضد إله من آلهة المصريين. كثيرًا ما نقوم بالتقليد الساذج مما يحدث في الجوار بدون أي تخطيط  أو إدراك لنتائج قراراتنا، لا شك بأن كل شئ يحدث بسماح من الله فهو رب التاريخ ولكن إرادة الله ليست ضد إرادة الإنسان فلقد أعطي الله الحرية للإنسان لذلك استجاب الرب لطلبات شعبه في إسقاط النظام القديم وأقام نظامًا جديدًا لكن على الشعب أن يتحمل نتيجة قراره وهذا ما كشفه الوحي المقدس كيف أن طلب الشعب لوجود ملك أرضى أتعبهم وقادهم لمشاكل عديدة عانوا منها لسنين كثيرة وهذه المشاكل بدأت من أول ملك وهو شاول بن قيس، والآن الفرصة متاحة لنا والسؤال المطروح أي نظام نريد إسقاطه من حياتنا؟ أترك الإجابة لك عزيزي القارئ قد يكون قرارك بداية جديدة لحياة سعيدة أو العكس.

القس هاني سمير                             

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.