تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » أنزل وأرى، الآن أتيت – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

أنزل وأرى، الآن أتيت – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

أنزل وأرى، الآن أتيت

 

(تك 18 : 1 – 22) ، (يش 5 : 1 – 15)

“أنزل وأرى”، “الآن أتيت”.

كلمتان لشخصيةٍ واحدةٍ، يقول لأبرام وبالحري لإبراهيم: “أنزل وأرى”، يقول عن نفسه، ويقول ليشوع: “الآن أتيت”، يقول عن نفسه، وهو ذات الشخص الواحد، ملاك العهد، رب الجنود، يهوه سباءوت، رئيس جنود الرب، يقول لإبراهيم: “أنزل وأرى”، ويقول ليشوع: “الآن أتيت”، وفي كلا الحالين نراه على الأرض وإبراهيم واقفٌ أمامه ويشوع واقفٌ أمامه.

هيئة الإنسان، في صورة إنسان، نزل في صورة إنسان وأتى، “وهذا هو الآتي باسم الرب” مرسلٌ من السماء، نازلٌ من هناك آتٍ إلى الأرض، وما أعظم الفرق بين الأمرين، “أنزل وأرى” وصلته إلى السماء دعوة لينزل، صوتٌ صعد إلى العلاء صراخٌ من الأرض، صوتٌ للخطية، صراخٌ من قوتها يصعد إلى السماء فينزل ليرى هل فعلوا بالتمام بحسب هذا الصراخ الذي صعد إلى السماء؟ صوتٌ يشكو، مُدَّعي يدَّعي قضيةً تصل إلى فوق، صراخ الخطية في سدوم، صراخهم صعد إلى السماء، وهذا يذكرنا بخطية قايين في قتل أخيه هابيل: “صوت دم أخيك صارخٌ (صاعدٌ) إليَّ”، فخطية الإنسان تصعد إلى السماء رافعةً صوتها يالشكوى طالبةً القضاء وإجراء القصاص، هكذا كان الأمر مع سدوم وعمورة، صعد صراخ  شرهم إلى العلاء فنزل الرب من السماء ليرى.

 وهنا نقف أمام محكمةٍ ومنصةٍ للقضاء يجلس عليها القاضي العادل، ولو أن الصراخ صعد إليه عالياً، والقضاء محتوم بمناسبة هذا الصراخ والصوت يطلب القضاء وإصدار الحكم، إلا أنه عدلاً وإنصافاً ينزل من السماء ليرى هل فعلوا بالتمام حسب صراخهم الصاعد إليه؟ يجلس على منصة القضاء وعلى كرسي العدل ليجري قضاء عادلاً بعد الفحص ووقوف المدعي، وفي نفس الوقت يجري القضاء العادل فينزل ويرى هل فعلوا كصراخهم الصاعد إليه من الأرض؟.

أما القول: “أتيت لأرى”، فمن نفس المكان الذي نزل ليرى أتى من نفس البقعة من السماء، ولماذا أتى في قوله ليشوع؟ ليتمم الوعد للشعب، وما أعظم الفرق بين النزول للقضاء على سدوم العاهرة وعمورة وبين إتيانه من السماء لإتمام وعده لشعبه المختار.

إلا أن هذا الأتيان أمام يشوع يرجع بنا إلى نزوله من السماء ليعرف هل فعلوا مثل صراخهم الصاعد إلى السماء قبل ذلك، يذكرنا قوله ليشوع: “الآن أتيت”، فإن كان نزوله للقضاء في (تك 18) ليرى أهل سدوم ويجري القضاء العادل، إلا أنه كان في (الأصحاح 15) قبل تلك الفرصة للنزول لإعطاء الوعد بنسلٍ يرث أرض كنعان، وقد ظهر لأبرام في ذلك الوقت وسمع من أبرام ذلك الخليل: “ماذا تعطيني وأنا ماضٍ عقيماً ووارث بيتي هو أليعازر الدمشقي؟” قال له: “لا يرثك هذا بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك”، وأخرجه ليعد نجوم السماء، ويَعِدْه: “هكذا يكون نسلك”، ولم يَعد بنسلٍ فحسب بل وعد بنسلٍ مع ميراثٍ: “ولنسلك أُعطي هذه الأرض”.

وها نحن أمام يشوع نرى النسل وقد كثر وتعدد ووصل إلى أرض الموعد أرض كنعان التي وعد بها أبرام لتكون لنسله فقد تم الوعد بالنسل، والآن هم على أبواب إتمام الوعد، لذلك أتى إتماماً لوعده لأبرام قبل أن يكون لأبرام نسلٌ، وفي (تك 17) أتى أيضاً وأعطى الوعد بنسلٍ فلا يكون اسم أبرام بعد أبرام بل إبراهام، إبراهيم، أبٌ لنسلٍ كثيرٍ ولا تكون ساراي بعد ساراي بل سارة، فلا تكون أميرتي بل أميرةٌ عامة، سارة، ويعطيها نسلاً، وقد تم الوعد وها هو الآن الوعد بالنسل قد تم تماماً بناءً على الوعد لإبراهيم، في (تك 18) ظهر لأبرام، ظهر لإبراهيم عند بلوطات ممرا وهو  جالسٌ وسأل عن سارة، في مثل هذا الوقت آتي ويكون لسارة ابنٌ، وكما ضحك إبراهيم عند إعطائه الوعد ضحكت سارة لذا صار إسحق معناه يضحك لأنها قالت: “كل من يسمع يضحك لي”، قد صنع بي الرب ضحكاً، ولكن قد كثر النسل وتعدد وها هو ليرث الأرض بعد أربعمئة سنةٍ ليتم الوعد بميراث الأرض، وها هو الآن قد غير الأرض إلى الأرض في الجلجال حيث تجلجت خطايا الشعب وآثامه وعار العبودية ليرث الأرض بعد الجلجال لإتمام العهد مع إبراهيم ليرث الأرض، الآن أتيت لإتمام الوعد المقدس ليرث الآرض.

ولكنه في تلك الساعة كان إنساناً متقلداً سيفه فهو محاربٌ، والأرض تُعطى بحد السيف وبالقضاء على الشعب (سكان الأرض)، وهل نذكر ما قاله في الوعد بعد أربعمئة سنة، لماذا؟ ولماذا بين الوعد وإتمامه هذه المدة أربعمئة وثلاثون سنةٍ؟ أمرٌ رهيبٌ، لأن ذنب الأموريين سكان هذه البلاد الموعود بها إلى الآن ليس كاملاً، فقد أتى لإتمام الوعد عن طريق القضاء على سكان تلك الأرض الذين كان يُطلق عليهم الأموريون بوصف كون هذه الأمة المتسلطة والسائدة، سبع أمم تحت اسم الأموريين، الآن قد جاء لأن ذنب الأموريين قد كمل، الآن قد جاء ليقضي على تلك الأمم وأوثانها وكل ما لها من آثارٍ ليعطي أرضهم إرثاً للشعب المختار.

وما أعظم القرق بين الأمرين، القضاء للهلاك، والوعد بالميراث، أليست هذه هي القضية الحقيقية الصادقة، أليس هو الديان كما أنه هو المخلص؟ أليس هذا هو الذي أنى ليكون لمختاريه إرثاً أبدياً وليكون لمبغضيه هلاكاً أبدياً؟

نعم في كلا الأمرين له المجد وليتعظم اسمه، فسيأتي يوم الدينونة الرهيب حيث يجلس على كرسيّ مجده ومعه ملائكته القديسين ويجمع كل الشعب أمامه فيميز بين الخراف والجداء ويضع الخراف عن يمينه والجداء عن يساره ويقول للذين على يمينه: “تعالوا يا مباركي أبي رثوا المجد المعد لكم منذ تأسيس العالم”، ويقول للذين على يساره: “اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته”، يمضي هؤلاء إلى مجدٍ أبديٍّ وهؤلاء إلى عذابٍ أبديٍّ.

ماذا نستطيع أن نقول؟ وماذا نصنع؟ وعلى أي جانبٍ نكون؟ أيها الرب تعال بالمجد والبركة وميراث الحياة الأبدية.

  الأحد  30 / 1 / 1977

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.