تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » أيها الشاب اذكر، افرح، واعلم – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

أيها الشاب اذكر، افرح، واعلم – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

أيها الشاب اذكر، افرح، واعلم

(جا 11 : 9و10-  12 : 1)

“افرح أيها الشاب في حداثتك، وليسرك قلبك في أيام شبابك، واسلك في طرق قلبك وبمرأى عينيك، واعلم أنه على هذه الأمور كلها يأتي بك الله إلى الدينونة، فانزع الغم من قلبك، وأبعد الشر عن لحمك، لأن الحداثة والشباب باطلان، فاذكر خالقك في أيام شبابك قبل أن تأتي أيام الشر أو تجيء السنون إذ تقول ليس لي فيها سرور”.

في هذه الآيات الثلاث ثلاثة أفعال، في كل آيةٍ منها فعلٌ خاصٌ، ثلاثة أفعال أمرٍ، وهي إذاً ثلاثة أوامر وبالحري هي ثلاثة نصائح للشباب. الفعل الأول في الآية التاسعة من الأصحاح الحادي عشر: “افرح أيها الشاب”، افرح، الفعل الثاني في الآية العاشرة: “اعلم أيها الشاب”، اعلم، الفعل الثالث في الأصحاح الثاني عشر: “اذكر أيها الشاب”، اذكر.

افرح، اعلم، اذكر، في الفعل الأول نرى قوةٌ جامحةٌ، في الفعل الثاني نجد قوةٌ كابحةٌ، في الفعل الثالث نقرأ عن الحياة الصالحة.

في الفعل الأول قوةٌ جامحةٌ: ومن يستطيع أن يكبح جماح الشباب في نضارته وقوته وبدء حياته! وفي هذه القوة الجامحة “افرح أيها الشاب في حداثتك”، الحداثة فرحٌ وابتهاجٌ، قوةٌ لا تُكبح تصل إلى الفكرة: “اسلك في طرق قلبك”، كما يوحيه إليك قلبك، وقلب الشباب نابضٌ من يستطيع أن يكبح جماحه! “اسلك بمرأى عينيك”، وعين الشباب خارقةٌ فاحصةٌ تدور هنا وهناك، وترى الأشياء في نضارة الشباب وما أشد هذه القوة.

وهل نبدأ من الكلمة الأخيرة: مرأى العين، طريق القلب، الفرح؟ وهل نستطيع أن نجد تطبيقاً لهذا التمثيل فيما قاله عاخان: “رأيت” مرأى العين، فاشتهيت، طريق القلب فأخذت، فرح بما يؤخذ وهنا تلك القوة الشبابية التي يدعوها الكتاب “الشهوات الشبابية” والتي أوصى قائلاً: “اهرب منها”، ولكنها قوةٌ جامحةٌ في الشباب، وكيف الهروب منها؟ أليست هذه هي السقطة الأولى، نظرت بالعين إلى الشجرة ورأتها “جيدةٌ للأكل، بهجةٌ للعيون، شهيةٌ للنظر” فمدت يدها وأخذت، مرأى العين، شهوة القلب، الفرح بكل ما يناله الإنسان ويأخذه، فرح الشباب والحداثة، “شهوة الجسد، شهوة العيون، تعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم والعالم يمضي”.

فالحداثة والشباب باطلان وهي الكلمة التي تتغلغل في كل هذه الجامعة، الأقوال الجامعة، بل أقوال الجامعة الذي جمع وبحث ووزن وفتَّش وعلم، “باطل الأباطيل الكل باطلٌ”، هذه هي القوة في الشباب، الكامنة في الشباب، القوة الطبيعية في الشباب، وماذا يستطيع الشباب أن يفعل في حداثته وفي شبابه والقوة متحركةٌ وجامحةٌ؟

هنا تأتي القوة الكابحة: لكبح جماح تلك القوة، اعلم إن كانت القوة الأولى تتصل بالأحاسيس والمشاعر والعواطف، والعواطف ملتهبةٌ والأحاسيس ناريةٌ في قلب الشاب وفي طبيعته، فالقوة الكابحة ترتفع به إلى العقل، تسمو به عن الأحاسيس والمشاعر والعواطف إلى العقل، اعلم – تعقل، افهم، اعلم، وهنا القوة الضابطة التي تكبح جماح تلك القوة الجامحة، كأنه يقول له: قبل أن تستسلم لمشاعرك ولعواطفك ولأحاسيسك تأمل، تفطن، تعقل، اعلم، كن على علمٍ من النتائج، وقد وصل إلى النتيجة النهائية، “اعلم أنه على هذه الأمور كلها يأتي بك الله إلى الدينونة”، “لأنه لابد أننا جميعاً نُظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحدٍ ما كان في الجسد (بالقوة الجامحة) خيراً كان أم شراً”، بحسب ما فعل خيراً كان أم شراً، وهل تعلم أيها الشاب أن هنالك دينونةً؟ وهل عندما تجمح أحاسيسك وعواطفك ومشاعرك وقلبك وعينك تستطيع أن تعلم وتقدر أن تدرك هذه الحقيقة؟

اعلم أيها الشاب أنه على هذه كلها، صغيرةً أو كبيرةً، كلمةً أو فعلاً أو فكراً، “لأن من القلب تخرج الأفكار الشريرة”، “اعلم أنه على هذه الأمور كلها يأتي بك الله إلى الدينونة” والفعل كما لو أنه من نوع القبض على الإنسان، “يأتي بك الله”، وإلى أين تهرب؟ “أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب؟ إن صعدت إلى السموات فأنت هناك، إن فرشت في الهاوية فها أنت”، إن نزلت إلى قاع البحر فأنت هناك يدك تقيني، إن قلت أن الظلمة تغشاني فالليل يضيء أمامك، لا ظلمةٌ لديك، لذلك قال الرسول: “لابد أن نُظهر”، لم يقل لابد أن نَظهر بل قال لابد أن نُظهر، فالدعوة لا يمكن أن تُرد وإلى أين الهروب؟

“ونقول للجبال اسقطي علينا وللآكام غطينا”، “من وجه الجالس على العرش ومن غضب الخروف، لأنه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف”؟ يأتي بكل عملٍ إلى الدينونة، على كل خفيٍ، وما أرهب المنظر الذي يراه الرائي يوحنا: “ثم رأيت عرشاً عظيماً أبيض (رأيت هذا العرش، رأيت الجالس عليه) والجالس عليه الذي من وجهه هربت الأرض والسماء ولم يوجد لهما موضعٌ (أين الهروب؟) ورأيت الأموات صغاراً وكباراً واقفين أمام الله”، واقفين أمام العرش، ألم تستطع الأرض أن تبتلعهم؟ ألم تقدر الهاوية أن تُطبق عليهم لتخفيهم عن هذا العرش العظيم الأبيض والجالس عليه؟ ألم يقدر قاع البحر أن يحتفظ بالذين ابتلعهم لكي لا يقفوا أمام العرش؟ سلم البحر الأموات الذين فيه، سلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما، ووقف الأموات صغاراً وكباراً أمام العرش.

وهنا تأتي الأسفار، انفتحت أسفارٌ، سفر كل إنسانٍ، كل شاب، كل شابة، ودين الأموات مما هو مكتوبٌ في الأسفار، فاعلم أن كل تحركٍ تتحركه، وأن كل كلمةٍ تنطق بها، وأن كل فكرٍ يخطر على قلبك، وأن كل نظرةٍ بمرأى عينيك مكتوبةٌ في أسفارٍ تُنشر في ذلك اليوم، ويستد كل فمٍ ولا جواب، اعلم، افرح كما تريد، اسلك في طرق قلبك، اسلك بمرأى عينيك ولكن اعلم: ليكن هذا الضابط، هذه القوة الضابطة، القوة الكابحة ضد القوة الجامحة، القوة الكابحة بالقوة الجامحة، اعلم، وكيف تعلم؟ ومن قال لنا؟

وهنا الطامة الكبرى للذين لا يدرسون إعلانات السماء ويتيهون في شواطيء فلسفة العالم، العلم الكاذب، الإثم، فاعلم لا علم العلم الكاذب، بل اعلم ما أعلنه الله في كتابه المقدس، “فتشوا الكتب”، ادرسوا تلك الإعلانات، اقرأوا ما سبق من الدينونة، من تاريخ الطوفان العظيم وقد جلس الرب بالطوفان ملكاً دياناً، وانفتحت طاقات السماء، وتفجرت ينابيع الغمر، وأطبقت المياه فأهلكت الجميع، وكرسي الدينونة منتصب وعرش الدينونة قائمٌ بالطوفان.

ولا تنسى، اعلم ما أصاب أهل سدوم وعمورة، اعلم لأنه قد نزلت من السماء نارٌ وكبريتٌ، نار الرب الملتهبة، نار غضبه، فأحرقت كل مدن تلك الدائرة، “وكما كانوا في أيام نوح يأكلون ويشربون، ويتزوجون ويزوِّجون” وإذا بالطوفان قد جاء وهم متغافلون، اعلم، لا تتغافل، وكما كان في أيام لوط يأكلون ويشربون ويتزوجون ويُزوِّجون ويجنون ويغرسون، وإذا بالنار قد اشتعلت، هكذا يكون في أيام ابن الإنسان.

وإن كانت الكلمة التي تكلم بها ملائكة على جبل سيناء، كلمة الناموس الذي جاء بترتيب ملائكة، الذي جاء به ابن الله من ربوات القدس، “هذه الكلمة التي تكلم بها ملائكة قد صارت ثابتةً، وكل تعدٍ ومعصيةٍ نال مجازاةً عادلةً، فكيف ننجو نحن إن أهملنا خلاصاً (أي إنجيل العهد الجديد) هذا مقداره قد ابتدأ الرب (نفسه) بالتكلم به، ثم تثبت لنا من الذين سمعوا شاهداً الله معهم بآياتٍ وعجائب وقواتٍ ومواهب الروح القدس حسب إرادته”.

اعلم وخذ هذا العلم من الإعلانات السماوية ولا تدع الشيطان يوسوس في آذانك ليبعدك عن هذا العلم، هذا هو العلم الصحيح، كل علمٍ آخر باطلٌ، “والحداثة والشباب باطلان”، الكل سينتهي، هذا العلم فقط هو الذي يبقى، اعلم، “انزع الغم من قلبك”، افرح، لا تحزن، افرح بالرب ولكن “ابعد الشر عن لحمك لأن الحداثة والشباب باطلان”.

نأتي إلى الكلمة الثالثة اذكر: وهنا الحياة الصالحة، إذا نجحت القوة الكابحة في كبح جماح القوة الجامحة تكون النتيجة الحياة الصالحة، في القول: “اذكر خالقك في أيام شبابك” وهل يمكن أن تكون حياة الشباب صالحة؟ ولماذا لا تكون في قوتها، في شبابها، في نضارتها، في قوة الصلاح؟ وهل تعلم أن لا شيخوخةٍ في السماء وبين أهل السماء وبين ملائكة السماء؟ تلك القوة التي دحرجت الحجر الكبير عند القبر في يوم القيامة المجيد، كيف ظهرت؟ وبأي سلطانٍ ظهرت؟ قي نضارة الشباب، في قوة الشباب، في بهاء الشباب، رأت النساء شاباً متسربلاً بثيابٍ بيضاء وقد دحرج الحجر عند القبر وجلس عليه، لا قوةً تقف أمامه، وممالك العالم ترتعب كما ارتعب حراس القوة الرومانية اليهودية، كما رأت المجدلية شابين في القبر، أين قوة الشباب الناضرة في ثيابٍ بهيةٍ نقيةٍ، ثياب الطهر حياة السماء، ويمكن أن تكون حياة السماء في شبابنا على الأرض في نضارتها إذا اتبعوا هذه النصيحة: “اذكر خالقك”، نعم إن الجسد الترابي الذي تلبسه أنت هو صنعة يديه، عمل يديه، “جبل آدم تراباً من الأرض”، جلس، رسم، تفنن وأخرج قطعةً فنيةً ما أجملها! يعجب كل من فحصها عن ترتيبها وإدارتها وسيرها، بصورةٍ عجيبةٍ “ونفخ فيها نسمة الحياة فصار آدم نفساً حيةً”، هو الذي صنعنا، هو الذي جبلتنا يده، فلماذا لا نتعبد له دون سواه! نحن فنه، والفن يشهد للفنان العظيم، فلماذا تعطي جسدك لغير من صنعه وصوره وأعطاه الحياة؟

ولكن ألا تعلم أنه خلقك لغرضٍ خاصٍّ، لتكون أخاً له، هذا الكلمة الذي في البدء كان وكان عند الله وكان هو الله، وكان في البدء عند الله صانعاً “كل شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٌ مما كان” وقد عمل به الله كل العالمين، هذا الذي كونك قصد أن تكون أخاً له “ليكون هو بكراً بين إخوةٍ كثيرين”، ولذلك قال عند تأسيس الأرض، قال عن الأرض المسكونة: “كنت عنده صانعاً وكنت كل يومٍ لذته فرحةً دائمةً قدامه ، فرحةً في مسكونة أرضه ولذاتي مع بني آدم”، هل تفقد لذته؟ خلقك لتكون أخاً له، سميراً له، ليكون بكراً بين إخوةٍ كثيرين.

بل كان له مطمعٌ آخر أعظم، ليكون إخوته هؤلاء عروسه يفرح بها قلبه، فاذكر كل ذلك، “واذكر خالقك في أيام شبابك”، واذكر أنك أخٌ له، وأنك مكوِّنٌ لعروسه، مقدساً إياها، مطهراً لها، اذكر خالقك، اتخذه معبوداً لك، اتخذه أخاك البكر، اتخذه عريسك الوحيد، ليكن هو رأس الكنيسة الممجد، اذكر خالقك، عش له ليتمجد في حياتك، املأ قلبه فرحاً بك.

فلنذكر هذه الكلمات الثلاث: “افرح أيه الشاب في حداثتك”، “واعلم أنه يأتي بك إلى الدينونة”، “فاذكر خالقك في أيام شبابك”.

“افرح أيها الشاب في حداثتك، وليسرك قلبك في أيام شبابك، واسلك في طرق قلبك، وبمرأى عينيك، واعلم أنه على هذه كلها يأتي بك الله إلى الدينونة، فانزع الغم من قلبك، وابعد الشر عن لحمك، لأن الحداثة والشباب باطلان، فاذكر خالقك في أيام شبابك (في قوتك) قبل أن تأتي أيام الشر (أيام الشيخوخة)”، في شبابك، في نضارتك، ليتمجد رب المجد، له المجد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.