تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » إنجيل لوقا وسفر الأعمال

إنجيل لوقا وسفر الأعمال

الكاتب

الدكتور القس فهيم عزيز 

العميد الأسبق لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة 

 

    هناك شبه إجماع إن لم يكن إجماع تام على أن هذين الكتابين قد كتبا بقلم واحد ولهدف واحد وهما معاً يكونان أكبر كمية يكتبها فرد واحد في العهد الجديد ، فهما أكبر من الثلاث عشرة رسالة التي كتبها الرسول بولس وأكبر من كتابات الرسول يوحنا كلها ، هذا يفرضان نفسهما على أي دارس للعهد الجديد بكيفية عميقة .

 ولكن السؤال الأول الذي يفرض نفسه هو ما هي الأدلة التي يبني عليها العلماء حكمهم هذا ؟ وما هو الأساس الذي يجعل من الكتابين امتداداً واحداً ؟ هناك عدة أدلة على ذلك :

1- الملف الواحد:

    هذه حقيقة معترف بها كل الأوساط ولقد أجمع العلماء على أن من كتب الإنجيل هو بنفسه الذي كتب الرؤيا. والكتاب الثاني – سفر الأعمال – يعترف بذلك ( أعمال 1 : 1 ) والمكتوب إليه شخص واحد وهو ” ثاوفيلس ”  ولسوف نعرف أن الشهادة الخارجية أيضاً – أي شهادة الآباء – تؤيد ذلك ، عندما ندرس عن شخصية المؤلف في الصفحات القادمة .

2- اللغة والأسلوب:

    وهناك تشابه كبير في اللغة بين الكتابين . فالعبارات والاصطلاحات التي يستخدمها تشابه إلي حد كبير العبارات والاصطلاحات التي يستخدمها تشابه إلي حد كبير العبارات والاصطلاحات التي استعملها كتاب اليونانية الكلاسيك . وفي كثير من أجزاء الكتابين يعتبر الأسلوب أسمي أسلوب ظهر في العهد الجديد، مما يدل على أن للكاتب مقدرة أدبية كبيرة. وقد سبق ورأينا في مقارنة إنجيل لوقا بإنجيل مرقس الفرق بين الأسلوبين ، وكيف أن لوقا كان يخفف من أسلوب سابقه الذي كان يقتبس منه أو يترجمه إلي اليونانية ( كما ترجم كلمة الجمجمة بدلا من الجلجثة ) ( 23 : 33 ) والملم بدلا من ربوني ، والغيور بدلا من القانوني ( لوقا 6: 15 مع مرقس 3 : 18 ) هذا كله لكي يحسن في أسلوبه اليوناني مما يدل على أن كاتب الكتابين لوقا والأعمال شخص واحد لأن أسلوبهما يتميز عن بقية الأناجيل . 

3- الدوافع الأساسية الواحدة في كلا الكتابين :

    كل من يقرأ الكتابين يجد أن الكتاب الثاني امتداداً للأول، لأن الدوافع الأساسية التي تحكم الكتاب الأول هي نفسها التي تحكم الكتاب الثاني. لكن في صورة امتداد وتكامل. ومن هذه الدوافع التي نجدها بين الاثنين :  الروح القدس :

    ودورة في خدمة يسوع المسيا ورسالته وشخصيته كما هو واضح في الإنجيل ، يظهر نفس هذا الدور ولكن مع الكنيسة ورسالتها كما في سفر الأعمال . .

العامل الجغرافي: في كلا الكتابين تكامل، فالمسيح يبدأ خدمته من الجليل ثم يتقدم إلي الرحلة في طريقة إلي أورشليم ومن هناك، في سفر الأعمال، تبدأ الكنيسة إلي كل اليهودية ثم السامرة ثم إلي إنطاكية وأخيراً روما . . كل ذلك في مد لا رجعة فيه .

       العامل التاريخي : إذ أن من يقرأ الكتابين يجدهما متكاملين تاريخياً والتاريخ الذي غيهما يرتبط بالتاريخ العالمي ومن يقرأ الأعداد الأولي في الإصحاح الثاني الثالث من الإنجيل وكذلك سفر الأعمال يجد أن التاريخ المقدس ليس منفصلا عن التاريخ العام بل مرتبط به مع أنه متميز عنه ، ونجد أن هذا لعنصر التاريخي مهم جداً في المكابيين مما يدل على أن عقلا واحداً وراء الاثنين  وهذا كله سوف يدرس بتوسع في الصفحات التالية لكن من هو هذا الكاتب .

         كاتب لوقا – الأعمال :

      الكتابات لا يفصحان عن اسم الكاتب ولا نجد شيئاً هذا الاتجاه سري ما يظهر في سفر الأعمال الإصحاح السادس عشر والعدد الحادي عشر عندما تبدأ القصة في لغة الشخص الأول “مما ” يدل على أن الكاتب كان مشاركاً فيها. ولكن . قد يكون عاملا مساعداً كما سيظهر فيها بعد، ولعل المصدر الأول والأساسي لمعرفة الكاتب هو الشهادة الخارجية.

        الشهادة الخارجية:

     هناك مقدمة كتبت لإنجيل لوقا فيها 160 – 180 م اسمها ” ضد مارسيون ” فيها يقول الكاتب عن لوقا إنه من إنطاكية في سوريا مهنته طبيب وكان أعزباً بدون زوجة مات وهو في سن 84 سنة في بويتيه Boeotia  ممتلئاً بالروح القدس . . .

 وقد كتب إنجيله كله في المناطق التي تحيط بأخائية لكي يفسر للأمم القصة الصحيحة للعهد الجديد الإلهي وكتب قصة يوحنا المعمدان يعتبر الشخص الذي أعد الطريق للرب الذي تنبأ عنه أحد الأنبياء ( ملاخى ) . وبعد ذلك كتب لوقا ” سفر الأعمال “

هذه مقتطفات من هذه الشهادة التي لا يعرف كاتبها وقد قبلها كثير العلماء لأنهم لم يجدوا من أتباع ماريسون من يكذبها . مما يدل على أنها كنسي قوي . وقد كانت قائمة الموراتورى في توافق تام مع هذه الشهادة وكذلك إيريناوس ( 185 م ) يؤكد مسئولية لوقا عن إنجيل لوقا الأعمال . ومن قلبه جاستن مارتر ( 150 م ) وأكلميضدس الإسكندري وأوريجانس وترتليان وكل آباء الكنيسة يتفقون على أن لوقا هو الذي كتب الكتابين معاً . وهكذا يؤكد التقليد الكنسي هذه الحقيقة بدون أدني شك ولا يوجد هناك أي سبب لأن يشك أي عالم في هذا التقليد القوي .

          الشهادة الداخلية :

 كما سبق القول تكمن قوة الشهادة الداخلية في أنها تقول وتؤكد الشهادة الخارجية رغم أنه لا يوجد أي دليل صريح يقول إن لوقا هو كاتب الاثنين . ويمكننا أن نعرض هذا الأمر هكذا :    

  • يذكر الرسول بولس اسم لوقا في ثلاثة مواضع في كتاباته حيث يصفه بأنه رفيقه ، ( كولوسي 4 : 14 ) . ” يسلم عليكم لوقا الطيب الحبيب وديماس ” ثم في فليمون 24 ” يسلم عليكم . أبفراس . . . ولوقا العاملون معي ” . وأخيراً في تيموثاوس 4 : 11 يقول الرسول في تعبير مؤلم ” لوقا وحده معي ” . هذه العبارات الثلاث توجد في رسائل كتبت من السجن وهو سجن روما بحسب رأي غالبية العلماء . فإذا كان الأمر كذلك فإن هذه الشواهد توافق سفر الأعمال يشهد بأن لوقا كان مع الرسول بولس عند سحنه في

 روما . ولكن هذه الشهادة تبني على شهادة أخرى أكثر صراحة منها وتتجه مباشرة إلي لوقا .

       2- الشهادة المباشرة: هذه الشهادة تنبع من الطاهرة الموجودة في سفر الأعمال وتبدأ من 16: 10 وهي التي تدعي ” فقرات – نحن ” أي التي تكتب في صيغة المتكلمين الجمع، وهي تنحصر في الأماكن التالية:

( أعمال 16 : 10 – 40 ) وهو الجزء الذي فيه يذهب الرسول إلي مكدونية ثم تبشيره في فيلبي إلي أن خرج منها بعد حادثه السجان .

( أعمال 20 : 5 – 16 ) وهو الجزء الذي فيه يأتي الرسول إلي فيلبي مرة أخري وذهابه إلي ترواس ثم إلي ميليتس .

( أعمال 21: 1 – 18 ) وهو الجزء الذي يتكلم عن رحلة العودة حتى وصوله إلي قيصرية. 

( أعمال 27: 1 – 28: 16 ) وهو يتكلم عن رحلة الرسول من قيصرية إلي رومية كسجين ووصف الرحلة وانكسار السفينة.

     وهذه الفقرات تدل على أن الشخص الذي كتبها كان رفيق سفر للرسول فقد قابله مرة أخرى في مكدونية أو فيلبي ثم ذهب معه إلي قيصرية . وبقي هناك إلي أن ذهب الرسول إلي أورشليم واحتجز هناك، وبعد سجنه سنتين في قيصرية رافقه مجموعة أخرى يذكرهم شفر الأعمال ( 20: 4 و 5 ) ولكن أي واحد منهم لأن الكاتب كان شخصاً آخر يقول ” نحن “.

  فإذا قارنا هذه الصيغة ” صيغة المتكلمة الجمع ” في هذه الأجزاء. مع صيغة المتكلم المفر في لوقا 1 : 1 – 4 ، أعمال 1 : 4 فإن المقارنة تقرب إلي أذهاننا فكرة الكاتب وهي أنه يريد أن يظهر أنه كان حاضراً في تلك الرحلات التي يكتب فيها الصيغة ” نحن ” .

على كل حال لا يمكن أن نأخذ القرائن الداخلية وحده دون الشهادة الخارجية من آباء الكنيسة ، ولكن كليهما معاً يقويان الرأي القائل بأن لوقا الطبيب رفيق الرسول بولس في سفراته هو نفسه الكاتب .

   أما عن شخصية البشير فلا نعرف من العهد الجديد شيئاً كثيراً عنه سوي أنه كان طبيباً أممياً ( كولوسي 11 و 14 ) ، ومع أن الشهادة الخارجية السابقة تذكر أنه من إنطاكية سوريا فإن ” فقرات – نحن ” توحي بأنه كان من فيلبي .

  ويذكر أحد العلماء (رمزي – القديس الرحالة 19200 ص 200 – 203 ) أن لوقا هذا هو الرجل المكدونى الذي رآه الرسول في رؤيا ( وهي لا تعني بالضرورة حلماً ولا حالة غيبوبة ) يقول له أعبر إلي مكدونية وأعنا (أعمال 16 : 9 و 10 )ويذكر العلماء أيضاً أن الاصطلاحات الطبية المذكورة في إنجيل لوقا خاصة تدل على أن الكاتب كان طبياً ورفيقاً للرسول بولس .

          تاريخ كتابة الكتابين:

 كتب سفر الأعمال بعد كتابة إنجيل لوقا وذلك واضح في المقدمة ولسنا فدوي كم من الزمن مر بين كتابة الجزئين . مع ذلك فيمكن أن ندرس تاريخ كتابة الاثنين معاً لأن سفر الأعمال مكمل ولا حق لإنجيل لوقا .

الشهادة الخارجية:

     يؤخذ من كتابات الآباء الآتية:اتهم أن الإنجيل كان معروفاً في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، ولهذا يدل على أنه كتب قبل أواخر القرن الأول. يظهر هذا من مقارنة الديداكى أو تعليم الرسل مع إنجيل لوقا ، فقد ظهر أن هناك تشابهاً في كثير من الآيات مما يدل على أن كاتب هذا الكتاب عرف إنجيل لوقا ، وإلي جانب ذلك فهناك الكتاب الغنوسيون مثل بارليدس وفالينتانس وفوق الكل شهادة مارسيون المنحرف الذي كان بين يديه إنجيل لوقا بعد أن حذف منه الإصحاحات الثلاثة الأول ، وهذا الرجل ظهر سنه 140م . وجاستن مارتر الذي استخدم الإنجيل  بكثيرة في منتصف القرن الثاني الميلادي أي حوالي 150م .

    وتوجد النظرية الثانية وهي أن الإنجيل كتب في الستينات الميلادية أي قبل محاكمة الرسول بولس كما يظهر من نهاية سفر الأعمال . وقد دافع عنها كثير من العلماء المشهورين مثل هارنيك وهاستنجز وغيرها . ومع ذلك فإن الشهادة الداخلية للكتاب لا تؤيد ذلك .  كما يتضح من الشواهد الآتية:

  • ففي المقدمة ( لو 1 :1 – 4 ) يذكر البشير أن أناجيل أو كتب أخري ظهرت قد يكون من بينها إنجيل مرقس الذي يعتمد عليه هذا الإنجيل كثيراً ، وإلي جانب ذلك فالكاتب يقول إنه من الجيل الثاني الذي لم يكن من الشهود دلالة علي تأخر تاريخه عن هذا التاريخ المبكر.
  • في نبوات المسيح عن أورشليم إذا قارنا مرقس 13 الحوادث.بعده مع لوقا 21 :20 و 24 نجد أن مرقس البشير لا يذكر إلا القول ” حيث تكون الجثة هناك تكون النسور ” في حين أن إنجيل لوقا يذكر صراحة عن أورشليم أنها ستكون محاطة بجيوش . مما يدل علي أنه يذكر حوادث رآها وأسمع عنها فأوضح ما قاله البشر مرقس في العبارة الغامضة . وتصف النبوة

 الأخرى (19 : 43 و44 ) وصفاً دقيقاً لحصار أورشليم الذي حدث أيام تيطس الروماني ” فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجراً علي حجر لأنك لم تعرفي زمان افتقادك ” إن المسيح أعلن خراب أورشليم ، ويلوح أن إنجيل لوقا كتب بعد أن حدث ذلك ، فوصفه وصفاً دقيقاً يتفق مع ما كتبه المؤرخون المعاصرون عن خرابها في 70 م . وهذا يدل علي أن الكتاب لابد وأنه كتب بعد هذه الحوادث . ويعطي العلماء العشر سنوات مابين 80 و 90 م كوقت محتمل لكتابة هذا الإنجيل

أما من جهة سفر الأعمال فقد كتب بعد فترة وجيزة جداً من هذا التاريخ لأنه مكمل للإنجيل ولا يمكن أن يكون متأخراً عنه كثيراً (أعمال 1:1 ).

مميزات إنجيل لوقا : 

      إذا قارنا إنجيل لوقا بالإنجيل الثلاث الأخرى نجد هناك بعض الملامح التي تميزه عنها.    

1- التفاصيل المتعددة.

 عندما يبدأ قصة حياة يسوع فإنه بالبشارة بيوحنا المعمدان أي أنه يذهب إلي قبل ما وصل إليه متى البشير، وعندما ينتهي من كتابة الإنجيل فإنه يذهب هب إلي بعدما ذهب إليه كل البشيرين فذكر قصة الصعود. ويظهر ذلك أيضاً في قصة رحلة السيد من الجليل إلي أورشليم. فبينما يذكرها مرقس في إصحاح واحد  ومتى في إصحاحين يذكرها لوقا في حوالي تسعة إصحاحات ويضع فيها تفاصيل عديدة غير موجودة في الإنجيلين الآخرين ، ولأجل ذلك جاء هذا الإنجيل أطول كتاب في العهد الجديد كله .

2- النظرة المتسعة للعالم كلها:

      بعض القصص والأحاديث في هذا الإنجيل تظهر أن لوقا اهتم اهتماماً خاصاً بالمسكونية ويبين أن الإنجيل جاء للعالم كله وإليك بعض الأمثلة على ذلك :     

  • في ترنيمة الملائكة نجد أن مسرة الله في كل الناس ( 2: 14 ).
  • وكذلك المسيح ، في ترنيمة سمعان الشيخ هو ” نور إعلان للأمم ” ( 2 : 32 ) .
  • لم يقف البشير في كلمات النبوة عن يوحنا المعمدان إلي حد القول ” صوت صارخ في البرية ” ولكنه أكمل النبوة إلي قوله ” ويبصر كل بشر خلاص الرب ” ( إشعياء 40 : 3 – 5 ) مع لوقا 3 : 4 – 6 ) .
  • يضع البشير السامرين في مستوي واحد اليهود فوبخ التلميذين اللذين أرادا ناراً من السماء على السامريين ( 9 : 54 ) ، بل وأعلن أن السامري صنع مع اليهودي ما لم يصنعه الكاهن ولا اللاوي (10 : 33 ) بل كان السامري أكثر شكراً لله وليسوع من اليهود الذين نالوا مثله الشفاء ( 17 : 16 ) .
  • يذكر حاثتين من القديم يركز فيهما المسيح على شخصيتين أمميتين كمثال ودينونة على إسرائيل ، هما أرملة صرفة صيدا ونعمان السرياني (4 : 25 –17 ) .
  • هذا الإنجيل يضيف صبغة مسكونية عامة على مثل العشاء العظيم ، إذا قورن بإنجيل متى ، وذلك بأن يضيف كلمة ” أزقة ” وطرقات وسياجات على عبارة ” شوارع المدينة ” التي يذكرها متى وبذلك يضيف بعداً جديداً على اتساع دعوة يسوع . ( 14 : 21 ) .
  • الإرسالية العظمي إلي كل العام كما هو موجودة في متى 24: 47.

3- اهتمامه بالإنسان :

     وهناك أيضاً أمثلة كثيرة علي اهتمام لوقا بالإنسان كإنسان ، أكثر من أي إنجيل آخر وهذا بعضها :

 اهتمامه بالفرد :

      تدور معظم الأمثال التي يذكرها وتختص به وحده علي الفرد بينما تتركز أمثال متى علي الملكوت. ويفعل نفس الشيء في القصص الخاصة به ، فهو يرسم الشخصيات بكيفية مميزة : كزكريا الكاهن ومريم العذراء ونسيبتها مريم ، الأختان مريم و مرثا ، زكا العشار تلميذا عمواس المتألمين ، وكثيرون غيرهم ممن يرسمهم بقلمه في وحيوية . ولا شك أنه تأثر في ذلك من اهتمام يسوع نفسه بالإنسان .

 اهتمامه بالمنبوذين :

       يعتبر إنجيل لوقا أكثر من أي إنجيل آخر يبرز اهتمام يسوع بالمنبوذين اجتماعياً ، فهو يذكر المرأة الخاطئة ( 7 : 36 – 48 ) ،ثم توبة اللص (23 : 39 – 43 ) . ويذكر ثلاثة أمثلة تظهر فيها نعمة الله علي شخصيات مثل هذه ، وهي الابن الضال ( 15 : 11 –32 ) المديونان ( 7 :41 – 43 )والعشار (18 :9 – 14 ) . وموقف الرب تجاه السامريين الذين يحتقرهم اليهود كما سبق القول .

اهتمامه بالمرأة :

       يذكر لوقا في إنجيله حوالي 13 امرأة لم تذكر في الأناجيل الأخرى ولعله كأممي يعرف المستوى الوضيع الذي انحدرت إليه المرأة في الوثيقة ، ولذلك فقد أراد أن يذكر كم قدسها الإنجيل، وقدسها الرب يسوع. فهو يذكر أرملة نايين ، المرأة ، النسوة اللاتي كن يتبعنه ويعولنه في خدمته ، واللاتي كن يبكين عليه عند الصليب ، وفي قصة ميلاده وقيامته تظهر المرأة في مواقف مجيدة ( 23 : 49 ، 23 : 50 ، 24 : 11 ) .

 اهتمامه بالطفل :

      ينفرد لوقا بذكر طفولة يوحنا المعمدان ويسوع . وفي ثلاثة مواضع يذكر الأطفال الوحيدان لآبائهم ( 7: 12، 8 42، 9: 38 ). وفي إحضار الأولاد ليسوع يستعمل لوقا كلمة ” طفل ” في حين يستعمل متى ومرقس كلمة يمكن أن تترجم ” صبيان ” ( 18 : 15 ) .

علاقات المسيح الاجتماعية:

        3 مرات يتغذى المسيح مع الفريسيين ( 7 : 36 – 50 ، 11 : 37 – 44 ، 14 : 1 – 4 ) . وعلاقته الاجتماعية في بيت عنيا ( 10 : 38 – 42 ) ، وفي بيت زكا العشار ( 11 : 1 – 10 ) وفي عمواس ( 24 : 13 – 32 ) .

المقابلة بين العني والفقر:

      يتهم البشير كثيراً بالأمثال الني لهاء بالمال فيكتب أمثال المديونان ، الغني  ، بأتي البرج ، الدرهم المفقود ، وكيل الظلم ، الغني واليعازر ، والوزنات . وفي  هذه يظهر السيد عطوفاً دائماً على الفقراء والمساكين ( 6 : 20 و 30 ، 14 : 11 ) ويصف البشير الفريسيين بأنهم محبون للمال ( 16 : 14 ) ويوحنا المعمدان يحذر العشارين من المغالاة من الضرائب والجنود من الطمع ( 3 : 13 ) . في الناصرة السيد المساكين ( 4 : 17 – 21 ) . وفي تسبحة مريم العذراء يصرف الرب الأغنياء فارغين بينما يشبع المعوزين ( 1 : 53 ) .ويطوب الفقراء ( لوقا 6 : 20 قارن متى 5 : 3 ) .

4- الموضوعات التي ينبر عليها:

     هناك موضوعات ينبر عليها البشير أكثر من أي إنجيل آخر ومنها:

الصلاة:

      يسجل البشير 9 صلوات ليسوع بينما لا تذكر الأناجيل الأخرى سوي صلاتين. وترتبط هذه الصلاة مملوء بالمعجزات ( 3 : 21 ) بعد يوم مملوء بالمعجزات (5 : 15 و 16 )قبل اختيار التلاميذ ( 6 : 12 ) قبل أول نبوة عن آلامه ( 9 : 18 – 22 ) في التجلي ( 9 : 29 ) عند رجوع السبعين ( 10 : 17 – 21 ) قبل أن يعلم التلاميذ كيفية الصلاة ( 11 : 1 ) في  جشيمانى ( 22 : 39 – 46 ) على الصليب ( 23 :34 و 46 ) . وكان يصلي في الصحراء (5 : 16 ) ويقضي الليل كله في الصلاة ( 6 : 12) . ويذكر البشير مثلين يختصان بالصلاة لا يذكران في إنجيل آخر وهما صديق نصف الليل ( 11 : 5 – 7 ) وقاضي الظلم ( 18 : 1 – 8 ) . ويذكر أيضاً دون الأناجيل الأخرى أن يسوع يصلي من أجل بطرس ( 22 : 31 و 32 ) وأنه يحث تلاميذه في جشيمانى أن يصلوا ( 22 : 40 ) وأنه صلي لأجل أعدائه ( 23 : 14 ) ولنفسه ( 22 : 41 ) .

     وهكذا يعتبر هذا الإنجيل إنجيلا الصلاة.

الروح القدس :

     ولعل البشير لوقا كان أكثر من اهتم بصلة الروح القدس بالمسيح ( في الإنجيل ) وبالكنيسة ( شفر العمال ) ، فقد وصف يسوع بأنه ممتلئ بالروح القدس ويقوده الروح ( 4 : 1 ) ويبدأ خدمته بقوة الروح ( 4 : 14 ) . ويتهلل بالروح عندما يصلي إلي الآب مظهر روح النبوة العميقة للآب ( 10 : 31 و 22 ) . وقد أمر المسيح المقام تلاميذه ألا يبر حوا أورشليم بل ينتظروا قوة الأعالي عندما يحل الروح القدس عليهم ( 24 : 49 ) وهذا ماتممه الآب في يوم الخمسين . . .

      وهكذا كان الروع هو القوة التي أعطت الحياة لهذه الجماعة فحولتها إلي كنيسة الله الشاهدة ( أعمال 2 ) وهو الذي كان يعلن دخول الناس إلي الملكوت ( أعمال 2 و 8 : 17 ، 10 : 44 و 45 ) وهو الذي أهل الناس للخدمة ( أعمال 6 : 3 و 5 ، 9 : 17 ، 11 : 24 ) وهو الذي أرسل الرسولين للحقل المرسلي الواسع عند الأمم ( أعمال 13 : 2 و 4 و 9 ) وغير ذلك من النشاط الهائل للروح القدس في الكنيسة .

الفرح:

     إنجيل لوقا مملوء بالفرح وبالتعبير عن الفرح ( 1 : 14 و 44 و 47 ، 10 : 21 ) وفي ثلاثة أمثلة يظهر البشير عنصر الفرح ومعناه عندما يجد الإنسان ما يفقده كالدرهم والخروف والابن ( 15 ) . وقصة زكا مملوء بالفرح ، ولعل البشير هو الوحيد الذي يذكر في إنجيله أغنيات وترانيم الفرح . كأغنية مريم ( 1 : 46 – 55 ) وأغنية زكريا ( 1 : 68 – 79 ) وأغنية الملائكة ( 2 : 14 ) وأغنية سمعان الشيخ ( 2 : 29 – 32 ) . وهكذا الكتاب وينتهي بالأفراح والترانيم .

هدف لوقا الأمور كتابة الإنجيل وسفر الأعمال :

     من أعظم الأمور التي أراح فيها هذا الكاتب كل الباحثين هو الهدف الذي من أجله كتب كتابة هذين . فهو يذكر صراحة أنه كتب الإنجيل إلي ثاوفيلس لكي يعرف ” صحة الكلام الذي علمت به ” ( لوقا 1 :  4) ، وكتب سفر الأعمال يكمل الرسالة والقصة التي بدأها بيسوع ويستمر فيها في حياة الكنيسة الأولي . ( أعمال 1 ، 1 – 8 ) ويتضح من المقدمة أن ثاوفيلس هذا كان مسيحياً وقد تعلم المسيحية من بعض المعلمين ، ولكن هناك أشياء كثيرة عنها لم يكن قد عرفها بعد ولا بد من ذكرها له حتى يعرف صحتها في التاريخ والواقع . ولكن السؤال الذي يجابهنا : هل ثاوفيلس هذا هو شخص محدد قصد البشير الكتابة إليه لفائدته الشخصية . أم أنه شخص يمثل جماعة الأم قبلوا المسيحية ولكنهم يحتاجون إلي تعاليم أوسع وبراهين تاريخية أعمق ، إن ثاوفيلس – كما يتضح من خطاب لوقا له – هو رجل هام في الدولة نظراً للقب الذي يحمله ” العزيز ” . ولكن مع ذلك كتب البشير إليهم في شخصه فماذا كان ينقصم من المعلومات الهامة التي يحاول لوقا أن يوصلها لهم ؟

      هناك سؤال آخر: هل اقتصر هدف البشير على هذا الأمر ؟ أم أن هناك أسباباً أخرى جعلته يكتب كتابيه ؟ إن ما يلاحظه الدارس أن لوقا كتب لهدف آخر وهو الدفاع عن المسيحية مما كان يحيط بها من تيارات شديدة داخلية وخارجية لدمجها في عقائد أخري وإبعاده عن أصلها ، فأراد أن يزيل الأعشاب من المجري ويبين أصالة المسيحية الحقيقة . هذان هما الهدفان اللذان سنركز عليهما الآن :

أولا – توضيح الطريق المسيحي للأمم :

     هناك أشياء كثيرة كان يحتاج ثاوفيلس ممثل الأمم المثقفين أن يعرفها منها :

    1 – توضيح معني الأصالة التاريخية للمسيحية : كان ثاوفيلس يعرف الحوادث الهامة التي حدثت

ليسوع المسيح في حياته علي الأرض، ولكن معني هذه الحوادث وعلاقتها بعضها بالبعض لم تكن جد واضح- لديه. وكان يعرف الشخصيات الهامة التي أحاطت بيسوع ، كان يعرف أسماءهم ،والمدة التي مكثوها مع المسيح ، ولكن الدور الحقيقي الذي لعبوه في المسيحية وفي خدمة الكنيسة ، هذا لم يكن واضحاً لدي ثاوفيلس .

      إن حوادث حياة المسيح وخاصة موته وقيامته كانت الأساس الذي بني عليه إيمانه المسيحي ، لقد سمع عنها كثيراً وفهمها ، ولكن هناك ما تلاها من الحوادث كمجيء الروح القدس ، وخدمة التلاميذ ، واختبار الكنيسة الأولي في تنوعه ، كل هذا كان يجب أن يوضحه لوقا في رسالته لثاؤفيلس . فما هو الدور الذي لعبه التلاميذ في التبشير والإرسالية المتسعة للعالم كله ؟ كيف أضحي بولس رسولا هاماً للأمم بعد أن كان مجدفاً علي يسوع المسيح ومضطهداً مريراً لكنيسته ؟ وما هي صليه بالكنيسة الأولي وببقية رسل الرب ؟ وما هي الصلة بين إرساليته وإرساليتهم ؟ هل كانوا يتناقضون أم أنها إرسالية متكاملة ؟ ومن هم إبطال والتبشير المسيحي في بدء ظهور الكنيسة المسيحية ؟.

     هذه الحوادث التاريخية والأشخاص الذين عاصروها واندمجوا فيها كانت تحتاج إلي هذا الكاتب وهذين الكتابين لتوضيحها لثاؤفيلس .

  • تحول الكنيسة من اليهودية إلي الأمم : لا بد أن هذا الأمر كان مكن الاهتمامات الخاصة التي كان ثاوفيلس يفتقر إلي شرحها ومعرفتها .

     كيف انتقل المركز المسيحي من أورشليم إلي روما ؟ وهل كان الإنجيل الذي نودي به في أورشليم والتعاليم التي أخذتها الكنيسة اليهودية من الرسل الأوائل هو نفسه الإنجيل الذي نودي به في روما ؟

      لقد كان الإنجيل، كما أعلن في أورشليم بسيطاً نسبياً، فقد طلب الرسل من اليهود أن بيسوع المسيح ويعتمدوا باسمه ويتوبوا. وعلى هذا الأساس يجب أن يعيشوا حياة تليق بصلتهم الجديدة بالله ، وهكذا يستطيعون أن يقبلوا المواعيد والبركات التي وعد بها الله آباءهم على فم الأنبياء . ولقد قبل الكثيرون هذا الإنجيل وآمنوا بالمسيح وصاروا مسيحيين ن ولكنهم في نفس الوقت استمروا في حياتهم الأولي اليهودي ممارسين لطقوسهم وشريعتهم الموسوية وعبادتهم في الهيكل وقراءة العهد القديم في المجمع ، ولم يحاولوا أن يميزوا ويفرقوا بين الوصايا ، بل عاشوا ، بل عاشوا تحت كلمة الله وحكمة كجماعة يهودية على أن هذه الكلمة تجئ إليهم الآن عن طريق الرسل لا الأنبياء القدامى.

     ولكن هذا كله قد تغير الآن تحت بصر وسمع ثاوفيلس فأضحت الغالبية العظمي في الكنيسة من الأمم ، وصارت إنطاكية وكورنثوس وروما هي المراكز المهمة بدلا من أورشليم . وبدأ التفكير اللاهوتي كذلك يتسمع ويبدو مركباً أكثر من لاهوت أورشليم . وهذه بعض الأمثلة : اعترفت كنيسة المم بأن الله هو الملك كما كانت كنيسة أورشليم تعترف ، ولكن زادت على هذا بأنه لا يمكن معرفة الله ولا الوصول إليه إلا عن طريق ابنه يسوع المسيح .

     وكذلك اعترفوا بأن يسوع هو المسيح ولكن زادوا عليه معني أشمل وهو أنه سيد السماء والأرض. وبشروا أيضاً بالروح القدس ولكنه الذي جاء ليحي الكنيسة ويربط أعضاءها في جسد واحد هو جسدا المسيح.

     وبشروا بشعب الله ولكنه في صورة الخلفية الجديدة أي الكنيسة . إنهم يقومون بالإرسالية ولكن للعالم كله وليس لليهود فقط . هذا كله يحتاج إلي تفسير وتوضيح لابد للوقا بأن يوضحه ويوضح كيف صار هذا الانتقال حقيقة واقعة.

تفسير الإنجيل للبيئة الأممية :

      كان ثاوفيلس كأي أممي خائف الله ، يعرف السبعينية ، وبعرف كلمات يسوع المسيح وتعاليم الرسل ،ولا بد أنه يعرف أن الإنجيل قد وضع في ثوب يفهمه الأمم ، فمن ذا الذي وضعه في ثوبه الجديد ؟ وبأني سلطان فعل ؟ وإلي أي ميسوع،ق هذه التفاسير والعهد القديم، كذلك حياة يسوع ؟ إن ثاوفيلس يسمع كل من يقدم الإنجيل وهو يشهد بأن الإيمان المسيحي والعبري يتفقان معاً ، بل ويكملان بعضهما البعض ، فهل هذه الشهادة صحيحة ؟ و2- مشاكلسوع، وخاصة حادثة موته وقيامته هي جزء من الإعلان الكتابي ؟ وهل كان الأنبياء ينتظرون حقيقة مجيء الروح القدس وميلاد الكنيسة والإرسالية إلي الأمم ؟

2- مشاكل عملية:

      كانت هناك مشاكل عملية تواجه ثاوفيلس كشخص أممي . ففي كل مكان يكرز فيه بالإنجيل يتحتم على من يؤمن به أن يعيش بحسب ناموس الله . وقد كان هذا مفهوماً وسهلا بالنسبة للبيئة الفلسطينية ، فعندهم ناموس الله وهو نفسه العهد القديم . لكن عندما ينتقل الإنجيل إلي البيئة الأممية فالأمر جد مختلف، فهو مجتمع وثني تتحكم فيه عادات وعبادات وثنية: عبادة الأصنام عبادة الإمبراطور طقوس سرية، وذبائح للوثن. . هذه كلها تحيط بالمسيحي من أصل أممي . ولذلك فهو يحتاج إلي قوة قاهرة لتحميه منها ، أنه ليس مسئولا أمام جهات وسلطات دينية كما هو الحال مع اليهود بل أمام سلطات سياسية ؛ وهو لا يتمتع حتى بالامتيازات التي منحت ليهود الشتات ، ولهذا فقد كان عليه أن يعرف طريقاً للحياة في مجتمعه بحيث لا يضحي بعقيدته وحياته المسيحية ، وفي نفس الوقت لا ينكر عليه واجبا للدولة ، وإن لم يفعل ذلك فإنه لا يستطيع أن يعلن الإنجيل للمجتمع الذي يعيش فيه لأنه إذ ذاك يعد خارجاً على القانون . ولهذا فقد كان من الضروري لثاؤفيلس أن يعرف هذا المواقف المسيحي مجسما في حياة يسوع وحياة تلاميذه .        

5- المشكلة اللاهوتية:

      كل هذه المشاكل السابقة ما هي إلا عوارض لمشكلة تتلخص الإنسان،التالي : إذا كان المسيحي الأممي لا يمتلك وسيلة أو طريقة يستطيع أن يعرف بها مكانه ومكانته في عمل الله وتدبيره فكيف يمكنه أن يسلك ويتعامل مع موقفه الحاضر ؟ إنه يحتاج أن يعرف – وبعمق – خطة الله العامة في فداء الإنسان، وفي نفس الوقت يحتاج أن يعرف مكان العصر الحاضر الذي يعيش فيه في هذه الخطة العامة. فإذا كان الله هو المتحكم في الأزمنة والأوقات فما هو المعني الحقيقي لأعماله في القديم مع شعبه إسرائيل ؟ وما هي أهمية الوقت الذي عاش فيه يسوع على الأرض ؟ وكم من الزمن سيطول العصر الحاضر ؟ ومتى تأتي النهاية ويتمم الله قده الأزلي ؟

     عندما يعرف ثاوفيلس الذي يمثل جزءاً كبيراً من مسيحية الأمم أجوبة هذه المشاكل ، ويتعمق في كنهها فإنه يستطيع أن يقف على أرضية ثابتة ، بل ويساعد بقوة على تقدم الإنجيل . ولهذا كله لوقا إنجيله مع سفر الأعمال من بعده .

ثانياً : حماية المسيحية من التيارات الغربية :

       يذكر البشير في مقدمه كتابه: أن كثيرين قد أخذوا بتأليف قصة للأمور المتيقنة. وعندما يقول إنه تتبع كل شيء من الأول بتدقيق فهذا يعطينا الانطباع أن هؤلاء الكثير لم يكونوا كلهم مخلصين في شرح المسيحية الأصيلة ، بل حاول بعضهم ربطها بتيارات غريبة عنها ، وقد نستنتج من كتابات لوقا هناك تيارين غريبين عنهما لكي يكشف غرابتهما عن الطريق المسيحي الحقيقي : التيار التهودي ثم التيار الهليني .

1- التيار التهودي :

     لقد بدأ هذا التهودي مبكراً في الكنيسة ، وكان يخص بالناموس وقدمه ومقدار تأثيره على الحياة اليهودية، وقد ذكرنا سابقاً أن الكنيسة الأولي في بدء خدمتها تكن تفترق عن في أمور كثيرة ، فقد كان أعضاؤها يذهبون إلي الهيكل ، ويقومون بالطقوس وغير ذلك . ولكن الأمر تعدي ذلك بكثير خصوصاً عندما دخل الأمم إلي حظيرة المسيح بواسطة تبشير الرسول بولس . فقد فرق بين المسيحية كما في المسيح وبين اليهودية ، ولكن هناك داع للناموس ولا للأعمال لنوال التبرير . ولكن جماعة من اليهود المتطرفين لم يعجبهم ذلك ، وهاجموا كرازة الرسول وهاجموا شخصه ، وقضي الرسول وقتاً طويلا في محاربتهم وتخليص المسيحية منهم . ولم يكن هذا سهلا عليه، ولكنه نجح في ألا يجعل هناك ارتباطاً ضرورياً بين الأعمال الناموسية وبين الإنجيل، وصار إنجيل نقياً من هذه البدعة اليهودية. هذا الأمر كان لوقا البشير أن يدونه ويذكره حتى يحمي المسيحية في الحاضر والمستقيل من هذه البدع اليهودية .        

      2- ومع ذلك فلم يكن اليهود المسيحيون وحدهم هم الذين حاولوا أن يقوموا بهذا الترابط اليهودي المسيحي. بل لعل كثيرين من الأمم أيضاً كانوا يعجبون باليهودية وناموسها وتاريخها الطويل وكتبها المقدسة ثم حاولوا خلق نوع من الطقس المسيحي اليهودي يتمثل في الذبائح وغيرها. ولكن التيار الحقيقي الذي لم يكن قد ظهر بعد في شكله النهائي في أيام كتابة الإنجيل وسفر الأعمال بل كان في بدايته هو التيار المضاد السابق. فقد رأي بعض الأمم أنه لا ضرورة بالمرة للارتباط بين الإنجيل وبين بيئته اليهودية التي نشأ فيها . وليس هناك أي صله بين العهد القديم وبين حياة وعمل يسوع المسيح . بل لعلهم رأوا ألا فائدة كبيرة للإنجيل من حياة يسوع نفسه التي عاشها على الأرض . طالما أنها ارتبطت بالحياة اليهودية. ولهذا فلا بد من ربط الإنجيل بنوع من الفلسفة النظرية ، وخلع الإنجيل من البيئة اليهودية ووضعه في البيئة الهلينية . وخطورة هذا التطور هي أنه يؤدي إلي إنكار فائدة بل وحدوث تجسد الله الحياة البشرية . ويؤدي أيضاً إلي التفرقة بين إله العهد القديم وبين الابن الإلهي يسوع . .

      هذه التطورات كما سبق القول ظهرت بقوة في وقت لا حق للإنجيل ، ولكن جذورها بدأت في وقت مبكر عندما بدأ الإنجيل يغزو البيئة الهلينية ويبدأ الصراع بينهما . وعلى هذا فقد كان أمام لوقا البشير عمل هام وفريد : أن يشرح لثاؤفيلس المعني الحقيقي لكل الحوادث التي ترتبط بالعمل الفدائي ، وأهميتها الأساسية للكنيسة ، وأن للكنيسة ، وأن يكشف لقرائه بوضوح التدرج الذي سار فسه عمل الله في المسيح يسوع ومعناه الفدائي مبتدءاً من ميلاد يسوع ماراً بحياته موته وقيامته وصعوده، ثم الإرسالية العامة الشاملة التي وضعها على شعبه الجديد الذي آمن به رباً ومسيحاً. . وقد فعل ذلك بربط المادة التي جمعها من الذي كانوا منذ البدء خداماً ومعاينين للكلمة. هذه الشهادة كلها كان لا بد أن يكلف الروح القدس شخصاً مثل لوقا بكتابتها ، وقد فعل .

الطريقة الخاصة التي استخدمها لوقا في الكتابة :     

رأينا سابقاً أن البشير قد وضع لنفسه برنامجاً وهدفاً لكتابته. وشخص كهذا لا بد وأنه يستخدم طريقة خاصة لإبراز هذا الهدف الخاص به ، فما الطريقة التي استخدمها لوقا تميز بها وأصبحت طابعاً له في كتابيه : الإنجيل وسفر الأعمال ؟ هناك على الأقل خمسة أوجه لكتابته:

1- الوجهة التاريخية:

كان عليه أن يجيب على أولئك الذين يتساءلون عن الأصل التاريخي للكنيسة، وحقيقة الحوادث التي أو جدتها، ولهذا كان عليه أن يضع هذه الحوادث بكل دقة وخيرة تاريخية حتى يستطيع كل من يحاول معرفته أن يجد لديه سجلا تاريخياً دقيقاً. ولهذا الهدف وضع الحوادث الأساسية للكنيسة في قلب التاريخ الإنساني والروماني الكنيسة مرتبطة بتاريخ الأباطرة والولاة ورؤساء الكهنة ( لوقا 1 : 5 و 2 : 1 و 2 ، 3 : 1 و 2 ) . وإلي جانب ذلك يذكر الأمكنة والمواقع بأسمائها الفنية ( أعمال 16 : 6 ، 18 : 23 ) . وكعادة المؤرخين العظام في عصره كان يذكر الحوادث التاريخية بلغة تناسب عصره والناس يكتب لهم ، متحققاً من صحة هذه الحوادث .

ومع كل ذلك فقد كان لوقا متميزاً في كتابته كمؤرخ ، فهو لم يقصد أن يكون فقط قصاصاً للتاريخ المقدس ، يذكر الحوادث لمجرد ذكرها ، ولكنه كان يقصد هدفاً آخر هو تعليم ثاوفيلس صحة الأمور التي تعلمها عن طريق هذه الكتابة . ولذلك اهتم بطريقة اختبار المادة وتركيبها يحسب خطة في ذهنه حتى يخرج منها أهم الفوائد . ونثق جداً البشير كان مركز في طيب ساعده كثيراً على الوصول إلي هدفه ، فقد مر على الحوادث التي يكتب عنها وقت كاف بحيث يستطيع أن يتحقق ويفكراً موضوعياً في هذه الحركة العظمي التي حدثت في ذلك العصر ، وبذلك يستطيع أن ينتقي أفضل الحوادث وأكثرها أهمية ، فالكنيسة قد تأسست منذ زمن ، وحرارة يوم الخمسين قد هدأت ، واتسعت الإرساليات في كل مكان ، وكلمات يسوع تجمعت في مجموعات ، والأعمال التي قام بها كانت معروفة ، وأضحت الحوادث اللاحقة لها تفسيراً الأعمال والكلمات ، وصارت هذه بدورها مصدراً للنور الذي يعطي المعني الحقيقي لكل هذه الحوادث .

الامتياز الثاني للبشير لوقا فإنه كانت لديه مصادر ممتازة عن هذه الحوادث والكلمات . كانت له علاقات متينة وشركة عميقة مع الشخصيات الأساسية في الكنيسة ، مثل بولس وبرنابا وغيرهم من الرسل . وكانت تحت يده مكتوبات خطتها أيدي أناس لهم عميق الصلة بحياة الكنيسة الأولي ، وتقاليد شفوية تتناقلها الكنائس وتحتفظ بها وتحفظها . بل لعل الامتياز الكبير الذي كان للبشير هو الأسفار العديدة ومقابلة الكنائس والشخصيات، وبذلك أمكنه أن يجمع مادة ثمينة لكتابيه هذين. وإلي جانب ذلك كان هو يتمتع بإحساس قوي بالتاريخ، وبعرف كيف يكتبه ويرتب مادته في حس سام وملكات نقدية دقيقة، وهذا كان عاملا على نجاحه التام الذي يظهر الإنجيل والأعمال. 

2-  التفسير اللاهوتي للتاريخ :

لم يكتف البشير لوقا ، كمؤرخ ، أن يكتب تاريخاً عالمياً Secular بحكمته.الحوادث دون ذكر أي تدخل إلهي فيه ، ولكنه كتب هذا التاريخ على أنه تاريخ الخلاص ، فكان يهتم بوضع الحوادث في نظام منطقي مترابط ، يستطيع أن يري فيه القارئ قصد الله في حياة الإنسان . وبذلك يمكن أن نسميه التاريخ المقدس الذي خلق الله حوادثه وسيره بحكمته . ولكي بفهمه القارئ فهماً صحيحاً فبجب أن يفهم كل حادثة فيه ويعرف معناها العميق. ولم ينس البشير أن يفسر كل حوادث هذا التاريخ أن يربط حوادث بكيفية جعلت منه تاريخاً أساسيا في حياة البشر لأنه تاريخ الفداء.

     ولم يكن البشير أول من فكر في هذا التاريخ المقدس، فقد سبقه اليهود في ذلك فقسموا التاريخ إلي قسمين: الأول وسموه ” الحاضر “. وهو الذي يبدأ بالخليقة وينتهي – بحسب رأيهم بمجيء الوقت الذي فيه يدين الله جميع الناس . وفي هذا العصر يحكم الناموس حياة الناس . أما القسم الثاني  فقد سموه ” الدهر الآتي ” . ولقد أعطتهم هذه العقيدة والتمسك بها حياة الثبات في كل المحن التي واجهوها ، لأنهم كانوا يثقون  أن الله سيتدخل في التاريخ ، إما بنفسه أو طريق ابن داود الذي يقيمه ليرد مسببي شعبه ويعيد مجدهم القديم . ولم تكن هذه العقيدة نبتة ولكنها بنيت على أساس ثقتهم بمواعيد الله التي أعطاها للآباء ” .

     ولقد شارك التلاميذ المسيح اليهود هذا التفسير وكان يعضهم يتقبلها دون مناقشة ولهذا فقد واجهوا مشكلات خطيرة ، منها ظنهم أن وقت النهاية قد قرب جدا ًما دام المسيا قد ظهر ، ولهذا فقد سألوا يسوع ” هل في هذا الوقت ترد الملك إلي إسرائيل ( أعمال 1 : 6 ) .

ولكن سرعان ما اكتشفت الكنيسة أن العقيدة اليهودية أبسط من أن تفسر عمل الله في المسيح يسوع، وأن لهذا العمل بعداً يعرفه البشر بعد. وكان لوقا أول من عرف هذه الحقيقة وأن مركز التاريخ المقدس هو المسيح يسوع الذي أعلن بمجيئه قصد اله فالله.له ، وهو المفتاح الحقيقي لأزمنة الله وكل ما مر قبل مجيئه كان يتطلع إليه ويجد معناه في انتظاره إياه ، وكل ما يجئ بعده يعتمد عليه ويجد معناه فيه .

  ولقد رأي لوقا أن هناك عصور ثلاثة في التاريخ المقدس : الأول هو عصر إسرائيل : من البدء إلي ظهور يوجبا المعمدان وهو عصر الانتظار . العصر الثاني هو عصر المسيح وهو مركز أزمنة اله ويتلخص في إرسالية يسوع إلي وقت صعوده وفيه أعلن خلاص الله . أما العصر الثالث فهو عصر الكنيسة والكنسي، للعالم ويبقي إلي الإرسالية الإلهية. ويتميز هذا العصر الثالث بعمل الروح القدس النشط ، وهو ليس عصراً قصيراً ، ولكنه بدوره بحسب كتابات البشير ، ينقسم إلي طورين : الطور الأول هو عصر الكنيسة الأولي وهو عصر الرسل ويتميز بوضع الأساس للكنيسة ، ولهذا فقد حدثت فيه آيات وعجائب وقوات لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى ، لأنها آيات ظهور كنيسة الله في التاريخ ، كما كانت آيات المسيح علامة على مجيئه كالمسيا المنتظر وابن الله الفادي .

    أما الطور الثاني فهو طور الامتداد الكنسي، مبنياً على تعاليم يسوع ونشاط الرسل والمؤمنين الأوائل. . وقد ظهرت مميزات الرفيع:ر في خطاب الرسول بولس لقسوس أفسس ( أعمال 20 : 18 – 36 ) . إنه عصر يجب أن يتميز بالخدمة والترقب والحذر من دخول الذئاب المفترسة، وانتظار مجيء المسيح في أي وقت يريد. 

3- الأسلوب الأدبي الرفيع:

عندما وجه البشير كتابيه للعزيز ثاوفيلس فإنه كان يبتع نظام الأوساط الأدبية في عصره ، وهو لم يقصد أن تكون كتاباته رسائل شخصية لا تتسم بالرسميات ، ولكنه كان يكتب بحسب الطرق . وقد قسم كتابه إلي مجلدين وضع كل واحد على درج بحسب الإمكانيات المناحة لذلك العصر .

 ومن طريقة كتابته يتضح أن البشير كان يقصد نشر كتابه على جمهور واسع لقراءته ، ولهذا السبب اتبع القوانين الأدبية الخاصة بهذا النوع من الكتابة ففي المجلد الأول – الإنجيل – كتب مقدمة عامة يصف فيها الظروف التي يكتب فيها والهدف الذي يقصد إليه . أما في المجلد الثاني – الأعمال – فكانت المقدمة مختلفة بعض الشيء بسبب اختلاف الهدف والغرض منها. ففيها يعطي ملخصاً لما قد حدث من قبل، ثم يضع خطة الجزء الباقي من قصته هذه. ولقد سهل هذا العمل على القارئ. مهمته وكشف له عن طبيعة الجزء الذي يقرأه من هذا العمل العظيم، حتى ولو كان يقرأه بعيداً عن الجزء المكمل له، سواء أكان الأول أم الثاني.

وتظهر طريقته في الكتابة الأدبية الرفيعة في نوع اللغة والأسلوب الذي يكتب به، مما يتفق مع الكتابة الأدبية المميزة لعصره. ويطهر ذلك بكل وضوح عندما نقارن إنجيله بإنجيل البشير مرقس الذي سبقه في الكتابة ، فاعتمد عليه البشير لوقا كمصدر أساسي له . ومع ذلك هناك فرق واسع بين الاثنين . فالإنجيل الأول – مرقس – كتب بطريقة مباشرة بسيطة لا تضع أهمية كبري على التحسينات اللفظية ولا الأساليب الأدبية ، ولهذا يختلف عن كتابات البشير لوقا ، فهو عندما يقتبس منه ويبتع الترتيب الزمني في الحوادث فإنه يحاول أن يخفف من أسلوبه ، ويغير بعض الكلمات الشديدة ويستخدم جملا وصيغاً بلاغية، محسناً في كيفية ربط الجمل والحوادث، حتى يمكن أن تسير القصة بيسر وسهولة تامة. ولم يكن هدفه في ذلك هو مجرد التغيير ولكن لكي يكون مخلصاً للأسلوب الأدبي المعاصر، وخاصة لأنه يكتب لجماعة رفيعة المستوي. وبذلك برهن البشير لوقا على أنه متمكن جداً من الثقافة الهلينية ، وأسلوب الكتابة الرفيع الذي كان يسود عصره .

4- تفهمه الفريد للكتاب المقدس :

كانت طريقته في الكتابة تنصب على الكتاب المقدس، أي العهد القديم بكيفية اعتبره لأجلها الكثيرون انه أول لاهوتي للكتاب المقدس في الكنيسة الأولي. فهو ككل معلمي الكنيسة الأولي أظهر أن المواعيد التي أعطاها الله في العهد القديم قد تمت في العهد الجديد. ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد بل تعداه متعمقاً في المفهوم الإلهي للإعلان للإعلان، وذلك بالتركيز العميق على بعض الحوادث والموقف التي ربطت بين حقائق حياة يسوع ورسالته وبين العهد القديم. وهذا جعله يختار من المادة التي كانت يديه عن حياته وأعماله ، الحوادث التي تكشف عن المعني الحقيقي للتاريخ المقدس والإعلان . ولنأخذ مثلين على ذلك من الإنجيل . . فعندما أراد أن يعرف عن حقيقة إرسالية يسوع ويكشف عن ماهيتها فإنه يختار لذلك عظة يسوع في الناصرة ( لوقا 4 : 16 – 21 ) وذلك لأنه يجد أن المفتاح الأساسي لحياة المخلص هو إشعياء 61 . إن البشير لم يكن يقصد أن يكشف عن سر المسيا ومن هو ، بل أن يكشف من الأنبياء عن نوع المسيا الآتي ونوع رسالته .

    أما المثال الثاني فهو قصة الآلام . ففي هذا الإنجيل حاول القديس لوقا أكثر من أي إنجيلي آخر أن يفسر حوادث الأسبوع بما جاء في موسى والأنبياء ( لوقا 24 : 25 – 27 ، 44 – 47 ) .

   أما في سفر الأعمال فقد تجلت مقدرة القديس لوقا في هذا الأمر فأظهر نوع الارتباط العضوي بين العهد القديم والكنيسة .

    فقد ذكر حوادث يوم الخمسين بالتفصيل وتفسرها من نبوة يوئيل 2 : 110.32 . وكذلك عظة بطرس كانت تحتوي على أجزاء كبيرة من مزامير 2 و 16 و 110 .     

  وخطاب اسطفانوس يحتوي تفسيراً لكل التاريخ الفدائي للعهد القديم وفي أعمال 15 يطبق الرسول قاموس 15 على حياة الكنيسة .

    ويذكرها. القديس لوقا اللاهوتي الكتابي الأصيل في العهد الجديد . فأينما وجد في التقليد الذي بين يديه عن حياة يسوع والكنيسة وإرساليتهما حادثة أو موقفاً له علاقة تفسيرية للعهد القديم فإنه يذكرها. لأنه يعرف أنه الرعوية:ويخدم الكنيسة في عصرها الأول، وأنه يعلم المسيحيين معني الحق الكتابي.    

1- الاهتمامات الرعوية:

كان القديس لوقا مؤرخاً ولاهوتياً وأديباً . . هذه حقائق هامة وواضحة في كتابه،  ولكنه كان فوق هذا يتمتع بإحساس رعوي يصل به إلي مرتبة أعظم الرعاة والرسل.

ويتجلى هذا الأمر أولا في اهتمامه على أن يطبق عمل يسوع الفدائي على حياة الأشخاص. ففي تنبيره على خطية الإنسان وحاجته إلي التوبة وسرعة استجابة الرب بالمغفرة والخلاص ما يوضح هذه الحقيقة . ومن يقرأ قصصه يحس بحماسة الكاتب وسعادته عندما يذكر أن أنسانا قد وقف في مواجهة يسوع مستجيباً له. . أليس هو الوحيد الذي يذكر قصة المرأة الخاطئة ( لوقا 7 ) ؟ وقصة زكا العشار ( لوقا 19 ) واللص التائب ( لوقا 23 ) ؟ ألم يذكر الأمثال الثلاثة التي تلخص الإنجيل كله وهي الخروف الضال والدرهم المفقود والابن الضال في إصحاح واحد ( لوقا ) ؟

ولكن في مجال الرعوية لا يتوقف اهتمام البشير في متابعة الإنسان المؤمن إلي حد استجابته للمخلص وتمتعه بالخلاص، بل يتعداه إلي كشف سر الحياة المسيحية والسلوك المسيحي. ففي الإنجيل تواجهنا مطالبي أخلاقية عالية، توجه المؤمن في الطريق المسيحي الصحيح. في وسط العالم . ففي مثل السامري الصالح ( ص10) ، ومثل الغني الغنى (12) ومثل الغني وأليعازر (16). نجد ذلك واضحاً ومكتملا .

   وكذلك الحال في سفر الأعمال ، ففيه تظهر حاسة القديس لوقا الرعوية وذلك وصفه للحياة السامية المترابطة للجماعة المسيحية الأولي ، وفي إظهار المكانة الأولي والأساسية للروح القدس في حياة الكنيسة ، وفي كشفه لأهمية وطبيعة الإرساليات . . كل هذه الأمور تظهر أن لوقا كان كاتباً وراعياً يفيض قلبه بحب سيده وكنيسته وأعضاء جسده.

المصادر التي اعتمد عليها القديس لوقا :

يقول البشير في مقدمة إنجيله ” إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها ألينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي. . ” ( لوقا 1 : 1 – 3 ) وهذا يدل على أن البشير اعتمد على من سبقوه في الشهادة للمسيح لكي يجمع ويستقي منهم المعلومات الخاصة ، ويدل أيضاً على أن هذه المعلومات قد أخذها من مصادر مكتوبة وأخري شفوية . وقد سبق ودرسنا ماهية المصادر التي اعتمد عليها في كتابته للإنجيل وذلك في دراستنا لقضية الإنجيل الثلاث الأولي. وقد مر بنا نظرية الأربعة مصادر التي أضحت مقبولة لدي الغالبية من الدارسين : هذه النظرية تتلخص في أن الإنجيلين الأخيرين : متى ولوقا اعتمدا على أربعة مصادر وهي إنجيل مرقس ثم المصدر Q   ثم والمصدر   م  وعلى أساس هذه النظرية تكون المصادر التي اعتمد عليها لوقا البشير في كتابة إنجيله ثلاثة :

مرقس ترتيب الحوادث في حياة يسوع : ثم

Q في تعاليم يسوع ويشترك فيها مع متى. ثم

ل : وهو المصدر الذي أخذ منه الأشياء الموجودة بإنجيله ، ولكنها لا تظهر في الأناجيل الأخرى ، مثل قصص الميلاد وبعض كالسامري الصالح وأمثال ص 15 وغير ذلك . وهذه يمكن دراستها بالتفصيل في الفصل المعني بذلك.

   هذا عن الإنجيل ولكن عندما تأتي إلي سفر الأعمال فإننا قصة أخرى يجب أن ندرسها هنا.

قضية المصادر التي استخدمها امثلا:لوقا في كتابه سفر الأعمال لها صعوباتها الكثيرة ، ولعلها أكثر تعقيداً مصادر الإنجيل ، وذلك لأن للإنجيل نظائر مثله ، أي مرقس ومتى تلقي كثيراً من الضوء على هذه المشكلة . أما في سفر الأعمال فلا يوجد في العهد الجديد غيره ينصب على هذه الفترة الحاسمة في تاريخ المسيحية الأول ، ويختلف الدارسون في هذه القضية على أساس نظرياتهم عن المؤلف نفسه ، فبعضهم يظن أن مؤلف الكتاب ليس شخصاً واحداً بل عدة أشخاص كتبوا عدة أجزاء كتابات ، وجاء مؤلف واحد وجمع هذه الكتابات معاً ، ويدلل هؤلاء على وجود ثنائيات أو تكرار في نوعيات الكتابة ( كما يقول هارنيك في كتابة عن سفر الأعمال ) . ففي الإصحاحات الخمسة الأولي مثلا : عظتان للرسول بطرس ( 2 : 14 – 36 ، 3 : 12 – 26 ) يقبض على الرسل مرتين (4 : 3 ، 5 : 18 ) . مرتان يدافع الرسل عن رسالتهم أمام السنهدريم 4: 8 – 12 ، 5 29 – 32 ) مرتان يذكر عدد المسيحيين ( 2 : 41 ، 4 : 4 ) مرتان يصف الحياة المسيحية داخل الجماعة المسيحية ( 2: 44 – 47 ، 32 – 37 ) .

   وبعض الدارسين يضعون نظرياتهم في تعدد المصادر على تعدد الأساليب في كتابة السفر، فبعض الأجزاء تظهر فيها الترجمة من الآرامية بشكل واضح مثل الأجزاء الأخيرة، والتي كتب في أسلوب الشخص المتكلم الجمع ( نجن ). ولكن بعض الدارسين لا يعترفون بمثل هذه الاختلافات .

   وهكذا خرجت نظريات كثيرة بني عليها بعض العلماء تعدد المصادر التي أخذ منها شفر الأعمال ، وهؤلاء الذين يتمسكون لهذه النظريات ينكرون أن كاتب السفر هو لوقا ، وهو ذات الشخص الذي كان رفيقاً للرسول بولس في سفرياته . الحقيقة التي اقتنعنا بها في الصفحات السابقة عندما درسنا عن شخصية مؤلف هذا السفر ، عندما اتضح أن الشهادة الداخلية الشهادة الخارجية معاً تؤكدان على أن الكاتب هو نفس كاتب الإنجيل الثالث ، وهو نفسه لوقا كان واحداً من إصحاح الرسول بولس الملازمين له .

  ولكن اقتناعنا هذا لا ينفي أن القديس لوقا قد يستخدم بعض المصادر لمعرفة المادة التي كتب منها كتابه المعنون ” سفر أعمال الرسل ” فما هي هذه المصادر ؟. وكيف استخدمها الكاتب ؟

      1- كان للقديس لوقا فرصة أوسع لتعرف على المعلومات التي وضعها في سفر الأعمال عن تلك التي كانت له أثناء كتابته الإنجيل ، ولعل تلك الأجزاء التي كتبها في صيغة المتكلم الجمع . حتى وإن كانت قليلة، أن هناك فقرات أخرى في هذا الجزء من الكتاب كان الكتاب حاضراً للحوادث التي تحتوي عليها دون أن يتكلم عنها بصيغة المتكلم هذه .

فالمصدر الأول إذن هو مصدر شخص وهو اختباره في سفر مع الرسول بولس ربما كان يكتبها في يحملها معه ويدون بها كل الأحداث . 

      2-أما الأحداث والقصة كلها المدونة في ( ص1 – 8 ، 9 : 32 – 11 : 24 ، 1 – 24 ) فلم يكن لوقا حاضراً فيها . ولم يكن للرسول بولس أي يد في تحريكها أو تخطيطها ، فكيف وصلت إليه ؟ إن الجواب على ذلك لا بد وأن استنتاجياً نظرية يقول بها كثير من العلماء وهي أن لوقا البشير اعتمد في هذا الجزء على كتابات القديس مرقس كما اعتمد عليه أيضاً في كتابة إنجيله . ويقولون إنه مما لا شك فيه ضياع نهاية إنجيل مرقس تعطي الانطباع بأن هذه النهاية لا تتكون فقط من مجموعة من الآيات . بل كانت جزءاً كبيراً لم يتوقف فيه الكاتب إلي حد قيامة المسيح وظهوره وصعوده، بل تعداها إلي كتابة جزء من تاريخ الكنيسة الأولي. ويقولون إن هذا الذي كان رفيقاً لبطرس وابن أخت بر نابا ظهر أولا ( أعمال 12 : 12 ) حيث يذكر الكاتب أن الكنيسة في بيت أمه ، ولا بد أن الشاب مرقس كان يعرف الكثير عن الحركة الأولي للمسيحية ، وكما دون حياة المسيح دون الحركة المسيحية كتتمة لهذا العمل . وقد اعتمد لوقا على هذا الجزء قبل ضياعه .

ولكن بعض العلماء لا يثقون كثيراً في هذا الاستنتاج ويقولون إن لوقا استقي هذه المعلومات من أورشليم عندما زارها سنه 57م ( أعمال 21: 15 و 16 ) وخصوصاً أن هذه الأجزاء تظهر آثار الكتابات الآرامية.  

     3- هناك جزء من القسم السابق وهو 6 : 1 – 8 : 3 وهو الخاص تقريباً بقصة أسطفانوس ، يتكون من وحدة واحدة وغالباً ما كان المصدر الأساسي للوقا هو الرسول بولس نفسه . فلا بد أن الرسول سمع خطاب هذا الشهيد الأول . ورأي محاكمته ورأي كل ما أحاط بموته. وقد يكون مصدر المعلومات فيلبس المبشر الذي كان زميلا لاسطفانوس وحضر كل ما حدث له ، وهرب نتيجة الاضطهادات . وقد نزل لوقا ضيفاً عليه في قيصرية ( أعمال 21 : 8 ) . ولا بد أن قصة السامرة ودخولها الرب ونزول الروح القدس على المؤمنين فيها عندما حضر الرسولان بطرس ويوحنا قد ذكرها فيلبس أيضاً .

في 11 : 19 – 30 تبدأ قصة كنيسة إنطاكية ثم تذهب القصة في طريقها إلي الإرسالية الأولي لبولس وبر نابا ، وهذه القصة لها مصادر متعددة قد يكون هو الرسول بولس نفسه وقد تكون وثيقة مكتوبة في إنطاكية مثل تقرير كتبه الرسولان بولس وبر نابا الكنيسة هناك عن رحلتهما ، وما حدث فيها والكنائس التي بنيت نتيجة لها . ولا بد أن أورشليم وإنطاكية كانتا تمتلكان تقريراً عن المجمع الذي حدث في أورشليم ( أعمال 15 ) . ولا بد أن الكاتب قد اطلع على هذه التقارير.

4- الخطابات الأولي:

  هناك قضية هامة مرتبطة بالمصادر التي استقي منها لوقا وهي قضية الخطابات التي ذكرها في كتابه . فبدون شك كانت الخطابات أطول مما نجدها الآن في الإصحاحات الأولي في سفر الأعمال، ولا بد أن خطابات الرسول أيضاً قد اختصرت بعض الشيء. فماذا فعل القديس لوقا ؟ هل كانت لديه نسخة من هذه الخطابات فاختصرها ووضعها في مكانها ؟ لقد اختلف العلماء في هذا الأمر وسبب اختلافهم هو العادة التي كانت متفشية في ذلك العصر التي يعبر عنها ” سيوسيديس ” بقوله ” أما عن الخطابات التي يقولها مختلف القادة في اليوم السابق للحرب أو أثناءه فمن الصعوبة بمكان أن أتذكر الكلمات الحقيقة التي كانوا يقولونها . . . ولكني سجلتها بحسب ما كنت أعتقد ماذا يقول المتكلم في تلك المناسبة عاملا كل جهدي ألا أحيد عن ذلك ” ( مقتبسة من ب ف بروس : سفر الأعمال ص 18 ) . ولكن إذا كانت الخطابات التي ظهرت في كتب سيوسيديس تقترب إلي أقصي حد ممكن إلي الخطابات الأصيلة ، فإن من تبعوه قد خالفوا هذه القاعدة ، والقوا هم خطابات من عندهم ، ووضعوها في فم المتكلم وكتبوها في أسلوب فصيح يقترب من الشعر . حتى أن أسلوب هذه الخطابات كان يفوق بقية الكتاب فصاحة وبلاغة؛ هذا مع عدم بما قاله الخطيب.

    فهل فعل القديس لوقا ذلك ؟ هل وضع في فم بطرس خطاب يوم الخمسين وما تبعه من خطابات ، وهل ألف خطاب اسطفانوس ، وخطابات الرسول بولس ؟ إن الدراسة الدقيقة تكشف نقيض ذلك . . فهو أولا لم يرد أن يظهر بلاغة أسلوبه تأليف الخطابات لسبب بسيط وهو أن أسلوب الخطابات التي تظهر في سفر الأعمال أقل فصاحة من بقية الكتاب ، وخصوصاً في الإصحاحات الأولي منه مما بدل على أن معرفة الذين نطقوا بهذه الخطابات باليونانية أقل كثير من معرفة الكاتب نفسه . وإلي جانب ذلك يجب أن نتذكر أن لوقا البشير عندما اقتبس من إنجيل مرقس كان أميناً اقتباساته ، ولم يفعل شيئاً سوي تخفيف بعض الكلمات التي كان يجب أن تخفيف وهذا ما فعله البشير متى أيضاً ( ارجع لقضية الأناجيل الثلاثة الولي ) . وهذا يدل على أن لوقا كان أميناً أيضاً في كتابة ما وجده من الخطابات في العصر المسيحي الأول .

    ومما يدل على أمانة القديس لوقا في هذا هو ما جاء في الخطابات . من اقتباسات من العهد القديم، وهذا يدل على أنها قيلت في مجتمع يهودي. ومع أن هذا كان سهلا على كاتب مثل البشير لوقا أن يؤلفه لكن وجود هذه الآيات والفقرات والتفاسير التي من العهد القديم في أسفار متعددة كالأناجيل والرسائل ، ومشابهتها بعضها لبعض في التفسير. ( أنظر أعمال 2 : 25 وما يلي مع 13 : 33 وما يلي ) يدل على أن هذه الاقتباسات كانت ملكاً عاماً للكنيسة ، وريما – كما ذكرنا ذلك سابقاً – كانت هناك مخطوطة كتبت خصيصاً لليهود لكي تكشف لهم أن يسوع المسيح وكل ما يتعلق به قد أكمل العهد القديم كله رسالة الشعب الإسرائيلي . وقد اقتبس الرسول بطرس وغيره من هذه المخطوطة أو هذه النبوات المتعارف عليها في الكنيسة الولي .

     وهذا المر يفسر لنا التشابه الذي نجده بين الاثنين وليس بطرس وبولس ( قارن مثلا أعمال 2 : 25 وما يليه مع 13 : 16 وما يليه ) لأن الاثنين كانا يبشر بإنجيل واحد ولهذا فهم يتشابهان في موضوع البشارة وفي الاقتباس من العهد القديم . . وصارت الكرازة واحدة ومتشابهة في عرضها عند الاثنين  .

ولكن هذا لا يعني أن الرسول بولس لم يضف شيئاً جديداً إلي الإعلان الكنسي . فمن يتأمل 13: 38 و 9 يجد أنه هو الشخص الأولي الذي أعلن الروح بواسطته التبرير ، وتصم هذه الفقرة من خطابات بولس أول مكان تظهر فيه عقيدة التبرير هذه .

   أما خطابات الدفاع التي تطهر في سفر الأعمال وأهمها خطاب اسطفانوس الشهيد ، فإنها تحتوي أفكاراً لاهوتية قد وسعها الرسول بولس وشرحها في رسائله . أما خطاب الرسول بولس إلي رعاة كنيسة أفسس فهو الخطاب الوحيد الذي ذكر في سفر الأعمال موجهاً إلي جماعة مسيحية ، ولهذا فإننا نجد تشابهاً كبيراً بين الأفكار التي تحتويها هذا وبين رسائل الرسول بولس .

    وبهذا نري أن الخطابات التي في سفر الأعمال تشابه كلها المواقف التي قيلت فيها ، مما يدل أن الكاتب لم يخترعها من عنده . بل بالعكس فإن التدرج اللاهوتي الذي فيها ، من عقيدة المسيح البسيطة التي تظهر في خطابات الرسول بطرس إلي العقيدة المتطورة في خطابات الرسول بولس يكشف لنا الحقيقة وهي أن لوقا لم يكتب هذه الخطابات من عندياته ، بل هي ملخص ما قيل فعلا في تلك الظروف ، ولذلك فهي عظيمة القيمة . في كشف تفكير وأحوال الكنيسة الرسولية الأولي  .

رسالة القديس لوقا :

   كان يمكن أن نقول رسالة إنجيل لوقا وسفر الأعمال ونذكر محتويات ومضمون كل كتاب على حدة ، ولكن هذا العمل لا يعطينا الفكرة الصحيحة على هذا العمل العظيم ، ولا يمكن أن يكون في صالحهما . ولهذا السبب رأينا أن ندوس ماذا يريد أن تقول القديس لوقا في كتابيه ، إنها رسالة واحدة مستمرة ، يكمل كل كتاب الآخر في توضيحها وإظهارها . . ولكن ما هي الطريقة المثلي التي نستطيع بها أن نكشف رسالته ؟ أن الطريقة المثلي هي أن نقتفي أثاره ونسير وراءه، وفي إتباعنا له نستطيع أن نعرف العلامات البارزة في عمله، هذه العلاقات البارزة تتركز فيها وحولها رسالته. لقد كان القديس لوقا مؤرخاً من الدرجة الأولي لأنه يتوخي في ذكر الحقائق كما يقول هو في مقدمة المسيح. أثبتت الدراسات القديمة والحديثة . ولكنه لم يكن مؤرخاً لقصد التاريخ وحده ، ولكنه كان يقرأ في التاريخ عملا عظيماً ويري يد الإله تقوده وتقود أحداثه إلي مركز خاص وهدف مقصود . نعم إن هذا الهدف وهذا المركز يتحدان في شخصية واحدة وفي كل ما يتعلق بها من أحداث وهي شخصية المسيح . فكل ما سبقه من أحداث وشخصيا كانت، تشير إليه وتسير نحوه، وكل من لحقه من أشخاص وما اتصل بها من أحداث كانت تنبع منه وتشهد له. 

    كل هذا يدل أن القديس لوقا لم يكن فقط مؤرخاً ، بل كان لاهوتياً يدرس في الحوادث الواقعة والمتسلسلة عمل الله . ولهذا السبب لم يرص الحوادث رصاً ، ولكنه كان لاهوتياً في اختياره للحوادث وترتيبها ، لكي يسلط ضوءاً قوياً على هذا التاريخ المقدس . تاريخ الخلاص.

    وهنا يعن لنا أن نذكر حقيقة هامة وفي غاية الأهمية. . وهي أن القديس لوقا في كتابته والثالث.لمقدس كان يقتفي آثار الأنبياء العظام في توضيح صلة هذا التاريخ العام. فمن يقرأ الإصحاح الأول والثاني والثالث. وغيرها من الإنجيل يجد أن البشير يربط الحوادث التي يذكرها في إنجيله بالتاريخ العام، فماذا كان يقصد من ذلك ؟ بدون شك كان يرمي إلي ثلاثة أمور .

  الأمر الأول هو بيان تاريخية الأحداث التي يكتبها، فهو لا يسطر أسطورة إله يوناني، أو يكتب عن ديانة من الديانات السرية التي على الأساطير الدينية ، ولكنه يؤرخ لحادثة وقعت في الوقت المحدد والمكان المحدد أثناء حكم هذا أو ذاك من القياصرة والولاة ورؤساء الكهنة ، إنها حقائق واقعية حقيقة ملموسة .

   أما الأمر الثاني فهو أنه لا يفصل فصلا تاماً بين التاريخ المقدس ، تاريخ الخلاص وبين التاريخ العام . أن المسيطر على التاريخ هو الله الذي بسيره ويقوده إلي الهدف المحدد له.هذا التاريخ العام هو الحقل الذي فيه يعمل الله أعماله القوية والعظيمة.فالتعداد كان الحادثة التي يولد فيها المسيا في المكان الذي يجب أن يولد فيه ، والوالي هو الذي يحكم على المسيح بالطلب ، ورئيس الكهنة هو الذي يعمل جاهداً على موت المسيح . أن الله وحده هو الذي يسيطر على الجميع. ويعمل كل شيء، والمسيح الذي هو مركز التاريخ المقدس يدفع الضريبة ويقوم بكل أعمال الناموس ويخضع لكل القوانين الأرضية.

    أما الأمر الأخير فهو أن هذا التاريخ المقدس لا يختلط اختلاطاً تاما ً ولا يذوب ذوباناً كاملا في التاريخ. إنه في وسط التاريخ العام وجزء منه لكي يعمل ويحول هذا إلي الهدف الذي وضعه الله له ، أنه تاريخ إيجابي فعال ، إنه الخميرة الصغيرة التي وضعت لتخمر العجين كله ، إنه جزء من التاريخ العام ولكنه يحمل عنصراً جديداً فعالا إيجابياً . إنه تاريخ الفداء .

   هذا هو ملخص نظرة القديس لوقا عندما يكتب مؤرخا ولاهوتياً فما هي العلامات البارزة في تاريخه ؟ هذه العلامات تتلخص في تقسيمه للتاريخ المقدس إلي ثلاث حقبات عظيمة :

 الحقبة الأولية   –     حقبة شعب إسرائيل أو الانتظار.  

الحقبة الثانية    –     حقبة يسوع المسيح أو بالإرسالية.

الحقبة الثالثة   –      حقبة الكنيسة أو حقبة الإرسالية.

الحقبة الأولية – إسرائيل أو الانتظار: 

     في الإصحاحين الأول والثاني يلخص الكاتب كل تاريخ العهد القديم أمور:ه، وحيث أنه يكتبه في مسحة ضيقة فهو شديد التركيز جداً. وفي هذا التلخيص المركز نجد صورة مثالية للعهد القديم في ثلاثة أمور: الناس والنبي والهيكل. 

      1- أما ا1:س فإنهم أولئك الذين يعيشون أمام الله بحياة كاملة لا عيب فيها بحسب ناموس الله . والأمثلة على ذلك كثيرة فنجد اليصابات وزكريا اللذين كانا يعيشان أمام الله تماماً كما كان يعيش إبراهيم وسارة ، وقد قيل عنهما ” وكانا كلاهما بارين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم ، ولم يكن لهما ولد إذ كانت اليصابات عاقراً وكان كلاهما متقدمين في أيامهما ” . ( لو 1: 6: 7 ). وقد تقبلا البركات التي أعطاها الله لهما علامة على أمانته الكاملة لعهده للبقية الأمينة في شعبه ” مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه وأقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه كما تكلم بفم أنبيائه القديسين هم منذ الدهر ” ( 1 : 68 – 70 ) . وهم إذا يمتلئون بالفرح عندما يسمعون الخلاص المقبل الذي يعلنه الرب لهم ، فإنما هم يمثلون إسرائيل كمالها عندما تستقيل بركات عصر المسيا العظيم بما يحمله من غفران للخطايا وظهور المخلص الأعظم الذي ينتظرونه ، إنهم البقية الباقية الأمينة التي تعيش على أبواب عصر المسيا . ( 12 : 70 – 80 ) .

  بل هنا الطريقة الكاملة التي بها يتكلم الرب مع هذا الشعب، فأنه

إنما يكلمهم بواسطة الملائكة ، فجبرائيل يأتي إلي زكريا ليبشره بيوحنا (1 : 19 ) ، ويرسله أيضاً إلي العذراء مريم ( 1 : 26 ) ليبشرها بالحبل بالمسيا ابن الله ،  ويكلمهم أيضاً بواسطة الأنبياء الذين لا يتركون بيت الرب ، كما كلمهم في سمعان الشيخ (2 : 25 – 35 ) ، وفي حنة النبية ( 36 – 38 ) ، كلمهم بالرؤى الأنبياء لكي يعرفوا إرادته . وفي هذا كله هم الجماعة التي تمثل البقية المخلصة الأمينة ، يعبدون الرب عبادة بدون عيب في أصوامهم وصلاتهم وذبائحهم ، وفيهم نجد تاريخ ، وفيهم نجد تاريخ الشعب مركزاً وهو ينتظر عصر الخلاص . . عصر المسيا ببركاته الكثيرة .     

     2-  كل هذا الكلام عن شعب الله في مثاليته يتركز حول مولد يوحنا المعدان. وهذا يدل على أن ليوحنا شأناً عظيماً وله دور كبير في هذا الأمر ، فكما كان الذين حوله يمثلون البقية الأمينة التي يخصها الرب بإعلانه ، كان هو يمثل النبي المثالي الذي قال عنه السيد نفسه ، لأني أقول لكم إن من بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان ” ( لوقا 7 : 18 ) . ولكن لماذا اعتبر يوحنا المعمدين هكذا؟

إن عظمته لا تنبع من شخصية، أو من اختباره فاق الجميع ولكنها تأتي من موقفه الذي وضع له. إنه حلقة الوصل بين العهدين: القديم والجديد.انه نهاية العهد القديم والذي يقف على أعتاب الجديد، فمشورة الله الأزلية أن يأتي العهد الجديد على أساس شهادة العهد القديم له، ولهذا فقد كان دور يوحنا المعمدان دوراً فريداً. إنه يمثل العهد القديم كله وقد وقف يشهد للجديد ، هذا ما تبينه مواعظه ما هي مدونة في الأناجيل ، وما يشهد به له العهد الجديد نفسه ( رومية 3 : 21 ) .

إن مضمون وعظ يوحنا بين هذه الحقيقة، فهو الهيكل.بالتوبة والرجوع إلي الرب فقط، كما كان يفعل الأنبياء في القدم، ولكنه زاد على ذلك بأنه دعا الناس بأن يعدوا طريق الرب. إنه الملاك الذي قال عنه السيد إنه يعد له طريقة  ملاخى3 : 1 ، 4 : 5 ، لوقا 1 : 17 ) إن في مناداة يوحنا تجمعت مناداة موسى وكل الأنبياء .

   ولأجل ذلك كان يجب أن يتبع يوحنا نفسه في الهيكل. نعم لقد ظهر في البرية، وكان ينادي هناك، ولكن أصوله الأولي كانت في الهيكل. فقد جاء من أبوين هما من سبط لاوي ، وأبوه كان من الكهنة ، وبشره الملاك به وهو يكن أمام الرب ، فهو لم يكن شجرة برية ولكنه كان من قلب إسرائيل من جذور الكهنوت .

ومما يزيد في موقف يوحنا إجلالا أنه كان على غرار إسحق جاء بمعجزة . لقد بشر الله إبراهيم بإسحق القديم؛ معه وعداً ، وبشر الرب زكريا بمولد يوحنا وهو في سن الشيخوخة لكي يظهر أنه قد تمم المواعيد السامية وأنه أمين على أن يقيمها فعلا .

    هذا هو النبي الذي جمع النبوة كلها في شخصية لكي تشهد للعهد الجديد . تكلم الكلمة النهائية للعهد القديم؛ ولذا فهو أعظم من جاء في القديم وهو أقرب الجميع إلي العهد الجديد. . إلي المسيح . ولكنه مع ذلك فهو بعيد جداً عنه. هناك فجوة بينه وبين ملكوت الله ، ولهذا فقد أكمل السيد شهادة عنه ” ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه “

 ( لوقا 7 : 28 ب ) . فشهادة يوحنا إذن ليست كاملة ولكنها تكمل في العهد الجديد في الإنجيل، ومعموديته بالإنجيل والروح القدس.  

إن ليوحنا – كما يظهره البشير لوقا – مركزاً عظيماً في تاريخ الخلاص ، ولكنه في ذات الوقت ينتمي فقط إلي العهد القديم . هذا هو المعني العظيم الذي تتضمنه أغنية أبوه عند ولادته ( لوقا 1 : 67 – 79 ) وبدون هذا الضوء لا نستطيع أن تدرك جلال تلك الأغنية .

   ولكن البشير لا يترك المر عند هذا الحد في إظهار مركز المعمدان بالنسبة العهد الجديد ، فكما أن البشير يذكر المقارنة التي يعقدها يسوع بين يوحنا المعمدان وجميع المولودين من بين النساء ، فيظهر أن يوحنا أعظم من الجميع ، هكذا يذكر البشير أيضاً مقارنة أخري بين يوحنا المعمدان وبين المسيح وخاصة في ولادته ، في هذا الأمر لا بد يتجلى منذ البدء عظمة وجلال مؤسس العهد الجديد . بالمقارنة للنبي الذي يمثل العهد كله . لقد ولد يوحنا المعمدان بمعجزة ولكنها كانت معجزة في حدود القوانين الطبيعية. ولد من زكريا واليصابات ، كان له أب وأم بشريان أما يسوع فقد ولد من مريم العذراء وقد حل عليها الروح القدس . إنها معجزة لا تفوق الطبيعة فقط بل هي من خارج هذه الطبيعة. أن البشير أراد أن يظهر منذ الولادة أن يسوع هو ابن ، لذلك يقول الملاك لمريم ” هذا يكون عظيماً وابن الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” ( لوقا 1 : 32 ) بل يظهر هذا من البدء عندما تذهب العذراء مريم إلي اليصابات فتصرخ هذه فرحة بابتهاج قائلة ” . . . فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي فهوذا حين صار صوت سلامك في أذني ارتكض الجنين بابتهاج في بطني ” ( لوقا 1 : 43 و 44 ) . وهذا هو النبي وهذا هو مركزه . إنه يمثل كله اقترابه وشهادته للعهد الجديد ولكن ما أبعد الفجوة بين الاثنين ؟؟                

3-    الهيكل:

إذا كان للشعب وللنبي دور هام في إنجيل لوقا لتمثل الحقبة الولي في تاريخ الخلاص فإن للهيكل دور ألا يقل أهمية ، إن لم يكن يفوق عنهما . ففي الكتابين : الإنجيل والأعمال نجد أن الهيكل يقف في الصدارة دائماً في كل المواقف . فإذا تتبعنا الهيكل في كل الظروف فإننا نجده مركزاً هاماً في حياة إسرائيل، وحياة المسيح نفسه، وحياة الكنيسة الأولي، وفي هذه الأدوار جميعاً يظهر الله بمجده وحكمته ليقود تاريخ الفداء هدفه وإتمام مسرة مشيئته.

( أ ) أما الهيكل وإسرائيل فإنه يتضح من القصص الأولي أن له دوراً هاماً في حياة هؤلاء الذين يمثلون إسرائيل في نقاء البقية التي تنتظر خلاص الرب. فالهيكل هو الميراث العظيم الذي يفتخر به هؤلاء الذين يأتون من نسل الكهنة ( لوقا 1 ك 5 و 6 ) ولقد الرب زكريا بالبشري بولادة ابن له في الهيكل بينما كان يخدم ( 1 : 8 – 20 ) وبعد ختان الصبي يسوع أحصره أبواه إلي الهيكل حسب عادة اليهود وقدما له الذبيحة المطلوبة ( 2 : 22 – 24 ) . وعندما أراد الروح أن يعلن ، بواسطة سمعان الشيخ ، ظهور المسيا أرسله الهيكل ، فرأي الطفل وباركه مع أبويه ( 2 : 25 – 35 ) . وكذلك حنة النبية كانت في الهيكل تتعبد لله بصيام وصلوات ليلا ونهاراً ( 2 : 36 – 38 )

  في هذا يظهر البشير المركز الحقيقي للبقية المخلصة جماعة العهد القديم، وهو المركز الذي أراده الله الهيكل منذ أن أمر بإقامة خيمة الاجتماع: إنه المكان الذي فيه تظهر التقوى الحقيقة وتتغذى فيه روحياً وهو المكان الذي يعمل به روح الرب في الأنبياء والمخلصين، فمنه تسمع كلمة النبوة ؟. وبهذه الكيفية يوضح البشير الكيفية التي يصبح فيها الهيكل كحلقة الوصل بين العهد القديم والعهد الجديد خصوصاً عندما يقدم فيه الطفل يسوع المخلص الذي العالم ويبدأ العهد الجديد.

(ب) الهيكل والمسيح : يظهر أهمية دراسة صلة المسيح بالهيكل عندما ندرس موقفين هامين في حياة المسيح تجاهه ، وهو صبي في الثانية عشر من عمره ، ثم موقفة أثناء خدمته الجهارية .

أما موقفه في صبوته يذكر عنه لوقا وحده حادثة ذهابه مع العذراء ويوسف إلي الهيكل وهو في سن الثانية عشرة ( لوقا 2 : 41 – 52 ) . وفي هذه الحادثة أظهر يسوع صلة فريدة تتمثل في صورتين :

    الصورة الأولي هي اهتمامه بالهيكل من وقت صباه بكيفية تفوق اهتمام أي يهودي عادي. فعندما في الثانية عشر إليه في عيد الفصح كان الهدف أن يظهر طاعته للناموس كإرادة الآب بمحض إرادته ، ودون أن الهدف أحد . وبقي هناك حتى بعد سفر أبويه . فالهيكل هو بيت أبيه وهو يشعر تجاهه بمسئولية خاصة حتى وأن كان هذا يفوق إدراك الأب وتعاليمه،تطيعا فهمه ( 2 : 48 – 51 ) .

   أما الصورة الثانية فهي صورته وهو يسأل ويجيب هذه الجماعة المتصرفة في حياة الهيكل وتعاليمه ، وكان يدهشهم ( 2 : 46 و 47 ) . ولعل لوقا البشير رأي في ذلك نبوة تكشف عن علاقته بهؤلاء الرؤساء ان وقته لم يحن بعد لكي يظهر سلطانه على الهيكل ولا سلطانه فالتعليم. . ولكن هذه الحادثة أظهرت ان هذا الصبي هو رب الهيكل وسيده .

    أما الموقف الثاني كان عندما خرج يسوع إلي خدمته الجهارية وكان موقفاً جديداً ، فلم يعد هناك سمعان الشيخ ولا حنة النبية ولا زكريا ، هؤلاء الذين كانوا ينتظرون تعزية إسرائيل ، لقد أصبح الهيكل في أيدي عصابة من كاسري الناموس ومحتقريه . إنهم يقاومون روح الله وعمله ، فرفضوا معمودية يوحنا المعمدان . ووقفوا بمرارة ضد يسوع الناصري . وبهذه الكيفية منعوا الهيكل  من أن يؤدي أية خدمة حقيقة لإرسالية المسيح ، لم يعد مكاناً للصلاة ولا للقوة بل كان مغارة لصوص .

    وهنا أراد المسيح أن يعمل عملا عظيماً ، أن يخلص الهيكل من يد هذه العصابة ، فثبت وجهه لينطلق إلي أورشليم ( 9 : 51 ) وكان أول عمل يعمله عندما وصل إلي هذه المدينة هو أن خلص الهيكل من أيديهم ( 19 : 45 – 48 ) وأصبح الهيكل في ذلك الأسبوع منبره الذي منه بشارة الملكوت للجميع ( 20 : 1 – 8 ) ومع أنه كان يذهب كل مساء إلي بيت عنيا لكنه كان يرجع كل صباح إلي بيت أبيه ليعلم هناك وليظهر سلطانه العظيم عليه ( 21 : 37 و 38 ) وبهذه الكيفية أرجع للهيكل عمله الأساسي الذي وضع له وهو إعلان البشارة وعندما رفع السيد على الصليب حدث في الهيكل عمل ركزي إذ انشق حجابه من أعلي أسف إلي اثنين دلالة على انفتاح الطريق إلي الله . . إلي قدس الأقداس ( 23 : 44 –46 ) .    

(حـ) الهيكل والكنيسة :  من يتأمل علاقة الهيكل بالكنيسة في كتابات القديس لوقا يجدها تجوز في صورتين  متتابعتين : الصورة الأولي عندما ولدت الكنيسة . وقد يعجب الدارس أو يري أن الهيكل قد اختفى من الصورة تماماً في ظهورات السيد لتلاميذه . فكل ظهور أته ‘ما في العلية أو في الطريق أو على البحيرة. أو في أمكنة مختلفة، أما الهيكل فلا دور له في ذلك. ولكن على العكس من ذلك فقد لعب دوراً كبيراً في حياة الكنيسة. فعلى الأرجح جداً بدأ يوم الخمسين في أرجاء الهيكل 2:عمال 2: 1 ). ولعل أمر السيد لهم أن يمكثوا في أورشليم لكي يلبسوا قوة من الأعمال لا بقصد به أورشليم لذاتها بل يقصد به بيت الرب ( لوقا 24 : 49 و 53 ) . وعلى هذا فيكون المكان الأول الذي شهد انسكاب الروح القدس على كنيسة العهد الجديد إتماماً للنبوة ، وتكملة لمواعيد العهد القديم كان الهيكل . . ومن ذلك الوقت بدأ الهيكل يكون المكان الذي رأي كل نشاطات الكنيسة ، ففيه ومن حوله قام الرسل وخاصة بطرس بعمل معجزات ( أعمال 3 : 1 : 10 ) ، مع أن يسوع نفسه لم يعمل معجزة واحدة في الهيكل سوي عند تطهيره إياه ، ولكن خبر هذه المعجزات لم يذكرها لوقا بل ذكرت في متى 21 : 14 وهناك في الهيكل أعلنوا البشارة بالمسيح المقام من بين الأموات وشهدوا للجميع عنه ( أعمال 3 و 4 ) . وعندها سجنوهم أخرجهم الملاك وأمرهم أن البشير لوقا التلاميذ كهنة الهيكل الحقيقيين الذين يذهبون إليه كل يوم مقدمين الصلاة والذبائح المجيدة الله . . ذبائح العهد الجديد من حمد وتسبيح وشهادة . إنهم هم الذين يمثلون الهيكل ومن هناك كانوا يبشرون بالعهد الجديد ( لوقا 24 : 53 ، أعمال 2 : 46 و 47 ) .

    لكن الصورة الثانية تتناقض مع هذه الصورة الأولي عندما بدأت لكنيسة تتسع وتصبح كنيسة مسكونية ، ومع أن الرسل في أورشليم وشعب المسيحيين هناك ظلوا يهتمون بالهيكل لكن صورته الأولي تغيرت ولم يعد له دور على الإطلاق ليقوم به . إن الهيكل لم يعد هو المكان الوحيد الاجتماع القديسين بالرب . والروح القدس يسكن في كل مكان مهما بعد، حيث يكون المؤمنون. وعندما جاء الوقت المعين وهدم الهيكل لم تتراجع الكنيسة المسيحية بل على العكس وجدت في ذلك الأمر قوة ودافعاً لاتساع الإرسالية بين الأمم. إن خرابه كان يعني أن رسالته قد انتهت وهذه كانت العلامة العظمية لانتشار جماعة الرب في العهد الجديد. . إسرائيل الحقيقي. .

    هذه هي الحقبة الولي في تاريخ الفداء كما تتضح في كتابات القديس لوقا . . رأينا فيها الشعب والنبي والهيكل في عملهم وخدمتهم واتصالهم بالعهد الجديد . إنها فترة الإعداد والدافع لمجيء العهد الجديد . . 

الحقبة الثانية : يوم الخلاص – يسوع المسيح :

     هذه الحقبة الهامة في تاريخ الخلاص يقسمها البشير  لوقا إلي ثلاثة أقسام أو فصول ، الفصل الأول خدمته في الجليل وهي تبدأ من 3 : 21 – 9 50 والفصل الثاني وهو يغطي رحلته إلي أورشليم وهذه من 9 : 51 – 19 : 27 . والفصل الثالث خدمته في أورشليم وهذه تغطي من 19 : 28 ، إلي آخر الإنجيل .

من ينظر إلي هذه الأقسام المحددة يجدها وحدات،  كل وحدة منها قائمة بنفسها، لها شكلها الخلاص ورسالتها المدرسة، ولكنها في نفس الوقت مترابطة، وتسلم الواحدة إلي الأخرى. بمعنى أن القارئ يحس في نهاية الوحدة أنها تقوده إلي متشابهة.وإلا بقيت ناقصة. إلي جانب فهي متوازية أي أن كل واحدة تتكون من عناصر متشابهة. فكل ما وحدة نجده في الوحدتين الأخريين حتى وأن كان لها طابعها الخاص . هذا التقسيم الثلاثي في خدمة المسيح – أو يوم الخلاص – الذي يتميز بتمايز الوحدات وتكاملها وتوازيها هو الطابع الذي يميز إنجيل لوقا والتفكير اللاهوتي الذي يتحرك فيه البشير لكي يشرح خدمة المسيح الخلاصية .

خدمة يسوع في الجليل : 

    هذه الفترة قضاها يسوع في الخدمة في الخليل، وكانت هذه البلاد، بالقياس إلي اليهودية، متخلفة، على الأقل دينياً، وكان سكان اليهودية يتكبرون ويحتقرون سكان الجليل. وهكذا بدأ يسوع خدمته في وسط الجماعة المحتاجة الفقيرة معبراً عن نوعية خدمته في الكنيسة كلها ، كما يقول الرسول بولس لأهل كورنثوس ” فانظروا دعوتكم أيها الأخوة أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون أقوياء ليس كثيرون شرفاء “

( 1 كورنثوس  1 : 36 ) .

وقد بدأت هذه الخدمة الأولي برؤيا سماوية عند المعمودية ، وجاء صوت من السماء قائلا له ” أنت ابني الحبيب بك سررت ” ( لوقا 1 : 31 ) ويؤكد البشير لوقا أن هذا الصوت جاءه مؤكداً أنه في تواضعه لنفسه في مصاف هؤلاء الخطاة . هو الابن الحبيب . . إنه عبد الرب الذي به سر .

ولكن ماذا كان الهدف من هذه الإرسالية ؟ في هذه لإرسالية قام يسوع بعملين عظيمين : العمل الأول هو إعلان البشارة والإنجيل بواسطة التعليم والأعمال العظيمة . إن كلماته كانت النعمة التي يتعجب منها الناس وينجذبون بها ( 4 : 22 ) . وقيل عن الجموع ” بهتوا من تعليمه لأن كلامه كان يسلطان ” ( 4 :22 ) فله.ته هي كلمة الله نفسه ( 5 : 1 ) وجوهر تعليمه أن يوم الإخلاص قد قرب وفيه يغفر الله خطايا شعبه التائب ( 7 : 36 – 50 ) ولكن يسوع أعلن مجيء يوم الخلاص أيضاً بالأعمال العظيمة التي قام بها ، من شفاء أمراض وإخراج شياطين وإقامة موتي ( 7 : 12 – 17 ) وهكذا جاء الإنجيل والخلاص المرتقب في شخص المسيح .

لكن لهذه الإرسالية هدفاً آخر وهو جمع أولئك الذين سوف يكونون شهوداً له. فبعجزة عظيمة يدعو بطرس ليكون معه على الدوام ( 5 : 4 – 11 ) وهكذا كانت دعوة رفقائه الآخرين وبكلمة واحدة يدعو لاوي العشار فيترك هذا كل شيء ويقوم ويتبعه ( 5 : 27 و 28 ) ولكي يختارهم من بين كثيرين قضي الليل كله في الصلاة ( 6 : 12 – 16 ) . وبعد اختيارهم أعطاهم موعظته الشهيرة لكي تكون نبراساً لهم في حياتهم ( 6 : 20 – 49 ) . 

ولكن سر هذه الإرسالية يكمن في قصة يسوع في الناصرة ( 40 : 16 – 30) . لقد وضع البشير لوقا هذه الحادثة في أول خدمته لكي تلقي نوراً على خدمة يسوع كلها . فعندما أخذ الدرج لكي يقرأ من الأنبياء كانت القراءة في ذلك اليوم من ( إشعياء 61 : 1 و 2 ) ” روح الرب على لأنه مسحي لأبشر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر ، وأرسل المنسحقين في الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة ” .

في هذا الجزء وفي الموعظة التي بذكر البشير عنوانها فقط نجد ثلاثة قضايا هامة جداً في حياة المسيح يسوع وفي حياة الكنيسة أيضاً. ولهذا فهي تصبح أساساً لدراسة إنجيل لوقا وسفر الأعمال أيضاً :

   القضية الأولي هي حضور الروح القديس بكيفية جديدة لم يعرفها العهد القديم ( 4: 18 ) فالقضية التي يريد البشير أن ينبر عليها في كلام السيد هي أنه أينما حل الله عاملا لفداء شعبه فإنه يفعل ذلك من خلال الروح القدس. فالروح القدس هو الذي خلق الكنيسة . ولولاه لما كانت هناك إرسالية ولا رسول . ولكنه هو الذي يعمل في الكنيسة مقوياً ومرسلا .

    أما يسوع فهو رجل الروح القدس ، فإلي جانب عمل الروح في ولادته فإنه نزل عليه بهيئة جسمية كحمامة ( 3 : 22 ) ، ومن ذلك الوقت ذهب بقوة الروح إلي البرية ليواجه الشيطان ، هناك انتصر عليه ( 4 : 1 ) وبعد ذلك رجع بقول الروح ليكشف عن إرساليته ( 4 : 14 ) وبه أيضاً شفي كل ا لمرضي ومن به أرواح شريرة ( 5 : 17 ) ونلاحظ هنا أن لوقا وحده هو الذي يذكر أن يسوع كان عندما نزل عليه الروح عند المعمودية ( 3 : 21 – 27 ) . وهذا مثال تحتذيه الكنيسة فقبل يوم الخمسين كانت تجمع كجماعة لتصلي ( أعمال 1 :  14 ) وقد امتلئوا بالروح القدس ( أعمال 2 : 4 ) وقد وضعوا في بوتقة التجربة ( 4 : 1 – 18 ) وبعد أن انتصروا على التجربة امتلئوا أكثر بقوة الروح القدس ( 4 : 31 ) وإلي جانب هذا كانت قوة الروح معهم لينشروا البشارة وليشفوا الشعب ( أعمال 4 : 33 ، 5 : 13 – 16). وكما رفضت الناصرة يسوع رفضهم اليهود، ولكن هذا الرفض كان دافعاً إلي إرسالية الأمم بأمر الروح القدس.

  أما القضية الثانية فهي إتمام المكتوب ، كما قال السيد 10: ” اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم ” ( 4 : 21 ) إن ملكوت الله الذي ينتظره العهد القديم قد ظهر في حياة ونشاط السيد ،  فهو الذي قال ” إن كنت أنا بإصبع الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله ” . ( لوقا 11 : 20 9 إنه هنا في قوة وعمل . . والملكوت ليس حالة روحية ولكنه قوة الله لفداء البشر . وأينما وجد يسوع وجد الملكوت وقيد القوي وهو الشيطان ( 10: 18 ) لقد تم الملكوت في المسيح فهو الذي أعلن ملكوت الله الآن. . مع أنه سيعلنه بقوة في المستقيل ( لوقا 19 : 1إياه. : 31 ، أعمال 1 : 6 ) . اليوم يوم خلاص .

   أما القضية الثالثة في حادثة الناصرة فهي رفضهم إياه. الرحلة:ة التي تربي فيها وعرفته صبياً فشاباً قد رفضته ولذلك ذهب إلي كفر ناحوم إن الناصرة في نظر لوقا تمثل رفض اليهود ، وعندئذ يذهب الإنجيل الأمم ، لقد كان اليهود في عنادهم يمثلون مشكلة خاصة للمسيحية ، ولكنها كانت دافعاً لتقديم الإنجيل للعالم كله ، الحجر الذي رفضه اليهود قد صار رأس الزاوية لكل هيكل اله بناء الله .

الرحلة:

   تمثل الرحلة ، بحسب إنجيل لوقا فترة هامة في خدمة السيد . وهذ9:و السبب وراء طول وصفها ووضعها في عشرة إصحاحات ( لوفا 9 : 51 – 19 : 27 ) . ولم يكن هدف الحوادث التي مجرد ذكر الأمكنة التي مر فيها المسيح ولكنه كان يقصد أن يجمل من كل الحوادث التي ذكرت في هذه الرحلة كمقدمة لآلامه وموته وقيامته. هناك بعض العبارات التي تصف هذه الرحلة لا تظهر إلا في هذا الإنجيل ، فيسوع ” ثبت وجهه لينطلق إلي أورشليم ” ( 9 : 51 ) وعلى جبل التجلي كان مع موسى وإيليا يتكلمون عن ” خروجه الذي كان مزمعاً أن يكلمه في أورشليم ” ( 9 : 31 ) . فالرحلة لا تعني فقط تغييراً في المكان ولكنها تعني امتداداً في إعلان وتطوراً في الخدمة الجهارية للسيد .

   هذا الجزء من الخدمة بدأ بإعلان سماوي موجه هذه المرة إلي التلاميذ أن9:م ” هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا ” ( لوقا 9 : 35 ) . . هذا الإعلان السماوي يكمل اعتراف بطرس في قيصرية فيلبس ” مسيح الله ( 9 : 20 ) . إنهم عرفوه أنه المسيح ولكن ما هي صفات ورسالة المسيا ؟ لم يستطيعوا أن يفهموا هذا ، خصوصاً عندما أخبرهم أنه المسيا عبد الرب الذي سوف يتألم ( 9 : 44 ، 13 : 32 و 33 ، 18 : 31 ) . . إن الصوت السماوي في ذلك الوقت بالذات وجه أسماعهم إليه لكي يفتحوا أذهانهم ويفهموا مركزه ورسالته ؛ ولكن هذا الأمر استمر عسير إدراكهم إلي أن قام من الأموات فتذكروا وعرفوا معني ما قاله لهم، ولماذا كان يقوله ( 18: 31).

    أما رسالة هذا الجزء من خدمة السيد فكانت تتركز على تعليمه للتلاميذ لقد علمهم بالقول والعمل معني التلمذة الحقيقة. علمهم المعني المعنى الحقيقي . لأتباعه ” أن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني . . . ” ( 9 : 23 – 27 ) . ولم يكن تعليمه ، فقط بل مثاله أيضاً الوسيلة الفعالة لفتح أذهانهم . ففي طاعته للآب وتكريسه لنفسه للعمل ثبت وجهه لينطلق إلي أورشليم ، وهو يعلم أنه سيتألم ويموت هناك . ومع ذلك فالتلميذة الحقيقة هي أن يطيع الآب ويعمل مشيئته . يقول لهم ” لي صبغة أصطبغ بها وكيف أنحصر حتى تكمل ” ( 12: 50 ) ويرد على اليهود ابردوا جواباً اليوم وغداً، وفي اليوم الثالث أكمل بل ينبغي أن أسير وغداً وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجاً عن أورشليم “. ( لوقا 13 : 32 و 33 ) وهكذا يعلم المسيح تلاميذه ويقدم المثال الكامل في معني التلميذة ومطالبها .

 وعلى هذا الأساس فيكون التجلي هو المفتاح الحقيقي لفهم هذا الجزء من خدمة المسيح ، ففيه يظهر المسيح المعني الحقيقي للمسيا والمعني الحقيقي للتلمذة . وهنا أيضاً يعد لتلاميذه لمواجهة ما سوف يأتي : ففي وقت التجلي يذكر لوقا وحده أن التلاميذ كانوا مثقلين بالنوم حتى في تلك المناسبة الجليلة ، فلم يقدروا أن يحتملوا . . وهكذا فعلوا في بستان جثسميانى عندما كان معلمهم يصارع قوات الشر وحده ( 9 : 32 مع 22 : 45 ) . فالتجلي أعمق من أن يدركوه ويفهموه ( 9 : 33 ) كما كانت القيامة أيضاً . فإنهم لم يستطيعوا أن يفهموها إلا مؤخراً ( 24 : 5 ) فالرحلة إذن انصبت كلها على خاصته أعني تلاميذه لكي يؤهلهم لما كان ينتظرهم من شهادة له والآلام من أجله .

(حـ) الخدمة في أورشليم :

هذا الجزء من خدمة السيد كان التتويج لكل ما عمله من قبله. لقد بدأ هذه الرحلة بالدخول الإنتصاري وانتهي منها بالصعود . وفي مكان الهيكل وفي مكان الهيكل المقدس وبين الشعب اليهودي المتكبر جاء بخدمته العظيمة .

    كانت خدمة يسوع خدمة تعليمية موجهة إلي الجماعة القاسية فكانت في معظمها دينونة على قساوتهم : أداتهم بمثل الكرم والكرامين ( لوقا 20 : 9 – 19 ) دان رياءهم في حادثة إعطاء في الجزية ( 20: 20 – 26 ) . أظهر غباوة وقساوة الصدوقيين في مسألة القيامة ( 20 : 27 – 40 ) ، تحداهم في معرفتهم وتفسير اتهم ( 20: 41 – 44) وأدان الهيكل وكل اليهودية في الخطاب الرئوي ( لوقا 21 ) .

     وفي هذه الفترة العصيبة تلقي إعلاناً سماوياً وقوة من الله . إذ جاءه ملاك من السماء يقويه وهو يجاهد في حثسيماني ( 22 : 34 ) .

ويعطي البشير تفسيراً لجثسيماني ، فهي لم تكن حادثه واحدة حدثت عندما جاء اليهو22:قبضوا عليه ويحكموا عليه بالموت ، ولكتها كانت فرصة عادية معتادة . كان في النهار يعلم في الهيكل وفي الليل كان يذهب إلي جبل الزيتون ليصلي هناك ( 22 : 39 ) . فصلاته النهائية في جبل الزيتون وجهاده كان تتويجاً لعمله الدائم وصلاته المستمرة كل ليالي الأسبوع، وهذه الصلاة ليست بنت وقتها ولدها الاضطراب والخوف ولكنها كانت نهاية عمل دائب انتظاراً للموت والقيامة.

وفي هذه الفترة أعلن يسوع سلطانه كابن الإنسان ، فهو ليس إنساناً ضعيفاً ولكنه ابن الله الذي يمتلك الهيكل ويطهره من مدنسيه ( 19 : 45 و 46 ) إنه ابن الله ( 22 : 70 ) ، وملك اليهود ( 23 : 3 ) ، وهو الذي  سيجلس عن يمين الله في سلطانه على كل الخلائق ( 22 : 69 و 70 ) وعندما قام من بين الأموات أعلن أنه الرب والسيد ، فالقيامة يفسرها البشير ليس فقط معجزة عملها الله مع المسيا ، بل إنها إعلان لا هوت المسيح ومجده فالتلاميذ كانوا يؤكدون ” الرب قام بالحقيقة ” ( لوقا 24 : 34 ) . هنا وصل البشير في إعلان مركز المسيح إلي الذروة . . إنه الرب .

    ولعل أهم حادثة تعتبر مفتاحاً لهذا الجزء هي محاكمة المسيح أمام السلطات التي صلبته. فلقد حوكم أمام 3 شخصيات رومانية وفي مرة كان يعلن كل واحد منهم أنه يفعل شيئاً يستحق عليه الموت. . إنه بار ( لوقا بار ( لوقا 23 : 4 و 15 و 47 ) . كانت أهم شهادة في هذا المواقف هي شهادة قائد المائة الذي رأي ما لم الآخرون . واقتنع أنه كان باراً . ورغم هذه البرا23:البر صلبوه وهنا ظهر مجده عند صلبه في صلاته ” يا أيتاه أغفر لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون ” ( 23 : 34 ) .

وهذه الحوادث التي يكشف عنها البشير بضعها أمام تتألم أيضاً ، رغم إنجيل الخلاص والسلام تنادي به ، فسيدها قد تألم وهو بار ويذكر البشير في سفر الأعمال أن الرسول بولس أيضاً قد فحصه ثلاثة من القضاة الرومان ولكنهم وجدوه بريئاً من كل تهمة ( أعمال 23 : 9 ، 25 : 25 ، 26 : 31 ) وعلى هذا فيجب أن تعرف الكنيسة أن سيدها قد تألم ، وقد صلي طالباً الغفران لمن صلبوه ، ولا بد أن تفعل هي هكذا أن تصلي للعالم المملوء بالحقد والمرارة تطلب له الغفران ؟ وقد فعلت في شخص اسطفانوس عند رجمه ( أعمال 7 :59.)

الحقبة الثالثة – الكنيسة – الإرسالية :

  نأتي الآن إلي الحقبة الثالثة وهي التي تتلخص في سفر الأعمال . وفي هذا السفر أيضاً تظهر عبقرية القديس لوقا في وضع هذه الحقبة في إطار الخطة الإلهية التي سميناها تاريخ الخلاص ، ويعني هذا كله أساس جغرافي وزمني وفكري ، وبهذا يكشف لنا عن التطور الظاهري والداخلي للكنيسة . وكما وضع في إنجيله ملخصاً كاملا لعمله . ( لوقا 1 : 4 ) وضع ملخصاً كاملا لهذا السفر في 1 : 8 عندما يقول السيد لتلاميذه ولكنكم ستنالون قوة من الأعالي وتكونون لي شهوداً في أورشليم وكل اليهودية والسامرة إلي أقصي الأرض ” . هذا التحرك من أورشليم حتى الوصول إلي أقصي الأرض وضعه الكاتب في ستة صور. متكاملة أو ستة أجزاء لصورة واحدة كل جزء منها يقترح الآخر ويفترضه  ويؤدي إليه بحسب التفكير الزمني والجغرافي هذه الأجزاء الستة هي :  

  • الإعداد ويشمل الصعود وانسكاب الروح والشهادة ( 1: 4 – 6:7)
  • الرسالة في اليهودية والسامرة ( 6 : 8 – 9 : 31 ) عن طريق مرسلين جدد .
  • الرسالة تصل إلي الأمم ( 9 : 32 – 12 : 24 ) .
  • ابتداء الخدمة في آسيا ( 12 : 25 – 16 : 5 ) .
  • ابتداء الخدمة في أوربا ( 16 : 6 – 19 : 20 ) .
  • من أورشليم إلي روما ( 19 : 21 – 28 : 31 ) . 

ويلاحظ أن كل فترة من الفترات الستة كانت تنتهي بملخص صغير يعلن فيه الكاتب أنه رغم كل ما واجه الكنيسة من صعوبات في هذه الفترة لكن الله بروحه القدس قد سار في قصده ونجح في إخضاع كل الأعداء تحت قدمي يسوع المقام ، وازداد عدد المخلصين . فينهي الجزء الأول بالقول ” كانت كلمه الله تنمو وعدد التلاميذ  يتكاثر جداً في أورشليم وجمهور كثير من الكهنة كانوا يطيعون الإيمان” (6 : 7 ) .

    الجزء الثاني ينتهي بالقول ” وأما الكنائس في جميع اليهودية والسام12:كان لها سلام وكانت تبني وتسير في خوف الرب وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر ” ( 9: 31 ).

    الجزء الثالث ينتهي بالقول ” وأما كلمة الله فكانت تنمو وتزيد ” ( 12: 24 ) الجزء الرابع ” فكانت الكنائس تتشدد في الإيمان وتزداد في العدد كل يوم ” ( 16: 25 ).

 الجزء الخامس ” هكذا كانت كلمة الرب تنمو وتقوي بشدة ” ( 19: 20 ).

   أما الأخير فيتكلم عن الرسول بولس ” كحدة.بل جميع الذين يدخلون إليه كارزاً بملكوت  الله ومعلماً بأمر الرب يسوع بكل مجاهرة بلا مانع ” ( 28 : 30 و 31 ) .

  الآن لندرس كل جزء من هذه الصورة على حدة .

1- الصعود والروح والشهادة:

(1:4-6:7 ) هذه الأمور الثلاثة تكون الجزء الأول من الصورة ( 1: 4 – 6: 6 ) فماذا تعني كل واحدة من هذه الأمور ؟

 (أ)الصعود:

يذكر الكنيسة لوقا قصة الصعود في موقفين كل واحد في واحد من كتابيه : الموقف الأول يتلخص في إعلان نهاية عمل الرب عندما كان في الجسد على الأرض ( لوقا 24 : 5 و 51 ) لقد كانت آخر من تظهر لهم فيها . أما الموقف الثاني فيربط القديس لوقا هذه الحادثة بإرسال الروح القدس . وخلف الكنيسة ، وبذلك تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الخلاص ( أعما 1 : 8 – 12 ) .

    ويكشف الكاتب مفهومه لصعود السيد في هذين الموقفين ، فهو يربد أن يعلن أن هذه الحادثة هي ختم الله على ابنه على الأرض : إنه أقامه من بين الأموات ، ثم رفعه إليه في السماوات ، أو كما تقول النبوات : الحجر الذي رفضه البناءون هوذا قد صار رأس الزاوية ( أعمال 2 : 31 و 32 ، 4 : 11 ، 5 : 31 ) ، هذا الرب الممجد الذي أصبح رأساً لكل شيء ، أرسل الروح القدس من السماء إتماماً لوعد الآب ، وبذلك بدأت الكنيسة في الأرض . فالكنيسة ليست عملا من أعمال الإثنى عشر رسولا ولا هي نتيجة طبيعية لإيمانه بالقيامة ، ولكنها عمل الله ، هو الذي أقامها بالروح القدس لتكون شعباً لمسيحه وجسداً له . فالكنيسة منذ البدء هي بين يدي اله العلي الذي كان يضم كل يوم إليها الذين يخلصون ( 2 : 47 ) . 

 (ب)  الروح القدس :

اهتم الكاتب جداً لإظهار جلال حلول الروح القدس وخصوصاً في يوم الخمسين: لقد كان لهذا الانسكاب تأثيران عظيمان على امتداد الكنيسة وظاهرها، ثم في داخل الكنيسة في أفرادها. ففي ظاهر الكنيسة تظهر هناك أربعة أمور:

الأول أن نزول يعلن أننا الآن في الأيام الأخيرة التي انتظرها العهد القديم. فعلامة هذه الأيام هي انسكاب الروح على جميع الذين يؤمنون بالمسيح المقام ، وانسكابه علامة على وصول عمل الله الفدائي إلي ذروته في المسيح يسوع . . إن المؤمنين يعيشون الآن في الأسخاتولوجي ، فليس هو بعد وقت الانتظار والرجاء ولكنه وقت العطية نوالها . إن اليوم هو يوم الخلاص ولكن هذا لا يعني أن النهاية قد اقتربت ، ولكنه أن الله قد تمم مواعيده ( 2 : 39 ، 3 : 19 و 20 ) .

الأمر الثاني يعلن أن الروح القدس هو للجميع . . لكل من يؤمن باسم ابن الله فالرسول بطرس القدس.لأن الموعد هو لكم ولأولادكم ولكل الذين على بعد كل من يدعوه الرب إلهنا ( 2: 39 ). ولقد قبل اليهود الذين آمنوا يوم الخمسين من كل أقاصي الأرض ( 2 : 5 ) ، انتظاراً لدخول الأمم والسامرة إلي الحظيرة ونوالهم الروح القدس ( 8 : 17 ، 10 : 43 و 44 ) .

الثالث هو أن كل من يتوب يعتمد على اسم ربنا يسوع المسيح لغفران الخطايا ينال موعد الروح القدس. هذه المعمودية كانت تتضمن الإيمان به . ( 2 : 37 و 38 ) . ولم يكسر هذا الأمر إلا في حالتين فقط السامرة عندما آمنوا ولكن الروح لم يأت والانقسام.ء الرسولان يوحنا وبطرس ( 8 : 14 – 17 ) ، وفي بيت كرنيليوس عندما جاء من قبل المعمودية ( 10 : 44 – 48 ) . ولكن هاتين الحالتين كانتا خاصتين جداً في تدبير الله لحفظ الكنيسة من التنوع والانقسام. أما فيما عدا ذلك والأخير:لروح القدس كعطية لكل من يؤمن ويعتمد على اسم يسوع المسيح ( 19 : 5 و 6 ) .                  

  أما الأمر الرابع والأخير: إن الروح القدس يأتي إلي الكنيسة.

 وهنا يجب أن ننبر على هذا الأمر فالمؤمن لا يشترك في عطية الروح

 القدس إلا لأنه عضو في الكنيسة. حتى التلاميذ الإثنى عشر انسكب عليهم الروح القدس في اجتماعهم ككنيسة في يوم الخمسين ، إذ حل على جميع الذين كانوا في لمنزل . هذا يكشف لنا على إن الذي يغش الك15: فإنه يكذب على الروح القدس نفسه، لأنها مجتمع الروح ( 5: 3 و 4).وكل ما تعمله الكنيسة من مشورة ( 15: 28 )، أو الكنيسة، ( 13: 2 ). هو عمل الروح القدس نفسه . إن للروح القدس السلطة والعمل الحر المطلق في الكنيسة، وما عليها إلا تخضع له ولتوجيهه وإرشاده. .

    ولكن كان للروح القدس التأثير الواضح د4: الكنيسة ، كما كان خارجها ، بمعني أن تأثيرها كان حياة أعضائها قوياً وظاهراً . وكان هذا مشهوداً له بواسطة الأعداء أنفسهم ( 4 : 13 ) . فبعد أن كان الرسل يعتمدون اعتماداً كلياً في مشورتهم وتحركانهم على يسوع سيدهم ، عندما كان معهم على الأرض ، معطياً ، إياهم السلطان والمشورة والأوامر ، وبعد أن علمهم كل ما يختص بملكوت الله ظهور هم لهم ( أعمال  1: 3 ) ، بعد كل ذلك وجدوا أنفسهم وحيدين بلا مرشد ولا قائد في وسط أورشليم . ولكن كالجماعية،ة قصيرة ، فقد جاء الروح القدس في يوم الخمسين ، وملأهم بنور جديد وحياة جديدة هي حياة الشهادة ، وغيرهم تغييراً واضحاً لكل من عرفهم ، ظهر في ثباتهم وشهادتهم بكل قوة بالإنجيل ( 4 : 8 ) ، وفي مقدرتهم على عمل الآيات والقوات بكيفية أكبر من تلك التي اختبروها سابقاً في وجودهم مع يسوع سيدهم ( 2 : 43 ) ، وفي تغيير حياتهم الشخصية وعلاقاتهم بعضهم ببعض ، فبينما كان السيد يوبخهم على للعظمة وغباوتهم وحسدهم بعضهم لبعض ( مرقس 10 : 35 – 45 ) أصبحوا الآن يحبون بعضهم البعض ويساعد من له الذين ليس لهم بما عنده ( 2 : 43 و 44 ، 4 : 32) . عرفوا الجماعية ، وكانت ” نعمة عظيمة على جميعهم ” ( 4 : 33 ) ، في كل هذا ظهر آثار عمل الروح القدس في حياتهم وعلاقتهم بعضهم ببعض .

    هذا كله ظهر في الفرح الحقيقي الذي ملأ حياتهم . الفرح هو عطية عظمي كما يقول القديس لوقا ، فكل من خير الإنجيل يذهب في طريقة فرحاً ( 8 : 39 ) ، هذا الفرح يعيش ويبقي منتصراً رغم الصعوبات والاضطهادات التي نزلت على الكنيسة ” جاءت عليهم فلم نفقدهم فرحهم بل بالعكس أعلنته أكثر لأنه عطية الله بالروح القدس ( 5 : 41 ، 13 : 52 ، 16 : 25 ) .           

(حـ) الشهادة:

     كانت هذه الفترة الأولي في حياة الكنيسة هي فترة الشهادة ولقد أمر السيد تلاميذه الأوائل ( 1 : 2 و 8 ) فهم الذين كا4: معه ورأوه بعد قيامته من الأموات ( 1 : 21 و 22 ) ، وبذلك أصبحوا مؤهلين تماماً للشهادة له في قيامته وانتصاره ، ولقد أكد السيد لهم مساندته لما يشهدون به بواسطة غفران الخطايا لجميع من يؤمنون به بشهادتهم، ويعتمدون على اسم يسوع المسيح ( 2 : 32 و 33 ) وبواسطة الآيات التي يعملها بواسطتهم ( 3 : 6 و 16 ) . ولهذا السبب كان الرسل يشهدون بكل جراءة وشجاعة للجميع قائلين ” أن ليس اسماً قد وضع تحت السماء به ينبغي أن تخلص ( 4 : 12 ) . 

    إلي جانب هؤلاء كان هناك أيضاً جماعة كانوا يخدمون الكلمة ، وبعضهم كانوا يشهدون لها مقدمين اختبارهم للروح ، لكن الشهود الحقيقيون ، كانوا هم الرسل . . هم وحدهم الذين أعطاهم الرب السلطان لذلك، ولذلك

 دعيت شهادتهم ” بالكلمة ” أو ” كلمة الله ” أو ” كلمة الرب ” أو ” كلمة الخلاص “. إنهم كانوا مسئولين أن يعلنوا الحق ويعطوا شهادتهم لكل موقف جديد. وهذا يكشف عن السبب الذي لأجله تكلم بطرس في يوم الخمسين ، ولماذا لم يأت الروح القدس على السامرة إلا عند مجيء بطرس ويوحنا . ولماذا أرسل بطرس إلي بيت كرنيليوس ، كل هذا كان  سابقاً لإرسالية الرسول بولس لي آسيا وأوربا .       

هذا هو الجزء الأول من الصورة المتكاملة التي يضعها القديس لوقا في سفر الأعمال : هذا هو أساس العمل التبشيري العظيم الذي بدأه الروح بواسطة الكنيسة .   

1-  المرسلون الجدد إلي اليهودية والسامرة ( 6 : 8 – 9 : 31 ) :

في هذا الجزء يكشف القديس لوقا عن مرسلين جدد ظهروا على المسرح كلفهم الروح بالبشارة والشهادة في كل اليهودية والجليل والسامرة . ولعل أشهر إثنين منهم هما اسطفانوس ( 6 : 8 و 9 ) وفيلبس المبشر ( 8 : 4 – 8) ومع أن شاول الطرسوسي ظهر على المسرح في تلك الفترة ولكن في تجديده فقط أما إرساليته فلم تكن قد بدأت في مرحلتها العظمي بعد ( 9 : 15 – 30 ) . وتنتهي هذه الفترة بالعبارة المشهورة التي قيلت سابقاً في 9 : 31 . هذان المرسلان لم يكونا مع يسوع، ولم يريا الرب المقام ولم ينضما إلى الإثنا عشر رسول الأصلين، أما المؤهل الذي وصفا به هو ” مملوءين من الروح والحكمة ” ( 6: 3 )، ويعتقد غالبية المفسرين أن كلمة الحكمة تشير إلي أنهما درسا وتعلما كلمة الرسل (2: 42 )، وكانا قادرين على التكلم بالأشياء التي تختص بيسوع. . هذان وغيرهما عن من الرجال كانوا مسئولين عن انتشا كلمة الرب خارج أورشليم. ولقد كان لشجاعة اسطفانوس وشهادته القوية أمام مجمع السنهدريم ولمواجهته الموت بشجاعة وقوة، وللاضطهاد المرير الذي صبه على الكنيسة بعد قتله ( 6 : 8 – 8 : 2 ) ، الدور الكبير في هذا الانتشار لكلمة الإنجيل . لقد ذهب كثيرون بعد الاضطهاد من أورشليم وساورا في كل البلاد يبشرون بكلمة الله لليهود ولغيرهم . ولقد ضرب لنا القديس لوقا بعض الأمثلة لوحدهم.الانتشار ربما حدث في السامرة على يدي فيلبس المبشر الذي بعد ما بشر خصي ملكة البشة ، كان يبشر جميع المدن التي على الساحل من أشدود إلي قيصرية ( أعمال 8 ) .

   والهدف الأساسي للقديس لوقا من كتابة هذا الجزء هو أن يعلن أن الله أقام أناساً آخرين مسئولين عن التبشير والتعليم إلي جانب شهادة الرسل  . إن ما يعمله الرسل منفردين هم يعملونه لوحدهم . . الشهادة ليسوع ووضع أساس الكنيسة، أما انتشار الإنجيل إلي كل العالم واليهودية فكان على يدي أناس آخرين.أن الله يحد نشاطه بعمل الرسل بل هناك أعمال أخري يعملها بأناس آخرين وفي هذا الأمر يكشف القديس لوقا عن أمرين :

الأمر الأول: هو أن يقدم لمجي الرسول بالأصليين.مسرح. إنه هو أيضاً لم يكن مع المسيح في أيام جسده ومع ذلك أصبح له المركز السامي الذي يتساوي فيه مع بقية الرسل كرسول للأمم . ومع أن الله استمر في استخدام الشهود الأصليين . ولكنه أقام آخر هو الرسول بولس . لأجل ذلك مد الرب أصيلا ، يوقفهم،من مسئولية ( 9 : 3 – 6 ، 1 كورنثوس 9 : 1 ، 15 : 8 ) فهو ليس كالآخرين بل هو أيضاً واحد من الرسل .

الأمر الثاني هو التأكيد الذي يريد القديس لوقا أن يعطيه لقرائه في أن الله بعد سنين طويلة لم يترك العمل كله لأيدي الرسل الذين كانوا في ذلك الوقت إما انتقلوا أو في السجن أو في سن الشيخوخة ففي تدبيره أقام أناساً آخرين مبشرين ووعاظ ومعلمين ورعاة وشيوخ وبواسطتهم يوضع كلمة الله للمؤمنين ويقدمها إلي البعيدين . إن الإرسالية استمرت ولن تتوقف ومهما كان عنف الاضطهاد فلن يوقفهم ، إنه لم يوقف الكنيسة في الماضي  بل بالعكس زاد نموها في لعدد والمكان ، وهكذا يفعل الله أيضاً وستزداد الكنيسة حتى ولو لم يبق فيها رسول أصيل واحد . إن الله هو الذي يقيم خدامه .

  هذا هو الجزء الثاني من الصورة .         

3-   الرسالة تصل إلي الأمم : ( 9 : 32 – 12 : 24 ) :

وصلت الرسالة الأمم أيضاً للاضطهاد  الذي حدث بعد قتل اسطفانوس ، لقد جال تشتتوا في البلاد فوصلوا إلي إنطاكية ولكنهم  لم يكلموا أحد بالكلمة سوي اليهود فقط ( 11 : 22 ) . ولكن جماعة منهم وهم قبرسيون وقيروانيون الذين لم لما دخلوا إنطاكية كانوا يبشرون اليونانيين بالرب يسوع ( 11 : 19 و 20) ، واليونانيون هنا ليسوا هم المذكورين في ( 6 : 1 ) لأن هؤلاء الأخيرين كانوا يهوداً في الشتات أما المذكورون في 11 : 19 و 20 فهم أمم يتكلمون اليونانية . ومعني ذلك أن الإنجيل وصل إلي الأمم .

ولكن لم يكن هذا بداية الأمر بل كانت هناك خطوات سابقة اتخذها الله بواسطة الكنيسة لكي يدخل الأمم إلي الحظيرة. وكانت أهم خطوة منها هي فالحوادث،مئة روماني كان يخاف الله واسمه كرنيليوس لرسالة الإنجيل ، وقبول الله إياه وإعطاؤه هو وجميع من له موهبة الروح القدس. لم تكن هذه حادثة من ضمن الحوادث ، ولكن كان لها طابعها الخاص وأهميتها الحاسمة في تاريخ الكنيسة . ولهذا السبب يذكرها البشير مرتين في ص 10 ثم ص 11 ثم يعود إليها في ص 15 . إن قبول هذا الأممي للإنجيل ومعموديته لم تأتي مصادفة بل كانت على أساس رؤيا حدثت له ولبطرس نفسه ، وعلى هذا الأساس بنت الكنيسة النتيجة الحتمية وهي أن الأمم قد فتح لهم الله الباب ليؤمنوا بالمسيح ( 11 : 19 )

    لقد كانت من عناية الله أن يكون للرسول بطرس دور هام جداً في هذه الحادثة. كما كان في قبول السامرة للإنجيل . إن هذا الدور لا يستنتج منه فقط أهميته كشخص ولكن   للمغزى العميق لذلك. إن عمله مع الرسول بولس كان هكذا : هو لإنجيل الغرلة أي للأمم فلو لم يكن لبطرس دور في دخول الأمم إلي الخطيرة لانقسمت الكنيسة إلي معسكرين : معسكر اليهود وهو يخضع لبطرس وسائر الرسل الأصليين ومعسكر الأمم وهو يخضع ويتبع الرسول بولس . ولربما انقسم المعسكران بعضهما على بعض . ولكن وجود بطرس الرسول في تلك المواقف وأهميته في البشارة للأمم جعلت جعل عمل الرسولين متكاملين. .  كل يكمل رسالة الآخر فهي رسالة واحدة بالرب المقام الواحد يقدمها الروح الواحد بواسطة هذين الرسولين.

    وهذا أيضاً يدل أن القديس لوقا يوبخ توبيخاً صارماً أولئك الذين عارضوا دخول الأمم ومساواتهم باليهود ما لم يخضعوا للناموس أولا قبل قبولهم للمسيح . فيكشف لهم أن بطرس كان مهماً جداً . وأن الكنيسة في أورشليم لم تعارض بتاتاً خدمة الرسول بولس بين الأمم ، بل بالعكس أعطوه يمين الشركة معهم . . لقد فرحوا مع بطرس لهذا التدخل العظيم لله دعوة الأمم ( 11 : 18 ) .

يبرز الكاتب أيضاً أن الكنيسة في أورشليم لما سمعوا أن إنطاكية أيضاً قبلت الإنجيل لم تتذمر أو تعارض بل بالعكس فقد أرسلت برنابا مع بعض أنبيائهم ليساعدوا في العمل هناك ( 11 : 22 و 27 ) . وعلى هذا فمع أن بعض المسيحيين المتزمتين عارضوا دخول الأمم إلا أن الكنيسة عامة قد فرحت لذلك وساعدت المسيحيين الجدد على أن يثبتوا في الرب بعزم القلب ( أنظر 15: 23 – 29 ). 

  • ابتداء الخدمة في آسيا : ( 12 : 25 – 16 5 ) .

من هنا يبدأ القديس إظهار الرسول بولس كالشخصية الرئيسية التي يستخدمها الروح القدس في تقديم الإنجيل للأمم، بعد أن كان الرسول بطرس هو الرسول الأول في الخدمة . ويشرح أيضاً كيف أن الله نفسه هو الذي اتخذ الخطوة الأولي في هذا الاتجاه الجديد ( أعمال 13 : 2 و 3 ) وكل دارس لهذه الفترة يجد هناك توازياً  لخدمة الرسولين بطرس وبولس فكما بدأت خدمة بطرس بالتدخل المباشر للروح في يوم الخمسين ( 2 : 4 ) بدأت خدمة الرسول بولس بنفس التدخل في كنيسة إنطاكية ( 13 : 2 ) ثم يتبع ذلك عظة طويلة من كل واحد منهما ( 13 : 16 – 41 أنظر 2 : 14 – 36 ) ثم شفاء رجل أعرج في فناء هيكل وثني ( 14 : 8 – 11 ) كما شفي بطرس الرجل المقعد أمام باب الجميل في الهيكل ( 3 : 1 – 10 ) ثم اضطهاد شديد رجم فيه الرسول ، حتى ظنوه قد مات فجروه بعيداً عن المدينة ( 14 : 19 و 20 ) كما اضطهد بطرس ( 5 : 17 – 19 ) . وهنا نجدا أن التوافق كبير فما معني ذلك ؟ قد تكون هناك تفسيرات متعددة ولكن الشئ الوحيد الذي نعرفه هو أن في حكمته وعنايته أراد أن يظهر لكنيسة أورشليم أن كنيسة الأمم ليست بعيدة عن نعمة الله، بل هو يعمل فيها كما عمل ويعمل في كنيسة اليهودية. فبقوة الروح القدس وإرشاد وبكلمة الإنجيل وحدها دون ناموس أو أساطير ، وبالآيات والقوات وبالاضطهادات الكثيرة هكذا يفعل الله وهكذا يجذب الجميع إليه . لعل كنيسة أورشليم عندما سمعت التقرير الذي رفعه الرسول بولس والرسول بر نابا رأت الرب تعمل تماماً بمثل ما عملت في وسطهم فصاروا يمجدون الله (15 : 4.3 ) .

وينتهي هذا الجزء من الصورة بالجمع الذي عقد في أورشليم لما حدث من تدخل جماعة ناموسية لكي يفسدوا ما فعله الرب بواسطة بولس وبر نابا وجعلوا يعلمون الأمم ” إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصون ” (15 : 1 ) . وفي هذا المجمع تتقرر حرية الأمم من كل أعمال الناموس كطريقة مساعدة للخلاص . وكان هذا العمل دافعاً قوياً للإرسالية بين الأمم ولكن الخطاب الذي أرسل إلي كنائس سورية وإنطاكية وكيليكية من المشايخ والرسل كان يحتوى أيضاً تحذيراً وتنبيهاً إلي كنيسة الأمم ألا يسلكوا كما يسلك سائر الأمم ببطل ذهنهم بل أن يعيشوا بحسب ناموس الله . إن هذا الناموس لا يخلص خاطئاً ولكنه يرشد مؤمناً بالرب يسوع إلي السلوك الحقيقي ، ومن لأسلك بموجبه فهو لا يسئ إلي وناموسة بل إلي الله نفسه لأنه يريد أن الجميع يكونون قديسين . 

5- ابتداء الخدمة في أوربا : (16 :6 -19 : 20)

        في هذا الجزء نرى أيضاً إرشاد الروح القدس في الخدمة. فهو يمنع الرسول من الذهاب إلي الجنوب أو إلي

  الشمال (16 : 7.6 ) ثم أرشدهم بواسطة رؤيا أن يذهب إلي أوربا ثم ذهب الرسول وهناك بشر مع رفقائه في فيلي وتسالونيكي وكورنثوس . ويعتبر هذه الفترة هامة جداً في إرسالية الرسول لأنها تعطينا خليفة لابد منها لكي نفهم الرسائل التي أرسلها إلي هذه الكنائس. فهي تلقي ضوءاً علي الظروف والأحوال في كل مدينة، والحوادث التي حدثت فيها. وتظهر أهميتها أيضاً لأننا نجد فيها الكاتب يتكلم بصيغة الجمع المتكلم ” نحن ” مما يدل علي أنه كان رفيقاً للرسول، وكان يكتب من مفكرته مباشرة. ونسبة لوجود أسماء كثيرة في ذلك الجزء من الكتابة فإن الدارسين يعتقدون أن الكاتب كان معروفاً في تلك النواحي أو أنه كان أحد سكانها.

هذه الإرسالية إلي أوربا تتميز بأمرين هامين جداً:

الأمر الأول هو أنها أنجح جزء من خدمة الرسول بولس ، ففيها ظهرت قوة الله وإرشاداته بالآيات كما حدث في فيلبي : إخراج روح العرافة (16 : 16 –19 ) وزلزلة السجن (16 :26.25 ) وآيات كثيرة في كورنثوس (2 كورنثوس 12 :12 ) ورؤى تشجيع (أعمال 18 :10.9 ) ومواجهة أكبر فلاسفة العصر في أثينا (17 : 22 – 32 ) . ونجد أيضاً مرة أخرى التشابه في خدمة الرسولين بولس وبطرس : ففي فيلبي ينقذ الرسول بطرس ( 16 : 25 –40 مع 5 :19 ، 12 : 6 – 10 ) . في أفسس يضع  الرسول يديه علي رأس تلاميذ يوحنا فينالوا الروح القدس كما فعل بطرس مع جماعة السامرة (19 : 1 – 7 مع 8 : 17 ) . كانت المآزر التي تؤخذ من بولس تشفي الأمراض وتخرج الشياطين وهكذا كان ظل بطرس (19 : 11 و 12 مع 5 :15 ) . وعندما حاول أبناء سيكاوا السبعة أن يقلدوا الرسول بولس غلبهم الروح النجس وكاد يقتلهم فأدينوا وهكذا فعل بطرس الرسول مع سيمون الساحر ( 19 : 13 و 14 مع : 18 – 24 ) .

     أما الأمر الثاني المهم الذي نراه هنا فهو طول المدة التي كان الرسول يقضيها في المكان التبشيري الواحد وخصوصاً في كورنثوس حيث يمكث حوالي 18 شهراً ( 18 : 11 ) وأفسس حيث يمكث حوالي سنتين ( 19 : 10 ) وذلك لكثرة الذين كانوا يقبلون الإنجيل ويعتمدون مؤمنين بالرب يسوع المسيح ، وكانوا يحتاجون إلي رعاية طويلة وتعليم كثير حتى يمكنهم أن يتركوا عاداتهم الوثنية في الرب سالكين بحسب الدعوة التي دعوا إليها .

      ويلاحظ الدارس هنا أن القديس لوقا يذكر الرسول بولس بلقب ” رسول ” إلا مرة فقط ، ويلوح أنه لم يكن يستخدمها نفس الاستخدام الفني الذي كانت تعنيه عندما كانت تطلق على الرسل الأوائل . لأنه يطلقها هنا أيضاً على بر نابا ( أعمال 14 : 14 ) فهل كان هذا يعني أن  لوقا يعترف برسولية بولس ؟ أن الحادثة التي ذكرناها عن قصة أبناء سيكاوا السبعة الذين حاولوا أن يستخدموا نفس القوة التي يستخدمها الرسول بولس تشير إلي الناحية الأخرى وهي أن بولس كان يمتلك سلطاناً يمكن لإنسان آخر ممن معه أن يتشبه به مما يدل على أن الرسول هو رسول حقيقي له سلطان موهوب له من الله يشابه تماماً الرسل الآخرين . فإن لم يكن بالقول فبالعمل أظهر الكاتب أن بولس كان رسولا لسيده بالمعني المعروف عند التلاميذ الإثنى عشر .       

6- أورشليم وروما: ( 19: 21 – 28 31 ):

هذا الجزء يعتبر أطول ويساوي تقريباً ثلث الكتاب كله وهو يحتوي على زيارته الأخيرة إلي مكدونية وأخائية ثم مجيئه إلي أورشليم ومواجهته لليهود والقبض عليه ورفعه قضيته ومجيئه إلي روما في طريق بحري خطر طويل ومكوثه هناك كأسير ولكنه كان يبشر بالرب يسوع جميع الذين يأتون إليه في السجن ويعتبر هذا الجزء أيضاً رمن أهم الأجزاء التي فيها يتكشف بكل وضوح تفكير الرسول بولس وما أعمقه وتفكير الكاتب نفسه .

       1- أما عن تفكير الرسول فانه يظهر في ذلك الإصرار على أن يزور أورشليم تلك الزيارة الأخيرة رغم كل التحذيرات التي وجهت إليه من كل أصدقائه. ففي صور حذروه من الصعود إلي أورشليم (أعمال  21 : 4 ) وفي قيصرية أيضاً واجه مثل هذا التحذير ( 21 : 10 ) ولم تكن هذه نبوات إعجازية ولكنها كانت نتيجة التفكير السليم . إن اليهود لا يمكن أن يتركوه هكذا حياً. لقد رآه كثير من يهود الشتات في أوربا وهو ينادي بتعاليم ظنوها ضد ناموسهم ، ولا يمكن أن تكون هناك فرصة أفضل لهم من أن يروه في أورشليم حتى ينتقموا منه انتقاماً سربعاً وحاسماً . وقد ظهر ذلك واضحاً ومعروفاً ولكنه ينثن عن عزمه، بل ثبت وجهه لينطلق إلي أورشليم كما فعل سيده من قبل فلماذا ؟ إن الشيء الواضح هو أن الرسول بولس مع أنه كان رسولاً للأمم في حين أن بطرس كان رسول الختان ( غلاطية 2 : 7 ) إلا أنم قلب الرسول بولس كان مع بني جنسه اليهود ، وكان يود بكل قلبه لو انه يربحهم إلي المسيح بل أن كل خدمته بين الأمم ، وما كان يفعله بكل قوة هو أن يربح اليهود إلي المسيح بواسطة إغارتهم عن طريق ربحه للأمم ( رومية 9 : 1 – 3 ، 11 : 13 و14) ولهذا السبب كان يذهب في تبشيره إلي اليهود أولا ، ولكنه بعد أن يغلقوا الباب في وجهه يذهب إلي الأمم ، لأنه يعرف أن الخلاص لا يكمل إلا بدخول اليهود والأمم معاً ( رومية 11 : 25).

ولهذا السبب أيضاً كان يريد أن يربح اليهود ، فيذهب إليهم في عقر الدار ، ونلاحظ أن هناك تشابهاً كبيراً بين رحلة المسيح إلي أورشليم ورحلة بولس الرسول إليها ، ومن أهم ما يتشابهان فيه هو تقديم الإنجيل بكل اهتمام كفرصة أخيرة أعطيت لهم لعلهم يقبلونه . فكما جلس السيد كل في أسبوع الآلام يبشر ويعلم في الهيكل ، وقدما الدعوة لهم ، هكذا فعل الرسول عندما قبضوا عليه ، إنه حاول من خلال مجموعة من الخطابات أمام الحكام أن يدعوهم لقبول البشارة . طلب أن يتكلم إليهم وكلمهم ( 21 : 39 – 22 : 21 ) وواجهه  القادة الأعداء الذين كانوا يعملون جاهدين للتخلص منه ( 23 : 1 ) ، وعندما تكلم أمام أغريباس لم يرد يقدم شكاواه ويفند مزاعم أعدائه واتهاماتهم له ، بل قدم الإنجيل لأغريباس نفسه ( 26 : 1- 29 ) . ولكنه عندما وجد أنهم يسدون آذانهم رفع دعواه إلي قيصر: وهناك في روما كان يبشر اليهود، ويدعوهم بقبول الخلاص ( 28: 17) هذا هو الهدف الأساسي الذي كان الرسول يسعى إليه بكل همة. 

       2- وفي ذهابه إلي روما كانت هناك يد الرب واضحة في ذلك. فالرب ظهر له يقويه ويشجعه في الذهاب إلي روما (23: 11 )، والمعجزة التي قام بها الرب في إنقاذه مع الركاب من الموت المحقق ( 27: 1 – 28: 10 ) فالسفينة كانت تحت إرشاد وقيادة الرب نفسه.

ولكن لماذا ؟ لأن رحلة الرسول إلي روما تشابه رحلته إلي أورشليم. فكما ان أورشليم تمثل اليهود هكذا روما تمثل الأمم في مجموعهم . وفي وصول الرسول إلي روما تكملت وصية الرب إلي التلاميذ ” وتكونوا لي . . شهوداً . . إلي أقصي الأرض ( 1 : 8 ) . وبهذا يكون الرسول قد قدم الإنجيل من أو المسيح.ي روما تحقيقاً لوصية المسيح .

      3- ولكن ما هو تفكيرا الكاتب نفسه في الجزء ؟ إن لوقا قصد في هذا الجزء ؟ إن لوقا قصد في هذا الجزء أن يقدم دفاعاً عن الرسول نفسه . إن الرسول في رسائله يعلن أن اتهامات كثيرة وجهت إليه من اليهود والمسيحيين على السواء ، فالمسيحيون لم يستطيعوا أن ينسوا سريعاً من أن بولس هو شاول الطرسوسي الذي كاد يحطم الكنيسة ( 8 : 9 ، 9 و 2 ، 26 : 10 و 11 ) ، ولذلك حفظوا له ذلك مدة طويلة ( 9 : 26 ) .

ومع ذلك فلم يكن هذا شيئاً إلي جانب ستحط اليهود عليه كما عرفنا سابقاً ففي إعلانه أن غفران الخطا23:جئ من الإيمان بيسوع وحده ، وفي تأكيده على أن الأمم يستطيعون أن ينالوا الخلاص دون أن يكون لهم اتصال بالناموس ، وفي عادته في أن يجمع المسيحيين من اليهود والأمم في شركة الطعام ، في كل هذا كان اليهود يرون أنه يحطم تقاليد اليهود وناموسهم ولهذا فهم يريدون أن يقتلوه . إزاء هذا وذاك كان هدف لوقا أن يدافع عن الرسول ضد هذه الاتهامات . ولهذا كان ذهابه إلي أورشليم وقيامه بالعوائد التي كان يقول بها اليهود دون أن ينقض تقاليد موسى ( 24 : 11 و 17 و 18 ) . إن الرسول يعلن أن الخلاف بينه وبين اليهود ليس من العوائد والتقاليد ولكن في نبع رجاء إسرائيل ( 23 : 6 ، 24 : 15 ، 26 : 6 : 28 : 20 ) . إن القضية هي أن قام يسوع الناصري من الأموات ( 23 : 6 ، 25 : 19 : 26 : 8 ) وأنه ظهر لبولس ( 22 : 8 ، 26 : 15 ) ، مرسلا إياه غلي المم ( 26 : 16و 17 ) . فهل يستطيع الرسول أن يعاند الرؤيا السماوية وألا يخضع لأمر الرب ، ويذهب للأمم لكي يؤمن الجميع ؟ إن الرسول لا يري شيئاً آخر خلاف ذلك ( 26 : 19 ) ، فكما أن الله يعينه دائماً فهو سيقوم بهذا العمل ( 26 : 22 ) .

   إن لوقا الذي يدافع عن الرسول ليس إنساناً محايداً ولكنه رجل معجب به ، كان معه مرافقاً إياه ، وقد رأي ما عمله الرب معه من قوات وآيات ، لقد عرف اختبار الرسول بالرب وصلته به ، إذ أراه في رؤى وكلمه في الأحلام وقواه . . هذا شيء حقيقي يذكره لوقا  دون أن يقدم شرحاً عنه . . إنه شخص عملي ليس حالماً ، فرغم كل اختباره أخذ نفسه بكل حزم وهكذا طلب من رفقائه ( 15 : 38 و 39 ) . إن الرسول رجل عاقل له تفكير واحد مترابط . .       

     4- ولكن لوقا البشير لم يكتب هذا دفاعاً عن الرسول فقط بل عن الإنجيل أيضاً يظهر أن الذين يتهمون الرسول بأنه ينادي بعوائد وتقاليد تسبب صراعاً في المجتمع أنهم لا يفهمون الرسالة ( 19 : 23 – 30 ) . أما الحقيقة فهي أنهم أنفسهم الذين سببوا الشقاق، إن الإنجيل لم يناد ضد قيصر (19: 27، 25: 9 ) ولكنه يحث الناس أن يسيروا بكل خوف وضمير صالح أمام الله والناس ( 24: 16 ).

وقد ظهر الدفاع هذا في خطابات الرسول أمام من كانوا يحاكمونه من ولاه أو ملوك أو غيرهم. إنه إنجيل السلام والمحبة والخلاص.

     5-وهنا ينتهي سفر الأعمال بطريقة مفاجئة . وقد وضعت تفاسير كثيرة لذلك : هل كان لوقا ينوي أن يكتب سفراً آخر ولكنه مات قبل أن يفعل ؟ هل كتبه ولكنه ضاع ؟ هل ضاعت نهاية السفر ؟ هذه كلها ليس لها سند تاريخي . ولكن هناك تفسير آخر مكتشفة في طريقة لوقا في الكتابة :

     إن القديس لوقا يكن بهتم بالأشخاص لذاتهم بل كان يهتم بالإنجيل فمثلا عندما تكلم عن بطرس جاء إلي حد لم يظهر بطرس مرة أخري ، ولا يوحنا والسبب في ذلك هو أن الإنجيل قد وصل إلي كل اليهود وخرج إلي الأمم .؟ وعندما وصل إلي هذا الحد انتهي المر ولا داعي لذكر بطرس أو يوحنا. وهكذا الرسول بولس ، إنه لم يكتب تاريخ حياة الرسول ، ولم يرد الجميع.عنه لذاته بل كان يشرح كيف استخدمه الرب في تقديم الإنجيل إلي الأمم وامتد الإنجيل وأخيراً جاء غلي روما عاصمة العالم . . وهكذا تم أمر المسيح اذهبوا إلي العالم أجمع وذهبت الكلمة إلي الجميع . . وهذا هو الأمر كله فلا داع إذن للتكلم عن الرسول مرة أخرى. . . لقد كمل السيد وعده .

نبذة عن الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.