تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » إنجيل متى

إنجيل متى

الكاتب

الدكتور القس فهيم عزيز 

العميد الأسبق لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة 

 

يعتبر إنجيل من أحب الأناجيل إلي الكنيسة المسيحية عامة وأكثرها شعبية فيها، فمن بدء ظهوره إلي الآن وهو الأقرب دائماً والأكثر استعمالا فيها. ولكن هذه الحقيقة لا تبرهن على أن هذا الإنجيل هو أحسن الأناجيل أو أكملها، لأن لكل إنجيل اتجاهه وفكره وهدفه الذي كتب أجله، ولكن هناك أشياء أخرى سيأتي ذكرها فيها بعد جعلت منه إنجيل الكنيسة بحق. يكفي هنا أن نقول إن متى احتوي على الغالبية العظمي من المادة يتكون منها إنجيل مرقس ولكنه يزيد عنه تلك التعاليم الكثيرة التي انصبت على مواضيع مختلفة كانت الكنيسة في مسيس الحاجة إليها ، لأنها كانت تعالج مشاكل كثيرة . وهل تأثير يفوق تأثير الموعظة الجبل التي يحتويها هذا الإنجيل على حياة الكنيسة وسلوكها ؟

ولكن قبل أن ندرس الإنجيل في تركيبه ومضمونه أن نجيب على بضعة أسئلة أولية تتطلبها الدراسة :

من هو كاتب الإنجيل :

انقسم الدارسون إلي ثلاثة فرق تجاه هذه القضية:

      1- فريق يتمسك بالتقليد الكنسي الطويل ويقول إن متى العشار تلميذ المسيح هو كاتب الإنجيل ويعتمد على أمرين : الأول : هو أن العنوان ” بحسب متى ” قديم جداً ظهر قبل نهاية القرن الثاني الميلادي . نعم إنه لم يكن من ضمن النص الأصلي للإنجيل ولكنه مع ذلك فهو قديم جداً على الأقل سنة 125 م .

أما الأساس الثاني : فهو قول بابياس ” إن متى كتب الأقوال Ta Logia  باللغة العبرانية ، وكل يفسرها على قدر معرفته ، ويعتقد المتمسكون به بأن بابياس يقصد ” متى ” التلميذ الذي كان عشاراً ودعاه يسوع وجعله تلميذاً ورسولا . ( متى 9 : 9 و 10 ) . ويقصد بكلمة الأقوال : الإنجيل كله . وعلى الأساس يقولون إن كاتب هذا الإنجيل في شكله الحالي هو متى أو لاوي العشار . 

      2- أما الفريق الثاني فينكر أن متى رسول المسيح كانت له صلة بهذا الإنجيل وينكرون أن قول بابياس ينطبق على الإنجيل الحالي : ولهم في ذلك عدة أسباب :

السبب الأول : هو أن بابياس يذكر أن متى كتب باللغة العبرية ، ولكن العارفين يقولون إن إنجيل متى الحالي كتب أصلا باللغة اليونانية ، ومن السهل بمكان أن نميز كتاباً جماً من لغة أخرى عن آخر كتب في لغة أصلية ، وليس متر جماً .

أما السبب الثاني :  فهو أن متى تكوينه قد اعتمد كثيراً جداً على إنجيل مرقس . فلقد استنتج العلماء بعد الدراسة أن إنجيل مرقس كان في متناول يد البشيرين الآخرين متى ولوقا وأنهما قد استخدماه أساساً لكتابهما ، ولقد كان البشير متى بالذات أكثر الاثنين استخداماً الكتاب في ترتيب الحوادث ، وفي اقتباس جعل وكلمات كثيرة منه . وهذه حقيقة أضحت معروفة لدي جميع الدارسين. ولا ينكر عالم أن لغة إنجيل مرقس وأسلوبه في الكتابة يظهر أنه كتب قبل الإنجيلين الآخرين : وهنا يتساءل هذا الفريق : لو قيل أن لوقا اقتبس من مرقس لما كان هناك من حرج لأن مرقس بحكم شهادة التقليد الكنسي كان أقرب إلي الأصول من لوقا ، لأنه أخذ كثيراً من مادته من الرسول بطرس وهو نفسه يقول إنه جمع مادته من مصادر متنوعة ( لوقا 1 : 1- 3 ) . لكن كيف يكون الحال متى لو كان حقيقة تلميذ المسيح المعروف ؟ ألا يعتبر ذلك أمراً غير محتمل ؟ هل يعتمد التلميذ ، وخصوصاً تلميذ كمتى له عقليته المراعية أن يعتمد علي مصدر لم يكن له نفس القرب الذي له ؟ كيف يعتمد متى التلميذ على مرقس تلميذ التلميذ ؟

وهناك سبب ثالث يبني على الثاني ، وهو أن من يقرأ الإنجيلين يري اختلافاً في حيوية الكتابة فإنجيل مرقس أن المادة التي فيه قد خرجت من شاهد عيان والتفاصيل الدقيقة مثل ” كان في المؤخرة على وسادة نائماً ” وجلسوا على العشب الأخضر ( مرقس 6 : 39 ) وغير ذلك كما ورد ذكره في قضية الأناجيل الثلاثة الأول . أما متى فإنه يختلف عنه ، ولكنه اختلاف الشخص الذي أخذ المادة منه وأجرى فيها ” التلميع ” إن جاز هذا التعبير وهذا يدل على أن مرقس كتب أولا : مستقياً مادته من شخص قريب من يسوع . بخلاف الذي أخذ من مصدر وسيط، ولم يكن شاهد عيان ويدل أسلوبه على ذلك أنه أسلوب الشخص الذي جلس يفكر ويصلح وليس الشخص الذي شاهد بعينيه ثم ما رأي وعرف.

لهذه الأسباب الثلاثة ينكر هذا الفريق كتابة الرسول متى الرسول متى لهذا الإنجيل ، ويفسرون كلمات بابياس تفسيرات مختلفة أهمها أنه كان يذكر إنجيلا آخر هو ” إنجيل العبرانيين ” أو كان يقصد مجموع التعاليم التي أخذ عنها متى ولوقا والتي العلماء Q .

      3- أما الفريق الأخير فهو يقف موقف الوسيط بين الموقفين السابقين. إنه لا يربد أن يقلل من قيمة التقليد الكنسي الذي بدأه بابياس وأخذ عنه كثير من الآباء أمثال ترتليان وأوريجانوس وغيرهما وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يذهب إلي آخر المدى هذا التقليد رغم معارضته لأشياء كثيرة علمية . هذا الفريق يربط متى الرسول بالكتاب ، ويعتقد أن ” التعاليم ” التي يذكرها بابياس من مجموعة التعاليم الموجودة في متى حالياً . مثل الموعظة على الجبل والأمثال وغيرها . وقد أخذها واحد آخر وربطها بمجموع الحوادث الموجودة في إنجيل مرقس جانب مصدر آخر أخذ منه بعض الحوادث كحوادث الميلاد . ربما كان هذا الرجل تلميذا في مدرسة اسمها ” مدرسة متى ” وقد يكون شخصاً آخر. وقد تكون مجموعة التعاليم هذه هي نفسها المصدر Q وقد كتبت أصلا باللغة الآرامية.

قد يكون كل ذلك إنما الأمر المهم هو أن متى كان مشتركاً في كتابة هذا الإنجيل بوضعه نواته الأولية وجاء شخص من بعده وأكمل هذا الإنجيل علي صورته الحالية.

وهنا يواجهنا السؤال : من هو الكاتب إذن ؟ لا نستطيع أن نعطيه اسماً قد يكون متى الرسول وقد يكون غيره ولكنه بدون شك هو شخص يتميز بالأمور التالية:

     1- أنه كان يهودياً يعيش خارج فلسطين والسبب في ذلك أنه كان يكتب باللغة اليونانية وفي نفس الوقت يقتبس من الترجمة السبعينية ولكنه كان متعلماً وعارفاً بالكتب المقدسة أي العهد القديم معرفة واسعة.

     2-كان متأكداً من أن يسوع قد أكمل كل انتظارات اليهود في إطار الكتب المقدسة : موسى والأنبياء والكتب ، ولكنه لم يتمم انتظار اتهم التي نسجوها من تاريخهم ووجودهم السياسي والاجتماعي ، ولهذا فقد كان جل هم الكاتب أن يظهر أن هذه الانتظارات الأخيرة كانت خاطئة ، ولهذا يفسر اختلاف أعمال يسوع عما كان ينتظره العامة الذين خلطوا ما بين رغباتهم وتنبؤات الكتب المقدسة.

     3- كان شخصاً ذا عقلية مرتبة واعية فهو لم يكتب الحوادث ويرصها رصاً ثم يفسرها ولكنه يرتبها بطريقة خاصة – كما سيجيء فيما بعد – مما يدل على أنه لم يكن شخصاً عادياً. نعم كان لترتيبه هذا دافعاً لاهوتياً ولكنه عبر عن رأيه علمية متزنة.  

     4- كل من يتصفح كتابه يشعر أنه رجل لم يكن بعيداً عن اليهودية بل لعله كان واحداً من الربيين اليهود تخرج من مدارسهم وعرف أسرارهم ، ولقد ظهرت في هذا الإنجيل حقائق لم تظهر في الأناجيل الأخرى تبرهن على مدي قربه من الديانة اليهودية قبلا :

      ( أ ) فهو أكثر الإنجيليين معرفة بأخلاق اليهود المتدينين والمتعلمين ودرايته بسلوكهم واسعة : فهو الذي ذكر قول السيد عنهم إنهم يحاولون أن ينتفعوا بتدينهم إلي أقصي حد ، إذ يأخذون المراكز الأولي في المجتمع ( 6 : 1 –6 ، 16 – 18 ، 23 : 5 ) ولأجل ذلك يعرضون عصائبهم ويعظمون أهداب ثيابهم ( 23 : 5 ) ثم يسافرون في البر والبحر لكي يكسبوا دخيلا واحداً إلي اليهودية ( 23 : 15 ) . يعشرون أصغر الأعشاب (23 : 23 ) وغير ذلك .

     (ب)  إنه يذكر نوعين من الوصايا : الصغرى والعظمي ( 5 : 19 ) ويذكر قضية الحل والربط ( 16 : 19 ) وهما تعبيران مشهوران عند معلمي اليهود ، ومعناهما الحكم على عمل ما سواء أكان صالحاً أم شريراً ، ثم أنه يستعمل تعبير ملكوت السموات بدلا من ملكوت الله ، ويطلق على أورشليم أنها مدينة الملك العظيم أو المدينة المقدسة ( 4 : 5 ، 27 : 53 ) .

     (حـ) هو الذي ذكر المناقشة الحادة عن قضية الطلاق التي شغلت معلمي اليهود عواماً وخاصة بين مدرسة شماي المحافظة التي قيدت الطلاق ومدرسة هليل المتحررة التي تركت الرجل اليهودي يطلق لأي سبب وبأية علة ( 19 : 3 ) .

لهذه الأمور نستطيع أن نستنتج أنه كان قريباً من اليهودية يفهم دقائقها، وإلي جانب ذلك فإنه يفترض في قارئيه أنهم أيضاً يفهمون هذه الأمور ويهتمون بها.

       تاريخ ومكان الكتابة:

يقول إبريناوس إن متى كتب إنجيله عندما أراد أن يترك شعبه ليذهب إلي بلد آجر للتبشير ، حتى يمكن أن يحتفظوا بأفكاره وهو بعيد عنهم . وكان ذلك عندما كان بطرس وبولس في روما في روما يؤسسان الكنيسة هناك . ويظن بعض العلماء أن هذا الأمر حدث في وقت غير متأخر كثيراً عن زمن القيامة بعد حوالي 12 سنه ، أي أنه كتب حوالي سنة 42 م .

ولكن هذا الرأي يقوم علي أساس من الواقع ويناقضه ما جاء في أعمال 15 ، غلاطية 2 : 1 – 15 حيث يظهر أن الإرسالية خارج اليهودية لم تكن إلا عن طريق بولس وبر نابا ، وكان ذلك ابتداء من سنة 49 م . أما بقية الرسل فلم يكن عندهم تفكي جدي في اتخاذ هذه الخطوة لتقديم الإنجيل إلي الأمم .

وإلي جانب ذلك فهناك عبارات في إنجيل متى تدل على انه كان قد مضي وقت طويل على حدوث الأحداث العظيمة التي يسجلها هذا الإنجيل مثل ” إلي هذا اليوم” (27: 8، 28: 15 ).

وإذا أخذنا في الاعتبار أن الإنجيلي يفترض أن الإرسالية قد امتدت إلي المم ، وأن هناك عداوة بين اليهود والمسيحيين المنتشرين في كل العالم ، وأن جزءاً من الخطاب الرئوي يعكس تفكير المسيحيين بعد خراب أورشليم . . إذا أخذ كل ذلك في الاعتبار ، فيمكن أن نقول مع كثيرين من العلماء أن الكتاب قد كتب بعد 70م . وربما ما بين 75 – 80 م. على كل حال فأن هذا رأي غير قاطع.

خصائص إنجيل متى:

مع أن للأناجيل موضوعاً عاماً. واحداً يجمعها في حزمة واحدة، إلا أن لكل إنجيل خصائص ينفرد بها في معالجته لهذا الموضوع، وطريقة كتابته ونظر ته إلي المواقف التي وجد فيها. ويمتاز إنجيل متى بخصائص يتفرد بها عن غيره من الأناجيل الأخرى نذكر منها ما يلي:

     1- إنه يبرز الاحتكاك Tension بين القديم والجديد بكيفية واضحة لا تخفي على القارئ، وهذا الاحتكاك يظهر في مواقف متعددة في تعاليم السيد وعملة:

     ( أ ) هل كانت خدمة المسيح وتلاميذه خاصة باليهود فقط أم كانت عامة لجميع الناس ؟ عندما أرسل السيد تلاميذه يكرزوا بملكوت السموات قال لهم بالحرف الواحد : ” إلي طريق أمم لا تمضوا وإلي تمضوا وإلي مدينة للسامر بين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحري إلي خراف بيت إسرائيل الضالة ” (10 : 5 و 6 ) إنها إرسالية لليهود فقط دون غيرهم ، ولقد عبر هو أيضاً عن إرساليته الشخصية عندما طلبت منه المرأة الكنعانية الأممية أن يشفي ابنتها فقال لها “لم أرسل إلا إلي خراف بيت إسرائيل الضالة ، فلما ألحت عليه ساجدة له : زاد قائلا “ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب : ( متى 5 : 24 و 26 ) . قارن هذا الكلام الواضح بأمره لتلاميذه بعد قيامته الإرسالية العظمي ” فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أو صيتكم به ( 28 : 19 و 20 ) . هذا التناقض الظاهرة تنحل مشكلته إذا عرفنا أن التخصيص والقومية التي وضحت في إرسالية التلاميذ الأولي وكلام السيد للمرأة الكنعانية يمثل فترة مرحلية ، فيها كان يحاول السيد أن يكشف لليهود عن إرساليتهم العظمي ورسالتهم الإلهية التي أغمضوا عيونهم عنها ، ورفضوا أن يطيعوا . لقد كانت الفرصة الأخيرة للقديم لكي يثبت أنه قد انحل وجاء مكانه الجديد في ملكوت الله.

     (ب)يظهر هذا الاحتكاك Fension  أيضاً في موقف السيد وتعليمه بخصوص الناموس . ففي الموعظة على الجبل نجد ما يشبه التناقض وخصوصاً في 5: 17 – 48. ففي أول هذا الجزء يقول السيد: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل فإني الحق أقول لكم إلي أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ( 17 و 18 ). ولكن بعد ذلك يقول للسامعين: قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل. . . وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم. .  عدد 21 ويكرر هذا الشيء بخصوص الزني ( 27 و 28 ) والطلاق ( 31 و 23 ) والحلف (33  و 34 ) والمجازاة (38 و 39 ) والموقف من القريب والعدو ( 43 و 44 ) . فبينما يؤكد السيد بكل مرة أنه لا يكمن أن تزول نقطة أو حرف من الناموس نجده يعطي شيئاً آخر أعظم وأكبر من الناموس . هنا أيضاً نجد هذا الاحتكاك بين القديم والجديد . فالناموس لن يزول والأنبياء ستبقي حتى يتم ما قصد بهما. وهذا القصد قد تم هذا المسيح . . . إنه هو الذي أكمل. فالإتمام معناه إتمام القصد والغرض الذي من أجله ظهر الناموس والأنبياء .

     (حـ) يظهر هذا الاحتكاك أيضاً في موقف السيد من الكتبة والفريسيين فبينما يحث الناس على احترام مركزهم وما يقولونه ويطلب منهم أن يحفظوه ويعملوه إذ به في نفس الوقف ينطق بالويلات الشديدة عليهم لأنهم لم يعملوا بما يعملونه فصاروا كالقبور من الخارج والمملوء بالعظام النتنة من الداخل ( 23 : 28 – 36 ) .          

     وبالمثل كان موقفه من أورشليم فهو يعتبرها مدينة الملك العظيم (5: 35 ) وأنها المدينة المقدسة (27: 53 ) يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين. . . هو ذا بيتكم يترك لكم خراباً ( 23: 37 – 39 ).

     من هذا نري هذه الظاهرة المميزة لهذا الإنجيل ينبر على الاحتكام بين القديم والجديد .  

  • لكن هناك خاصية أخرى في هذا الكتاب وهي أنه يجمع ما بين كتاب التعليم Didache والبشارة Kerygma  ففي ترتيب الإنجيل تجده يسير وقف إنجيل مرقس فكل من سيتصفح إنجيل مرقس يجده مرتباً ترتيب

الإنجيل وهذا الترتيب ظهر أولا في خطاب بطرس في بيت كرنيليوس أعمال ( 10 : 36 – 43 ) وعناصر هذا الإنجيل هي : الكلمة التي أرسلت إلي بني إسرائيل ظهور يوحنا – يسوع الذي من الناصرة – مسح بالروح القدس إرسالية الخدمة وهزيمة إبليس ثم ذهابه إلي اليهودية وأورشليم الصلب . القيامة الصعود . الديان – هذا الترتيب نفسه ظهر إنجيل مرقس : فيسوع ظهر بعد ظهور يوحنا المعدان إتماماً للكلمة أرسلها الرب إلي بني إسرائيل وقد مسح بالروح القدس عند معموديته ، ثم خرج ليكرز ببشارة ملكوت الله في الجليل ثم ذهب في نهاية خدمته إلي اليهودية وهناك صلب وقبر وقام وصعد إلي السماء .

     هذا الترتيب الأساسي للإنجيل موجود أيضاً في إنجيل متى. فهو الإنجيل ينقسم إلي ثلاثة أقسام رئيسية:

  القسم الأول: يحتوي على قصة الميلاد وظهور يوحنا المعدان ثم مجيء يسوع ومعموديته بنزول الروح القدس كحمامة عليه وتجربته ( متى 1: 1 – 4: 11 ).

القسم الثاني : ( 4 : 12 – 18 : 35 ) وفيه يصف خدمة يسوع العظيمة عندما كان يجول يضع خيراً ويشفي المتسلط عليهم إبليس وهذا القسم يوافق ويماثل مرقس 1 : 14 – 9 : 50 .

القسم الثالث: ( 19: 1 – 28: 20 ) وهو القسم الذي يحتوي على الحوادث التي قادت المسيح إلي الصلب في أورشليم وبعدها القيامة ثم الصعود ووعد التلاميذ بالروح القدس.

فكتاب البشير متى إذن هو إنجيل مبني على الترتيب الأساسي للإنجيل كما فهمته الكنيسة الأولي ، وكما في إنجيلي مرقس ولوقا وكإنجيل احتوي هذا الكتاب على الكرازة وحمله المبشرون إلي كل أنحاء العالم .

ولكن إنجيل متى يختلف عن الإنجيلين الآخرين في أنه كتاب التعليم ، فهو على خلاف إنجيل مرقس يحتوي على كمية وافرة من التعاليم . ولقد سبق وعرفنا أن مرقس كان يهتم كان بالحوادث أكثر من اهتمامه بالتعليم ، ولكن هنا في متى فهو يختصر في الحوادث كما سنعرف فيما بعد ، حتى يمكن أن يوفر مكاناً منسقاً لتعاليم السيد. يتفق في هذا الأمر – أي اهتمامه بتعاليم السيد مع إنجيل لوقا . فلقد حفظ ذلك إنجيل أيضاً كمية وافرة من التعاليم . لكنهما يختلفان في أمر هام جداً وهو كيفية عرض هذا الاختلاف له مظهران : المظهر الأول هو أن إنجيل متى يجمع تعاليمه في وحدات طويلة مثل الموعظة على الجبل والأمثال وغيرها ، في حين أن لوقا البشير ينثر هذه التعاليم في كل إنجيله ، فإذا أخذنا مثلا على الجبل في متى 5 – 7 نجد جزءاً منها في ( لوقا 6 : 20 – 49 ) هذا الجزء يتكون من التطويبات والويلات ثم المحبة المسيحية الكاملة (لوقا 6 : 27 – 36 ) . وهذه تقابل متى 5 : 38 – 48 ثم الحض على عدم إدانة الآخرين بل المغفرة لهم إذا أخطأوا (لوقا 6 : 37 – 42 ) وهي تقابل متى 7 : 1 – 6 . ثم مثل الشجرة ( لوقا 6 : 43 – 45 تقابل متى 7 : 17 – 23 ) ثم الخاتمة ( لوقا 6 : 47 – 49 تقابل متى 7 : 24 – 47 ) طبعاً هناك اختلاف بين الاثنين في التفاصيل ولكن الأهم من ذلك متى في الموعظة على الجبل تعاليم يضعها لوقا في مكان آخر مثل الصلاة الربانية في متى 6 : 9 – 13 يضعها لوقا موقف آخر ( لو 11 : 1 – 4 ) . وكذلك عدم القلق والاهتمام بالطعام واللباس فمتى يضعه في الموعظة على الجبل ( 6 : 24 – 34 ) بينما يضعها لوقا في مكان وموقف آخر ( لوقا 12 : 1 – 12 ) وهكذا في أمكنة كثيرة.

وأما المظهر الثاني هو أن الإنجيلي عندما يجمع تعاليمه في وحدات فإنماً يجمع التعاليم المتشابهة التي تعالج موضوعاً عاماً واحداً . . وفي هذا الأمر يمتاز عن إنجيل لوقا . فقد تجد في هذا الأخير مجموعة كبيرة من التعاليم موضوعة جنباً إلي جنب تعالج موضوعات متنوعة قد لا ترتبط بعضها مع بعض برباط مباشر خذ مثلا ص 12 وانظر التعاليم التي يحتويها. وعدد المواقف التي قيلت فيها هذه التعاليم ؛ فهو يحذر تلاميذه من خمير الفريسيين ، ثم يأمرهم ألا يهتموا أو يخافوا معطياً لهم العصافير : ثم يتكلم عن التجديف على الروح القدس وابن الإنسان ، ثم ينتقل إلي موقف آخر وهو الطلب الذي تقدم به شخص ليقسم له الميراث مع أخيه ورد يسوع عليه ، ثم تحذيرهم من القلق ، ثم يبشرهم بأن الملكوت لهم فيجب أن يكونوا مستعدين ، هنالك موقف ثالث وهو سؤال بطرس له ، فيذكر له مثل الوكيل الأمين والعبد الساهر ، ثم إعلان آخر ( 49 – 53 ) لا نعرف الموقف الذي فيه ذكر السيد هذه الكلمات ؛ ثم عدة أقوال مختلفة إلي نهاية الإصحاح . وهكذا يجمع البشير لوقا مجموعات من تعاليم السيد ويضعها في مواقف متنوعة ، وقد يكون الارتباط بينها ضعيفاً .

   علي خلاف ذلك يفعل متى البشير ، فقد لا حظ العلماء أنه قد جمع غالبية تعاليم السيد في خمس وحادات كاملة هي كالآتي :

  • الموعظة على الجبل 5 – 7.
  • خطاب الإرسالية 10 .
  • أمثال الملكوت 13 .
  • الطابع السلوكي الذي يجب أن يسود في الكنيسة 18.
  • الخطاب النهائي 23 – 25.

ونلاحظ الأمور التالية بالنسبة لهذه الوحدات التعليمية :-

الأمر الأول : هو أن كل وحدة تسبقها مجموعة من الأعمال العظيمة التي عملها السيد ، فقبل الموعظة على الجبل دون البشير كرازة السيد في المجامع والبلاد وقيامه بعمل معجزات شفاء وإخراج شياطين تلاميذه الأوائل ( 4 : 12 – 25 ) .

وقبل خطاب الإرسالية ( متى 10) يذكر أيضاً مجموعة كبيرة من المعجزان العظيمة في إصحاحي (8 و 9 ) وهكذا قبل كل وحدة من التعاليم يجب تكون كل من الاثنين: الأعمال والتعاليم: وحدة متكاملة، تنتهي كل واحدة منها بالعبارة ” فلما أكمل يسوع هذه الأقوال. . . ” ( متى 7 : 28 ، 11 ، 1 ، 13 53 ، 19 : 1 ، 26 : 1 ) . ولقد اعتقد كثير من العلماء أن الكاتب فعل ذلك وكان غرضه أن يظهر المسيح على أنه موسى الثاني العظيم ، فكما نسبت أسفار الخمسة ، هكذا تقوم هذه الأقسام الخمسة مكان أسفار موسى وهي تنسب إلي المسيا نفسه . . وكما أن الرب عمل بواسطة موسى بنفسه بأعمال عظيمة قبل أن يعطيهم الناموس والوصايا ، هكذا قام السيد بنفسه بأعمال مجيدة كشفاء المرض وإقامة الموتى وتسكين العواصف وغيرها ن وبهذا يبرهن البشير على أن يسوع المسيا . إن هذا التفسير جذاب وممكن ولكنه يقرأ في الكتاب أكثر مما يقصد الكاتب أن يقوله نعم يفعل أو أن يعلم مثل ذلك ، إنها ليست لشخص عادي ، ولكن لقارئ لا يستطيع أن يسير إلي آخر المطاف مع هذا التفسير ، زد على ذلك أن هناك تعاليم متناثرة في الإنجيل لا تدخل تحت هذه الأقسام الخمسة، مثل تلك الموجودة في ص 19 و 20 مثلا فكيف نفسرها ؟ وهل يمكن أن ترجع إلي الأسفار الخمسة مرة وعهدها الناموسي قد كمل في المسيح ؟

الأمر الثاني: الذي نلاحظه هو أن لكل قسم رسالته الخاصة به التي تظهر في الأعمال والتعاليم التي تليها:        

  • ففي الجزء الأول أي 4 : 12 – 7 : 27 يبدأ خدمته وكرازته ويدعو تلاميذه ليكونوا معه ثم يقوم بمعجزات شفاء وإخراج شياطين . وكان هذا الأمر بمثابة إعلان العصر الجديد . . إن التحديات التي قام بها هي قوات الملكوت . . فملكوت السموات قد ظهر ، ولكن كيف يكون هذا الملكوت . وأي نوع من الجديد هذا الذي يعلنه السيد ؟ وما موقفه من النظام الحالي في الديانة اليهودية التي ولد وتربي فيها هو ؟ هذه الأسلة وغيرها تجد جابتها في الموعظة على الجبل. فالجديد لا يمكن أن يظهر على حقيقة إلا إذا قورن بالقديم، فهذه المقارنة هي الطريقة المثلي لكشف الحقيقة أمام الناس. ولهذا السبب يعلن السيد – بعد التطويبات ؟أنه لم يأت ليمحو القديم ويهدمه ، ولكن لكي يتممه ويكلمه .

إن النظام القديم إلهي ولكنه نظام إعدادي لا بد وأن يتم في النظام الجديد ، في المسيح نفسه ؛ ومن يرد أن يعرف هذا الجديد فليفتح عينيه وأذنيه لكي ويسمع ، وهنا يضع السيد مجموعة من المقارنات بين القديم والجديد ، سواء أكانت هذه المقارنة مباشرة ( 5 : 21 – 48 ) أو غير مباشرة تصحيح الأخطاء العملية ( 6 : 1- 23 ) أو في إعلان بر الملكوت والعهد الجديد ( 6 : 24 – 7 : 27 ) . هذه هي رسالة القسم الأول .

  • وباتي القسم الثاني (8 : 1 – 10 : 42 ) فنجد البشير يعد لهذا القسم بقوله ” ولما نزل الجبل تبعته جموع كثيرة . . جموع أخذت بسلطان تعليمه وأعماله وكانت جموع محتاجة في كل شيء ن ولهذا أقام السيد بمجموعة كبيرة الآيات والمعجزات . إن طبيعة الملكوت بدأت تظهر وتتضح في أعماله العظيمة ، وأحس الناس بحاجتهم إليها . وكان يسوع يعرف تلك الحاجة والضرورة القصوى التي وضعت عليه وعلى تلاميذه لكي يتبعوها ولهذا السبب دعا تلاميذه وأعطاهم سلطاناً مزدوجاً : سلطان الشفاء والعمل ، وسلطان الكرازة لكي يعلنوا أن ملكوت السموات قد قرب ، وخاطب تلاميذه محذراً لهم من أن يذهبوا إلي طريق الأمم أو السامريين ، بل كان عليهم أن يذهبوا خراف بيت إسرائيل الضالة ، ثم كشف لهم عن كيفية الخدمة ومتاعبها وظروفها والمعونة الإلهية التي تظللهم في كل خدمتهم .                              
  • أما القسم الثالث (11 : 1 – 13 : 52 ) فتتركز حوادثه أساساً على سؤال يوحنا المعدان الذي أرسله للمسيح وهو في السجن عما إذا كان هو المسيا الآتي حقيقة . ونقرأ عن دفاع السيد عن هذا الرجل الأمين وتوبيخه للناس على عدم تمييزهم لرسالته أو لرسالة يوحنا المعمدان ، وخصوصاً تلك المدن التي عمل فيها أكثر قواته ، إنها مدن قاسية تكون حالتها أكثر ضيفاً وقسوة أمام الله عن سدوم وعمورة . . ولكن في مواجهة هذه المدن القاسية الآب لأجل البسطاء العظماء الذين أعلن الله لهم أسرار ملكوت السموات عن طريقة هو ن الذي جاء ليريح من يأتي إليه ، هذا كله في الإصحاح الحادي عشر . أما الإصحاح الثاني عشر فيدور كله حول المجادلات بين المسيح واليهود على كثير من الأمور. عن السبت ، وعن موته في إخراج الشياطين ، وعن عدم مقدرتهم تمييز الأزمنة والأمور كما فعلت ملكة التيمن وأهل نينوى .

ولهذا فقد تبع ذلك مجموعة من أمثال السيد تكشف أن هذا الملكوت ليس لهؤلاء المرائين الجهلاء ، ولكن للبسطاء الذين أعطاهم الآب أن يعرفوا ويختبروا سرها ، ومهما كانوا ضعفاء بسطاء فإن ملكوت الله سوف يكبر وينتشر ، لأن العامل هو الله نفسه . فلن يعطل عمله زوان أو عدو أو قسوة الناس ، إن الملكوت ملكوت الله وسلطانه وليس عمل إنسان ضعيف .     

   4-  القسم الرابع ( 13 : 54 – 18 : 35 ) هنا تظهر مجموعة من الحوادث الهامة في مثل يوحنا المعمدان ، وقيام السيد بمعجزات عظيمة هي معجزات الطبيعة ، كإشباع الجموع بخمسة أرغفة وتسكين البحر والعاصفة مجموعة أخرى من المعجزات والمجابهات بينه وبين الفريسيين . ولكن لعل أهم حادثتين هما اعتراف بطرس العظيم وإعلان السيد عن آلامه وموته؛ وعن وضع أساس كنيسة العظيمة وكانت هذه الإعلانات عظيمة وباهرة حتى أن التلاميذ لم يستطيعوا إدراك أبعادها. كانت ثقيلة على إفهامهم وعيونهم وقلوبهم، واحتاجوا إلي عمل عظيم يقول به السيد فأخذهم على جبل التجلي وهناك أظهر نفسه لهم. أعلن الآب أنه أعظم من إيليا ومن موسى وأنهما قد جاءا ليقدما له الخضوع والولاء لأنه سيدهم ، والملك الذي كانوا ينتظروه ، لقد انتهي القديم وبدأ الجديد . . ملكوت الله وكنيسة المسيح التي يرتبط بها هذا الملكوت .

وعلى هذا الأساس فقد كان خطاب السيد الذي ينبع عن الطريقة السليمة يجب أن تسير فيها الكنيسة. . إن أعضاء الكنيسة يجب أن يكونوا بسطاء كالأولاد ، لا يسببون العثرات ، شفوقين متسامحين إلي أقصي حدود المسامحة ، مرتبطين معاً بالولاء للسيد ولكنيسة ، إن أعضاء كنيسة المسيح يجب أن يعلنوا بر الملكوت في ويظهروا مجد العهد الجديد .

القسم الخامس ( 5- 19 : 1 – 25 : 46 ) هذا القسم يحتوي على مجموعة كبيرة متنوعة من الحوادث: المجابهات مع الفريسيين الآيات والفوات التي عملها السيد الإعلانات التي يعلم بها تلاميذه . . كل هذا حدث في ما نسميه الرحلة إلي اليهودية ودخوله الإنتصاري إلي أورشليم وتحديه للكتبة والفريسيين وإخراج باعتهم وتجارهم من الهيكل . وكانت هذه علامة النهاية لخدمته الجسدية على الأرض وقرب افتراقه عن تلاميذه . ولهذا السبب يضع متى مجموعة واسعة جداً من التعاليم ، ملخصها إعلان الدينونة على القديم القاسي وزواله لأنه رفض ابن الله ، وإعلانات عميقة للكنيسة لكي تسهر وتنتظر سيدها ، إن الأقوال التي جمعها متى تعكس حالة الكنيسة في عصره إذ بدأت تقلق لتأخر مجيء السيد ولهذا يذكرهم بقول السيد لتلاميذه وتأكيده لهم عن مجيئه الفجائي ، ولكنه غير معروف الزمن . والوقت ، وما عليهم هم إلا أن يكونوا صابرين ساهرين موقدي السرج متممين مسئوليتهم التي وضعها الرب عليهم .

    هذه هي رسالة الأقسام الخمسة ونلمح فيها نوعاً من التصعيد في رسالة المسيح: والتصعيد في توضيح الإعلان. فمن مقارنته الجديد بالقديم إلي إعلانه الدينونة على وزواله ثم كشف أسرار ملكوت الله وكنيسته العظمي .

  التفكير اللاهوتي في إنجيل متى:

ما هي الأسس اللاهوتية في هذا الإنجيل ؟ هل هناك حقائق كبري يريد أن يبينها ويظهرها ؟ مهما قيل ع إنجيل متى فهناك على الأقل ثلاث حقائق هامة يتكلم عنها وتدور حولها هذه الحقائق الثلاث هي:

  • القائد أو الوسيط الجديد.
  • الجماعة الجديدة التي أصبحت شعب الله .
  • البر الجديد في ملكوت الله .
    • القائد أو الوسيط الجديد:

كان واحداً من الأهداف العظمي للبشير مرقس أن يظهر أن يسوع الناري هو المسيح الذي انتظره اليهود وتمم كل انتظارات العهد القديم . ولهذا السبب فقد بدأ بالأنساب مبتدئاً بالقول ” كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم ” ، ولم يكن قصد البشير أن يعرفنا بأسرع الناصري ، ولكنه كان قصده أن يظهر أن هذا الشخص هو الملك ابن داود . ابنه دائماً ( 2 صموئيل 7 : 12 – 17 ) . وهذا ما رآه إشعياء النبي في قوله ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب ، روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب ” ( إشعياء 11 : 1 – 5 ) . وتنبأ كذلك حزقيال النبي ” فيكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً ، وداود عبدي يكون ملكاً عليهم كلهم ” . . ( حزقيال 37 : 33 و 34 ) . وكان البشير يقصد من هذه الأنساب شيئاً آخر هو أن التاريخ الإسرائيلي وأنهي سوف يرجع مرة أخرى . ويظهر ذلك في حساب الأجيال . فقد رواها البشير متساوية من إبراهيم إلي داود أربعة عشر جيلا . وهي عصر البداية المرتفعة التي وصلت قمتها في داود ، ولكن هذا التاريخ بدأ ينحدر بعد داود حتى وصل إلي السبي في أحط الحضيض ، ولكن هذا الحضيض ارتفع مرة أخرى وجاء المسيح ورد كل الأمجاد الروحية . ويقول بعض العلماء إن الأربعة عشر جيلا التي بين السبي والمسيح هي نفس المدة التي يذكرها دانيال في كتابه بالسبعين أسبوعاً ( 9 : 24 ) أو هي السبعون سنة التي ذكرها أرميا وفيها يرد الرب السبي الأعظم بمجيء المسيا كما يقول علماء اليهود ( أرميا 29: 10 ) أنظر J. Ropes the S. Gospels (ص 46 و 47).

    وهذا ما ظهر أيضاً في قول رؤساء اليهود لهيرودس الذي سأل عن ملك اليهود وأين يولد فقالوا في بيت لحم اليهودية (2 : 4 – 6 ) وفي معموديته نزل الروح القدس عليه كحمامة بهيئة مرئية وجاء صوت من السماء يعلن أن هذا الرجل هو أبنه الجيب ( 3 : 13 – 17 ) .

ولم تكن التجارب الثلاث التي يذكرها متى بتوسع تجارب المسيا : بهذا المجرب بقوله ” إن كنت ابن الله ” ( 4 : 3 و 6 ) ولم تكن هذه صيغة تشكك من المجرب ولكنها صيغة اليقين من أن هذا الرجل الذي يجربه هو ابن الله حقيقة وكانت أنواع التحارب غريبة على إنسان عادي لأنها كانت تنصب على سلطان الله وملكه بين الناس .

وبعد انتصاره يخرج ليعلن مجيء ملكوت الله ( 4: 17 ) وبعد ذلك يقف أمام الجموع ويكلمهم بالموعظة على الجبل معلناً لهم سلطانه العظيم عندما يقارن عمله العظيم وعهده الجديد، بذلك العهد الفائت الذي انقضي في قوله ” سمعتم أنه قيل للقدماء. . أما أنا فأقول لكم ” (متى 5 : 21 و27 31 و 33 و 38 43 ) .

ثم نجد سلطان المسيح واضحاً في إرساله لتلاميذه وخاصة في تلك الكلمات التي يستهل بها الإرسالية ” ثم دعا تلاميذه الإثنى عشر وأعطاهم سلطاناً على أرواح نجسة حتى يخرجوها ويشفوا كل مرض وكل ضعف ” ( 10 : 1 ) فهو ليس صاحب سلطان فقط ولكنه يستطيع أن يهب هذا السلطان العظيم . إنه يظهر قوته وسلطانه العظيم أعمال عظيمة ويشارك تلاميذه هذا السلطان.

وحتى في صلبه لم يصلب كشخص عادي، ولكنه صلب على أنه الملك، ولا أدل على ذلك من تلك الكلمات التي كتبت على الصليب كعلة لصلبه ” هذا هو يسوع ملك اليهود ” ( 27: 37 ).

ولعل أعظم ما كتب في إنجيل متى إعلاناً عن يسوع الملك المسيا هو تلك المجموعة من النبوات التي تممها الرب في حياته وعمله . وقد كان متى أكثر من اهتم من البشيرين بهذه المسألة الهامة لدي اليهود . فإنجيله يحتوي على ما يزيد عن عشرين اقتباساً للنبوات التي تمت منها ما يزيد عن سبعة اقتباسات في مقدمة الإنجيل أي قصة الميلاد والمعمودية والتجربة ، ثم يحتوي الجزء الخاص بأسبوع الآلام مجموعة كبيرة أيضاً من الاقتباسات التي تمت وكل هذه تنصب على يسوع كمتمم للعهد القديم كملك وكنبي وكعبد الرب وكمعلم . .

هذا هو المسيح كما يظهر في إنجيل متى أنه المسيا الذي تمم نبوات العهد القديم مع أنه رفض كثيراً من انتظارات اليهود الأرضية التي لم تتوافق مع ملكوت الله .  

  • لكن إنجيل متى يذهب إلي مدي أكثر عمقاً من ذلك فهو يظهر أن ابن داود هو أيضاً ابن الله . وهذا يظهر بكل وضوح في أمور كثيراً : فولادته من عذراء يفسرها ” الله معنا ” ( 1 : 23 ) فابن داود عند متى ليس شخصاً من أصل بشري ، ولكنه جاء من الله . لقد حبل به من الروح القدس ( 1 : 20 ) وله صلة فريدة مع الله الآب السماوي .

ويظهر هذا السمو في شخصية السيد في قوله ” كل شيء قد دفع أبي وليس أحد يعرف الابن إلا الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ” ( 11 : 27 ) . فالآب الذي وضع في فم الأطفال أن يرنموا هاتفين ” أوصناً لابن داود ” ( 21 : 15 و 16 ) هو نفسه الذي أعلن لبطرس أنه ” هو المسيح ابن الله الحي ” ( 16 : 16 – 17 ) فالرجل المختار رئيس شعب إسرائيل لم يكن إلا المسيح الإله المتجسد في الكنيسة المسيحية .

هذا الإعلان الأعظم الذي كشفه السيد وقت الإرسالية العظمي ” دفع إلي كل سلطان مما في السماء وما على الأرض ” ( 28: 18 ). هنا يبدأ يسوع المسيح في سلطانه وعمله العظيم . فابن داود هو ابن الله الوحيد وهو في نفس الوقت ابن الإنسان . فهو إذ يقول إن كل سلطان في السماء وما على الأرض قد دفع له ، فإنما يشير بذلك إلي رؤيا دانيال عن شبه ابن إنسان الذي أعطي مملكة وسلطاناً على كل الأرض وسلطانه ما يزول وملكوته ما لن ينقطع ( دانيال 7 : 14 ) . وهو هكذا يسيطر بسلطانه الفدائي على الجميع ، بمده على كل الأمم . كابن وابن داود وابن الإنسان وابن إبراهيم .

2- الجماعة الجديدة:   

كان من نتيجة حياة السيد وموته وقيامته ورسالته أن ظهرت الكنيسة العامة التي تتكون من الأمم واليهود معاً. . هذه الكنيسة هي إسرائيل الجديد الذي هو شعب الله الجديد . فالإنجيل يبدأ بالإعلان ” الله معنا ” ( 1 : 23 ) ثم ينتهي بالموعد العظيم الذي يعطيه السيد المقام لتلاميذه أن يكون مع تلاميذه الذين يجيئون من كل أطراف الأرض من الآب إلي انقضاء الدهر ( 28 : 20 ) فهو يبدأ وينتهي بشمولية الإنجيل فمن أول المجوس المم في فاتحة الكتاب إلي الأمر بالذهاب إلي العالم أجمع . ولتكوين الجماعة الجديدة نجد :

  • اهتمام الإنجيل بالأمم . ومع أنه كتب إلي جماعة يعتقد أنها من أصل يهودي، ومع افتخاره بسمو اليهودية والناموس، إلا أنه من أهم الأناجيل

 الذي يهتم بالأمم. فإرسالية السيد كان جزء هام منها في الأمم ، إذ الإنجيل ” لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل : أرض زبولون وأرض نفس طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم ” ( 4 : 14 و 15 ) . ثم يصف على أنه عبد الرب الذي قيل فيه ” هو ذا فتاي الذي أخذته حبيبي الذي سر به نفسي أضع روحي عليه ليخبر الأمم بالحق. . وعلى اسمه يكون رجاء الأمم ( 12 : 18 و 21 ) ولهذا فقد رأي السيد أن أممياً يحمل في قلبه وحياته لم يجده في إسرائيل نفسها ( 8 : 10 ) وفي وليمة المسيا حيث يرفض المدعو أن يأتوا إليها نجد أنها تمتلئ من أناس من الشرق ومن الغرب أما أبناء الملكوت فإنهم يطرحون إلي الخارج ( 8 : 11 و 12 ) . فمن هذا نستطيع أن نر : اهتمام الرسول متى بالأمم . ومع أنه من أصل يهودي لكنه متفتح إلي الإرسالية إلي الأمم التي تبدأ مع المسيح نفسه.  

  • ولكن خدمة يسوع في الأصل لليهود لكي يأتي بهم إلي الكنيسة العامة . فهو يقول للمرأة الكنعانية أو للتلاميذ ” لم أرسل إلا لخراف بيت إسرائيل الضالة ( 15 : 24 ) . وفي إرساليته لتلاميذه قال لهم ” إلي طريق أمم لا تمضوا وإلي الضالة ” ( 10 : 5 و 6 ) هذا القول لا يتنافى مع ما سبق من موقفه من الأمم . فإن كان فيه نوع من التمييز أو والانغلاق على اليهود فقط، لكن هذا كان واحداً من الأدوار التكتيكية في خدمة السيد. فهو لا يستطيع أن يرسل التلاميذ إلي الأمم وهم لا يعرفون للآن لعمل العظيم الذي سوف يعمله الله في السيد لفداء العالم. إن مجيء الأمم يحتاج إلي تلك الخطوة الحاسمة التي لم تكن قد حدثت بعد: موته وقيامته ومجيء الروح القدس. وإلي جانب ذلك فإن الإرسالية في أساسها هو أن يجعل من اليهود أمة تحمل الإنجيل إلي العالم لأن هذه كانت رسالتها من البدء. ولكنها لما رفضت أخذ منها الملكوت وأعطي

لأمة تؤتي ثماره ، ولكن إذا كان اليهود كافة قد رفضوا رسالتها لكن هناك الكثيرون منهم الذين قلبوه وأعطاهم الملكوت أيضاً . فالكنيسة هي الكنيسة العامة من الأمم واليهود .   

(حـ) إن إنجيل متى هو الإنجيل الوحيد الذي يذكر كلمة الكنيسة في موقفين ، في 16 : 18 حيث يعلن أن أساس الكنيسة هو بطرس واعترافه العظيم ، وإعطاؤه مفاتيح ملكوت السموات التي تعني سلطان الربط والحل . أما المواقف الثاني ففي 18: 17 و 18 فقد أعطيت هذه كلها: السلطان والحل والربط للكنيسة كلها: السلطان والحل والربط للكنيسة كلها. نعم قد تعني هذه الكلمة ” كنيسة ” الجماعة في ذاتها ، دون النظر إلي ما تشمله من تنظيمات مختلفة وأعمال إدارية وتنظيمية بمعني أنه يتلكم هنا عن جوهر الجماعة المفدية وليس عن مظهرها الخارجي  أمام الناس في نظمها وحكامها وغير ذلك . إن العمل الأساسي الذي يعطيه الرب للكنيسة هو عمل المصالحة ، عندما يقول ” إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه . . وإن يسمع منك يسمع منك فخذ معك واحداً أو اثنين. . وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار ” ( 18 : 15 – 17 ) . وهذا يعطي للكنيسة ككل أو كجماعة كاملة . السلطان النهائي في الحكم والمصالحة بين أعضائها . ففي في الحقيقة مجتمع المصالحة .

(د) ولكن ما هو معني الكنيسة كما يفهمها إنجيل متى ؟ يظهر ذلك في 18 : 19 و 20 ) وأقول لكم أيضاً إن اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السموات لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم ” الكنيسة هي الجماعة التي تجتمع باسم المسيح ، وهم يريدون أن يروه . عندئذ يأتي بينهم . فالكنيسة هي الجماعة التي تجتمع باسم المسيح وهي التي يكون فيها هو . ويربطهم شيء آخر وهو أن يجتمعوا في فكر واحد وهدف واحد وعندئذ يتقدمون إلي الله في الصلاة في وحدة الفكر والطلب وهم يعلون أنهم ينالون طلبهم.

لكن الكنيسة لها معني مكمل لذلك ذكره السيد وهو يرسل تلاميذه ” فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أو صيتكم به ” ( 28 : 19 و 20 ) ، فالكنيسة هي المجتمع المرسلي الذي يذهب إلي العالم كله لكي يتلمذ ويعمد ويعلم . . إن كل عضو في هذا المتجمع هو الكنيسة كلها عندما يذهب إلي العالم لكي يتوسط بين الله والناس .   

3- البر الجديد:

يقول السيد لتلاميذه ” فإني أقول لكم إن لم يزد بركم عن الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات ” ( 5 : 20 ) . ولكن تكمل الصورة يقول في سلطانه العظيم ” تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم لأني نيري هين وحملي خفيف ” . ( 11 : 28 – 30 ) هذان هما حدا البر الجديد لملكوت الله : الحد الأول إنه يزيد على بر الكتبة والفريسيين والحد الثاني أنه نير المسيح . وكلمة النير أخذت عن المعلمين اليهود عندما كانوا يتكلمون عن نير ملكوت السموات ، فمن يحمل نير ملكوت السموات معناه أنه يظهر الملكوت هذا الملكوت ويظهر البر الذي يتطلبه . وهكذا من يحمل نير المسيح معناه أن يظهر “بر المسيح ” وفي هذا الأمر يشابه متى الإنجيلي والرسول بولس عندما يتكلم عن هذا الأخير عن ” ناموس المسيح ” أو بر المسيح ( رومية 8 : 2 )

     ( أ ) وهنا يواجهنا السؤال: ولماذا يربط السيد بر ملكوت الله ببر

الكتبة والفريسيين؟ وما بر هؤلاء ؟ ألا يتركز برهم هذا في الناس ؟ وهل معني ذلك أن بر المسيح يجب أن يزيد عن الناموس ؟ إجابة السؤال الأخير تظهر في قوله ” لا تطنوا أني لأنقض الناموس والأنبياء ، ما جئت لأنقض بلي لأكمل فإني الحق أقول لكم إلي أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس حتى يكون الكل فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعي أصغر في ملكوت السموات وأما من عمل وعلم فهذا يدعي عظيماً ملكوت السموات ” (56 : 17 – 19 ) .

ينفي السيد هنا نفياَ قاطعاً أنه جاء ليقض الناموس أو الأنبياء أي أنه يقدس العهد القديم ككلام الله ولا يمكن أن يزيله، ولا يمكن أن يمحو سلطان بل سوف يبقي إلي أن يكون الكل. ولكن السيد لم يقف إلي حد هذا الأمر السلبي، إن كل معلم يأتي يستطيع أن يقول ذلك، بل وهو ملتزم به، وإلا فإنه يرجم. لا يمكن ليهودي أن ينقض الناموس أو الأنبياء.ولكن الالإيجابية،وق فيه المسيح الجميع هو الناحية الإيجابية ، وهو أنه جاء ” ليكمل ” . وبمعناها هنا لا يمكن أن تخرج من فم أي نبي، مهما كان ولا فم أي كاتب. إن التكميل ليس معناه الزيادة ، ولكن إتمام الهدف منه والغرض الذي جاء من أجله واسطة لمصالحة الناس بالله ، هذا ما فهمه السيد من الناموس ولهذا فلم يفرق بين وصية وأخرى ، ثقيلة كانت أو حقيقة كما فعل الربيون ، ولكنه أخذ الناموس ككل . . كله متساو وكله يهدف إلي شيء واحد ، هذا الهدف هو ما أعلنه السيد وعلم بمعناه وتممه أو أكلمه .

     ولعل هذا المعني السابق يتضح غي العبارة التي ظن كثيرون أنها تتناقض مع ما سبق ” سمعتم أنه قيل للقدماء . . أما أنا فأقول لكم ” ( 5 : 21 – 48 ) .  إن السيد هنا لا يقارن البر الذي يأتي به الناموس . . كلا إن المقارنة ليسب بين ناموس وناموس، بل بين تفسير وتفسير. يجب أن نلاحظ هنا الفرق بين الكلمة ” سمعتم ” والكلمة ” مكتوب ” ولقد استخدام السيد الكلمتين: الكلمة ” مكتوب ” عندما كان يقتبس العهد القديم نفسه ن وهذا استخدمه بكل الاحترام الذي يكنه رجل يهودي متمسك بالمهد القديم من تقديس واحترام. أما هذه الكلمة ” سمعتم ” فغالباً ما استخدمها السيد ليشير بها لا إلي العهد القديم أو الناموس وحده بل إلي تفسير ومفهوم الكتبة والفريسيين له . له إن هؤلاء المعلمين كانوا يعطون تفسيرات خاصة للناموس عندما يعلمون الناس ويسمعونهم هذا في المجمع ، في مقابل هذا التفسير يعطي السيد تفسيره هو . ولهذا فهو لا يعطي وصية بدلا من أخرى ولكنه يضع تفسيراً إلهياً الهدف الأسمى الذي جاء الناموس ولكن يا لمفهوم المسيحي. . الذي فسره إياه. بهذا فقط يزيد بر التلاميذ عن بر الكتبة وكل اليهود المتمسكين.     

     (ب) ولكن بر ملكوت السموات أر بر المسيح . لو وقف عند ذلك الحد لأصبح، ومع كل السمو الذي يظهر فيه، نسخة أخرى من التفسير القديم للناموس مع إضافة صعوبات أخرى تجعل من هذا الناموس مصدراً للأمم للفرح. إن السيد قبل أن يعلن هذا الناموس وضع أساساً متينا له، بل وضع الأساس الوحيد الذي يجب أن يقوم عليه كل شيء. فإذا رجعنا إلي الموعظة على الجبل في متى 5 – 7 نجدها تبدأ بداية أخرى: إنها تبدأ بالإنسان ذاته قبل أن تبدأ بالوصايا. ففي الجزء الذي نسميه بالتطويبات وفي ما يليه من القول ” أنتم ملح الأرض . . أنتم نور العالم ” (5: 1 –16 ) نجد التعبير كله على الإنسان الذي وضع عليه أن يقول بهذا الناموس. فقبل الوصية هناك الإنسان الذي توضع له هذه الوصية . وإلا فمي هو فائدة الوصية ؟ وقبل أن تأمر بعمل شيالعمل.ن تجهز الإنسان العمل.لب منه أن يقول بهذا العمل. هذا هو المعني الحقيقي للتطويبات وما يليها . إن السيد يضع الإنسان أولا . . المؤمن أولا يخلق هذا الذي يطلب منه أن يقول بهذه الوصايا . ولعل هذا الأمر هو موطن الضعف الأساسي في مفهوم اليهود والناموس . لقد ركزوا كل جهودهم على الناموس ، لقد حفظوه كلمة كلمة وحرفاً حرفاً ، ولكنهم نسوا الإنسان . جعلوا الناموس يأتي إلي إنسانا ضعيفي، عبد، لا يستطيع أن يفعل إلا القشور. وعندما نقول الإنسان لا نعني مركز الإنسان فهذا أيضاً ينبر عليه اليهود لأنهم كانوا يتفاخرون على العالم كله إنهم أبناء إبراهيم، ولكننا نعني بالإنسان هو نفسه، في داخله، في حياته وكيانه وإمكانياته وقواه. 

ونسيانهم للإنسان كعنصر أساسي دليل على فهم عميق وحقيقي للعهد القديم . فهناك أمر أن غاية الأهمية يظهران في العهد القديم : الأمر الأول هو أن الله مجده قبل أن يكتب الوصايا التي تربط حياة الإنسان بالعالم قال هذه الكلمات ” أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية ” (20 : 2 ). أخرجهم من العبودية إلي أبن ؟ ليقول ” أنتم رأيتم ما صنعت بالمصرين وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إلي : فالآن أن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب ، فإن لي كل الأرض ” إن الرب أخذهم من العبودية وجاء يهم إليه ليجعلهم لنفسه . أي أنه أقام معهم حقيقة خاصة لم يقمها مع أي شعب آخر ، ولأجل ذلك طلب منهم أن يسمعوا لصوته . 

أما الأمر الثاني: ففي النبوات عندما يقول أرميا ” ها أيام تأتي يقول الرب واقطع مع بيت إسرائيل يهوذا عهداً جديداً ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم وأخرجتهم من أرض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب .بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ولا \يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلي كبيرهم يقول الرب لأني أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد ” ( ارميا 31 : 31 – 34 ) هنا يظهر أهمية الإنسان في الناموس والأنبياء . فعندما عرف الإنسان أن حياته ليست فقط لعمل ناموس ولكن ليكون في شركة مع إلهه ، وعندما يكون مفهومه للديانة على أنها علاقة معه ، سيكتب الله هذه الشريعة على قلبه . وعندئذ سيفهم الناموس . ويتممه به . هذا ما اهتم به السيد أولا وقبل كل شيء ، إنه أخذ نص وروح العهد القديم ، أعطاه معناه الصحيح وبذلك أظهر البر الحقيقي ، بر ملكوت السموات الذي يتلخص في مفهوم وتفسير جديد للناموس ، ثم في تجهيز الإنسان لكي يتمم هو الناموس .. ناموس الله .        

نبذة عن الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.