تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » إن كان داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

إن كان داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

إن كان داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه

(مت 22 : 41 – 46)

“إن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه”.

سأل المسيح هذا السؤال الأخير: “إن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه”، ولم يستطع أحدٌ أن يجيب هذا السؤال بصورةٍ ما، والسؤال موجَّه إلى الفريسيين في يوم الثلاثاء الأخير من حياة المسيح على الأرض.

تاريخ الأسبوع الأخير: بعد غروب شمس يوم السبت، وكان بداءة الأحد بالحساب اليهودي، في ذلك الوقت اتكأ المسيح في وليمةٍ في بيت عنيا أعدها له مرثا ولعازر ومريم، وهناك دُهن السيد المسيح بدهن التكفين كما قال: أن مريم حفظت هذا الطيب ليوم التكفين، هناك حُفظ خروف الفصح في اليوم العاشر من شهر نيسان وأُعِدَ ليُذبح في اليوم الرابع عشر، هناك دُهِن للتكفين وأُعِد للقتل بسبب إيمان الناس من أجل لعازر.

في يوم الأحد: خرج من بيت عنيا ودخل في موكبٍ ملكيٍّ إلى أورشليم في هتافٍ عظيم: “أوصنا مباركٌ الآتي باسم الرب مباركةٌ مملكة أبينا داود”، وهناك بدأ ينظر إلى خروف الفصح بين الشر، هناك بكى على أورشليم وتذكر مصيرها الأبدي: “آهِ لو علمتِ حتى في يومكِ هذا ما هو لسلامكِ (حتى في هذا اليوم) ولكن قد أُخفيَ عن عينيكِ”، ثم نظر حوله في الهيكل ورأى ما فيه من تجارة ولصوصية، جال بعينيه صامتاً وعاد حزيناً ليبيت في بيت عنيا.

وفي يوم الإثنين: عاد إلى الهيكل وطرد الباعة وطهَّر المكان فاشتدَّت العداوة، وأُعِدَّ الخروف للذبح، وعاد في المساء إلى بيت عنيا، وفي طريقه ذهاباً إلى أورشليم لعن التينة فيبست أصولها وتم تنفيذ هذا إذ رآه التلاميذ.

وفي يوم الثلاثاء: في اليوم الأخير لوجود السيد المسيح في الهيكل، ختم هذا اليوم بالقول: “يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرةً أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة أفراخها تحت جناحيها ولم تريدوا هوذا بيتكم يُترك لكم خراباً”، وقد تبع هذا النداء بالويلات على الكتبة والفريسيين، على أن اليوم صُرف في أمثالٍ وهجومٍ وتوبيخٍ خُتم بهذا السؤال، مثل الكرمة والكرامين، مثل العرس، وصل بالمثلين إلى ذلك الخراب العظيم الذي أُعد على يد الجنود فأرسل الملك (المسيح) جنوده فحرقوا المدينة وخربوا المكان، ثم بدأ الهجوم من الطوائف اليهودية على السيد المسيح في ذلك اليوم الأخير. كانت طوائف الفريسيين والهيروديسيين والصدوقيين في سؤال الجزية ليضعوا له شركاً من الهيروديسيين والفريسيين، وسؤال الصدوقيين عن القيامة، وبعد هذه الأسئلة تقدم إليه جمعٌ من الفريسيين يسألونه عن الوصية الأولى، وبعد الإجابة عليه وعلى كل الأسئلة تقدم المسيح بهذا السؤال: “ماذا تظنون في المسيح ابن من هو؟”.

سؤالٌ هو توجيهٌ أو لفت نظرٍ، إنكم إلى الآن لم تعرفوا شخصية المسيح، هذا هو اليوم الأخير للمقابلة به وإلى الآن لم تصلوا إلى حقيقة شخصيتي، ولم تروا المسيح فيَّ، فماذا تظنون في المسيح ابن من هو؟!

سؤالٌ عجيبٌ تتحدث النبوات عنه، وكتب الأنبياء عنه، وبحثوا، كتبوا عنه بروح المسيح، فشهادة المسيح عن نفسه في الأنبياء، وكتب الأنبياء بين أيديهم “فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياةٌ ابدية وهي التي تشهد لي”، فماذا تقول عنه النبوات؟ كان الجواب بسرعة: “ابن داود”، الملك ابن الملك.

مملكة أبينا داود يجلس عليها المسيح، وهذا كل ما كانوا يعرفون عنه، وقد انشغلوا بهذا الفكر ليملك على كرسيّ داود، قصبة مملكة أورشليم، ليُخضع أمم العالم للأمة اليهودية، وكم سألوا عن ملكوت الله هل اقترب وما هو؟ كان جوابه: “إن ملكوت الله لا يأتي بمراقبةٍ”، ليس شيئاً منظوراً يُراقب، لا في صورته الخارجة ولا في معناه الداخلي، بذارٌ يزرعه الزارع وينام ويقوم ليلاً ونهاراً وينمو وهو لا يعلم، هذا هو ملكوت الله، هو الحق في الباطن، هو الحكمة في السريرة، هو القلب النقيّ، هو الحق المقدس في الأرض، هذا هو ملكوت الله، هو الإنجيل، إنجيل النعمة على رجاء المجد، لذلك لم يعرفوا المسيح لأنهم لم يعرفوا طبيعة ملكه التي شهد بها أمام بيلاطس: “إني أتيت إلى العالم لأشهد للحق”، هذا هو ملكوت الله، في الباطن وفي السريرة، ملكوت الله داخلي، لا صورةً منظورةً ولا شكلاً من الأشكال، إنه الحق في الباطن وفي داخل الإنسان. ولكنهم قالوا ابن داود، أي ليجلس على كرسيّ داود فسألهم السؤال الذي لم يجبه بعد: “كيف يدعوه داود بالروح رباً”، وهنا يستند إلى الأنبياء وشهادة الروح في داود، روح المسيح الذي كان في داود: “قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك”، فداود يدعوه رباً بالروح القدس فكيف يكون ابنه وفي ذات الوقت ربه، إن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابناً؟، وإذا نظرنا إلى جواب السؤال هذا الذي لم يُجَب بعد، نستطيع أن نرى الوحي المقدس الذي يعطي لنا جواباً لهذه الحقيقة.

إن كان المقصود بالمسيح ملكٌ على كرسيّ داود فالمسيح يقول هذا خطأ لأنه ليس ابن داود بل رب داود، هو الذي مسحه ملكاً ومسحه ملكاً على جماعته لا على جماعة داود، على جماعته هو على مملكته ليفعل مسرته وليُتم مشيئته بعد أن خالف شاول مشيئة الملك الحقيقي وقال: “وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي” ليتمم كل مسرتي وليفعل إرادتي، فهو الملك الحقيقي رب داود الذي أقام داود ملكاً، فكرسيه، ليس في أورشليم ولا مملكته منظورة لها صورةٍ بشرية.

قال داود بالروح القدس: “قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك”، وإذا رجعنا إلى هذه النبوة نستطيع أن نراه الملك الكاهن، لأن داود يقول بعد أن وُضع قضيب الملك في يده بالروح القدس من الله الآب، وبعد أن أُعد له شعباً منتدباً في يوم القوة، وبعد إن حمل شبابه يزهون بالجمال والمجد. قوة منتدبة ومعدة أيضاً في يوم قوة الملك ليسود الحق في جميع الأمم.

بعد كل ذلك قال وجعل رتبته ملكية لا على رتبة داود بل على رتبة ملكي صادق ملك السلام، ملك البر، هذا هو الملك الحق، هذا لم يصل إليه الكهنة والفريسييون في كل كتاباتهم ودراساتهم للناموس والأنبياء، لم يصلوا إلى روح هذه الحقيقة فلم يستطيعوا أن يجيبوا بكلمة. “إن كان داود يدعوه بالروح رباً فكيف يكون ابنه؟”، أما الجواب العام على هذا السؤال وقد رأيناه، رب داود الذي أقام داود ملكاً في مملكته ليؤدي داود فرائضه الخاصة في هذه المملكة وتمم إرادته في مملكته هذه لا مملكة داود.

لذلك جاء الوعد لداود أن يقيم مملكةً إلى الأبد، وهذا هو داود الحقيقي الذي يرى الحظائر بجملتها وله خرافٌ أُخر ليست من هذه الحظيرة، جميع الأمم مُلكاً له “إني أُخبر من جهة قضاء الرب قال لي أنت ابني أنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض مُلكاً لك”، فترعاه “فالآن يا أيها الملوك تعقلوا تأدبوا يا قضاة الأرض قبِّلوا الابن لئلا يغضب لأنه عن قليلٍ يتقد غضبه فتبيدون من الطريق”، إلا أنه في ذات الوقت هو ابن داود، بمعنى آخر لأنه أتى متجسداً ليأخذ رتبة ملكي صادق الملكية ولكونه من سبط يهوذا، “يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حُبل به فيها هو من الروح القدس”.

فلم يكن نسل داود من زرع البشر، الرب من السماء، وهذا ما قاله بولس الرسول في الرسالة إلى أهل رومية (رو 1 : 1 – 4): “بولس عبد يسوع المسيح …. عن ابنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد وتعيَّن ابن الله بقوةٍ من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات”، لذلك اتخذ المسيح نفسه من هذا الوقت ابن الإنسان، لم يقل عن نفسه ابن داود ولو أنه قيل “ارحمني ياابن داود” و “مبارك الآتي باسم الرب مباركةٌ مملكة ابن داود”، وكان يدعو نفسه ابن الإنسان ولكونه ذلك أتى من سبط يهوذا، ولكنه أتى كاهناً لا ملكاً فقط، بل على رتبة ملكي صادق الذي بارك إبراهيم وتبارك إبراهيم فيه، هذه هي الحقيقة والعقيدة القديمة التي يجب أن نفهمها، هي هذه الحقيقة الجوهرية، أنه ابن الإنسان في ذات الوقت ابن الله، “من يقول الناس أني أنا ابن الإنسان” (مت 16 : 13).

في قيصرية سأل تلاميذه: “من يقول الناس أني أنا ابن الإنسان”، وظهر أنه لم يعرفه أحد من كل البشر بعد سنوات خدمة وأعمالٍ مجيدة، لم يعرفه أحد، كانوا ينظرون إليه حسب الجسد، فقالوا: “من أين له هذه الحكمه أليس هذا هو ابن النجار ابن مريم؟ أوليس إخوته يعقوب ويوسي وسمعان؟ أوليست أخواته البنات عندنا؟”، فكانوا يشكّون فيه ولم يعرفه أحد لأنهم كانوا يعرفونه حسب الجسد.

وأخيراً سأل التلاميذ هذا السؤال فقال بطرس: “أنت هو المسيح ابن الله الحي فقال له طوبى لك يا سمعان بن يونا، لأن لحماً ودماً لم يعلن لك بل أبي الذي في السموات”، إذاً “ليس أحدٌ يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له”، فالموضوع موضوع إعلان، وبهذا الإعلان يقول الرسول بولس: “إننا الآن لسنا نعرف أحدٌ حسب الجسد وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد فالآن لا نعرفه بعد، إذاً إن كان أحدٌ في المسيح فهو خليقة جديدة”.

ابن الله وابن الإنسان طبيعة لاهوتية أزلية أبدية وطبيعة ناسوتية، اتحادٌ تام في الطبيعة لا انفصال ولا امتزاج “لم يفارق لاهوته ناسوته لحظةً واحدة”، لأن اللاهوت هو الذي اتخذ الناسوت، ناسوتاً كاملاً، “فيه حل كل ملء اللاهوت جسدياً”، وبالناسوت جاع، وبالناسوت عطش وتعب، بالناسوت نام ومشى على الأقدام، بالناسوت عُلق على الصليب، وبالناسوت دُفن في القبر، والذي عمل كل هذا هو اللاهوت، عمله بالناسوت. فالناسوت واللاهوت شخصية واحدة لاانفصال ولا امتزاج بل اتحادٌ تام، منذ تجسده إلى يوم مجيئه وإلى أبد الآبدين.

لذلك نستطيع أن نقول: “إن سيرتنا نحن هي في السموات” التي ننتظر منها يسوع المسيح الذي “سيغير شكل جسد تواضعنا” على حسب مشيئته واستطاعة اللاهوت العجيب.

“انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله، من أجل ذلك لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه، الآن نحن اولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون”، وإذا أُظهر أو عند ظهور هذه الحقيقة ماذا سنكون، سنكون مثله لأننا سنراه كما هو في المجد، آمين.

5 / 7 / 1969 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.