تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » ابن الإنسان – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

ابن الإنسان – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

ابن الإنسان

 

(يو 3 : 1 – 18) ، (أف 4 : 1 – 18)

“وليس أحدٌ صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء”.

صعد إلى السماء، نزل من السماء، كان في السماء. ابن الإنسان صعد إلى السماء، نزل من السماء، كان في السماء، “وليس أحدٌ صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء”.

يقول هذا القول ابن الإنسان الرب يسوع المسيح لمعلمٍ من معلمي اليهود وقد كان حاخاماً بمعنى الكلمة، حكيماً من حكماء المعلمين ورئيساً من رؤسائهم اسمه نيقوديموس وقد أوحت إليه الحكمة السماوية أن يتصل بالمسيح ولكن ليلاً خفيةً من اليهود، وجرى حديثاً بينهما في موضوع الولادة الثانية، الولادة من فوق، الولادة من الروح القدس، لا الولادة الجسدية ولا ولادةٌ من إنسان، وقد ظهر أثناء الحديث أن هذا الموضوع غير مُدركٍ طلبه عند هذا المعلم اليهودي، الحكيم اليهودي، الرئيس اليهودي، وظهر هذا في سؤاله: “كيف يمكن للإنسان أن يولد وهو شيخٌ، ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانيةً ويولد”، وقد ظن أن الولادة ثانيةً هي مرةً أخرى كالولادة الأولى من الأم، فكيف يتم ذلك؟ لذلك قال له السيد: أنت معلم إسرائيل (اليهود) ولست تعلم” ولست تؤمن ولا تفهم أمراً كهذا، هذا أمرٌ يحدث، ويحدث في الإنسان تغييرٌ في الحياة، تجديدٌ في النفس والقلب، تجديدٌ في الأفكار، ولادةٌ جديدةٌ، لا من الناس بل من الله، “المولود من الجسد جسدٌ هو”، طبيعةٌ فاسدة، مولودٌ من الفساد الطبيعي، “المولود من الروح هو روح”، ولادةٌ روحيةٌ، كيف يكون ذلك؟ “الريح تهب حيث تشاء … هكذا كل من ولد من الروح”، عملٌ إلهيٌّ محضٌ.

وإذ رآه لا يستطيع أن يفهم مثل هذا التعليم الغريب عليه، مع أنه لو فتح أحد الكتب لوجد أنه يتكلم عن هذا الموضوع، “أرش عليكم ماءً فتطهرون”، ماءً طاهراً يطهركم، ولكنه لا يفهم ذلك إلى أن قال له السيد: “إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون فكيف تؤمنون إن قلت لكم السمويات”، إن قلت لكم الأرضيات التي تحدث في قلوب البشر فلم تؤمنوا فماذا لو قلت لكم السمويات؟ من يستطيع أن يفهم السمويات؟ ومن يمكنه أن يتكلم عنها إلا ابن الإنسان لأنه صعد إلى السماء ولأنه نزل من السماء ولأنه كائنٌ في السماء، فيعرف السمويات ويفهم الحقائق ويستطيع أن يتحدث عنها وهي التي قال عنها الرسول بولس: “بل نتكلم بحكمة الله في سرٍّ، الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها (لنا) قبل الدهور لمجدنا، التي لم يعلمها أحدٌ من عظماء هذا الدهر لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد، بل كما هو مكتوبٌ ما لم تر عينٌ ولم تسمع أذنٌ ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه”، وهذا إعلانٌ بالروح القدس، أما ابن الإنسان فيكشف كل هذه الحقائق، أمورٌ مكشوفةٌ أمام عينه لأنه وهو في الأرض وهو ابن الإنسان هو صاعدٌ إلى السماء، كما أنه نزل من السماء وهو في ذات الوقت كائنٌ في السماء.

هذه هي الحقائق الثلاث بشأن ابن الإنسان، تبدأ بأنه نزل من السماء، نزل إلى أسافل الأرض السفلى، إلى أعمق الأعماق، لا بالنسبة لحالة الفقر التي وصل إليها: “افتقر وهو الغني”، ولد في مزود، لم يكن له موضع يضع رأسه فيه عند مولده إلا مزود البقر، إلى أقسام الأرض السفلى، إلى هذا الحد وتربى في بيت نجارٍ فقيرٍ، وعاش فقيراً، دخل في الأعماق آتياً عن طريق الأعماق، في أعماق الأحشاء، أحشاء عذراء مخطوبة، إلى أقسام الأرض السفلى نزل، في الجسد، “فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً فيهما”.

ولكنه في تعليمه وهو على الأرض وحتى في أقسام الأرض السفلى كان صاعداً إلى السماء، كان يعلم السمويات مرتفعاً إلى العلاء، فإن كان قد  نزل إلى أقسام الأرض السفلى ولكنه صعد فوق السموات بل فوق جميع السموات ودخل إلى المقادس العليا وأتى بتعليمٍ سامٍ الذي لا يستطيعه معلمٌ ولو كان رئيساً لليهود ولو كان معلماً من أحكم المعلمين، ولا عجب هل نسمع السؤال: من أين لهذا هذه الحكمة؟ كيف يعرف الكتب وهو لم يتعلم؟ هذه كانت األأسئلة التي تدور حوله، من أين لهذا هذه الحكمة؟ كيف يعرف الكتب وهو لم يتعلم؟ ولم يكونوا يعلمون أنه في السماء صاعدٌ وأنه كائنٌ في السماء ولو أنه على الأرض، ومن يستطيع أن يعرف الآب إلا هذا الابن، كما قال في صلاته: “أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال”.

ثم توجه إلى الشعب وأعلن له هذه الحقيقة: “ليس أحدٌ يعرف الابن إلا الآب ولا أحدٌ يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له” فهذه ليست مجرد أقوالٌ ومكتوباتٍ وتسطيرات، إنها أسرارٌ، وأسرارٌ عميقةٌ وعجيبةٌ من يريد أن يعرفها فليصعد إلى السماء، “وليس أحدٌ صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء” الذي كان في حضن الآب، بل الذي هو في حضن الآب ويعرف الحقائق السامية والعجيبة السماوية.

أوليست هذه هي الكتب المقدسة، وهل نستطيع أن ندركها بمجرد تعاليم البشر؟ أوليست هي أسرارٌ عميقةٌ جداً؟ “هوذا سرٌّ أقوله لكم”، من أين له هذا السر؟ أقول هذا بإعلان الرب من السماء، وكل أقوال الكتب المقدسة أسرارٌ عميقةٌ هي أمورٌ سماويةٌ كما أن ابن الإنسان وهو على الآرض يصل إلى أعماقها لأنه آتٍ من السماء، وكأنه بوصوله إلى أعماق الكتب المقدسة قد وصل إلى السماء، قد صعد إلى السماء ونزل بهذه الأسرار العميقة والعجيبة ليكشف لنا ما كُتب ويعلن لنا السر المكتوم في هذه الكتب المقدسة حتى تعجب الجميع “لأنه كان يعلمهم ليس كالكتبة” والفريسيين بل كمن له سلطان لأنه آتٍ بسلطانٍ، وبسلطان الكلمة بإعلانٍ خاصٍ وهو الذي كشف تلك الأسرار في الكتب المقدسة للذين تكلموا عنها وهم لا يدرون ما يتكلمون، وهو الذي نزل من السماء ليكشف تلك الأسرار، وهو صاعدٌ أيضاً إلى السماء وهو كائنٌ في السماء.

وهذه الثلاث: الصعود إلى السماء، والنزول من السماء، والكينونة في السماء، كانت لابن الإنسان وهو على الأرض يعرف الأسرار العجيبة السماوية، ” إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون فكيف تؤمنون إن قلت لكم السمويات”.

ومن يستطيع أن يكتشفها – هذه الأسرار – إلا الذي نزل من السماء، “وليس أحدٌ صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء”، هل نستطيع أن ندرك هذه الأمور لنرى في الكتب المقدسة هذه الأسرار العميقة السماوية التي أعلنها ابن الإنسان هذا لجميع الكتبة من موسى والأبنياء وكتب المزامير ثم أتى ليفسر هذا بنفسه ويرجع بنا إليها، إلى المكتوب، لنكتشف أعماق المكتوب بالصلاة: “اكشف عن عينيَّ فأرى عجائب من شريعتك”، “وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت” يقول الرسول بطرس، إن الكلمة المكتوبة أثبت من الرؤى والمعاينة، أثبت من رؤيا جبل التجلي، وقد كنا معاينين عظمته ورأينا مجده وسمعنا الصوت من السماء، لكن هذه كلها ليست شيئاً بالنسبة للكلمة النبوية “وهي أثبت التي تفعلون حسناً إن انتبهتم إليها كما إلى سراجٍ منيرٍ في موضعٍ مظلمٍ”، وماذا يحدث؟ يتقشع الظلام ويعلو النور ويتدرج في السموات “إلى أن ينفجر النهار ويطلع (ويظهر) كوكب الصبح في قلوبكم”.

الكلمة النبوية هي التي صعد ابن الإنسان إلى السماء في تفسيرها، وهو الذي نزل من السماء عائداً بها، وهو كائنٌ في السماء كاشفاً كل الأسرار بروحه الأقدس يفعل ذلك فينا ولنا.

هل نستطيع ونحن نقرأ الكلمة أن نصعد إلى السماء بل فوق السموات لنعرف الأسرار العميقة؟ “إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون فكيف تؤمنون إن قلت لكم السمويات”.

فإلى السماء ولنرتفع فوق أنفسنا بروح ابن الإنسان لنكتشف الحقائق عالمين أنه “ليس أحدٌ صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء”.

الأحد  8 / 1 / 1978

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.