تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » اختلاء لقاء رجاء – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

اختلاء لقاء رجاء – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

اختلاء لقاء رجاء

(مت 6 :6)

“وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك واغلق بابك وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانيةً”.

“وأما أنت فمتى صليت، فادخل إلى مخدعك واغلق بابك” … اختلاء.

“وصل إلى أبيك الذي في الخفاء” … لقاء.

“فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانيةً” … رجاء.

قد يكون هذا هو الدرس الأول الذي ألقاه السيد على تلاميذه في موضوع الصلاة.

وأما أنت يا تلميذ المسيح، يا من اعترفت به وخلصت “وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات  …”، أما أنت …، وهذا في مقابل هم …، جماعة المرائين، الكهنة والفريسيين الذين “يصلُّون قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس”، .. أما أنت فلا تظهر للناس، ولا يكن قصدك أن تظهر للناس. لا تكن مرائياً تظهر بغير حقيقتك وتُظهر ما لا تُبطن، إن رب السماء يرى ما في الخفاء ويحكم بالعدل الإنصاف لأن عينيه كلهيب نارٍ يخترقان إلى الداخل “وكلمته حية وفعالة وأمضى من كل سيفٍ ذي حدين، وخارقةٌ إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميزةٌ أفكار القلب ونياته، وليست خليقةٌ غير طاهرةٍ قدامه (أمام عينيه)”.

أما أنت “فادخل إلى مخدعك”، اختلاء، “وصلِّ إلى أبيك” لقاء، “فأبوك .. يجازيك” رجاء.

اختلاء:

ادخل إلى المخدع واختلِ، الصلاة الفردية التي يهملها الكثيرون، فقد نهتم بالصلاة العائلية، وقد نهتم بالصلاة الجمهورية في بيت الله، وأما الصلاة الفردية فلا نهتم بها، أنت وحدك ادخل إلى مخدعك، اختلِ، كن في مكانٍ لا يراك فيه أحدٌ من الناس كما كان بولس في الزقاق الذي يقال له المستقيم في دمشق، وكما كان إسحق يتمشَّى في الحقل وحيداً منفرداً مختلياً.

أما المخدع فلعل اليهود يفهمونه أو التلاميذ ينظرون إليه في صورة العهد القديم في قدس أقداس البيت المقدس في الهيكل، منفصلاً كل الانفصال لا يدخله أحدٌ إلا رئيس الكهنة مرةً واحدةً في السنة، وهل نقدر أن ندخل قليلاً إلى هذا المخدع، قدس الأقداس في بيت الرب، في الهيكل، ماذا نرى؟ نرى مكاناً هادئاً بعيداً عن كل غوغاء، مغلقٌ من كل جانبٍ، لا توجد به طاقاتٌ ولا كوىً وحجابٌ كثيفٌ يغطي بابه، هدوءٌ تامٌ، أغلق بابك، ابعد كل تفكير، اختلِ في مكانٍ هاديءٍ بعيداً عن غوغاء العالم، اغلق باب النظر والسمع لكي لا ترى ولا تسمع شيئاً من كل ضجيج الحياة، اطرد طرداً تاماً من هذا المخدع كل ما يلهيك أو يشغل قلبك أو عينيك أو سمعك، هل ترى رئيس الكهنة وهو داخلٌ وحده، لا أحد معه إلى هذا المخدع المقدس، إلى قدس الأقداس، وقد أخذ هذا الحجاب إلى ناحية، وإذ يدخل يعود الحجاب إلى مكانه.

إذاً كان هذا القدس مخدع داخلي ليست فيه طاقاتٌ ولا كوىً ولا بابٌ، ألا يكون ظلاماً؟ نعم، ولكن ألا ترى هنالك الكروبان ومجدٌ بهيٌّ بين الكروبين يضيء المكان، وإذا بالكروبين يضيآن بذلك المجد، لأن مجد الله حالٌ هناك فلا يحتاج إلى نور الشمس أو القمر، لا ليلاً ولا نهاراً، ولا إلى سراجٍ لأن الرب أناره، وإن كنت تدخل إلى أستار الظلام ولكنك ستجد المخدع مضاءٌ، وهناك من يكشف قلبك وينير عينيك ويفتح أذنيك، فتكتشف عمق العمائق وسر الأسرار، وترى من لا يستطيع أحدٌ أن يراه.

يفتح ذهنك الوقاد لترى الكتاب المقدس وشريعة الله، ليكشف عن عينيك لترى عجائب من شريعة الرب في هذا المخدع، ولا يمكن أن ترى هذا النور البهي حتى تدخل المخدع وتغلق بابك، هل تدخل؟ وكم من الأوقات؟ ادخل حيث لا يراك أحدٌ، وحينما لا يراك أحدٌ في الليل يقول المرنم “سبع مراتٍ” تحت أستار الظلام حيث لا يراه إنسانٌ في المخدع، في مكان اختلاءٍ.

لقاء:

صلِّ إلى أبيك .. لقاء، هناك تختلي وهناك تلتقي .. بمن؟ بهذا النور البهي الحال بين الكروبين، بهذا المجد السني الفائق، تلتقي بأبيك، وهنا نغمةٌ جامعةٌ هي نغمة الإيمان، هل تؤمن أنه موجودٌ؟ يجب أن تمتليء من الشعور العميق بأن أباك موجودٌ وأنه هناك وأنك في حضرته وأنه حاضرٌ معك، ولكن قد تراه كما رآه إشعياء في مجده وبهائه في رؤيا، وقد تسمع صوتاً يناديك: “قدوسٌ قدوسٌ رب الجنود مجده ملء كل الأرض”، هذا ما رآه إشعياء في هذا المخدع، في قدس أقداس هيكل الرب.

وما أرهب أن نلتقي به، فهل تقول إذ تتكشف لك نفسك أمام قداسته وجماله، وترى قذارتك أمام نقاوة هذا النقي البهي فتقول مع إشعياء: “ويلٌ لي أني هلكت لأني إنسانٌ نجس الشفتين”، وتقول مع دانيال: “نضارتي تحولت فيَّ إلى فسادٍ” وهو القديس الذي عاش عيشةٌ بلا لومٍ، الذي لم يجد أحدٌ علةٌ عليه.

وماذا يقول بولس: “ويحي أنا الإنسانُ الشقيُّ”، هذا ما تصل إليه في هذا المخدع، إذ ترى هذا البهاء وهذا المجد في قدس الأقداس، ولكن لا تنسَ أن تدخل مرةً أخرى إلى قدس الأقداس فترى مكان اللقاء، غطاءٌ مرشوشٌ بالدم، هذا عرش النعمة، فعند عرش النعمة تلتقي بأبيك “فتنال رحمةً وتجد نعمةً عوناً في حينه”، تجد يداً ترفعك منتشلةً إياك من الفساد كما رفعت دانيال، تجد يداً تحيي يوحنا بعد أن سقط كميتٍ، تجد جمرةً مأخوذةً بملقط من المذبح تمس شفتيك كما مست إشعياء، وتسمع الصوت: “قد انتُزع إثمك وغُفرت خطيتك”.

ادخل صلِّ، وقد تكون صامتاً أمام هذا المنظر الرهيب، فليكن، لأن قلبك مكشوفٌ أمامه، لأن أبوك يعلم ما تحتاج إليه قبل أن تسأله، فأنت في شركةٍ مقدسةٍ مع أبيك وهو يعلم ما تحتاج إليه، وإذ تلتقي إرادته بإرادتك وإرادتك بإرادته فكل ما تحتاج إليه يُعطى لك، “يحدث سكونٌ في السماء نحو نصف ساعةٍ”، وهل تعرف ماذا كان بعد ذلك؟ مبخرةٌ بالبخور بنارٍ من على مذبح الذهب، يصعد البخور مع صلوات القديسين، ولعل تلك الصلوات كانت هي السكوت نصف ساعةٍ، يصلون صامتين، فصعدت صلواتهم الصامتة مع البخور إلى الله.

رجاء:

إذ ندخل إلى المخدع ونغلق الباب فنختلِ بأبينا وتلتقي به، وإذ نقدم أمام أبينا كل ما نحتاج إليه ولو في صمتٍ عميقٍ، هنالك الرجاء: “فيجازيك أبوك” وما أجمل أن “يجازيك علانيةً” إنه يرى في الخفاء، وتصلي في الخفاء لكن الجزاء علانيةً.

تخرج من هذا المكان كما خرج زكريا من عند مذبح البخور، خرج صامتاً، لا يتكلم ولا ينطق بكلمةٍ، ولكن الجميع دون أن يخبرهم بشيءٍ علموا أنه لا بد أنه رأى رؤيا، وقد عرف الجميع هذه الرؤيا عندما تمت الأيام وانفكت عقدة لسانه، نطق وتكلم وقال: “اسمه يوحنا”، وتعجب الجميع عندما قالوا: “أترى ماذا يكون هذا الصبي”، عملٌ عجيبٌ في وحدته، في اختلائه، في انفراده، لم يعلم به أحدٌ، ولكن الجميع عرفوا المجازاة، وإذا دخلت إلى المخدع وهناك انكشفت لك حقائق ملكوت السموات وخرجت مملوءاً من هذه المعرفة الصادقة، ألا يعلم الجميع بما لك من عميق هذه الأسرار السماوية في فهم كتاب الله وفتح أذهان البشر، وعندما تدخل وفي قلبك أمرٌ من الأمور التي لا يعلم بها أحدٌ وتخرج من هذا المكان تُعطَى هذا الطلب ويُعلَن بين الناس فتُرى المجازاو علانيةً، رجاء.

ادخل … اختلاء، صلِّ … لقاء، يجازيك … رجاء، “وأما أنت (مخاطبٌ واحدٌ، لا وأما أنتم) فمتى صليت (أنت)، فادخل (أنت)، إلى مخدعك (أنت) وصلِّ إلى أبيك (أنت) فأبوك يجازيك (أنت)”. 

 الأزبكية   1955 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.