تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » الإيمان والتوبة

الإيمان والتوبة

تأليف

القس جيمس أنس

راجعه ونقحه وأضاف إليه

الدكتور القس منيس عبد النور

الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة – القاهرة

الإيمان والتوبة

1 – بماذا يتمّ رجوع النفس إلى الله؟

* يتم بالإيمان والتوبة. فالإيمان هو نظر النفس المتجددة إلىالله، مع قبول شهادة الكتاب المقدس عنه، والاتكال على النعمة الإلهية كما أعلنها الله في عمل الفداء. والتوبة هي نظر النفس المتجددة إلى الخطية بالحزن والخجل، والعزم على تركها، وإتمام ذلك فعلاً، والسعي في حياة مقدسة تطيع أوامر الله. والإيمان والتوبة هما نتيجة الاقتناع بكل ما يتعلق بأحوال النفس الطبيعية الساقطة، واحتياجها إلى المغفرة والخلاص بدم الفادي اقتناعاً كافياً. وهذا الاقتناع لا يحدث إلا في النفس المتجددة التي آمنت وتابت، وهما من أول أعمال التجديد، ويكونان مصحوبين دائماً برجوع الخاطئ إلى الله.

2 – ما هو الإيمان؟

* أبسط تعاريف الإيمان هو أنه «تصديقٌ مبنيٌّ على الشهادة» سواء كانت شهادة البشر أم شهادة الله، وسواء كانت الشهادة بالقول أو بالختم أو بالعلامة أو بالمعجزة. فلما قال إيليا إن الرب هو الله وإن البعل كاذب، قال «الإله الذي يجيب بنار هو الله». وكان نزول النار شهادة الله لصدقه. وهكذا قيل إن الله في العهد الجديد «شهد بصدق الإنجيل بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس» (عب 2: 4). وقيل إن «روح الله يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله» (رو 8: 16). فالإيمان مبنيّ على شهادة من له سلطان أن يثبته، وهو تصديق أمور غير منظورة بناءً على شهادة من له قدرة وسلطان أن يعرّفنا بها.

أما الأدلة على صحة هذا التعريف للإيمان فهي:

(1) هذا هو المعنى المشهور لكلمة «إيمان» فنحن نؤمن بالحوادث التاريخية بشهادة المؤرخين، ونؤمن بالحقائق العلمية بشهادة العلماء، ونؤمن بخبر الخلق والسقوط والفداء بشهادة الوحي كما قيل «بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقنت بكلمة الله» (عب 11: 3). ونؤمن أن الله أرسل ابنه كفارة عن الخطايا بناءً على شهادة الله بذلك. وهكذا نؤمن بكل تعاليم النعمة المجانية، كالتجديد والتبرير والتقديس واتحاد المؤمن بالمسيح والقيامة والدينونة في اليوم الأخير.

(2) هكذا يعرّف الكتاب الإيمان، فالعهد الجديد هو «شهادة يسوع» ولم يأتِ المسيح فيلسوفاً بل شاهداً بدليل قوله لنيقوديموس «إننا إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا، ولستم تقبلون شهادتنا» (يو 3: 11). وقال المعمدان «الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع، وما رآه وسمعه به يشهد، وشهادته ليس أحد يقبلها، ومن قبل شهادته فقد ختم أن الله صادق» (يو 3: 31-33). وكان الرسل شهوداً عيّنهم المسيح للشهادة (لو 24: 48 وأع 1: 8 و2: 32 و3: 15 و5: 32 و10: 42، 43). وكان أعظم اعتراض على الرسل في مدن اليونانيين أنهم لم ينادوا بتعاليمهم كقضايا تقبل المناقشة أو البرهان، ولا بيّنوا الأسس الفلسفية لتعاليمهم، ولا أثبتوها ببراهين عقلية. وفي إجابة بولس على هذا الاعتراض قال إن الفلسفة (التي هي حكمة البشر) لا تبلغ القضايا العظمى المتعلقة بالله وبأعماله والخطية والفداء، وهي جهالة بالنسبة إلى أمور الله. وقال أيضاً إن التعاليم التي علّمها لم تكن من حقائق العقل بل من الإعلان السماوي، ويجب أن نصدقها لا بناءً على المبادئ العقلية أو الفلسفية بل بناءً على سلطان الله. وليس الرسل فلاسفة بل شهوداً، لم يبرهنوا وعظهم بكلام الحكمة الإنسانية، وإنما نادوا بإعلانات الله. ويجب أن نبني الإيمان بتعاليمهم على شهادة الله الصادقة لا على حكمة الإنسان.

ومن الأدلة على تعليم الكتاب المقدس في الإيمان أنه التصديق بناءً على الشهادة أنه أمرنا أن نؤمن بخبر الوحي بأمور الفداء «فمن لا يصدِّق الله يجعله كاذباً لأنه لم يؤمن بالشهادة التي شهد بها الله عن ابنه. وهذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه» (1يو 5: 10، 11). والخلاصة أن موضوع الإيمان هو إعلان الله، وأساسه شهادة الله. «فمن قبل هذه الشهادة فقد ختم أن الله صادق، ومن رفضها يجعله كاذباً. وإذا قبلنا شهادة الناس فشهادة الله أعظم، لأن هذه هي شهادة الله التي شهد بها عن ابنه» (يو 3: 33 و1يو 5: 9). ونحن لا نبني إيماننا على موافقة الحق المعلَن لعقولنا، ولا على تأثيره في حواسنا، ولا لكفايته لسدّ حاجات طبيعتنا وأحوالنا (مع أن هذا كله صحيح). لكننا نبنيه على أنه كلام الله، وله هذا الختم «هكذا قال الرب». نعم إن حقائق الوحي يقبلها العقل، ولها تأثير قوي في القلب، وتكفي كل حاجات الطبيعة البشرية الساقطة وهذا ما يستميلنا إلى الإيمان ويقوّيه ويصيّره مؤثراً مفرحاً. ولكن ليس هو أساس الإيمان، بل الأساس هو شهادة الله وسلطانه.

ويتضح تعريف الكتاب للإيمان من أمثلة الإيمان فيه، فقد وعد الله أبوينا الأوَّلين بعد سقوطهما أن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تك 3: 15). وبُني الإيمان بهذا الوعد على شهادة الله الصادقة. ولما أنذر الله نوحاً بمجيء الطوفان وأمره أن يبني الفلك، آمن نوح، ليس لأنه رأى علامات مجيء طوفان، ولا لأن عقله برهن له أن الإله العادل ينتقم لشريعته على هذا الأسلوب. بل آمن بناءً على شهادة الله فقط. وكذلك وعد الله إبراهيم بأرض كنعان، وأنه وهو شيخ عقيم يصير أباً لأمم كثيرة، وتتبارك بنسله جميع قبائل الأرض. ولم يكن لإيمانه بذلك سندٌ منظور غير كلام الله. وحدث الشيء نفسه مع كل أبطال الإيمان (عب 11).

ويصح ذلك على كل ما جاء في الكتاب، فإيماننا بالعالم غير المنظور والسماء وجهنم وبتعليم الفداء وبأمن الكنيسة وانتصارها الكامل ليس له أساس غير شهادة الله. وإن لم يُبْنَ الإيمان على الشهادة لا يبقى له ما يُبنى عليه، فأساس الإنجيل كله قيامة المسيح من الأموات، ولو لم يكن المسيح قد قام فإيماننا باطل ونحن بعد في خطايانا. وأساس تأكيدنا أن المسيح قام في اليوم الثالث هو الشهادة التي شهد الله بها في الأسفار المقدسة.

الإيمان إذاً هو تصديق الحق بناءً على الشهادة. ويؤمن المسيحيون بصدق الحوادث والتعاليم المدونة في الكتاب بناءً على شهادة الله لها.

3 – ما هي أنواع الإيمان؟

* الإيمان الديني أنواع، فقد يكون مركزه العقل لا غير، فيكون إيماناً عقلياً فقط. ويعتقد كثيرون أن الكتاب المقدس كلام الله، ويقبلون كل تعاليمه باعتقاد العقل. وقد يكون مركزه الضمير الذي يشهد بصدق الحق ويحث الإنسان على التسليم والعمل بموجبه. غير أن الإنسان قد يقاوم حث ضميره ولا يعمل بموجبه، فيكون هذا الإيمان كالزرع الذي ليس له أصل، فيجف بعد قليل وييبس. وقد يكون الإيمان تصديق الحق باشتراك العقل والضمير والقلب، ولا سيما قبول تعاليم المسيح وعمل الفداء، فهو يجعلنا متحدين بالمسيح وأعضاء حية في جسده، ويعطينا نصيباً من كل فوائد الفداء، ويعمل بالمحبة ويثمر أثماراً صالحة. وهذا الإيمان الحي يجعل النفس قادرةً على فهم الحقائق الدينية، فترى فضل الحق وجماله وتميز معناه الروحي، وتفرح به وتقبله وتقتنع به غاية الاقتناع، وتثمر أثمار الإيمان وهي قداسة القلب والحياة. ويقول الكتاب إن الإيمان من ثمار الروح، وإنه هبة الله (كو 2: 12). وأوضح الرسول أصل الإيمان بقوله إنه لم يعتمد في نجاحه على كلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل على برهان الروح لكي لا يبني إيمان البشر على حكمة الناس بل على قوة الله (1كو ص2). فشهادة الروح المقنعة هي دعوته الداخلية الفعالة التي تقود النفس إلى الإيمان الحي، وتُغيّرها. ويشبّه الكتاب هذا بفتح عيني الأعمى ليرى حقيقة الخليقة وعجائبها ومجدها. فالإيمان العقلي هو إقناع الأعمى بجمال الطبيعة قبل فتح عينيه. أما الإيمان المبني على شهادة الروح الداخلية فهو إقناعه بذلك بعد فتح عينيه.

4 – ما هي صفات الإيمان الحقيقي الخلاصي؟

* (1) القبول العقلي للإعلانات الإلهية، فيسلّم العقل بصدق الأسفار المقدسة وبحقيقيَّة الخلاص المُعد لنا بالمسيح، وبصحّة ما يقوله الكتاب عن حالة الإنسان الطبيعية الساقطة واحتياجه إلى المسيح. على أن هذا وحده لا يفيد صاحبه للخلاص، بل يهدي (وحده) الإنسان في طريق الإيمان الخلاصي.

(2) الاقتناع العقلي والقلبي بموافقة عمل الفداء لاحتياج النفس الساقطة، وتقديم الشكر والحمد لله على تمهيد طريقٍ موافقة للخلاص بالمسيح، ومعدَّة مجاناً لجنسنا الساقط. على أن الإيمان الخلاصي لا يتم فقط بالانتباه العقلي ولا بالاقتناع القلبي المقترن بالشكر، بل يلزم له أمر آخر.

(3) الاتكال الاختياري على المسيح باعتباره ربنا ومخلِّصنا، وهذا يتضمن الاعتراف بذنبنا وعدم استحقاقنا، وبسلطة المسيح علينا، وقبول المسيح مخلصاً لنا، والتمسك به طريقاً للمغفرة والتكفير والحياة الروحية. وهناك آيات كثيرة في الكتاب توضح لنا كيف نأتي إلى المسيح لننال الخلاص (مت 11: 28، 29 ويو 1: 12 و4: 14 و6: 53 و8: 12 و14: 1 و20: 31 وأع 16: 31 وأف 3: 17 وعب 12: 2 ورؤ 3: 20).

فالإيمان الحي الخلاصي يشغل القُوى العقلية والحواس الباطنة والإرادة معاً، ولا يتمُّ إلا باشتراك كل قُوى النفس فيه. والإيمان الحقيقي هو إيمان إنسانٍ واقف على صخرة في البحر، وهو في خطر الغرق يزيد عليه اضطراب البحر، وتلطمه الأمواج بقوة كل دقيقة. ويرى أثناء هذا سفينة، فينظر إليها أولاً بعقله، فيعتقد أنها واسطة النجاة. ومتى زاد الخطر ينظر إليها ثانيةً متيقّناً من حاجته إليها، وإتيانها في الوقت المناسب، فيشكر الله على وجودها وينظر إليها ثالثةً راغباً في أن تكون فيها النجاة، فيأتي إليها وقد تأكد أنها الواسطة الوحيدة لخلاصه. والنظر العقلي إلى السفينة هو الاعتقاد بوجودها وأنها توافق احتياجه، فيشكر عليهما كليهما. ولكن هذا لا ينفعه شيئاً لخلاصه ما لم يطلب السفينة ويدخلها متكلاً على أنها تنجيه، ويتمنّع بها فعلاً لخلاصه. والإيمان الخلاصي لا ينفصل عن التجديد أبداً (يو 1: 12، 13 وغل 3: 26) وهو يُشغِل العقل والحواس الباطنة والإرادة، ولا يتم إلا بالتمسك الاختياري بالمسيح بروح الاتكال عليه لأجل الخلاص.

5 – ما هو موضوع الإيمان الخلاصي؟

* للإيمان الخلاصي موضوعان: عام، وخاص. أما العام فهو المعلَنات الإلهية جميعها. وأما الخاص فهو المسيح وعمله باعتباره فادٍ (أع 17: 18 و1كو 1: 23 وكو 1: 27 ورؤ 19: 10). فالإيمان الخلاصي يعتمد على الوعد الإلهي بالخلاص بواسطة المسيح، ويتكل على الفادي. والأدلة على أن هذا هو موضوع الإيمان الخلاصي الخاص كثيرة، نقتصر على خمسة منها:

(1) شهادة المسيح الذي طلب من الناس أن يؤمنوا، وقال إنه رُفع لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يو 3: 15). وإن الذي يؤمن به لا يُدان، والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد (يو 3: 18). وإن الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذي لا يؤمن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله (يو 3: 36). وإنه هذه هي مشيئة الذي أرسله: أن كل من يراه ويؤمن به تكون له حياة أبدية (يو 6: 40) وإنه هو خبز الحياة النازل من السماء. فإن أكل أحدٌ من هذا الخبز يحيا إلى الأبد (يو 6: 48-51). وإن عمل الله هو الإيمان بالآب الذي أرسل الابن (يو 6: 29). ولا يمكن ذكر كل الآيات التي نص فيها على أن شرط الخلاص هو الإيمان بالمسيح، لأنها كثيرة جداً.

(2) لزوم قبول المسيح، موضوع الإيمان الخلاصي فنحن نخلُص بقبولنا إياه أو قبولنا شهادة الله عن ابنه. ويقول الكتاب «وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله» (يو 1: 12). وقوله «أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني» (يو 5: 43) وقوله «إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله أعظم، لأن هذه هي شهادة الله التي قد شهد بها عن ابنه: مَن يؤمن بابن الله فعنده الشهادة في نفسه. مَن لا يصدق الله فقد جعله كاذباً، لأنه لم يؤمن بالشهادة التي قد شهد بها الله عن ابنه. من له الابن فله الحياة، ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة» (1يو 5: 9، 10، 12). وقوله «كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد وُلد من الله» (1يو 5: 1). فواضحٌ أن ما يُطلب منا لأجل الخلاص هو قبول المسيح وقبول الشهادة التي شهد بها الله عن ابنه، والإيمان بأنه المسيح ابن الله الحي. فالمسيح هو موضوع الإيمان الذي يؤكد الخلاص، والإيمان هو النظر إلى المسيح والإتيان إليه وتسليم النفس له.

(3) تعليم الرسل أننا نتبرر بالإيمان بالمسيح. والمقصود بالإيمان هنا ليس الإيمان العقلي، ولا مجرد الثقة العامة بالله، ولا التصديق بالقول الإلهي، ولا اليقين بالحقائق الأبدية، بل الإيمان الذي موضوعه المسيح. قال الرسول «بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون» (رو 3: 22). وقال «إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح، آمنا نحن أيضاً بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع، لا بأعمال الناموس» (غل 2: 16). وقال «كان الناموس مؤدّبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان» (غل 3: 24). وقال «لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع» (غل 3: 26). وقال «ما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله» (غل 2: 20).

(4) المسيح فدية عنا، بذل نفسه فدية عن كثيرين وجُعل كفارة عن الخطايا وقدم نفسه ذبيحة لله. والناس يخلصون باستحقاق بره وموته. فلأنه فادينا وكفارة خطايانا، وبالإيمان به نتصالح مع الله، فيجب أن نقبله كذلك ونتكل عليه. ونظام الخلاص كله كما هو في الإنجيل يقتضي أن يكون المسيح في ذاته وعمله موضوعاً للإيمان وأساساً للثقة.

(5) حياتنا في المسيح بالإيمان تجعله يثبت فينا. وهو رأس الجسد ونحن الأعضاء وحياتنا منه. وهو الكرمة ونحن الأغصان، فلا نحيا نحن، وإنما يحيا المسيح فينا.

فهذه الأقوال وغيرها تنفي القول بأن مجرد الإيمان العام بالله أو بالكتاب المقدس يؤكد خلاصنا، وتثبت أن الإيمان الخلاصي هو الذي ينتهي في المسيح، ويجعله لنا إلهاً ومخلصاً. وقيل أيضاً إن الله أرسل ابنه إلى العالم واتخذ طبيعتنا ليعلن مشيئته ويموت عن خطايانا ويقوم لأجل تبريرنا. وفيه يحل كل ملء اللاهوت، ونحن نمتلئ من ملئه. وهو صار لنا حكمة وبراً وقداسة وفداءً. فالذين يقبلون هذا المخلِّص كما أعلن نفسه ويسلّمون نفوسهم له ويوقفونها لخدمته، هم المؤمنون بالمعنى المقصود في الكتاب.

وكل مؤمن حقيقي يقبل المسيح ويتخذه مخلصاً ومنجياً ينجو من شر الخطية وقوتها ومن سلطان الشيطان وكل سيئات الابتعاد عن الله، ويتَّخذه حكمة وبراً وقداسة وفداءً، ويعتبره إلهاً ومخلِّصاً ونصيب نفسه الكافي التام والواهب الحياة. وهذا يتضمن الخضوع لكل تعاليمه، والاتكال على بره وفدائه، والتسليم لإرادته، والثقة بحمايته، ووَقْف النفس لخدمته. فنقبله كما هو مقدم لنا نبياً وكاهناً وملكاً ومصدر الحياة والنور والسعادة، وموضوع العبادة والمحبة.

6 – ما هو أساس الإيمان، وما هي الأدلة على وجوده، وما هي أثماره؟

* أساس الإيمان هو الوعد الإلهي الثابت، والأدلة على وجوده في القلب هي السيرة الحسنة والأعمال الصالحة، طاعةً لأوامر الله. فالإيمان الذي لا يقود الإنسان إلى الطاعة والصلاح إيمان ليس إيماناً حقيقياً (يع 2: 14-26 وغل 5: 6). ومن أثمار الإيمان المحبة، فإن المحبة لله والمسيح والروح القدس لا بد تتبع الإيمان (غل 5: 22). ولا يقدر أحد أن يخلُص بمجرد معرفته أن يسوع هو ابن الله وابن الإنسان، وأنه أحبنا وبذل نفسه لأجلنا وجعلنا ملوكاً وكهنة لله، بدون أن يحب المسيح ويعبده وفقاً لثبات هذا الإيمان وقوته فيه. بل يجب أن يمتلئ قلبه من تلك المحبة ويُخضِع حياته لها. ولذلك قيل إن الإيمان يعمل بالمحبة ويطهر القلب. والمحبة حسب تعليم الرسول مستحيلة بدون الإيمان، لأننا بدونه نكون تحت دينونة الناموس. وما دمنا تحت الدينونة فنحن أعداء لله (رو 7: 4-6). وما دمنا أعداء لله نثمر للموت. ولكن حين نتصالح مع الله ونتحد بالمسيح نثمر لله، فنؤمن أن الله أحبنا ونحن نحبه، ونؤمن أن المسيح بذل نفسه لأجلنا ونوقف حياتنا له. ونؤمن أن هيئة هذا العالم تزول، وأن الأمور التي لا تُرى هي أبدية. ومتى كان لنا هذا الإيمان الذي هو أفضل من الأمور المنظورة، وبرهان الأمور الغير منظورة، طلبنا ما هو فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله.

7 – ما هي نتائج الإيمان؟

* (1) الاتحاد بالمسيح: فيصير المؤمن شريكاً للمسيح في حياته (رو 6: 4-10 و8: 10 وغل 2: 20 وأف 3: 17 ويو 15: 1-6) ويسكن المسيح فيه بواسطة حلول الروح القدس في قلبه. وسكنى الله أو المسيح أو الروح القدس فيه بمعنى واحد (قارن رو 8: 9-11).

(2) التبرير: فإننا تبررنا بإيمان المسيح (غل 2: 16) ولا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع (رو 8: 1) ومن يؤمن به لا يُدان (يو 3: 18). فالإيمان هو الشرط الذي به يحسب الله للبشر بر المسيح حسب وعده في عهد الفداء. ومتى آمنوا رُفعت عنهم الدينونة، لأنهم (وقتها) يلبسون براً كافياً لكل مطالب العدل. قال الرسول «من سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرر. من هو الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضاً، الذي هو أيضاً عن يمين الله، الذي أيضاً يشفع فينا» (رو 8: 33، 34).

(3) السلام: «فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح» (رو 5: 1). والسلام ينشأ عن المصالحة المبنيّة على وعد الله بأن يصفح عن كل الذين يؤمنون بالشهادة التي شهد بها عن ابنه، ويسامحهم ويقبلهم ويخلّصهم. فيلزم أن الإيمان يتضمن تصديق هذا الوعد. وهذا التصديق يعني تصديقنا أننا متصالحون مع الله. وكما أن الإيمان قد يكون ضعيفاً أو قوياً، كذلك السلام الذي ينشأ عنه قد يكون متقطعاً ضعيفاً أو دائماً قوياً.

(4) اليقين: ويمكن وجود الإيمان الصحيح بدون أن يصل إلى درجة اليقين الثابت، على أن اليقين من نتائج الإيمان الممكنة، وهو ثمر شهادة الروح الداخلية لقلوبنا بأننا قد تممنا شروط الخلاص (رو 4: 20، 21 و8: 16 وأف 1: 13 و1يو 4: 13 و5: 10). واليقين (وإن لم يكن من جوهر الإيمان) فهو من توابعه الحسنة، التي يجب على كل مسيحي أن يجتهد في بلوغها، بحسب القول «لكننا نشتهي أن كل واحدٍ منكم يُظهِر هذا الاجتهاد عينه ليقين الرجاء إلى النهاية» (عب 6: 11). «اجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتَيْن» (2بط 1: 10). لذلك نعتبر الحصول على يقين الإيمان من حقوق كل مسيحي وواجباته.

أما أساس اليقين فهو: (أ) الوعد العام المطلق بدون شرط بأن الذين يأتون إلى الله بالمسيح لا يطرحهم خارجاً، وأن كل من يريد يأخذ ماء الحياة مجاناً. فيجب أن نصدق أن الله أمين وأنه يخلّص الذين يؤمنون به. (ب) محبة الله غير المحدودة وغير المتغيرة، ولنا فيها أساس ثابت للرجاء (رو 5: 1-10 و8: 31). (ج) استحقاق كفارة المسيح غير المحدود وفعل شفاعته الدائمة (رو 8: 34). (د) عهد الفداء الموعود به أن كل من أعطاهم الآب للابن يأتون إليه، ولا يهلك منهم أحد. (هـ) شهادة الروح أننا نفتخر برجاء مجد الله، لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا. أي أن الروح القدس يؤكد لنا تلك المحبة التي يصفها بأنها غير محدودة ولا متغيرة (رو 5: 3-5). والروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كان هناك مؤمن يعوزه اليقين الثابت فذلك يعود لعيبٍ في المؤمن، لا لعيبٍ في نظام الفداء أو في مواعيد الله.

(5) التقديس: فإن الإيمان يعمل بالمحبة (غل 5: 6) ويطهّر قلوبنا (أع 15: 9). فبالإيمان نتبرر به، وبه نقبل حلول الروح القدس في قلوبنا، وبه نحيا وبه نتقدس، لأنه الثقة بما يُرجى والإيقان بأمورٍ لا تُرى. وهو الواسطة الوحيدة لنعرف الله والأمور الروحية، فهو للنفس بمنزلة العين للجسد، لأننا به نرى الأمور الأبدية التي لا تُرى وندرك قوتها وقيمتها. وبذلك تفقد الأمور الوقتية المنظورة قوتها على النفس، لأنها لا تُقاس بالأمور التي أعدَّها الله للذين يحبونه. ويتحدث العبرانيين 11 كله عن قوة الإيمان. فقد استطاع نوح بالإيمان أن يقف وحده ضد العالم، وبه قدر إبراهيم أن يقدم ابنه الوحيد، وبه فضّل موسى عار المسيح على خزائن مصر، وبه قدر آخرون أن يقهروا ممالك ويصنعوا براً، وبه سدّوا أفواه أسود وأطفأوا قوة النار، وغيرهم تقووا من به من ضعفٍ وصاروا أشداء في الحرب، وغيرهم تجربوا في هزء وجَلْد، وغيرهم بالإيمان احتملوا الرجم والنشر والقتل بالسيف، وغيرهم بالإيمان طافوا في جلود غنم وجلود معزى معتازين مكروبين مُذلّين. وإن كل أولئك حصلوا بإيمانهم على الصيت الحسن.

والإيمان شرط لازم لفعل وسائط النعمة، وهي الكلمة والمعمودية والعشاء الرباني والصلاة، لأنها وسائط لتحريك الحياة الروحية إلى العمل. غير أنها لا تعمل إن لم نقبلها ونستعملها بالإيمان. نعم إن قوتها ليست من الإيمان، ولكنه الشرط الذي بموجبه يجعلها روح الله فعالة.

(6) تأكيد خلاص المؤمن الحقيقي: «فإنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16). وقال المسيح «من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة» (يو 5: 24). وقال «أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. كل ما يعطيني الآب فإليَّ يُقبِل ومن يقبل إليَّ لا أُخرجه خارجاً. لأن هذه هي مشيئة الذي أرسلني أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير» (يو 6: 51، 37، 40). وقال «خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي» (يو 10: 27، 28). وموضوع رومية 8 هو البرهان على تأكيد خلاص المؤمنين. والقضية التي قصد الرسول إثباتها فيه هي أنه لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، أي لا يمكن أن يهلكوا أو ينفصلوا عن المسيح ويُدانوا.

ولم يَبْنِ الكتاب ثبات المؤمنين على ثبات الإيمان فينا، ولا على مقدار التقوى في القلب، ولا على ثبات إرادة المؤمن. لكنه يبني ثبات المؤمن على ما هو خارج عنه، وهو قصد الله وعمل المسيح وحلول الروح القدس فينا واشتراكنا في حياة الفادي، ومصدر جميع هذه، أي محبة الله السرية التي لا تُحدّ ولا تتغير. ولسنا نحن الذين نحفظ أنفسنا بل نحن «محفوظون بقوة الله بإيمان لخلاص» (1بط 1: 5). ونحن جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع (غل 3: 26). والمسيح فينا هو رجاء المجد (كو 1: 27).

8 – ما هي التوبة؟

* في التوبة ثلاثة أمور:

(1) الاعتراف بأننا خطاة (مز 51: 3، 7، 11): ولكن هذا الاعتراف جزء من التوبة الحقيقية، فلا يستطيع وحده أن يقود الإنسان إلى ترك الشر، ولو أنه يجعله أحياناً يخاف القصاص. ويُسمى هذا الاعتراف في الكتاب «معرفة الخطية» بدليل قول الرسول «لأن بالناموس معرفة الخطية» (رو 3: 20).

(2) الحزن والأسف على الخطية: لأنها التعدي على حق الله وصلاحه، ولذلك يجب أن نكرهها. وسُمي هذا الحزن في الكتاب «الندامة» أو الحزن الذي يُنشئ توبة للخلاص بلا ندامة (2كو 7: 9، 10).

(3) ترك الخطية فعلاً بقصد إصلاح النفس، وطلب المغفرة والتطهير (مز 51: 2، 7، 10 وإر 25: 5): وسُمي في الكتاب «التوبة» (أع 2: 38 ورو 2: 4). فالتوبة الحقيقية لا تتم إلا بالاعتراف العقلي بخطايانا فقط، ولا بمجرد الحزن عليها، بل بالعدول عنها وتركها وطلب النعمة الإلهية لتخلّصنا منها. وليس للتوبة استحقاق، لأنها واجبة علينا في كل حين، وهي لا تفيد شيئاً في الخلاص إن لم تقترن بالإيمان الحي. ومركزها القلب لأنها عمل داخلي في الإنسان لا خارجي. وما يتبعها في السيرة الخارجية كالاعتراف أمام الله بخطايانا (لو 18: 13) وإصلاح ما عملناه من الشر (لو 19: 8) هو أثمارها. فالكتاب يميز بين التوبة والأثمار التي تليق بها (مت 3: 8). والتوبة الحقيقية ترافق الإيمان الحقيقي، فنحن لا نحزن على الخطية كأمرٍ مكروه ما لم نؤمن بالله وبرحمته. والكرازة بوجوب التوبة تتضمن أيضاً الكرازة بلزوم الإيمان (أع 19: 4 و20: 21). فالإيمان والتوبة ضروريان لرجوع النفس إلى الله.

9 – ما هو التعريف الإنجيلي للتوبة؟

* هو أن التوبة نعمة إنجيلية، ويجب على كل خدام الإنجيل أن يكرزوا بوجوبها، كما يكرزون بوجوب الإيمان بالمسيح. وبهذه النعمة يأسف الخاطئ على خطاياه ويكرهها، لا بسبب خطر الخطية وعقابها فقط، بل بسبب نجاستها، ويشعر بذلك وبأن الخطية تناقض طبيعة الله المقدسة وشريعته البارة، ويتمسك برحمة الله بالمسيح للتائبين، حتى يرجع عن خطاياه كلها إلى الله ليسلك معه في كل طرق وصاياه، ويبذل جهده في ذلك.

10 – ما هو الدليل على عدم لزوم الاعتراف لإنسان بالخطايا قبل الحصول على الغفران؟

* القول بضرورة الاعتراف لإنسانٍ ما بالخطية قبل الحصول على الغفران هو من اختراعات البشر، لم يقُله المسيح ولا علّمه الكتاب المقدس. وهو يُفسد التوبة البسيطة الحقيقية، ويرفع التوبة الطقسية إلى منزلة الاستحقاق. وهو يوجِّه أفكار التائب إلى البشر عوضاً عن الله لنواله المغفرة، كما أنه ينكر استحقاق المسيح ويعظّم استحقاق الخاطئ وقدرته على أن يخلّص نفسه بالوسائط البشرية. وهو خطأ لأربعة أسباب على الأقل:

(1) ليس له سند من العهد الجديد الذي يعلمنا أن نعترف لبعض كأخوةٍ للرب لا الكاهن، فأنت تعتذر لمن أسأت إليه (يع 5: 16).

(2) يخالف كل تعاليم الكتاب في عمل الفداء، إذ يجعل توسّط الكاهن بين المسيحي والمسيح أمراً ضرورياً، مع أن المسيح وحده هو الوسيط بين الله والبشر (قارن مع ما قلناه في فصل 32 س 5 عن شفاعة المسيح).

(3) أمرنا الكتاب بالاعتراف لله رأساً (مز 32: 5 ومت 11: 28 و1تي 2: 5 و1يو 1: 9).

(4) أدّى الاعتراف للبشر إلى شرور متنوعة، منها التعدي على حقوق البشر وحرمانهم من الحرية التي يهبها الفداء لكل ضمير.

فإذا طلب خاطئ مشورة قسيس فليس ذلك لأن القسيس هو المرجع الوحيد، لأن العهد الجديد يعلِّمنا عن كاهن حقيقي واحد هو المسيح (عب 3: 1 و4: 14 و5: 6 و7: 24 و8: 1 و9: 28). وليس للبشر أي سلطان على مغفرة الخطية، ولم يكن ذلك حتى لكهنة العهد القديم كما يتضح من أعمالهم ومن شرح الرسول للوظيفة الكهنوتية (عب 5: 1-6). ولم يقل رسل المسيح إن لهم سلطان المغفرة، بل أعلنوا أن ذلك مما يختص بالله وحده، واكتفوا بالتصريح بشروط المغفرة. فادعاء البشر سلطان الله إهانة للمسيح وإفساد لتعاليمه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.