تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » الاختيار – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

الاختيار – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

الاختيار

لماذا يختار الله قوماً دون الآخرين؟

الاختيار موضوعٌ مشعبٌ، ولست أدري من أي جانبٍ أدخل، ولكن أرجو أن ندخل عن طريق سؤال، لماذا يختار الله قوماً دون آخرين؟ هل من سببٍ؟ هل من ضرورةٍ؟ وقبل الإجابة أريد أن أسأل سؤالٌ آخر: لماذا خلق الله هذه الخليقة؟ وأريد أن أضع الخلق أساساً أيضاً للاختيار.

ويمكن أن نعلق هذين السؤالين بالعقيدة المسيحية التي ترتبط بالتثليث كما أعلنها الكتاب: الآب والابن والروح القدس، باعتبار أن الله محبة، وكما قال يوحنا: “الآب يحب الابن”، وهذه هي المحبة في أصلها، “الله محبة” ليس لأنه أحب العالم وليس لأنه يحبنا، ولكن لأنه في ذاته محبة، مثلث الأقانيم يحب كل أقنومٍ الآخر، فالله في جوهره محبة، والآب يحب الابن الذي لأجله صنع كل شيءٍ سواء في الخلق أو في الاختيار.

ويرينا الكتاب أنه بالابن خلق: “في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله، كل شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٌ مما كان”، “كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه … الذي به عمل العالمين”، وأريد أن لا ننسى أيضاً أن هذا لأجله “الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقةٍ، فإنه فيه خُلق الكل ما في السموات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى سواءٌ كان عروشاً أم سياداتٍ أم رياساتٍ أم سلاطين، الكل به وله قد خُلق” (كو 1 : 15و16)، وفي (ام 8 : 30): الكلمة “كنت عنده صانعاً” هي نفس الكلمة “كل شيْ به كان”، ونفس الكلمة “الكل به قد خُلق”، ولكن لا ننسى “له”، ونقرأ في عدد 31 أن لذَّته في بني آدم ولذَّاته مع بني آدم، لأجل هذه اللَّذات ولأجل هذا السرور للابن مع بني آدم لهذا الله خلق.

أفسدت الخطية هذه الخليقة، أين فرح قلب الابن؟ أين لذاَّته مع بني آدم؟ على هذا الأساس يُبنى الاختيار، أعطاه الآب من بني آدم لا مجرد إخوةً بل أجمل من إخوةٍ، عروساً مجيدةً، تكون لذَّته في هذه العروس، هي أخته وهي عروسه: “أختي العروس جنةٌ مغلقة، عينٌ مقفلةٌ، يبنبوعٌ مختومٌ”، هذه العروس التي يقول عنها: “الذين أعطيتني (الآب) كانوا لك وأعطيتهم لي”، “وكل ما لي فهو لك، وكل ما لك فهو لي”، الذين أعطاني “لا يخطفهم أحدٌ من يدي”، الآب يحفظهم، “أنا والآب واحدٌ”.

إذن هم الذين أعطاهم الآب للابن: “لأجلهم أقدس أنا ذاتي ليكونوا هم مقدسين”، وهذا التقديس (تكريس الذات لعملٍ معينٍ) يشمل التجسد، قال عنهم أنهم خرافي الخاصة، أنا أدعوها باسماءٍ، أسماؤهم معروفةٌ منذ الأزل في سفر حياة الخروف، “لأجلهم  أُقدس أنا ذاتي”، ولكن أريد أن تتجه الفكرة إلى هذا التقديس، كما أن الآب خصص هؤلاء وكرسهم لأجل ابنه ليكونوا إخوته وليكونوا عروسه، هكذا الابن أيضاً لأجل مجد أبيه، وهنا تبادل المحبة بين الآب والابن: “أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته”، هؤلاء الذين أُعطوا للمسيح كتلةً فاسدةً.

وفي (أر 18 : 3) رأى أرميا الفخاري يصنع عملاً على الدولاب، ففسد الوعاء الذي كان يصنعه من الطين فعاد وعمل وعاءً آخر، أي أن الكتلة فسدت، هؤلاء الذين سيُعطون له من هؤلاء الكتلة الفاسدة، كيف يتهيأون؟ “ليكون هو بكراً بين إخوةٍ كثيرين”، “ليكونوا مشابهين صورة ابنه “، وإلا لا يمكن أن يكون هو بكراً بين كتلةٍ فاسدةٍ.

كيف يُعَدون لهذا المجد؟ “أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونهون معي … لينظروا مجدي”، كيف يمكن؟ لقد قدمت ذبيحةً قرباناً، محرقاتٍ، ولكن كان تقديمها مبني على تقديم محرقة الأزل: “الذي بروحٍ أزليٍّ قدم نفسه لله بلا عيبٍ، يطهر ضمائركم من أعمالٍ ميتةٍ لتخدموا الله الحي”، في هذه الصورة ظهرت أن المشيئة أصلاً هي مشيئة الآب، لذلك يقول: “أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررت”، “طعامي أن أعمل مشيئة (أبي) الذي أرسلني وأُتمم عمله”.

وفي (يو 6 : 38) يقول: “نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني”، وهذه مشيئة الآب الذي أرسلني “أن كل ما أعطاني لا أُتلف منه شيئاً بل أُقيمه في اليوم الأخير”.

قال المسيح عن الصليب: “رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيءٌ”، إذاً لماذا الصليب؟ “ولكن ليفهم العالم أني أحب الآب وكما أوصاني هكذا أفعل”، “لي خرافٌ أُخر”، (يو 10 : 17): “لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً، ليس أحدٌ يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي .. وهذه الوصية قبلتها من أبي”، لأجل هؤلاء قدس المسيح ذاته.

“أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررت”، بهذه المشيئة نحن مقدسون ليس بالدم المسفوك بل بمشيئة الآب والابن، الآب شاء والابن أتمَّ مشيئة أبيه، ولهذا نحن مقدسون بتقديم جسد يسوع، بدون هذه المشيئة يكون الكل باطلٌ. من الآب للابن والابن للآب، وإعطاء الآب عروساً لابنه، وتقديس الابن ذاته لهذه العروس ليمجد الآب.

على أي أساسٍ تم هذا الاختيار؟:

“سبق فعرفهم”، “عرفتك في البرية في أرض العطش”، أو مثل القول: “إياكم فقط عرفت من جميع  قبائل الأرض (أي اخترتك)”، “ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكراً بين إخوةٍ كثيرين”، هؤلاء الإخوة هم أبناء المجد: “لأنه لاقَ بذاك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناءٍ كثيرين إلى المجد أن يكمل رئيس خلاصهم بالآلام”، أي لما جهز هؤلاء جعل لهم رئيس خلاصٍ يُكمَّل بالآلام لتكميلهم، ما المقصود بكلمة تكميل؟ أي إعداد هذا الكاهن العظيم للخدمة لذلك قال: لم نمسك الملائكة بل نسل إبراهيم، أي صار من نسل إبراهيم وليس من نسل الملائكة لكي يكون رحيماً ورئيس كهنةٍ أميناً فيما لله حتى يكفر خطايا الشعب: “لأنه فيما قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين”، “وسُمع له من أجل تقواه ومع كونه ابناً تعلم الطاعة مما تألم به” (عب 5 : 7 – 9).

النقطة الجوهرية، على أي أساس هذا الاختيار؟ ليس على أساس الأعمال: “لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيراً أو شراً لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو” (رو 9 : 11).

ثم الإيمان، من يستطيع أن يؤمن؟ فآمن الذين كانوا معينين للحياة الأبدية، “وذلك ليس منكم هو عطية الله، ليس من أعمالٍ كي لا يفتخر أحدٌ”، معينين للحياة ليخلصوا بإرادتهم “لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة”، وفي (أف 1 : 4) “واختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لومٍ قدامه في المحبة، إذ سبق فعيَّننا للتبني … حسب مسرة مشيئته”، “نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرة أمامك” لا يوجد نظر للبشر في هذا التعيين، بل “لمدح مجد نعمته”.

العلاقة بين مسئولية الإنسان والاختيار:

“خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني”، تُميز صوت الغرباء ولا تتبعهم ولكنها تتبع الراعي، وهذه هي العلاقة الواضحة لخراف المسيح أنهم يطيعونه، ليتنا لا نبحث في الاختيار ولكن نبحث عن المسئولية الموضوعة علينا، من الخطأ أن يقول إنسانٌ: (إن كنت مختارٌ أعمل على كيفي)، نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش فيها، ومن الخطأ القول ما دام هناك اختيار فلا داعي لإعلان بُشرى الخلاص، لأجل المختارين نكرز بالمسيح، “أحببت يعقوب وأبغضت عيسو”، لماذا أبغض عيسو، لماذا أحب يعقوب، هذا غريبٌ! ويقول الرسول: “ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني”؟

السر الذي لا نعلمه، العلاقة بين المسئولية والاختيار، عندما نتحدث عن المسئولية لا نتحدث عن الاختيار. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.