تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » التوحيد والتثليث فى الإيمان المسيحي

التوحيد والتثليث فى الإيمان المسيحي

تأليف

القس جيمس أنس

راجعه ونقحه وأضاف إليه

الدكتور القس منيس عبد النور

الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة – القاهرة

التوحيد والتثليث

1 – هل جاء تعليم التثليث في غير الكتاب المقدس؟

* جاء التعليم الخاص بالله الواحد المثلث الأقانيم في الكتاب المقدس. وجاء ما يظهر أنه يشبهه من تعاليم الوثنيين القدماء، ظاهرياً فقط لا حقيقةً. ومن ذلك آراء فلاسفة الهنود في برْهَم، وهم يعتقدون أنه جوهر إلهي بسيط غير شاعر بنفسه خالٍ من الصفات، صدر منه ثلاثة آلهة تنوب عنه وتفوق غيرها من الآلهة مقاماً، اسم الأول برهما وهو الخالق أصل كل شيء، واسم الثاني شنو وهو الحافظ لكل شيء، واسم الثالث سيفا وهو المجرِّب. وجاءت في تعليم أفلاطون افتراضات عقلية من جهة الله تشبه قليلاً تعليم الكتاب المقدس في اللفظ لا في المعنى. وهناك الثالوث المصري القديم أوزيريس وزوجته إيزيس (وهي في نفس الوقت أخته) وابنهما حورس. وقد كان هناك زمن لم يكن فيه الابن حورس موجوداً مع والديه. وكل هذه الآراء الوثنية القديمة مختلفة تماماً عن تعليم الكتاب المقدس في التثليث، وهي لا تفسره ولا تؤيده. والله واحد مثلث الأقانيم، أما ثالوث الوثنيين فهو ثلاثة آلهة.

يؤمن المسيحيون بالله الواحد، الموجود بذاته، الناطق بكلمته، الحي بروحه.. موجودٌ بذاته (وهذا ما يطلقون عليه الآب) فلا يمكن أن الذي أوجد الموجودات كلها يكون بلا وجود ذاتي. وكلمة «أب» لا تعني التوالد التناسلي، بل تعني الأبوَّة الروحية كقولك إن إبراهيم هو أب المؤمنين.. وهو ناطق بكلمته، ويطلقون عليه «الابن» و«الكلمة». فلا يمكن أن يكون الله الذي خلق الإنسان ناطقاً يكون هو نفسه غير ناطق. وتلقيب المسيح بالكلمة جاء من الكلمة اليونانية «لوجوس» وتعني العقل. فالله خلق العالم بكلمته وعقله. والله وعقله واحد، كما تقول «حللتُ المسألة بعقلي» وأنت وعقلك واحد. عقلك «يلد» فكرة تنفصل عنه وتُنشر في كتاب، وفي الوقت نفسه تكون الفكرة موجودة في عقلك. والله ناطق بالمسيح «كلمته»، الذي هو ابنه (كقولك: الكلمة ابنة العقل، وفي تعبيرنا العربي: لم ينطق ببنت شفة). فالكلمة في العقل، ومع ذلك يرسل العقل الكلمة لتنتشر وتهدي الناس، وهي في الوقت نفسه موجودة في العقل والعقل فيها.. وهو حي بروحه، ويُطلقون على ذلك «الروح القدس» فلا يمكن أن الله الذي خلق الحياة يكون هو نفسه غير حي بروحه. والله وروحه واحد.

فالمسيحيون يؤمنون بالله الواحد، الموجود بذاته، الناطق بكلمته، الحي بروحه.

2 – هل يلزم رفض تعليم مُعلَنٍ من الله لأننا نعجز عن إدراكه؟

* لا، لأن عقولنا محدودة، عاجزة بقدر ما عندنا الآن من النور عن إدراك الأسرار الدينية في طبيعة الله. ولذلك يعلن الله لنا في كتابه العزيز بوحي الروح القدس عن شخصه الكريم ما لا يمكن أن ندركه من أنفسنا بقوة عقولنا القاصرة. وليس في هذا الإعلان شيء ضد العقل، ولكنه يسمو على العقل، فينير الروح القدس العقل والقلب ليدرك من الإعلان الإلهي ما يعجز عن إدراكه بالعقل البشري.

وفي الإعلانات الإلهية تعاليم أخرى غير التثليث، كالتجسد والكفارة وحلول الروح القدس فينا وتجديده إيانا وتقديسنا وقيامة الأجساد والحياة الأبدية، وهي أسرارٌ يعجز العقل البشري عن فهمها، لا لسموّها في ذاتها فقط، بل لأن الله جعلها في علمه وحده، واللغة البشرية قاصرة عن إيضاح أسرارها. ولذلك لا يصح أن نرفضها بسبب عدم إدراك كنهها.

ولم ينفِ كتَبة الأسفار المقدسة أن في إعلاناتهم وتعاليمهم أسراراً غامضة لا تُدرك، بل أثبتوا ذلك، فقال موسى: «السرائر للرب إلهنا والمعلَنات لنا ولبنينا» وقال بولس «لأننا نعلم بعض العلم ونتنبّأ بعض التنبّوء» و«إننا ننظر الآن في مرآة في لغزٍ، ونعرف بعض المعرفة». وقال بطرس إن في رسائل بولس أشياء عسرة الفهم يحرّفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضاً لهلاك أنفسهم. «ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء!» فالإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله، لأنه عنده جهالة، ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحياً. ولا شك أن قبول هذه الأسرار الدينية يستلزم روح التواضع، طاعةً لقول الرسول «إننا نهدم ظنوناً وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ونستأسر كل فكر إلى طاعة المسيح». ولذلك كان استئصال الأسرار من الكتاب المقدس كفراً.

3 – ما هو هدف تعليم التثليث في الكتاب المقدس؟

* هدف الله في كل ما أعلنه للبشر في كتابه أن يخلّصهم وينمّيهم في التقوى. فإنه لم يُظهِر لهم نفسه وصفاته ليعلّمهم عِلماً، بل ليقودهم لمعرفته الخلاصية. فيخطئ من يعتقد أن تعليم التثليث هو تعليم عقلي فقط، لا يؤثر فينا. كما يخطئ من يقول إن الإيمان به واجب لمجرد أنه معلَن في الكتاب المقدس، متناسياً فائدة هذا التعليم في حياته العملية اليومية.

إن تعليم التثليث جوهري في نظام الفداء، وذو تأثير قوي في قلوب كل المسيحيين بالحق، حتى أن البسطاء منهم يفرحون به فرحاً لا يوصف، فإنهم إذ آمنوا أن الله هو الخالق الحافظ الذي عصوا شريعته، ولا يقدرون أن يوفوا ما عليهم لعدله، ولا أن يجددوا صورته في طبيعتهم الساقطة، آمنوا أيضاً أنه فادٍ إلهي، ومقدِّس إلهي. وهذا يؤكد أن في شعورهم الديني ما يدعوهم إلى تمسكهم بتعليم التثليث. فلو كان هذا التعليم عقلياً فقط لما بقي في اعتقاد الكنيسة كلها بالرغم من عمقه وغرابته عن جميع التعاليم البشرية.

4 – ما هو ملخص تعليم الكتاب المقدس في التثليث؟

* ملخصه أنه لا يوجد إلا إله واحد فقط، ومع ذلك فإن لكل من الآب والابن الروح القدس صفات اللاهوت وحقوقه. وبالتفصيل نقول:

(1) إنه لا إله إلا الإله الوحيد السرمدي الحقيقي. ومن نصوص الكتاب على وحدانية الله «اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد» (تث 6: 4). «هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود: أنا الأول والآخِر ولا إله غيري» (إش 44: 6). وقال المسيح إن أعظم الوصايا هي »الرب إلهنا رب واحد« (مر 12: 29). «أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل» (يع 2: 19). ومن وصايا الله العشر التي تتضمن خلاصة الناموس الأخلاقي للدينين اليهودي والمسيحي الوصية الأولى والعظمى منها: «لا يكن لك آلهة أخرى أمامي». وكل تعليم يضاد ذلك خاطئ.

(2) لكلٍّ من الآب والابن والروح القدس ما للآخر من الألقاب والصفات الإلهية (إلا ما كان خاصاً بالأقنومية) ويستحق كلٌّ منهم العبادة الإلهية والمحبة والإكرام والثقة. فيتضح من الكتاب المقدس لاهوت الآب كما يتضح لاهوت الابن، ويتضح لاهوت الروح القدس كما يتضح لاهوت الآب والابن.

(3) ليست أسماء أقانيم الثالوث الأقدس (الآب والابن والروح القدس) أوصافاً لعلاقات مختلفة بين الله وخلائقه، على ما زعم البعض ككلمة «خالق» و«حافظ» و«منعم». ومن إعلانات الكتاب التي تثبت ذلك: (أ) يقول كلٌّ من الآب والابن والروح القدس عن نفسه: «أنا». (ب) يقول كلٌّ منهم للآخر: «أنت» ويتحدث عنه بضمير الغائب «هو». (ج) يحب الآب الابن، والابن يحب الآب، والروح القدس يشهد للابن.

فيظهر من ذلك أن بين كل منهم والآخر من العلاقات ما يدل على تمييز الأقنومية، وأنه يوجد إلهٌ واحد فقط في ثلاثة أقانيم، وهم الآب والابن والروح القدس.

5 – ماذا يتضمن تعليم التوحيد والتثليث معاً؟

* يتضمن ما يأتي:

(1) وحدانية الله.

(2) لاهوت الآب والابن الروح القدس.

(3) الآب والابن والروح القدس أقانيم يتميز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الأبد.

(4) إنهم واحدٌ في الجوهر، متساوون في القدرة والمجد.

(5) بين أقانيم الثالوث الأقدس تميُّز أيضاً في الوظائف والعمل، لأن الكتاب يعلّم أن الآب يرسل الابن، وأن الآب والابن يرسلان الروح القدس. ولم يُذكر أن الابن يرسل الآب ولا أن الروح القدس يرسل الآب أو الابن، مع أن الآب والابن والروح القدس واحدٌ في الجوهر ومتساوون في القدرة والمجد.

(6) تُنسب بعض أعمال اللاهوت إلى الآب والابن والروح القدس معاً، مثل خلق العالم وحفظه.

(7) تُنسب بعض الأعمال على الخصوص إلى الآب، وغيرها إلى الابن، وأخرى إلى الروح القدس. مثال ذلك ما قيل إن الآب يختار ويدعو، وإن الابن يفدي، وإن الروح يجدد ويقدس (أف 1: 3-14).

(8) تُنسب بعض الخواص إلى أقنوم من الثالوث دون الآخرين، كالأبوّة إلى الآب، والبنوّة إلى الابن، والانبثاق إلى الروح.

فإن قيل إن هذا التعليم فوق إدراكنا، قلنا: ذلك لا ينفيه، كما لا ينفي ما يشبهه من الحقائق العلمية والدينية. وإن قيل إن جوهراً واحداً ذا ثلاثة أقانيم مُحال، قلنا: هاتوا برهانكم على هذا! وإن عقولنا القاصرة لم تُخلق مقياساً للممكن وغير الممكن لِما هو فوق إدراكها. وحسناً قيل: »البحث في ذات الله كفر«. وقال علي بن أبي طالب: »القول بأن الله واحد على أربعة أمور. وجهان لا يجوزان على الله، ووجهان ثابتان له. (1) فمن قال إن الله واحد وقصد باب العدد، فهذا غير جائز، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب العدد. (2) ومن قال إن الله واحد وأراد النوع أو الجنس فقوله باطل، لأن الله منزَّه عن كل نوع وجنس. إنما الوجهان الصحيحان فهما: (1) القول بأن الله واحد أحد منفرد عن الأشياء منزَّه عنها. (2) وبأنه لا ينقسم في وجود أو عقل أو وهم. فكذلك الله ربنا«.

ونحن لا نعتقد أن الله ثلاثة أقانيم بمعنى أنه ثلاثة جواهر، لأن كلمة «أقنوم» لا تعني جوهر. فالمقصود هنا بالجوهر الذات الواحدة، فهو عبارة عن الوحدة اللاهوتية. والمقصود بالأقنوم واحدٌ من الآب والابن الروح القدس، فهو عبارة عن الامتياز في ذلك الجوهر الواحد. لكن كلمة الأقنوم (كسائر الكلمات البشرية) قاصرة عن إيضاح تلك الحقيقة الإلهية، أي أن الله ثالوث في الأقنومية وواحد في الجوهر. فليس لكلمة «أقنوم» في اللغة البشرية معنى كمعناها الخاص في التعبير عن الثالوث الأقدس، لأن المقصود بتلك الكلمة في غير الكلام على التثليث شخص متحيز بحيّز، منفرد عن غيره كيوحنا مثلاً. والمقصود بها في الكلام عن الثالوث غير ذلك التعيين، أو استقلال الأقنوم عن الجوهر. فأقانيم الثالوث هي واحدٌ في الجوهر، أي له ذات واحدة كقول القانون الأثناسي: «هكذا الآب إلهٌ، والابن إلهٌ، والروح القدس إلهٌ. ولكنهم ليسوا ثلاثة آلهة بل إله واحدٌ. وهكذا الآب رب، والابن رب، والروح القدس رب، ولكنهم ليسوا ثلاثة أرباب بل رب واحد». فإذا قلنا ثلاثة أقانيم بشرية أشرنا إلى ثلاثة أفراد معيَّنين في وحدة نوعية، أي إلى ثلاثة أشخاص من البشر لهم طبيعة واحدة نوعية. ولكن إذا قلنا ثلاثة أقانيم إلهية أشرنا بذلك إلى اتحاد جوهري، أي إلى ثلاثة في طبيعة واحدة لا نوعية بل جوهرية، أي في الذات الواحدة. فأقانيم اللاهوت هي في جوهرٍ واحدٍ فردٍ، لا في جوهرٍ واحد نوعي. فالتعدد الأقنومي في اللاهوت لا يلحق الجوهر، بخلاف التعدد الأقنومي في البشر، لأنه في البشر يقوم بتعدد الجوهر والأقنوم معاً. فكل من الآب والابن والروح القدس هو باعتبار أقنومه في الذات الواحدة، ولكلٍ منهم جوهر اللاهوت الواحد بلا انقسام ولا انفصال.

ونحن نسلّم بأننا لا نقدر أن نوضح بالتفصيل كل المقصود في كلمة «أقنوم» ولا حقيقة العلاقة التي بين الأقنوم والجوهر. وعجزنا هذا غير مقصور على تعليم التثليث لأن معظم ما نعرفه من جميع الأمور المادية والروحية ليس هو إدراك الجوهر، بل معرفة صفاته وخواصه. ومن باب أولى يصح هذا القول من جهة الله الذي لا نعرف حقيقة جوهره ولا أسراره الجوهرية مطلقاً. بل أقصى ما نعرفه هو صفات ذلك الجوهر الذي نسمّيه بالروح المجرد. وقد اعترض البعض أن التثليث يستلزم انقسام جوهر الله إلى ثلاثة أقسام، وهو باطل، لأنه ناشئ عن تصوّر جوهر الله أنه مادي وله صفات مادية. وأما الروح فلا يقبل الانقسام مطلقاً. ولما كان العقل البشري عاجزاً عن إدراك جوهر الله، يبطل حكمنا باستحالة أنه في ثلاثة أقانيم، لأننا نكون قد حكمنا بمداركنا المحدودة على ما هو فوق إدراكنا، وما هو خارج دائرة معرفتنا.

6 – ما هي القضايا الرئيسية التي يجب النظر فيها في إثبات التثليث؟

* هي:

(1) وحدانية الله.

(2) أقنومية المسيح ولاهوته.

(3) أقنومية الروح القدس ولاهوته.

(4) تعليم الكتاب المقدس عن وجود إله واحد في ثلاثة أقانيم.

(5) إيضاح ما أعلنه الله في كتابه من العلاقات بين الأقانيم الثلاثة.

وقد بحثنا وحدانية الله في فصل 10 وفي هذا الفصل س 8. وسنبحث أقنومية المسيح ولاهوته في الفصل التالي (14) ولاهوت الروح القدس في فصل 15. ونتكلم هنا في القضيتين الرابعة والخامسة. ويتوقف البرهان التام على الثالوث الأقدس على إثبات لاهوت كل من الآب والابن الروح القدس، مع وحدة اللاهوت. ولذلك لا نورد في هذا الفصل كل الأدلة على هذا الأمر الخطير بل يجب دراسة فصلي 14 و15 في لاهوت المسيح ولاهوت الروح القدس. ومتى تحققنا أن كلاً من الآب والابن والروح القدس إلهٌ واحدٌ لم تكن النتيجة إلا إثبات تعليم التثليث.

7 – كيف تثبت تعليم التثليث من الكتاب المقدس؟

* يتحدث الكتاب عن أن الله واحد، ولكنه يقول أيضاً إن الآب هو الله، وإن الابن هو الله، وإن الروح القدس هو الله. فلا بد إذاً أن يكون الله واحداً، ذا وحدانية جامعة وليس ذا وحدانية بسيطة. في الوحدانية البسيطة يكون الواحد واحداً، أما في الوحدانية الجامعة فإن الثلاثة يمكن أن يكونوا واحداً.

ولا نقرأ أبداً في الكتاب أن الله هو المسيح، لأن هذا القول يعني استبعاد الآب والروح القدس من الألوهية. ولكن الكتاب يعلّمنا أن المسيح هو الله، وأن الله هو الآب والابن والروح القدس، في وحدة جامعة.

ولم يرد تعليم وحدانية الله وتميُّز الأقانيم أحدها عن الآخر ومساواتها في الجوهر وعلاقة أحدها بالآخر في الكتاب المقدس جملة واحدة بالتصريح بل في آيات متفرقة. غير أن جوهر هذه الأمور منصوص عليه من أول الكتاب لآخره. ومن الأمور التي تثبت صحة هذا الاعتقاد:

(1) وجوده في الإعلانات المتتابعة وانجلاؤه بالتدريج. ففي سفر التكوين تلميحات لتعليم التثليث لا تُفهم جلياً إلا في نور إعلاناتٍ جاءت بعدها، كورود اسم الله «إلوهيم» بصيغة الجمع، والضمائر التي تعود إليه في هذا السفر بصيغة الجمع كقوله «لنصنع الإنسان على صورتنا» وأقوال أخرى مثله (تك 1: 26 و3: 22 و11: 7 وإش 6: 8). وهذا وحده لا يثبت تعليم التثليث. ولكن إذا قارنّاه بآياتٍ أخرى متتابعة نرى أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم ويتضح لنا أن هذه الأقوال توافق تعليم الثالوث الأقدس ومبنيّة عليه.

ونرى في أسفار الكتاب الأولى تمييزاً بين «يهوه» و«ملاك يهوه» وأن لهذا الملاك ألقاباً إلهية وعبادة إلهية، ومن أسمائه أيضاً «الكلمة» و«الحكمة» و«ابن الله». وأقنوميته ولاهوته واضحان، لأنه «منذ القديم» و«منذ الأزل» و«الإله القدير» و«رب داود» و«الرب برّنا» الذي سبق الوعد بولادته من عذراء، ويحمل خطايا كثيرين (تك 31: 11، 13 و48: 15، 16 ومز 45: 6، 7 و110: 1 وإش 9: 6، 44: 6، 7، 24 وملا 3: 1).

وجاء في الأسفار المقدسة أن روح الله هو مصدر الحكمة والنظام وحياة الكون، وأنه يُلهم الأنبياء ويعطي القوة والحكمة للرؤساء والقضاة ولشعب الله، وأنه يعلّم ويختار ويحزن ويغتاظ. ومن كلام الرسل يظهر أنه إله يستحق العبادة، وأنه يمنح بركات ثمينة. وقال المسيح عن الروح إنه أقنوم معروف متميز إذ وعد تلاميذه أنه يرسله إليهم معزياً لينوب عنه، ويعلّمهم ويقويهم، ويبيّن لهم أنه يجب عليهم أن يقبلوه ويطيعوه (تك 1: 2 و6: 3 ومت 12: 31 ولو 12:12 ويو 15: 26 و16: 7، 13، 14 وأع 5: 3-9 و16: 6، 7 ورو 8: 9 و1كو 12: 11 و2كو 3: 17 وغل 4: 6، وفي 1: 19 و1بط 1: 11). وهكذا نرى أن إعلانات هذا السر التي كانت أولاً مبهمةً أخذت تنجلي تدريجياً حتى اتضحت في الإنجيل، وصارت إيمان جميع المؤمنين.

(2) ما جاء بروح النبوَّة في إشعياء 48: 16 وتحقق على لسان المسيح بخصوص تجسّده: «منذ وجوده أنا هناك، والآن السيد الرب أرسلني، وروحه».

(3) ما حدث وقت معمودية المسيح، فقد خاطبه الآب وحل عليه الروح القدس مثل حمامة. وهذا يرينا الآب والابن والروح القدس في وقتٍ واحدٍ معاً (مت 3: 16، 17 ولو 3: 21، 22).

(4) ما جاء بخصوص المعمودية، فقد أمر المسيح أن يتعمّد المؤمنون «باسم» الآب والابن والروح القدس، وليس «بأسماء» أي باسم الإله الواحد الثالوث الأقدس. وهذا يدل على أقنومية كلٍ منهم ومساواتهم. ويستلزم اعترافنا هذا أننا مكلَّفون بعبادتهم والاعتراف بهم علانية (مت 28: 19).

(5) البركة الرسولية، وهي طلب نعمة المسيح من المسيح ومحبة الآب من الآب وشركة الروح القدس من الروح القدس. فكلمات هذه البركة تتضمن الإقرار بأقنومية كلٍ من الآب والابن والروح القدس وألوهيتهم (2كو 13: 14 و1بط 1: 2 ويه 21).

 (6) وفي الليلة التي أُسلم فيها المسيح تحدث إلى الآب، ووعد التلاميذ أن يرسل لهم الروح القدس (يو 14-16). فأوضح بذلك أقنوميته كابنٍ لله، وألوهية كلٍ من الآب والابن والروح القدس.

وهذه الأدلة ليست الأساس الوحيد لإيمان الكنيسة بالتثليث، فهو مؤسس على الخصوص على ما يعلّمه الكتاب (أ) في وحدانية الله و(ب) في أقنومية الآب والابن والروح القدس وألوهية كل منهم. وخلاصة ما حصَّلته الكنيسة من تعليم الكتاب هو وجود إلهٍ واحد في جوهر واحد وثلاثة أقانيم متساوين في المجد، ولكل منهم صفات اللاهوت.

8 – ما المقصود بوحدانية الله، وهل في تلك الوحدانية ما يمنع أن الله واحد في ثلاثة أقانيم؟

* تظهر وحدانية الله بوضوح من: (أ) تعليم الكتاب في طبيعته وصفاته، لأن الكون لا يسع آخر نظيره، ولا لزوم لغيره، فهو غير محدود في القدرة والحكمة وسائر صفاته. و(ب) من الأدلة الكثيرة على أن الكون تكوّن بفعل عقل واحد وقصد واحد، وهو أعظم وأوضح تعاليم الوحي. وكان حفظ تعليم الوحدانية بين البشر من أهم مقاصد الله في دعوة إبراهيم، وسنّ شريعة موسى، وجعل اليهود شعبه الخاص. وهذا عينه هو قصد العهد الجديد.

أما المقصود بوحدانية الله فهو أنه لا إله غيره، أي هو الوحيد في مقامه. وهذه الوحدانية لا تمنع أنه في ثلاثة أقانيم هم واحدٌ في الجوهر. ولا هي وحدة مادية، بل المقصود بها الدلالة على أنه لا يوجد له نظير في الألوهية مطلقاً، وأن له جوهراً واحداً غير مقسوم إلى آلهة كثيرة. وذلك لا يمنع أنه في ثلاثة أقانيم. على أننا لا نعني أنه ثلاثة بنفس معنى القول إنه واحد، بل إنه ثلاثة بمعنى، وواحد بمعنى آخر، أي ثلاثة في الأقنومية وواحد في الجوهر. وهو الإله الوحيد في الكون.

وإذا قيل ليس في الكون كائن آخر هو واحد وثلاثة معاً بهذا المعنى، أجبنا إن هذا صحيح. ولما كان الله فريداً في الكون في طبيعته وصفاته، كان ممكناً أن يتميز عن كل ما سواه في كيفية وجوده، كما يمتاز في صفاته السامية.

9 – كيف تبرهن تعدد الأقانيم في الله من استعمال اسم الله بصيغة الجمع في العهد القديم؟

* الكلمة العبرانية المُستعملة اسماً لله في العهد القديم هي «إلوهيم» بصيغة الجمع، ولكن صفاته تجيء حيناً بالمفرد وحيناً بالجمع، وكذلك الأفعال المسندة إليه والضمائر التي تعود إليه. وقد ورد مثل هذا في الكتاب مع غير اسم «إلوهيم» فقيل «ليفرح إسرائيل بخالقه» (مز 149: 29) وأيضاً «لأن بعلك هو صانعك رب الجنود اسمه» (إش 54: 5). ففي العبارة الأولى كلمة «خالق» في العبرانية بصيغة الجمع، وكذلك الكلمة المترجمة «بعلك» و«صانعك» في العبارة الثانية. وأغرب ما جاء من هذا القبيل في الكتاب المقدس قول موسى «اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد» (تث 6: 4). فكلمة «إله» في هذه الجملة هي بصيغة الجمع، مع أن المقصود بهذه العبارة إعلان وحدانية الرب. وقد استخدم الله ضمير الجمع لنفسه في قوله «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» (تك 1: 26). «هوذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا» (تك 3: 22). «هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم» (تك 11: 7). «من أُرسل، ومَن يذهب من أجلنا؟» (إش 6: 8). وفي الاقتباس الأخير يخاطب الله إشعياء بصيغة المفرد »أرسل« ثم بصيغة الجمع »لأجلنا«.

وقال البعض إن الله قصد في ذلك تعظيم نفسه كما كان الملوك يفعلون، وهو قول خطأ، بدليل ما بيَّنه علماء اللغات القديمة أن تلك العادة لم تكن معروفة قديماً بين ملوك الشرق، ويؤيد ذلك أنه ليس في العهد القديم مثال له، مع أن فيه أمثلة كثيرة لاستعمالهم ضمير المفرد، مثل قول فرعون ليوسف «قد جعلتك على كل أرض مصر» (تك 41:41). وقول نبوخذنصر «فصدر مني أمرٌ بإحضار جميع حكماء بابل قدّامي» (دا 4: 6). وقول داريوس «أنا داريوس قد أمرت، فليُفعل عاجلاً».

فيظهر مما تقدم أن في ورود أسماء الله بالجمع، وفي كلامه على نفسه بالجمع إشارة إلى التثليث، الذي كان يتضح بالتدريج في الإعلانات الإلهية، إلى أن تبيَّن تماماً في العهد الجديد.

10 – هل يمكن توضيح كيفية وجود الله في ثلاثة أقانيم؟

* أقصى ما نقوله لتوضيح ذلك هو أنه إعلان إلهي لنا في الكتاب المقدس بعهديه، أنه واحدٌ في ثلاثة أقانيم، كلٌّ منهم يتميز عن الآخر في الأقنومية لا في الجوهر. وهذا يجعلنا نبيّن خطأ تفاسير المعترضين للعقيدة الصحيحة في التثليث لأنها تتعارض مع تعليم الكتاب المقدس في هذا الموضوع.

11 – ما هي المذاهب التي شاعت في القرون الماضية في توضيح كيفية التثليث، وظهر في نور الوحي أنها خاطئة؟

* (1) المذهب الأريوسي: وهو أن الآب هو الأصل، وأن الابن والروح القدس مخلوقان منه، ولو أن لهما المقام الأول بين الخلائق، وطبيعتيهما تشبهان طبيعته. فالرأي الأريوسي ينادي بأن الآب وحده هو الله، وأن الابن والروح القدس لا يشتركان في الطبيعة الإلهية. وهذا يخالف شهادة الوحي. وقد لُخص المذهب الأريوسي بما يأتي: (أ) يتوقف وجود الابن على مشيئة الآب. (ب) ليس الابن أزلياً، فقد مضى زمان لم يكن الابن موجوداً فيه. (ج) خلق الابن من لاشيء. (د) الابن متغيِّر. (هـ) يعود فضل الابن إلى أنه وحده مخلوق من الله، تمييزاً له عن بقية الخلائق التي خلقت به. (و) ليس الابن إلهاً بذاته، لكنه صار بمنزلة إله بسبب ارتقاء طبيعته، وعلاقته بسائر الخلائق كخالق وملك يستحق العبادة.

(2) المذهب الشبيه بالأريوسي: وهو أن الآب وحده هو الإله الأصلي الواجب الوجود القائم بذاته، وأن الابن والروح القدس يشبهانه في الجوهر لكنهما ليسا من نفس جوهره، ولا كل منهما قائم بنفسه، بل وُجدا بقدرته وبمشيئته. ولو أن وجودهما كان منذ البدء مثل وجوده، لكن ذلك لا يجعلهما بالضرورة مثله. فهذا الرأي يقول إنه يوجد ثلاثة آلهة لا إله واحد. وهو مرفوض بنص الكتاب على أن الابن والروح القدس مساويان للآب في القدرة والمجد، وإن الثلاثة هم إله واحد فقط. وقد لُخص مذهب الشبيه بالأريوسي بما يأتي: (أ) يتوقف وجود الابن على مشيئة الآب. (ب) ليس الابن من جوهر الآب بل من جوهرٍ آخر. والظاهر أنهم اعتقدوا وجود جوهر متوسط بين الجوهر الإلهي والجوهر المخلوق. (ج) الابن أدنى من الآب ليس في الوظيفة والرتبة فقط بل في الطبيعة أيضاً. (د) مع أن الابن أدنى من الآب إلا أنه كان مصدر حياة الخليقة (أي الخالق). (هـ) خلق الابنُ الروحَ القدس.

(3) مذهب سَبَلّيوس: وهو أن التثليث ثلاثة تجليات مختلفة لإلهٍ واحد منفرد الأقنوم، أي أن الكلمات «آب وابن وروح قدس» ليست أسماء أقانيم متميزة بل أسماء مظاهر أقنوم واحد، سُمّي الآب لأنه الخالق، وسُمّي الابن لأنه الفادي، وسُمي الروح القدس لأنه المعزي والمقدِّس. ويظهر بطلان هذا الرأي من نور الكتاب الذي يعلّم التميُّز الأقنومي، ويظهِر ما بين الأقانيم من العلاقة، كالمحبة والإرسال وإجراء الواحد عمله بواسطة الآخر، وعلاقة كل منهم بالآخر وبالبشر، ومعاملة كل منهم المخلوقات معاملة خاصة به. فالاعتقاد أن كل ذلك مبني على مجرد التنوّع في الاسم أو التجليات المختلفة لأهداف متنوعة يجعل حقائق الكتاب أوهاماً! (انظر خر 23: 20 و35: 31 ومز 2: 6 و110: 1 وإش 42: 1 و43: 1 و53: 12 ويو 1:1، 18 و3: 16، 17 و5: 19 و6: 38 و10: 17، 18 و14: 6، 16 و15: 26 و17: 5 و21: 20 و1كو 12: 11 وأف 2: 13 و4: 30 ورؤ 6: 16). ولا يصح الاعتقاد أن تلك الكلمات تدل على مجرد أعمال وتجليات مختلفة، لأن أعمال الله وتجلياته كثيرة لا ثلاثة فقط، فهو الخالق والحافظ والمشرّع والمرشد والحاكم والفادي والمعلم والمقدس والديَّان.

(4) اعتقاد الآلهة: وهو أن التثليث يدل على ثلاثة آلهة يتميّز كل منهم عن الآخر. ولم تقبل الكنيسة ذلك على الإطلاق، بل اعتبرته من جملة الأضاليل في هذا التعليم.

إذاً يعلّمنا الكتاب المقدس أن الله واحد في ثلاثة أقانيم، لكلٍ منهم صفات اللاهوت، حتى وجب اعتبارهم إلهاً واحداً في الجوهر لا ثلاثة آلهة.

12 – هل عدم فهمنا سر التثليث يثبت أنه مستحيل أو أنه ضد العقل السليم، فنرفضه؟

* إن صحَّ أن نرفض التثليث لأنه فوق عقولنا، فيلزم أن نرفض غيره من معلَنات الله التي تفوق إدراكنا، مثل عقيدة أن الله قائم بنفسه وأزلي وعلة العلل وغير معلول وموجود في كل مكان في وقت واحد وعالم بكل شيء وبكل ما يحدث منذ الأزل إلى الأبد في كل وقت، وأن علمه لا يقبل الزيادة أو النقصان. فسر التثليث ليس أعظم من أسرار أخرى في الله.

ولما كان يحق لله أن يعلن لنا تعليماً دون أن يشرحه بالتفصيل، وكان يجب علينا أن نقبل ذلك منه بالتواضع والإيمان القلبي، وجب أن نقبل تعليم الثالوث كما نقبل تعليم الوحدانية بدون تفسير كيفيته بالتفصيل. وكلام الكتاب المقدس في هذه المسألة يمكننا من رفض التفاسير الكاذبة أو الناقصة في موضوع التثليث. أما إدراك حقيقة التثليث والاطلاع على غوامضه والتمكن من إيضاحه فلا تتم إلا بواسطة النور السماوي المعلَن في كلمة الله، وتوضيح الروح القدس، اللذَيْن يشرقان على عقولنا المظلمة بنعمة الله «وليس أحد يقدر أن يقول إن يسوع رب إلا بالروح القدس» (1كو 12: 3).

وما نراه من فرقٍ في خواص الأحياء من الأدنى إلى الأعلى يحملنا على القول إن الحياة التي هي أسمى من حياة البشر تمتاز عنها في خواصها. فحياة الإنسان أعلى من حياة البهائم، وحياة الملائكة أعلى من حياة الإنسان. فإذاً من مقتضيات العقل السليم أن حياة الله تمتاز عن حياة المخلوقات. فلا يوجد إذاً ما يمنعنا عقلاً عن القول بالامتياز الأقنومي في الجوهر الواحد، لأنه هو ما تمتاز به حياة الله عن كل ما سواها في الكون. وهذا هو مدلول الإعلانات الإلهية في تعليم ثلاثة أقانيم في جوهر واحد.

13 – هل للتثليث فائدة خاصة في توضيح غيره من تعاليم الدين المسيحي؟

* توضح عقيدة التثليث تعاليم أخرى منها:

(1) إنه يرفع شأن اللاهوت ويوضح كمالاته، فالتوحيد دون التثليث يحصر اللاهوت ويجعله في غاية الانفراد، خالياً من كل موضوع للمحبة أو من إمكان المعاشرة أو من خواص السعادة التامة. فالواحد الفرد من كل وجهٍ لا يقدر أن يحب غير نفسه، وليس في محبة النفس سعادة تامة. فنرى في تشاور الأقانيم الثلاثة واتحادها، ومحبة أحدها للآخر ما يجعل في اللاهوت كل مقتضيات السعادة الأزلية. ولو لم يكن الله واحداً في ثلاثة أقانيم لما كان له سوى مخلوقاته لتكون موضوع محبته! فقد التزم منكرو التثليث أن يجعلوا الخلق لازماً لكمال سعادة اللاهوت، أو أن يفرضوا أن الله لم يكن وحده منذ الأزل، أو أن العالم أزلي على رأي مؤلّهي الكون. أما الكتاب المقدس فيعلن وجود الله الواحد بأقانيمه الثلاثة منذ الأزل، ويجعله كاملاً في نفسه شاملاً كل لوازم السعادة التامة.

(2) التثليث وسيلة إعلان الله نفسه للخليقة، فكل من الآب والابن الروح القدس إله من جوهر واحد. فالابن يعرف الله كمال المعرفة ولذلك يقدر أن يعلنه بكماله بناءً على معرفته التامة به. والروح القدس من جوهر اللاهوت ولذلك يقدر أن يعلن اللاهوت لأرواح البشر. فبواسطة الأقانيم الثلاثة يقترب اللاهوت تماماً من المخلوقات المحدودة. ولولا هذا الاقتراب لكان الله بعيداً عنا، محجوباً عن إدراكنا، منفصلاً عن اختبارنا، وما كان للدين المسيحي ما يميزه عن غيره من الأديان في وضوح إعلانه للاهوت، وبيانه الصفات الإلهية لقلوب البشر.

(3) التثليث وسيلة لإتمام الله عمل الفداء بكل لوازمه. فالابن، الأقنوم الثاني، تجسد وأعلن وكفَّر وشفع فينا، ورتّب كل وسائط التبرير والمصالحة والخلاص. ولا يقدر من هو أدنى من الله نفسه أن يفعل ذلك، لأن الله وحده يقدر أن يصالحنا مع الله. وكذا يُقال في عمل الروح القدس، الأقنوم الثالث، فإنه وحده يقدر أن يجدد قلوبنا ويطهرها وينير عقولنا ويقربنا من الله ويقدسنا التقديس اللازم للدخول لحضرة الله والعيشة السماوية الطاهرة. فمن يكفّر عن خطايانا غير الابن الإله؟ ومن يقدسنا غير الروح القدس الإله؟ فالأقنوم الثاني والثالث يقرّباننا إلى الأقنوم الأول ويُعدّاننا للحياة الأبدية مع الله. فلو كان الله واحداً بمعنى ينفي التثليث لم يصح أن يكون مخلِّصاً ومقدِّساً وقاضياً معاً، بطريقةٍ تدبّر فداء الخاطئ من لعنة الشريعة، وإفساد الشر، والهلاك الروحي، وعناد العصيان القلبي على الله.

(4) يجعل التثليث الله مثالاً للحياة البشرية في ما يتعلق بالمعاشرة الحبية والشركة والأُلفة والأُنس، وذلك بمعاشرة الأقانيم الثلاثة معاً بالمحبة والألفة والاتحاد. فنرى حقيقة الأبوّة في الأقنوم الأول، والبنوة في الأقنوم الثاني. وفي هذه العلاقة المتبادلة ما يرفع شأن العلاقة الأبوية والبنوية بين البشر، ويُقدِّرنا على التمثُّل بحياة اللاهوت، ويميّز جنسنا عن غيره من الخلائق تمييزاً سامياً. فلو جردنا اللاهوت عن كل شعورٍ بالمحبة للغير، جعلناه قوة مجردة، وسلبناه صفة الأُلفة الحبية، إلا فيما يتعلق بالمخلوق الأدنى عن حياة اللاهوت، وفصلناه عمّا هو أعلى ما تمتاز به حياتنا، وهو محبة بعضنا البعض.

14 – هل يمكن شرح التثليث بتمثيله بأمور طبيعية أو أحوال بشرية؟

* حاول البعض ذلك، ولو أنه لا يوجد مثَلٌ واحد يوضح الحقيقة كلها. فكم بالحري لو كانت الحقيقة هي الله الحق! ومن الأمثلة الإنسان، فهو واحد وحدانية جامعة، لأنه مكوَّن من عقل وجسد وروح. ومن الأمثلة النفس، لها عقل ومشاعر ومشيئة. ومنها الشجرة وهي ذات أصلٍ وساقٍ وزهرٍ. ومنها المكعب وهو واحد ذو ثلاثة أبعادٍ. ومنها الشمس وهي قرص وضوءٌ وحرارة. ومنها الفاكهة وهي حجم ورائحة وطَعمٌ. ومنها الماء وهو سائل وبخار وجامد.

غير أن هذه الأمثلة لا تفي بالمقصود، وتبدو متناقضة. فالإنسان، وإن كان مركباً من عقل وجسد وروح، إلا أن هذه الثلاثة ليست جوهراً واحداً بل ثلاثة جواهر. ومثَل النفس، من أن العقل والمشاعر والمشيئة هي قوى مختلفة لنفسٍ واحدة، لأن الشخص متى افتكر يستعمل عقله، ومتى أحب يستعمل مشاعره، ومتى شاء يستعمل مشيئته. فلا تشابه بين هذا وتثليث أقانيم الجوهر الواحد. وكذلك في مثَل الشجرة، فالأصل والساق والزهر ثلاثة أجزاء لشيء واحد. وهكذا نقول في البقية. والحق أنه ليس للتثليث نظير بين جميع المخلوقات التي نعرفها نحن. ولا عجب، لأنه ليس كمثل الله شيء مطلقاً في الكون.

15 – ما هي الأسباب التي أوجبت زيادة إيضاح التثليث؟

* (1) لزوم صياغته بعباراتٍ قانونية منعاً للالتباس: ما ذكرناه في تعليم التثليث هو خلاصة ما في الكتاب المقدس وما يعتقده كل المسيحيين، ولكنه في قواعد إيمان الكنيسة أطول من ذلك، لأن الكتاب المقدس يعلّمنا الحقائق بطريقة بسيطة توافق احتياجاتنا الدينية، فقد يحدث أن الشعب المسيحي يقبل عقيدة ما مدة طويلة قبلما يتم تسجيلها في قوانين إيمان الكنيسة مع توضيح معناها وعلاقتها بالعقائد الأخرى. فقد قبلت الكنيسة تعليم التثليث مدةً، ثم أخذت في التأمل فيه لتدرس كل ما يشتمل عليه من التعليم، ولتختار الكلمات المناسبة للتعبير عنه منعاً للتناقض والإبهام. وقد دفعها إلى هذا أيضاً ورود الهرطقات، واختلاف الألفاظ بين المؤمنين الذي أدى إلى الجدل والنزاع، فاتفقوا على الكلمات والعبارات التي تفيد المعنى المطلوب وتنفي الالتباس.

(2) لزوم تفنيد الأضاليل: أجمع جمهور المسيحيين على أن الإله الحقيقي تجسّد في المسيح بناءً على ما أظهره من المجد والقوة والسلطان، وأن الآب هو أيضاً الإله الحقيقي، والروح القدس كذلك. وتحققوا من الكتاب المقدس أن لا إله إلا الإله الواحد، فعسُر عليهم التوفيق بين التوحيد والتثليث. وندر في الكنيسة من أنكر لاهوت المسيح ليتخلص من هذه الصعوبة. فأخذ بعض معلمي الكنيسة يستعينون بالآراء الفلسفية الشائعة في تلك الأيام ليثبتوا التثليث ويشرحوه. ولكن تلك الآراء، مع أنها كانت تعظم المسيح فوق جميع الخلائق وتنسب إليه أعمالاً إلهية، جعلت لاهوته أقل من لاهوت الآب، فرفضتها الكنيسة. وذكرنا أشهر الآراء المضادة لتعليم الكتاب في التثليث (سؤال 11). وها هي بالاختصار:

(أ) اعتقاد الوحدانية وإنكار التثليث. ومن أصحاب هذا الرأي من قال إن المسيح ملاكٌ أو مجرد إنسان، كالأبيونيين وبعض اليهود المتنصرين. ومنهم من حسب المسيح مجرد إنسان لكنه متعلم من الله ومسترشَد من الروح القدس ومفوَّض السلطان على العالم بعد صعوده جزاءً على فضله وأمانته، كالسوسينيين والعقليين الذين حذوا حذوهم، وأنكروا لاهوت المسيح وحسبوه إنساناً فقط فائق الفضل والصلاح.

(ب) اعتقاد التثليث وإنكار التوحيد، أي أنه يوجد ثلاثة آلهة لا إله واحد. وأصحاب هذا الرأي قليلون جداً في تاريخ العالم.

(ج) اعتقاد مشابهة كل من الأقانيم الثلاثة للآخر في الطبيعة، غير أن الآب رئيس، والابن والروح القدس خاضعان له لأنهما منه، وهو علة وجودهما. ومن أصحاب هذا الرأي بعض الآباء الذين حضروا المجمع النيقوي، وهو الرأي المعروف بالشبيه بالأريوسي.

(د) اعتقاد وحدانية الله، واعتبار الأقانيم الثلاثة مجرد تجليات له لأهداف مختلفة. والتثليث (في رأيهم) أمر وهمي، والله باعتبار أنه الخالق سُمي الآب، وباعتبار أنه الفادي سُمي الابن، وباعتبار أنه العامل في قلوب البشر لتجديدهم وتقديسهم سُمي الروح القدس.

صحيح أن أصحاب هذا الرأي اعتقدوا أن للمسيح وللروح القدس لاهوتاً تاماً، لكنهم أنكروا أقانيم اللاهوت الأقدس، وقالوا إن الآب والابن والروح القدس أقنوم واحد متنوع الأسماء بالنظر إلى كيفية تجليه في العالم وفي تاريخ الكنيسة. ولكن هذا الرأي رُفض لتناقضه الواضح مع الكتاب المقدس الذي يعلّم صريحاً أن بين الأقانيم الثلاثة تميُّزاً واضحاً. ومن أشهر تابعيه سَبَلّيوس الذي عاش في مصر نحو سنة 250م.

(هـ) اعتقاد لاهوت الآب ورياسته، وأنه خلق الابن والروح القدس، وفوَّض لهما خلق العالم بواسطة الابن الذي تجسّد أخيراً وتمم عمل الفداء، واستخدم الروح القدس ليتمم مقاصده. ومن زعمائه أريوس الإسكندري (وُلد نحو 250م) ولذلك نُسب المذهب إليه. وقد أنكر أريوس أزلية المسيح والروح القدس ولاهوتهما التام، وأنكر أنهما والآب واحدٌ، وقال إنهما أول الخلائق وأعظمها. غير أنه سلّم أن الله خلق العالم بواسطة الابن. وقد علّم بهذه الآراء بعض اللاهوتيين والمعلمين، ولكن أغلب علماء الدين رفضوها، لأنهم بنوا إيمانهم على نص الكتاب الصريح وما اصطلح عليه آباء الكنيسة في العبادة الجارية في الكنائس. فجميعهم تعمدوا باسم الآب والابن والروح القدس، وجميعهم خاطبوا الآب في الصلاة على أنه خالقهم وأبوهم، والمسيح على أنه فاديهم، والروح القدس على أنه معزيهم ومقدسهم، فأحبوا وعبدوا الواحد كالآخر. ولكن لما كان عدم الاتفاق بين المعلّمين (وإن لم يؤثر ذلك في إيمان الكنيسة) شراً في نفسه، وقد أحدث اضطراباً، أمر الإمبراطور قسطنطين سنة 325م بانعقاد المجمع الأول في مدينة نيقية برجاء أن تُجمِع الكنيسة على صياغة هذه الحقيقة الجوهرية صياغةً يقبلها المسيحيون جميعاً.

 16 – لماذا انعقد مجمع نيقية؟

* انعقد لثلاثة أهداف :

(1) إزالة الاختلاف الذي حدث في الكنيسة بخصوص الألفاظ المستعملة للتعبير عن الثالوث الأقدس.

(2) الرد على الضلالات في بعض أجزاء الكنيسة بخصوص هذه المسألة.

(3) تحديد نص عقيدة التثليث لتشمل كل التعليم الجوهري في الكتاب المقدس، موافقاً للوحي الإلهي ولاعتقاد المؤمنين.

17 – ما هي الصعوبات التي حالت دون تحقيق الأهداف؟

* كان تحقيق هذه الأهداف صعباً جداً لما يأتي:

(1) لم يتفق الكل على معنى الألفاظ المستخدمة للتعبير عن هذا الاعتقاد ليمكنهم أن يستعملوها بالمعنى الواحد، فاختلفوا في معنى الكلمة المترجمة «أقنوم» ومعنى التعبير المترجم «مساوٍ في الجوهر».

(2) اختلفت آراء المجمع في هذا التعليم نفسه. فقد حضره ممثلون لجميع الأحزاب الكنسيّة، فمنهم أريوسيون، ومنهم شبيهون بالأريوسيين (انظر سؤال 11). غير أن أكثر الحاضرين كانوا يعتقدون بأقنومية المسيح وألوهيته. وبعد الدراسة أجمعوا على قانون يقول:

«نؤمن بإلهٍ واحد آب ضابط الكل، خالق كل الأشياء، ما يُرى وما لا يُرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله، المولود من الآب، المولود الوحيد، أي من جوهر الآب. إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر (المعنى الأصلي: ذو جوهر واحد مع الآب) الذي به كان كل شيء في السماء وعلى الأرض. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وتأنَّس وتألم وقام أيضاً في اليوم الثالث وصعد إلى السماء، وسيأتي من هناك ليدين الأحياء والأموات. وبالروح القدس. وأما الذين يقولون إنه كان زمان لم يوجد فيه (أي لم يوجد فيه ابن الله) وإنه لم يكن له وجود قبل أن وُلد، وإنه خُلق من العدم، أو إنه من مادةٍ أخرى أو جوهر آخر، وإن ابن الله مخلوق أو إنه قابل للتغيير أو متغير، فهُم ملعونون من الكنيسة الجامعة الرسولية» (انظر فصل 8 س 4).

18 – ما هي أحكام مجمع القسطنطينية؟

* كان أهم نقص في قانون المجمع النيقوي هو عدم شرح عقيدة الروح القدس شرحاً كافياً، لأن التعليم عن الابن وعلاقته بالآب احتل معظم الوقت بسبب الاختلاف عليه. وأعلن أكثر معلمي الكنيسة (خاصة أثناسيوس) أن اعتقاد المجمع النيقوي هو أن الروح القدس مساوٍ للآب. ولكن بما أن البعض أنكروا ذلك انعقد المجمع الثاني المسكوني في القسطنطينية سنة 381م. والأغلب أن هذا المجمع أضاف إلى قانون المجمع النيقوي بعد القول و«بالروح القدس» هذه الكلمات: «الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء» (انظر فصل 8 س 4).

وقد اعتقد بعض آباء الكنيسة الشرقية وأكثر آباء الكنيسة الغربية أن الروح انبثق من الابن كما انبثق من الآب. وفي المجمع غير المسكوني الذي انعقد في توليدو سنة 589م زيد «والابن» بعد القول «المنبثق من الآب». وإضافة هذه الكلمة كانت من الأسباب التي فصلت الكنيسة الشرقية عن الغربية (القانون النيقوي كما هو مستعمل في الكنائس الغربية في فصل 8 س 4).

19 – ماذا قيل في قانون الإيمان الأثناسي، وما هي كلماته؟

* حدثت بعد المجمع القسطنطيني الذي ذكرناه مباحثات من جهة شخص المسيح، واتفقت أكثر الكنائس المسيحية على القانون المسمى «الأثناسي» الذي تضمن ما في القانونين النيقوي والقسطنطيني مطوّلاً (فصل 8 س 4).

وتعليم التثليث في هذه القوانين الثلاثة القديمة، النيقوي والقسطنطيني والأثناسي، هو إيمان الكنيسة كلها حتى الآن، ولا فرق بين تلك القوانين إلا بالاختصار والإسهاب.

20 – ما هي خلاصة اعتقاد الكنيسة في التثليث، وعلاقة الأقانيم ببعض؟

* هي أن الله واحدٌ، أي جوهر واحد، وأن في اللاهوت ثلاثة أقانيم، هم الآب والابن والروح القدس. غير أن الجوهر ليس مقسوماً، فليس لكل أقنومٍ جزءٌ خاص من الجوهر، بل لكل أقنوم كمال الجوهر، الواحد نظير الآخر، وأن ما بينهم من العلاقة سِر لا يقدر العقل البشري أن يصل إليه إلا بإعلان الكتاب المقدس الذي يوضحه. ويمكن حصر العلاقة بين الأقانيم الثلاثة بثلاث كلمات، هي المساواة بينهم، والتميُّز، والشركة:

(1) المساواة: فالأقانيم الثلاثة جوهر واحد، وذلك الجوهر كما هو للكل هو لكلٍ منهم، ولذلك هم متساوون فيه، فالآب ليس أعظم من الابن في الجوهر، ولا الابن أعظم من الآب، ولا الروح القدس أعظم من الآب والابن. وذلك منذ الأزل وإلى الأبد.

(2) التميُّز: فكل أقنوم يتميز عن الآخر (لا مخلوقاً منه) في أقنوميته دون جوهره. ليس أنهم ثلاثة آلهة لأن الجوهر واحدٌ، وليس أن الأقانيم مجرد تجليات مختلفة لجوهر واحد فقط، لأن الأقانيم هم ثلاثة لا واحد، بل أن الجوهر الواحد كائن في ثلاثة أقانيم (لا نقول في ثلاثة جواهر، ولا نقول في أقنوم واحد، لأن الجوهر ليس بمعنى الأقنوم ولا الأقنوم بمعنى الجوهر).

ويتضح هذا التميّز في العلاقات الداخلية بين الأقانيم وأيضاً في الأعمال الخارجية. ومن أمثلة التميّز في العلاقات الداخلية أن الابن نظراً إلى أقنوميته مولود (لا مخلوق) من الآب منذ الأزل، وكذلك الروح القدس من حيث أنه أقنوم منبثق منذ الأزل، إما من الآب (كاعتقاد الكنيسة الشرقية) أو من الآب والابن (كاعتقاد الكنيسة الغربية). وكلمة «ولادة» لا تشير إلى ولادة بشرية كما هي معروفة عندنا، بل هي كلمة مستعارة للإشارة إلى سر إلهي، أي إلى العلاقة الأزلية بين الأقنومين الأول والثاني في الثالوث الأقدس. وكذلك كلمة «انبثاق» مستعارة لتشير إلى ما بين الأقنوم الثالث والأقنومين الأول والثاني من العلاقة الأزلية. ومن أمثلة التميّز في الأعمال أن الآب خلق العالم بواسطة الابن، وفوَّض إليه عمل الفداء، وقلده السلطان المطلق ليحكم، ثم أخيراً يدين العالم. وكما أرسل الابن لعمل الفداء أرسل الروح القدس أيضاً ليجدد قلوب البشر وينيرها ويقدسها ويرشدها ويمدها بالمعونة اللازمة ليتمم مقاصده في فداء البشر. وتمم الابن مشيئة الآب بتجسده وتقديم نفسه كفارة عن خطايا العالم، وبممارسة وظيفة نبي وكاهن وملك لأجل شعبه المختار. وبعد قيامته من الأموات صعد إلى السماء وجلس عن يمين الله مالكاً على الكون، وفي انقضاء العالم يقيم الأموات ويدين الجميع. وأرسل الآب والابن الروح القدس ليحل في قلوب البشر ويخصص لهم فوائد الفداء بأعماله الخاصة به، مثل الدعوة الكافية، والإنارة والتجديد والتقديس والإرشاد والتعليم والبنيان في الفضائل الدينية، وهو الذي ألهم الأنبياء والكتبة ليكتبوا بالوحي الأسفار المقدسة. وكل هذه الامتيازات تختص بالأقنوم فقط لا بجوهر اللاهوت، لأن الجوهر واحدٌ للآب والابن والروح القدس.

(3) الشركة: فالأقانيم الثلاثة مشتركون في الجوهر الواحد الإلهي وفي كل صفاته، والابن والروح القدس مشتركان في مجد الآب وفي حكمته وقدرته وقداسته وعدله وجميع صفاته بدون استثناء، ويستحقان ما يستحقه من المجد والتسبيح والعبادة والكرامة والثقة. فمن رأى الابن رأى الآب، ومن شعر بحلول الروح القدس وتأثيره فيه عرف الآب والابن. وقد اشترك الأقانيم الثلاثة في عمل الفداء اشتراكاً تاماً، غير أن كلاً منهم متميز عن الآخر وظيفةً وعملاً، لأن لكل منهم عملاً خاصاً.

ويمكن أن نلخص هذا التعليم الهام بقولنا «تثليث أقنومي أزلي، في جوهر واحد إلهي».

21 – ما هي القضايا التي حكم فيها المجمعان النيقوي والقسطنطيني؟

* (1) أبطل المجمعان رأي سبَلّيوس بأن حكما أن الأسماء «الآب والابن والروح القدس» لا تدل على علاقات الله بخلائقه كالألقاب «خالق» و«حافظ» و«منعم» بل على تميُّزات داخلية ضرورية أزلية في أقانيم اللاهوت، حتى أن الآب هو أقنوم خاص، والابن أقنوم آخر، والروح القدس أقنوم آخر. والواحد يقول عن نفسه: «أنا» ويخاطب الآخر بقوله: «أنت».

(2) أبطل المجمعان رأي الأريوسيين والشبيهين بالأريوسيين بأن حكما أن الآب والابن والروح القدس واحدٌ في الجوهر، متساوون في القدرة والمجد، وأن كل ما يُنسب إلى أحدهم من السرمدية وعدم التغيُّر والعدل والصلاح والحق أو صفة أخرى من صفات اللاهوت الكاملة يُنسب إلى الآخر بمعنى واحد وعظمة واحدة. وبما أن هذه الصفات تختص بالجوهر الإلهي، وذلك الجوهر مشترَك بين الأقانيم الثلاثة فالكل مشتركون في تلك الصفات.

22 – ما هو تعليم المجمع النيقوي في علاقة أحد أقانيم الثالوث الأقدس بالآخر؟

* (1) بين الآب والابن، وبينهما وبين الروح القدس تميُّز، ليس في الجوهر لأن لهم جوهراً واحداً، ولا في زمن الوجود لأن كلاً منهم أزلي، بل في أمرين: (أ) نصيب كلٍّ منهم من عمل الفداء والأقنومية، حتى أن الأول يُسمى أباً والثاني ابناً والثالث روحاً. (ب) أن الأبوّة صفة تختص بالآب والبنوة بالابن والانبثاق بالروح. وقد اكتفت المجامع بذكر هذه التميّزات بدون أن تفسرها.

(2) لما كانت الأقانيم الثلاثة واحداً في الجوهر كان لهم علم واحد ومشيئة واحدة وقوة واحدة، ليس أن اللاهوت ثلاثة عقول أو ثلاث مشيئات أو ثلاثة مصادر للقوة. قال المسيح: «مهما عمل الآب فهذا يعمله الابن كذلك» (يو 5: 19). وقال الرسول: «فأعلنه الله لنا نحن بروحه. لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله. لأن مَنْ مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه؟ هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله» (اكو 2: 10، 11). وهذا يعني أن ما يعلمه الواحد يعلمه الآخر أيضاً. فبناءً على هذا الاتحاد الكلي بين أقانيم اللاهوت نخاطب الله دائماً ذاتاً واحدةً، دون أن نناقض أنه ذو ثلاثة أقانيم، ونقدر أن نصلي لكل واحدٍ من الأقانيم الثلاثة، ونصلي أيضاً لله الواحد.

23 – كيف يعبّر الكتاب المقدس عن العلاقة الأزلية بين الأقنوم الأول والأقنوم الثاني؟

* يُعبِّر عن العلاقة بالاسمين: الآب والابن، وبأن الابن مولود من الآب لأنه يُسمى «ابن الله الوحيد» و«المولود منه» فعلاقة الابن بالآب هي علاقة البنوة. والظاهر أن كلمة «ابن» تشير إلى وحدة الطبيعة، لأن للمولود دائماً طبيعة والده، أو تشير للمشابهة، أو تشير إلى عظمة المحبة، أو تشير إلى معنى مكتومٍ عنا يفوق إدراكنا.

24 – ما هي المعاني المختلفة المستعملة بها كلمة «ابن» في الكتاب المقدس، وبأي معنى دُعي الناس أبناء الله؟

* جاءت كلمة «ابن» في الكتاب المقدس بمعانٍ مختلفة:

(1) الابن باعتبار علاقته بأبيه.

(2) الإشارة إلى التسلسل كبني إسرائيل، أي نسل إسرائيل.

(3) الإشارة إلى المسكن أو الوطن، كأبناء مصر، أي أهل مصر أو سكان مصر.

(4) التلميذ أو العابد، كأبناء الأنبياء وأبناء الله. وبهذا المعنى تُنسب إلى الملوك (مز 2: 7). وإلى الملائكة (أي 1: 6 و38: 7). وإلى عبَدة الله كشعبه الخاص (تك 6: 2 وتث 14: 1 ويو 1: 12 ورو 8: 14، 19).

(5) الإشارة إلى صفة أو علاقة أخرى، كابن سنةٍ (عمره سنة) وبني بليعال (الأشرار) وابن الهلاك (الذي يستحق الهلاك).

ودُعي البشر أبناء الله لأنه خلقهم على صورته، ولذلك دُعي الله أبا الجنس البشري وخاصةً أبا المؤمنين. ودُعي المسيحيون أبناء الله بناءً على الولادة الثانية الروحية وتبنّي الله لهم وقبوله إياهم في عهد النعمة. وتستعمل كلمة «ابن» في هذا المقام دائماً في صيغة الجمع، سواءٌ كانت الإشارة بها إلى البشر أو الملائكة، فلم ترد في صيغة المفرد إلا للإشارة إلى الأقنوم الثاني من الثالوث، ما عدا مرة واحدةً في لوقا، حيث دُعي آدم (باعتباره رأس الجنس البشري) ابن الله، لأنه مخلوق من الله مباشرةً بدون أن يكون له أب بشري (لو 3: 38).

25 – لماذا ندعو المسيح «ابن الله»؟

* يُدعى المسيح «ابن مريم» وهذا قول صادق، فانتماؤه لأم يجعلنا نعزوه لوالدته العذراء القديسة مريم. ولكن إن أردنا أن نعزوه لأبٍ، فماذا نقول؟.. نقول ما قاله الملاك للعذراء وهو يجاوب سؤالها عن كيفية حبلها: «الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك. فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يُدعَى ابن الله» (لو 1: 34، 35).

وقد دُعي المسيح «ابن الله» في الكتاب المقدس باعتباره الأقنوم الثاني في الثالوث بالنسبة إلى الأقنوم الأول (الآب). ودُعي الأقنوم الأول الآب للإشارة إلى نسبته إلى الأقنوم الثاني. فكلمة «آب» و«ابن» لم تردا للتعبير عن النسبة الأزلية بين الأقنوم الأول والثاني بالمعنى المعروف في الأبوّة البشرية والبنوَّة البشرية، فسُمي «الابن» في الكتاب المقدس «الكلمة» و«صورة الله» و«رسم جوهره» و«بهاء مجده». وكل هذه العبارات توضح معنى كلمة «ابن». أي أن الابن يعلن الآب كما أن الكلمة توضح الفكر وتعلن ما هو عند العقل. وكما أن الرسم يمثل الشخص هكذا المسيح يمثل الله، وكما أن ضوء الشمس يوضح طبيعتها (مع أنه من جوهرها نفسه) هكذا المسيح بهاء مجد الله يوضح لنا أمجاد اللاهوت الروحية مستورة في الجسد حتى نقدر أن نحتملها. فبناءً على ما سبق نعتبر الابن العامل في إعلان اللاهوت. وكما أنه الواسطة لإعلان الله بطريق محسوسة، هكذا الروح القدس هو الواسطة لإعلان الله لشعور الإنسان، حتى أننا لا نقدر أن ندرك كُنه الإعلان الخارجي بدون فعل الروح القدس الداخلي إرشاداً لنا في إدراك أسرار الإعلانات الإلهية. فلا أحد من الناس يقدر أن يعرف الله إلا بالمسيح صورة الله في الجسد، وبإرشاد الروح القدس المنير. ولهذا يقول «الابن الوحيد» الذي هو في حضن الآب هو خبَّر» (يو 1: 18). وقوله «فأعلنه الله لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله» (1كو 2: 10).

اتضح لنا أن كلمتي «بنوة» و«انبثاق» في التعبير عن علاقة الابن بالآب، وعلاقة الروح بالآب والابن، هما كلمتان بشريتان، تعبّران عن الحقيقة بطريقة جزئية. فليس في كلمة «بنوة» ما يشير إلى خلق الابن، ولا إلى بداية وجوده، ولا إلى أنه من مشيئة الآب. وليس فيها شيء من الإشارة إلى الولادة الجسدية كالتي بين البشر. وكذا يقال في معنى الانبثاق، فليس فيه ما يشير إلى انفصالٍ كما في المخلوقات، ولا إلى علاقة من العلاقات المعروفة بين البشر. إنما معناه معنى إلهي محض خاص لا تدركه العقول.

26 – ما هو مذهب السوسينيين في بنوَّة المسيح، وما هو الرد عليهم؟

* يعتقد السوسينيون بناسوت المسيح دون لاهوته، وسُموا بذلك نسبة إلى فوستوس سوسينوس، وهو إيطالي الأصل مات في بولندا سنة 1604. ومذهبهم في بنوَّة المسيح هو أنه دُعي ابن الله لمجرد أنه وُلد ولادة بشرية بواسطة الروح القدس بطريقة فائقة الطبيعة، بدليل قول الملاك للعذراء: «الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظلّلك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يُدعى ابن الله» (لو 1: 35).

فنجيب: إن قولهم هذا وإن صح يلزم جواز تسمية المسيح ابن الله لأسباب أخرى أعظم وأهم، جاء في الكتاب المقدس ما يدل عليها، ومنها أنه دُعي بهذا الاسم لتمييزه عن كل مَنْ سواه من الكائنات العاقلة، لأنه ابن الآب الوحيد المحبوب. نعم دُعي البشر في الكتاب المقدس أبناء الله بصيغة الجمع. ولكن لم يُدعَ أحدٌ ابن الله بصيغة المفرد إلا المسيح وآدم (انظر س 24).

27 – ما هو مذهب الأريوسيين وغيرهم من منكري التثليث في تسمية المسيح ابن الله؟

* قال الأريوسيون إن المسيح دُعي ابن الله لأنه مخلوق على صورة الله أكثر من كل الخلائق سواه، ولأنه أولها زمناً. وعلى ذلك يكون المسيح مخلوقاً لا إلهاً. وقولهم هذا يخالف تعليم الكتاب. وقال غيرهم من منكري التثليث ولاهوت المسيح إن المسيح دُعي «ابن الله» ليس لأنه الأقنوم الثاني في اللاهوت، بل لأنه إنسان حل فيه اللاهوت. وقد أوردوا على اعتقاد بنوَّة المسيح الأزلية الاعتراضات الآتية:

(1) تشير تسميته «ابن الله» إلى أنه من الآب، فيكون أدنى من الآب. وهذا مردود بأن الله اختار كلمة «ابن» للتعبير عن علاقة الأقنوم الثاني بالأول، وهي لا تدل في هذا الاستعمال على نقص قيمة الواحد عن الآخر. ولا يوجد دليل على أن ذلك قُصد بها. بل بالعكس، لنا أدلة كثيرة قاطعة على أن ذلك لم يُقصد.

(2) تسمية المسيح «ابن الله» هي كسائر أسمائه التي تدل على ما عمله لأجل الفداء، كالأسماء «مخلّص» و«وسيط» و«شفيع» وليس فيها دلالة على علاقة بين أقانيم الثالوث الأقدس. وأوردوا لإثبات ذلك قول بطرس للمسيح: «أنت هو المسيح ابن الله الحي» وقول نثنائيل له: «يا معلم، أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!». فنجيب: لا يُقال في العبارة الأولى إنه ابن الله لأنه هو المسيح، أي أنت المسيح، ولذلك أنت ابن الله. ولا يُقال في الثانية ابن الله لأنه ملك إسرائيل.

(3) ما جاء في مزمور 2: 7 «إني أخبر من جهة قضاء الرب. قال لي: أنت ابني. أنا اليوم ولدتك». فقالوا إن المسيح دُعي ابن الله يوم ولادته على الأرض. وبالتالي لم يُدع بهذا الاسم في الأزل، ولا كان بينه وبين الآب تلك العلاقة قبل ولادته. فنجيب: إن هذا المزمور من أشهر النبوات عن المسيح. وتفسيره الأصح أنه إما ترنيمة حمد لأن داود انتصر على أعدائه، فتكون الإشارة فيه إلى المسيح رمزية. وإما أن يكون ترنيمة حمد المسيح رأساً، بسبب مجده ونصرته واتساع ملكه، وهو الأرجح، لأن هذا هو منطوق العهد الجديد الذي اقتبس فيه إشارة إلى المسيح (أع 4: 24-27 و13: 32، 33 وعب 1: 25 و5:5 ورؤ 2: 27 و12: 5). ويقوي ذلك الوعد بإعطائه أقاصي الأرض ملكاً له، والمكافأة للمتكلين عليه والعقاب للذين يرفضونه. أما قول الهراطقة إن عبارة «أنا اليوم ولدتك» دليلٌ على أن المسيح لم يكن ابن الله إلا بناءً على ولادته البشرية فظاهر الخطأ، لأن الإشارة في المزمور لا تتعلق بولادة المسيح الزمنية، بل إلى ما يتعلق بولادته الأزلية، أي أن الغاية منه الإنباء «بقضاء الرب» الذي هو منذ الأزل، وإنما يظهر في الزمان. وقول الله: «أنا اليوم ولدتك» حقيقة أزلية أعلنها الله للبشر حين أقام المسيح أمام عيونهم في الجسد فادياً، لأن الرسول بولس لم يرد بقوله «إذ أقام يسوع» (أع 13: 33) إقامته من الموت، بل إظهاره متجسداً أمام الناس لينجز الموعد الذي كان للآباء، وأُكمل لنا نحن أولادهم كما قال الرسول. أما القيامة من الموت فأوضحها الرسول في آيتي 34، 35 من نفس الأصحاح، باقتباسه من مزمور 16. فبنوَّة المسيح لله لا تتوقف على التجسد أو المعمودية أو التجلي أو القيامة، لأنه كائن ابن الله منذ الأزل، ولكنها أُعلنت بواسطة تلك الحوادث الزمنية حسب قول الرسول: «الذي هو صورة الله غير المنظور، بكر كل خليقة» (كو 1: 15) أي أنه كان قبل الخلق. وقوله: «الذي صار من نسل داود من جهة الجسد وتعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات» (رو 1: 3، 4). فكلمة «تعيَّن» تعني «أُعلن» وتم ذلك الإعلان بتجسده (عب 1: 5، 6) وبمعموديته (مت 3: 17) وبتجلّيه (مت 17: 5) وبقيامته (أع 13: 34، 35 ورو 1: 4).

وهناك حقيقة أخرى، وهي أنه يُقال في الولادة الجسدية «أنا اليوم ولدتك. أنت ابني». فالولادة تتمّ أولاً، ثم يتبعها إعلان البنوة. ولكن الله يقول في المزمور «أنت ابني. أنا اليوم ولدتك». فبنويَّة المسيح سابقة لميلاده، ووجوده سبق ميلاده، ولذلك نقول إنه «مولود غير مخلوق». ويقولون إنه كلمة الله التي أُلقيت إلى العذراء. فالكلمة موجود من قبل أن يُحبَل به!

(4) جاء في رومية 1: 4 عن المسيح «وتعيَّن ابن الله بقوةٍ من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات» وهذا يدل على أنه لم يكن ابن الله قبل القيامة. وهو خطأ مردود بأن كلمة «تعيَّن» هنا تحتمل معنى »أُظهِر» أو «أُعلن». وعلى ذلك يكون المعنى أن المسيح بقيامته من الأموات أُعلن أنه ابن الله بقوةٍ من جهة روح القداسة، أي أن القيامة كانت واسطة إظهاره بكمال قوته أنه ابن الله. ويؤيد هذا التفسير العبارات الواضحة المعنى الدالة على بنوَّة المسيح قبل قيامته، ومنها أنه هو دعا نفسه «ابن الله» قبل موته. إذاً لا يمكن أن يكون قد جُعل ابن الله بقيامته.

(5) قالوا أيضاً: إن قول بولس «ونحن نبشركم بالموعد الذي صار لآبائنا أن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم إذ أقام يسوع» (أع 13: 32، 33). كما هو مكتوب أيضاً في المزمور الثاني «أنت ابني أنا اليوم ولدتك» يدل على عدم أزلية الابن. فنجيب: إننا شرحنا عبارة المزمور الثاني «أنت ابني، أنا اليوم ولدتك» تحت رقم 3.

28 – كيف عبَّر القانون النيقوي والقانون الأثناسي وإقرار الإيمان الوستمنستري عن تعليم بنوَّة المسيح الأزلية؟

* يقول القانون النيقوي «أؤمن .. برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور. إله من إله. نور من نور. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق. مساوٍ للآب في الجوهر». ويقول القانون الأثناسي «والابن من الآب وحده غير مصنوع، ولا مخلوق بل مولود». ويقول إقرار الإيمان الوستمنستري: «فليس الآب من أحدٍ ولا مولود ولا منبثق، والابن مولود أزلياً (أو منذ الأزل) من الآب، والروح القدس منبثق أزلياً (أو منذ الأزل) من الآب والابن».

29 – ما هي الأدلة من الكتاب المقدس على بنوة المسيح الأزلية؟

* (1) تسمية الأقانيم الثلاثة بالآب والابن والروح القدس. ففي البركة الرسولية، وفي ممارسة المعمودية دُعي الإله الواحد بالآب والابن الروح القدس. ولا يصح أن كلمة «الابن» فيهما تشير إلى المسيح في حالة التجسد فقط، أي من حيث أنه إنسان مولود من الله لأنه دُعي «ابناً» كأحد الأقانيم الثلاثة في الثالوث الأقدس. وأيضاً لما كانت كلمة «الآب» مختصة بالأقنوم الأول من حيث أنه إله أزلي، يجب أن نفهم كلمة «الابن» لقباً خاصاً بالأقنوم الثاني الأزلي.

(2) قول المسيح: «كل شيء قد دُفع إليَّ من أبي. وليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحدٌ يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن له» (مت 11: 27 انظر أيضاً لو 10: 22). فقد دعا المسيح نفسه في هاتين الآيتين «ابناً» باعتباره إلهاً، بدليل أن الكلام فيهما هو في شأن طبيعته الإلهية.

(3) ما جاء في يوحنا من أن مجد الكلمة الأزلي هو مجد ابن وحيد من الآب (يو 1:1-14). ويدل ذلك على أن المسيح ابن وحيدٌ من الآب في طبيعته الإلهية، وليس كوسيطٍ بين الله والبشر، ولا كإنسان مولود في العالم.

(4) كيفية تسمية المسيح الابن الوحيد للآب واختصاص كلمة «الابن» بصيغة المفرد في الكتاب المقدس بالمسيح. فقيل «وحيدٌ من الآب» و«الابن الوحيد» و«ابنه الوحيد» و«ابن الله الوحيد» وقال بولس «الله لم يشفق على ابنه» كأنه ليس له غير ابن واحد. وكذلك دعا المسيح الله أباه. وكل هذه العبارات تدل على أن المسيح هو ابن الله بمعنى خاص يميزه عن جميع الخلائق العاقلة. والنتيجة أنه إله لا إنسان فقط.

(5) ما جاء في يوحنا ص 5 و10. ففي 5: 22 تشير كلمتا «الآب» و«الابن» لأقنومين إلهيين متساويين. وفي يو 10 نرى أن اليهود حسبوا قول المسيح «أنا والآب واحد» تجديفاً لأنه بذلك جعل نفسه إلهاً، وبرّأ المسيح نفسه من التجديف بقوله «فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له إنك تجدف لأني قلت: إني ابن الله؟!».

(6) قول المسيح: «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد..» وقوله «لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم..» (يو 3: 16، 17). وقول بولس «فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية..» (رو 8: 3). وقول يوحنا البشير «لأجل هذا أُظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس» (1يو 3: 8). فإن كل هذه الآيات تدل على أن المسيح كان ابناً قبل أن يرسله الله إلى العالم.

(7) قول بولس: «الذي صار من نسل داود من جهة الجسد، وتعيّن ابن الله بقوةٍ من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات» (رو 1: 3، 4) فإن هذا يدل على أن المسيح كان ابن الله قبل تجسده، وأنه أُعلن بقوة أنه إله بالقيامة من الأموات. لأن قوله «من جهة روح القداسة» يشير إلى لاهوته، كما أن قوله من جهة الجسد يشير لناسوته.

(8) قول بولس: «فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية..» (رو 8: 3) يدل على أن المسيح كان ابن الله قبل إرساله، لأنه لا يصح أن يُقال إن إرساله في شبه جسد الخطية جعله ابن الله الوحيد بمعنى خاص.

(9) ما جاء في كو 1: 15-20 حيث أُشير لمجد المسيح الإلهي وأعمال قدرته الفائقة، وقيل فيه إنه «صورة الله غير المنظور، وبكر كل خليقة، وبه وله خلق الكل، وهو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل». وإذا سبق القول في آية 13 إن المسيح هو «ابن محبة الله» كان كل ما ذُكر قد نُسب إليه على أنه ابن الله. فيلزم عن ذلك أن البنوة تختص بالمسيح على أنه الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس.

(10) ما جاء في عب 1: 5-8 حيث وضح الرسول مجد المسيح ورياسته على كل الخلائق، وسمّاه «الابن» باعتبار لاهوته بدليل قوله «وأما عن الابن: كرسيك يا الله إلى دهر الدهور».

30 – كيف نوفّق بين عقيدة بنوّة الابن الأزلية وآيات الكتاب التي تُظهر أنه أدنى من الآب، وخاضع له، ويجهل بعض الأمور؟

* بما أن المسيح إلهٌ وإنسانٌ معاً نُسب إليه أحياناً ما يصدق على ناسوته فقط، مثل قول البشير عنه «تعب من السفر». أو يصدق عليه كإلهٍ متجسد فقط، فسُمي «ابن الإنسان» عندما قيل إنه موجود في كل مكان. وسُمي «الله» عندما قيل إنه اقتنى الكنيسة بدمه. وسُمي «رب المجد» عند ذكر صلبه. وكل ذلك ليس دليلاً على نفي لاهوته، ولا ينقِص من سمو شأنه.

31 – لماذا دُعي الأقنوم الثالث «الروح القدس»؟

* لتمييزه عن الآب والابن، وللدلالة على أعماله الخاصة به. وقال المجمعان النيقوي والقسطنطيني عن علاقة الروح القدس بالأقنومين الآخَرين في اللاهوت «وأؤمن بالروح القدس الرب المحيي، المنبثق من الآب (والابن) المسجود له والممجد مع الآب والابن معاً، الناطق بالأنبياء». وأما اعتقاد الكنيسة في موضوع الانبثاق فهو:

(1) إنه إعلان إلهي فوق إدراكنا، نقبله لأنه من عند الله، ويتعذّر علينا تفسيره.

(2) الانبثاق أزلي.

(3) هو من الآب والابن، غير أن الكنيسة الشرقية تعتقد أنه من الآب وحده.

(4) إنه يُنسب إلى أقنومية الروح لا إلى الجوهر الواحد مع الآب والابن. وعبَّر المسيحيون عن العلاقة بين الروح القدس والأقنومين الآخرين بكلمة «انبثاق» لأن الكتاب المقدس استعمل نفس هذه الكلمة في قول المسيح عن الروح القدس «الذي من عند الآب ينبثق» (يو 15: 26) وهي مناسبة جداً لهذا الهدف الذي يوافق معناها معنى كلمة «الروح» الذي هو الأصل «نسمة تخرج من الإنسان».

32 – ما هو الحكم الراجح في الاختلاف بين الكنيستين الغربية والشرقية في مسألة الانبثاق؟

* لا يخالف رأي الغربيين الكتاب المقدس في شيء، بل يوافقه بمقتضى الاستدلال الضروري، لأننا نتعلم منه أن علاقة الروح بالابن كعلاقته بالآب تماماً، بدليل تسميته فيه «روح المسيح» و«روح الابن» و«روح الرب». وقيل إن الابن يعطي الروح ويرسله، وكذلك إن الآب يعطيه ويرسله، وإن الابن يفعل بواسطته وأيضاً إن الآب يفعل بواسطته. وبما أن الكتاب المقدس لا يفرق بين علاقة الروح بالابن وعلاقته بالآب، لا نفرق نحن بينهما. والخلاف بين الكنيستين في الانبثاق ليس من جهة إرسال الروح القدس في الزمان من الآب والابن لإتمام مقاصد الفداء، لأن الكنيستين تتفقان في ذلك، بل هو في الانبثاق الأزلي: هل هو من الآب وحده، أو من الآب والابن معاً؟ فقول الشرقيين إنه من الآب يوافق قول المسيح: «ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق، الذي من عند الآب ينبثق» (يو 15: 26). وقول الغربيين إنه من الآب والابن معاً يوافق مفاد كلام الكتاب في العلاقة التي بين الأقانيم الثلاثة، ونتيجة عقلية مناسبة من عدم وجود تمييز بين علاقة الروح بكلٍ من الآب والابن، ويوافق أيضاً حفظ شأن الابن في الثالوث الأقدس، لأنه مساوٍ للآب في الجوهر والمجد (قارن رو 8: 9 وغل 4: 6).

ويوافق بعض أفاضل اللاهوتيين الغربيين على أن إدراج كلمة «والابن» في القانون النيقوي قد جرى بدون تصديق مجمع مسكوني، لأنهم لم يستشيروا فيه الشرقيين الذين اشتركوا معهم ككنيسة واحدة في إصدار القانون النيقوي في مجمع نيقية. وبما أن موضوع الانبثاق الأزلي عويص جداً، فلا يليق بالشرقيين والغربيين أن يحكموا على بعضهم بالهرطقة لعدم اتفاقهما علي الانبثاق الأزلي، مع أنهما يتفقان في عقيدة إرسال الروح من الآب والابن معاً في الزمان. والأولى أن يهتم الشرقيون والغربيون بالخضوع لتوجيه الروح القدس وطاعة إرشاده دائماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.