تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » الحجر الملك – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

الحجر الملك – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

الحجر الملك

(دا 2 : 34 – 35)

“كنت تنظر إلى أن قُطع حجرٌ بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديدٍ وخزفٍ فسحقهما، فانسحق الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكانٌ، أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها”.

حجرٌ في المزود … مقطوعٌ بغير يدين … يضرب ويسحق … ليصير جبلاً كبيراً.

كان نبوخذ نصر ملكاً عظيم القدر رفيع الشأن أخضع العالم له، وفي إبان عظمته وبهاء مجده في السنة الثانية لملكه وقد تربع على عرش مملكة بابل العظيمة ودانت له كل ملوك الأرض امتد بأفكاره إلى المستقبل، ماذا يكون مجده في مستقبل الأيام؟ وماذا تكون مملكته؟ وفي هذه الأفكار والانشغالات بهذا المجد الأرضي رأى حلماً، وبتعبيرٍ أصح أراه الله حلماً عما سيكون في مستقبل الأيام.

رأى تمثالاً بهياً هائلاً عظيماً بمقدار ما في نفسه من العظمة أو تفكير العظمة، رأسه من ذهبٍ وصدره وذراعاه من فضةٍ، بطنه وفخذاه من نحاسٍ، ساقيه من حديدٍ، وأصابع القدمين البعض من خزفٍ والبعض من حديدٍ، في هذا التمثال أراه الله أربع ممالك تتدهور في مستقبل الأيام، من الذهب في الرأس إلى الفضة في الصدر والذراعين، إلى النحاس في البطن والفخذين، إلى الحديد في الساقين، إلى الحديد والخزف في القدمين، وهذه حالة ممالك الأرض تتدهور طالما لا يكون لها اتصالٌ بالسماء، فلا بد أن ينكسر هذا الرأس من الذهب، وتذوب الفضة، ويتلاشى النحاس، وينتهي الحديد، ويُسحق الخزف، وهذا يشير إلى القوة التي تسحق هذه الممالك، ويعبر عنها بحجرٍ قُطع بغير يدين، هو مملكةٌ خامسةٌ بعد هذه الممالك الأربعة تضرب هذا التمثال وتسحق قدميه فينسحق الخزف والحديد والفضة والذهب، وينسحق التمثال بأكمله، أين ذهبه؟ أين مجده؟ أين عظمته؟ في التراب.

أما هذا الحجر الذي قُطع بغير يدين من جبلٍ بعد أن يضرب ويسحق، يصير هو جبلاً عظيماً يملأ الأرض كلها، إذن هذا الحجر ملكٌ وهذا الجبل مملكةٌ، إلى هذا الحجر الملك وإلى هذه المملكة أريد أن تتجه أفكارنا بمناسبة الميلاد، أريد أن نذهب معاً إلى بيت لحمٍ لنرى هذا الحجر الذي رآه نبوخذ نصر وذلك الجبل الذي صار إليه هذا الحجر، لنراه:

كيف قُطع، وقد ضرب وسحق، وصار جبلاً عظيماً.

أولاًهذا الحجر كيف قُطع؟:

يقول في الحلم قُطع حجر بغير يدين فهو ملكٌ آخر غير الملك المُعبَّر عنه بالذهب، والذهب من معدن الأرض أو الفضة أو النحاس أو الحديد وكلها معادن من بطن الأرض، بل التمثال في جملته صورة فنانٍ وبالحري نقش فنانٍ يتفنن في صنعه ويصنع هذا الرأس والصدر والذراعين والبطن والفخذين والساقين والقدمين، أما هذا الحجر فقد قُطع بغير يدين، ليس للبشر يدٌ في قطعه، ليست يد إنسانٍ تعمل في أصله ووجوده.

قُطع بدون أيدٍ فلا عجب إذا قالت مريم: “كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً”، ولا عجب إذا قال الملاك: “الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك لذلك القدوس المولود منك يُدعى ابن الله”، حجرٌ قُطع بغير يدين، رآه بلعام قضيباً، بل رآه كوكباً، قضيبٌ يخرج من يعقوب، كوكبٌ يبرز من إسرائيل، رآه إشعياء “قضيباً من جزع يسى”، ورآه “غصناً ينبت من أصوله”، هكذا رآه زكريا “الغصن”، أما حلم نبوخذ نصر فقد رآه فيه حجراً، هذا هو الحجر الذي رفضه البناؤون وقد صار رأس الزاوية، هذا هو الحجر الذي هو “أساسٌ مؤسسٌ”، “حجراً كريماً”، “حجر زاويةٍ”، “مختارٌ من الله”، فما أعجبه في ميلاده حجراً قُطع من جبلٍ بغير يدين.

ثانياًهذا الحجر ضُرب وسُحق:

نبوخذ نصر الرأس من الذهب، قد جعل نفسه إلهاً وأقام لنفسه تمثالاً ليُعبد، ونادى منادٍ: “قد أُمرتم أيها الشعوب والأمم والألسنة عندما تسمعون صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير والمزمار وكل أنواع العزف أن تخروا وتسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه نبوخذ نصر الملك، ومن لا يخر ويسجد ففي تلك الساعة يُلقى في وسط أتون النارٍ المتقدةٍ”، ومن ذا الذي يخالف هذا الأمر؟ حينئذٍ سجد الجميع، أمرُ ملكٍ عظيمٍ “أياً شاء وضع وأياً شاء رفع”، يُحي ويميت فمن يقف قدامه؟

ولكن هذا الحجر وقف أمامه في النار ابناً للآلهة مع ثلاثةٍ من الأمناء لهذا الحجر من رعية هذا الملك، في وسط النار والأتون محمى سبعة أضعاف وإذا نبوخذ نصر يرى ثلاثة فتيةٍ يتمشون وبينهم رابعٌ شبيهٌ بابن الآلهة، أين كلمتك! وأين سطوتك؟! قد تحطمت!! هؤلاء غيروا كلمة الملك ولم تكن للنار سطوةٌ حتى على شعور رؤوسهم، إذن فليُذَل نبوخذ نصر أمام هذا الملك وليخضع وليغير كلمته ويقول لهؤلاء اخرجوا وتعالوا يا عبيد الله الحي.

وبأي قوةٍ يضرب هذا الحجر هذا التمثال؟ ممالك العالم بأجمعها تسجد أمامه وتخضع، بأية صورةٍ؟ انظر إليه في المذود إنه في المذود طفلٌ مقمطٌ، طفلٌ ليس إلا، الذي يحطم التمثال من قدميه إلى رأسه، فيصير كالعصافة، بأية قوةٍ؟ هل تعلم أن هذا الحجر هو كلمة الله! أمامه تسجد كلمة الملوك! “كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيفٍ ذي حدين”، فلا السيف ولا المدفع ولا القنبلة الذرية ولا أية قوة في الأرض أو من اختراع بشرٍ تستطيع أن تقف قدامه، هذه الكلمة إذ تُرسَل لا ترجع إليه فارغة، إنها تغير القلوب وتسحق الأفئدة وتطهر النفوس وتجدد وجه الأرض بقوة الإصلاح، قوة التغيير في هذه الحياة.

هذه القوة لا للإبادة بل للتغيير، فيقول نبوخذ نصر: اسجدوا أمام إله شدرخ وميشخ وعبد نغو، فيتغير قلب ذلك العاتي المتعظم، هل تسمع هذه الكلمات؟ وماذا تفعل؟ وقف هذا الرأس من ذهب في مملكة بابل العظيمة قائلاً: “أهذه بابل التي بنيتها لبيت الملك باقتداري ولجلال مجدي”؟ ما هذه العظمة يا نبوخذ نصر؟ اسمع كلمة الساهر القدوس: “يطرودونك من بين الناس وتكون سكناك مع حيوان البَر ويطعمونك العشب كالثيران ويبلونك بندي السماء، فتمضي عليك سبعة أزمنةٍ حتى تعلم أن العلي متسلطٌ في مملكة الناس وأنه يعطيها لمن يشاء”.

نبوخذ نصر الرأس من الذهب يأكل العشب كالثيران، ويبتل جسده بالندى من السماء، ويطول شعره مثل النسور وأظفاره مثل الطيور، يكون كحيوان البر، هذه هي الكلمة التي صدرت من السماء، وقد تمت سبعة أزمنةٍ عليه وصار حيواناً بين البهائم إلى أن عرف أن للعلي سلطاناً، فرجع عقله إليه وبارك هذا الساهر القدوس خاضعاً خاشعاً، هذه هي القوة الساحقة، هذا هو الحجر الضارب الساحق الكلمة، “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله، …  والكلمة صار جسداً وحل بيننا”، وها هو في المذود، الحجر المقطوع بغير يدين.

ثالثاًهذا الحجر يصير جبلاً:

غير أن هذا الحجر الذي قُطع ليضرب وليسحق يصير جبلاً كبيراً يملأ الأرض بجملتها، المملكة الخامسة في حلم نبوخذ نصر، هل تراه في المذود حجراً صغيراً، أرسل اثنى عشر تلميذاً لينادوا باسمه في الأرض ليؤسسوا ملكوته، صغاراً بالنسبة للعالم، ضعافاً بالنسبة للكرازة والبشارة، من هم بالنسبة لمهمة تأسيس ملكوت المسيح على الأرض! ليصير جبلاً يملأ الأرض كلها؟ ولكن اسمع ما قيل عن أولئك الصيادين الفقراء: “الأرض ارتعبت أمامهم”، وهوذا في مكانٍ من الأماكن في بلدٍ من البلاد “هؤلاء هم الذين فتنوا المسكونة قد حضروا إلى ههنا أيضاً”، “لا تخف أيها القطيع الصغير لأن أباكم قد سُر أن يعطيكم الملكوت”، “فالآن يا أيها الملوك تعقلوا تأدبوا يا قضاة الأرض، اعبدوا الرب بخوفٍ واهتفوا برعدةٍ، قبلوا الابن لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق”، ومعنى التقبيل السجود.

هل ترى هذا الملكوت اليوم؟ إنه لم يملأ الأرض بعد، ولكن سيملأ هذا الجبل الأرض، إنه عن يمين العظمة حجرٌ كريمٌ أساسٌ مؤسسٌ لبناء بيتٍ روحيٍّ، هو مملكة كهنةٍ، هو كهنوتٌ ملوكيٌّ، حجارةٌ حيةٌ على هذا الأساس الحجري الكريم “على هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها”، هل تلقي بنظرةٍ إلى ذلك الجالس عن يمين العظمة إلى أن يخضع جميع الأعداء تحت قدميه، “اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك”.

وهل تراه عند مجيئه العظيم والعناصر تحترق والأرض وما فيها تزول ويتغير وجه الأرض وتتغير كل الشعوب والألسنة ويُسلَم المُلك كله لله الآب ليكون هو الكل في الكل لتبقى مملكة المسيح إلى الأبد، فيعطيه الرب الإله كرسي داود على كل الشعوب والقبائل وهنا ما رآه الرائي: “وإذا جمعٌ كثيرٌ لم يستطع أحدٌ أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش وأمام الخروف متسربلين بثيابٍ بيضٍ وفي أيديهم سعف النخل وهم يصرخون بصوتٍ عظيمٍ قائلين الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف”.  

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.