تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » الحياة – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

الحياة – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

الحياة

(يو 1 : 1 – 14 )

يكتب الرسول يوحنا عن الكلمة فيقول: “في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله”.

وهذا الكلمة يقول عنه: “والكلمة صار جسداً وحلَّ بننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيدٍ من الآب مملوءاً نعمةً وحقاً”، وفي رسالته يشرح لنا كلمة “رأينا مجده”، بصورة أوضح فيقول شرحاً للكلمة “حل بيننا”: “الذي سمعناه  الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة”، ويتدرج إلى السمو فيقول: الحياة الأبدية “كلمة الحياة” وهو يعني بذلك شخصية عظيمة حية قوية أزلية أبدية. إلى هذه الشخصية تحت عنوان “الحياة” أريد أن تتجه أفكارنا فى ثلاث كلمات:

         أولاً: الحياة في ذاتها.                    ثانياً: الحياة في أزليتها.                     ثالثاً: الحياة في رؤيتها.

أولاً: الحياة في ذاتها:

هذه الشخصية العجيبة “الذي كان من البدء” هذه الحياة وهذا الشخص:

– له حياةٌ في ذاته: ومعنى ذلك أنه حيٌّ بذاته لا يستمد حياته من كائنٍ آخر، وذلك يصل بنا إلى أكثر من ذلك، أنه مصدر كل حياة “فيه كانت الحياة”،  ليس في ذاته فحسب بل:

– في العالم أجمع: الحياة التي ظهرت في الكون في اليوم الثالث من الخليقة، الحياة النباتية، النبات ينمو والأشجار تنمو ولها حياةٌ، وأُعطيت حياةٌ، هذا مصدر هذه الحياة. والحياة الحيوانية التي أُعطيت في اليوم الخامس لطيور السماء، وفي اليوم السادس لوحوش البرية والزحافات والدبابات، هذه الحياة هو مصدرها: “كل شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٌ مما كان”، كل حياةٍ تدب على الأرض “لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد”، هكذا الحياة الإنسانية “فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس”، لا يمكن أن يكون كائناً ما كان أن يعطي حياةً للآخرين، والحياة بكيفيةٍ خاصةٍ، كائن من الموجودين في العالم مخلوق من المخلوقات أن يعطي حياةً. وقد حاول الناس أن يعرفوا سر الحياة ولكنهم لم يعرفوه، ولم يعرفه أحدٌ من عظماءٍ وفلاسفةٍ وحكماء، فعند سر الحياة يعجز كل علمٍ وكل عظيمٍ، إنهم لا يهبون حياةً لميتٍ أو يوجدون شخصاً، لأنه هو وحده إله الحياة وربها الذي له في ذاته حياة.

ثانياً: الحياة في أزليتها:

في البدء، أي بدء؟ وهل هناك بدء لتلك الحياة، لذلك الحي الكائن في كل الدهور؟ الحياة في أزليتها تصل بنا إلى مكانٍ معينٍ، وإن كنا لاندركه، قد ذكره الرسول العظيم اللاهوتي في أعماق أفكاره بنعمة الروح القدس وإعلانه فيقول: “الحياة الأبدية التي عند الآب”، وفي إنجيله يدخل إلى الأعماق: “الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب”، والكلمة هذه تشير إلى ولادة أزلية، حياةٌ من حياةٍ، إلهٌ من إلهٍ، نورٌ من نورٍ، إلهُ حقٍ من إلهِ حقٍ، مولودٌ إزليٌّ، في حضن الآب الأزليّ، مولودٌ من الآب مساوٍ للآب في الجوهر.

وكما أن الآب له حياةٌ في ذاته أعطي الابن حياةٌ في ذاته ليُحي من يشاء ويقيم من يشاء حياة الأبد، الحيّ المولود في أحضان الآب قبل أن يكون زمانٌ وقبل أن يوجد مكانٌ لذلك يقال عنه: إنه “بكر كل خليقةٍ” في السموات وعلى الأرض سواءٌ أكانت عروشاً أم سيادات “الكل به وله قد خُلق”.

ثالثاً: الحياة في رؤيتها:

على أن بيت القصيد في هذه الآية هو أن الحياة أُظهرت، فقد كان بعيداً عن العيون “الله لم يره أحدٌ قط”، “لا يقدر إنسانٌ أن يرى الله ويعيش”، ولكن الرسول يقول: “الذي رأيناه، الذى لمسته أيدينا، الذي شاهدناه بعيوننا، لأن الحياة  أُظهرت”، “الكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا”، فقد رأوه حقاً ولمسته أيديهم حقاً وسمعوه بآذانهم حقاً، حلَّ بينهم، وبخاصةً يوحنا وقد اتكأعلى صدره وقت العشاء ولكن هذا ما يريده يوحنا أن نراه.

أين هو لنلمسه بأيدينا لتراه عيوننا، لتسمعه آذاننا، لنتكيء على صدره، إن يوحنا يعلم الآن، وقد صعد عنه إلى السماء، لا يستطيع هو أن يلمسه باليد أو يراه بالعين أو يسمعه يتكلم بالأذن ومضى الوقت الذي عنده يتكيء.

ولكننا الآن لا نعرف أحداً حسب الجسد إذاً كيف نراه؟ هل نقدر أن نرى الحياة؟ وهل الحياة شيءٌ مجسمٌ ظاهرٌ للعيون؟ إننا نستطيع أن نقول عن شيءٍ إذا رأيناه يتحرك، وإذا سمعناه يتكلم، ورأيناه يتحرك ويمشي، يأكل ويشرب، نقول أنه حي ولكن هل نرى الحياه؟ أين هي؟ وما هي؟ “الحياة أُظهرت” فكان العالم كله ميتاً بالذنوب والخطايا وكنا أمواتاً بالطبيعة، وجميع المولودين ولادةً جسديةً هم أمواتٌ، فمن أين لهؤلاء حياةٌ؟

جاء الحياة من السماء وحلت في الأرض، وهل تراه يدخل إلى بيت رئيس المجمع ويمسك بيد صبية لها من العمر اثنتا عشرة سنة ويقول لها: “طليثا لك أقول قومي”، فتقوم الصبية وتفتح عينيها وتتحرك وتقوم وتمشي وتأكل.

تقول الآية كانت في حضن الآب منذ الأزل وهي الآن تظهر، ماذا نقول وهو داخلٌ إلى قرية نايين وإذا شابٌ محمولٌ فى نعشٍ على الأعناق، يمد يده إليه ويقول: “أيها الشاب لك أقول قم” ويعطيه لأمه إذ عادت إليه الحياة، وبعد أن كانوا سائرين به إلى المدفن ليدفنوه رجعوا به حياً. وعند قبر لعازر، يقف عند القبر والميت قد أنتن لأن له أربعة أيام ينادي بصوتٍ عظيمٍ “لعازر هلم خارجاً” فيخرج لعازر وهو مربوطٌ  “حلوه ودعوه يذهب”.

أُظهرت الحياة بين الأموات لأن الرب نفسه، بصوت رئيس ملائكة وبوق الله، سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولاً، في لحظة عينٍ عند البوق الأخير فإنه سيبوق “فيقام الأموات عديمي فساد”، وهذه تعلن لنا الحياة بين موتى الخطية، لقد أنتن البشر “حنجرتهم قبرٌ مفتوح”، قد مات الجميع في الخطية، قتل سم الحية جميع بني البشر حتى أن الخليقة استُعبدت، وكيف تتحرر الخليقة من العبودية إلى حرية مجد أولاد الله؟

“وهذه هي الحياة الأبدية” في المعرفة حياة، في الدم المسفوك حياة.

هل تريد أن تعرف الآب؟ آمن بالابن واغتسل بالدم فتفتح عيناك فتراه فتلمسه في كلمته، كلمة الحق، تسمع صوته وترى جماله وتلمس الحياة بيديك، عندئذٍ تقول مع يوحنا: “الذي رأيناه، الذي لمسته أيدينا”، الذي شاهدناه بعيون الإيمان.

6 / 1 / 1969

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.