تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » الفرق بين جنة الرب وأرض كنعان وأرض مصر – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

الفرق بين جنة الرب وأرض كنعان وأرض مصر – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

الفرق بين جنة الرب وأرض كنعان وأرض مصر

(تك 2 : 8 و10 – 14) ، (تث 11 : 23 – 32) ، (مز 107 : 23 – 41)

“وغرس الرب الإله جنةً في عدن شرقاً”، “وكان نهرٌ يخرج من عدن ليسقي الجنة ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوسٍّ”.

جنة عدن، جنة الرب، كانت تُسقى بنهرٍ، بعد أن غرس الرب جنة في عدن شرقاً أجرى نهراً يمر بتلك الجنة ليسقي جنة الرب، وينقسم إلى أربعة رؤوسٍ منها نهر الفرات ودجلة، نهرٌ يسقي الجنة ويجعلها خصبة. هناك نهرٌ يسقيها، “تزرع زرعك وتسقيه برجلك، بستان بقول”، إذاً السبب في جعل هذه الأرض فخر الأراضي – أي أرض كنعان – ليس لأنها أفضل في إنتاجها الزراعي من أرض مصر، ألم يتأوه الإسرائيليون للرجوع إلى أرض مصر. ليس في الإنتاج الزراعي بل في العناية الإلهية، لذلك يقول: “أرضٌ يعتني بها الرب إلهك، عينا الرب عليها دائماً من أول السنة إلى آخرها”.

إذاً قد كانت تتمتع بعنايةٍ خاصةٍ، وهي تختلف عن العناية العامة، فإن كان الله “يشرق شمسه علي الأبرار والصالحين ويمطر على الأشرار والطالحين” وإن كان يُنعم على غير الأشرار، لكن هناك عناية خاصة بأتقيائه، بأولاده، لذلك يقول: “احفظ وصايا الرب” يقول لإسرائيل: “إذا حفظت وصايا الرب … يأتيك المطر المبكر والمتأخر”، وهذه هي العناية الخاصة أن أرض مصر تُسقى من النهر الجاري في وسطها، وجنة عدن تُسقى من النهر الجاري في وسطها، أما أرض كنعان فتُسقى بالمطر من السماء، لذلك فهي تحت عناية مباشرة من الرب ما دام الشعب يحفظ وصايا الرب، فوضع أمامه البركة إذا حفظ الوصية واللعنة إذا أخطأ ضد الوصية.

ولقد تعدى إسرائيل العهد كما تعدى آدم وطُرد من الجنة، لذلك طُرد إسرائيل من الأرض التي هي فخر كل الأراضي وأصبحت لا فخر فيها، على أن العناية الخاصة أشار إليها السيد لتلاميذه بالقول: “لا تهتموا بما تأكلون ولا بما تلبسون ولا بما تشربون”، لا تقلقوا “أليست الحياة أفضل من الطعام”، فالذي يعطي الحياة يعطي الطعام أيضاً. “أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم”، هذه جميعها تطلبها أمم العالم وأما أنتم تحت العناية الخاصة، فأبوكم يعلم ما تحتاجون إليه، “لا تهتموا بالغد يكفي اليوم شره”، ليهتم الغد بنفسه.

أما سر كون الرب وضع تلك الأرض في ذلك القفر فلكي نعرف الناموس وأيضا موسى، لحفظ النسل الموعود به، يعطينا دروساً نافعة، فنجد فيها  ولنا فيها ما يمكن أن نسميه، بصورةٍ خاصة، درسٌ سماويٌّ، تدريبٌ روحيٌّ، إعلانٌ حقيقيٌّ.

مطرٌ من السماء ينزل على تلك الأرض ليرويها، بركةً إلهية من فوق، طالما أن هذا الشعب يحفظ وصية الله، وهو الدرس الذي لنا لِما رأيناه الآن، الذي فيه قيل: أن “الله لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه أيضاً كل شيء”، أو كما قيل: “يمنحنا كل شيءٍ بغنىً للتمتع”، “أفتح كوى السموات وأفيض عليكم بركةً لا توسع”، جربوني وأنتم ترون كوى السموات مفتوحة، سِر في طريق الإيمان والحق فترى هذه البركات تنحدر وتدر لبناً وعسلاً، فيصمد المؤمن كصخرٍ.

على أن هذه البركات الجسدية كانت تخص ذلك العهد بصورةٍ خاصة كما تخص الأمم فشاهد السماء، الشاهد السماوي، يعلن بصورةٍ واضحة حياةً أفضل.

ترك الله جميع الأمم يسلكون في طرقهم في هذه القرون العديدة فنرى اختيار هذا الشعب، الذي اختار اللعنة لنفسه ولكن الله لم يترك نفسه بلا شاهد من السماء وهو يعطينا خيرات وأمطار من السماء وأزمنة مثمرة وهذه الخيرات التي كانت خيرات جسدية في ذلك العهد ولجميع الأمم أصبحت خيرٌ إلى الأبد “ونحن ناظرين لا إلى الأشياء التي تفنى – التي تُرى – بل التي لا تُرى، لأن التي تُرى وقتية أما التي لا تُرى فسماوية”.

لنا في الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً في العناية الإلهية، لنا فيها تدريبٌ روحيٌّ، انتظار الفلاح يزرع زرعه ويضع البذرة في الأرض بعد أن يمهد لها، وأين الماء؟ عليه أن ينتظر السماء، عينه إلى فوق، رجاؤه حيث الله، قلبه متجهٌ نحوه انتظاراً، وما أمجد هذا الانتظار، تدريبٌ روحيٌّ على انتظار الرب في كل أمور الحياة، وقد بدأ هذا التدريب في البرية، أُعطيت لهم منه عينة في المن النازل من السماء (اليومي) في انتظار الرب كل يوم، يخرج في الصباح وله رجاءٌ، منتظراً السماء لتعطيه طعامه اليومي، الخبز الكفافي فينام وبيته خالياً من كل ما يحتاج إليه الجسد من الطعام منتظراً للصباح الخبز النازل من السماء، المن، وقد قال الرسول: “هوذا الفلاح يضع البذار وينتظر ثمر الأرض متأنياً عليها حتى ينال المطر المتأخر والمبكر”، وما أجمل هذا الدرس.

“انتظر الرب واصبر له”، في كل ظروف الحياة، لا في الطعام والغذاء فحسب بل في كل الأحوال، في الضيقات، في الآلام. لقد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب، لأن الرب “طويل الروح كثير الرحمة”، “جيدٌ للرجل أن يتوقع (بهدوء) بسكوت خلاص الرب”. التأني، وجميع المواعيد تُنال بالانتظار، أوليس الخلاص نفسه بالرجاء “لأننا بالرجاء خلُصنا إذ كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر”، “صابرين في الضيق، فرحين في الرجاء مواظبين على الصلاة”، التدريب الروحي، انتظر المطر المبكر والمتأخر على الرجاء المبارك في طريق الرب والثقة في الله والآعتماد عليه.

وإعلانٌ حقيقيٌّ، وحيٌّ لنا، هل يهتم الرب بالأرض؟ ولماذا لا؟ أليس الرب قد أعطى الأرض للإنسان، السماء سمواتٌ للرب أما الأرض فأعطاها لبني آدم، والآية صريحة في المزمور الخامس عشر، وهذه حقيقة أعلنها الخالق، وحي الخالق قبل أن يخلق الله الإنسان، “وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الأرض ظلمة”، أصبحت الأرض يابسة نبتت الأعشاب والأشجار وأُعد الطعام، لتكون سكناً للإنسان مريحاً للروح والجسد، وإذ جبل الرب آدم أعد له جنةً في شرق عدن، أعدها له من كل ما في الغابة لهذا الشعب، إذا أطاع الشعب الرب، وقد خسر هذا الامتياز إذ وقعت عليه اللعنة لأنه طلبها فكانت إليه وله، ألم يقل السيد نفسه: “طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض”، الودعاء يرثون الأرض، وإن كنا نراهم اليوم مطرودين من الأرض مذلين مهانين، قال لهم: “طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات”، وإن كان ليس من العالم ولكن في العالم، ولهؤلاء سيأتي الوقت حينما الأشرار يُنزعون من الحقل كما يُنزع الزوان، متى أتى الحصاد يرسل الله ابنه، “ويرسل ابن الإنسان ملائكته (إلى حقله الذي هو ملكوته)، فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم (من ملكوت أبيه) …. حينئذٍ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم”.

وهذه هي “الأرض الجديدة والسموات الجديدة” التي رآها الرائي يوحنا ورأى كنيسة الله الحية أورشليم الجديدة نازلة بالأنوار، أرضاً جديدة يسكن فيها البر.”هوذا مسكن الله مع الناس”، لا حزن ولا أنين، لا اضطراب، كل شيءٍ قد صار جديداً.

وقد رأى الرسول بطرس بالوحي هذه العملية، عملية التغيير الفائقة في يوم الدين وهلاك الناس الأشرار، وإذا السموات وقد انحلت وعناصر الأرض قد احترقت، وقد خرج من النار سمواتٌ جديدةٌ وأرضٌ جديدةٌ يسكن فيها البر والأبرار، ولنا هذا الوحي في فخر الأراضي التي كانت تمثيلية رمزية، فلم تكن إلا مجرد إعلان للأرض في فخرها ومجدها وكمالها ووحدتها وتجديدها، والخليقة الجديدة في الأرض الجديدة هي فخر كل شيئ.

فلترتفع أفكارنا عن الجسديات وعن الأرضيات، فالذين يفتكرون في الأرضيات تكلم عنهم الرسول بولس باكياً.

“فإن كنتم قد متم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالسٌ في يمين العظمة”، اهتموا بما فوق إلى أن يأتي المسيح نفسه ليسكن مع شعبه في الأرض الجديدة والسموات الجديدة والبر يسكن في أرضه إلى الأبد.  

 1 /  12 / 1967

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.