تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » القرابين – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

القرابين – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

القرابين

 

وضع الرب نظام الكهنوت اللاوي كما جاء في سفر اللاويين تتبعه الذبائح التي كان لا بد أن يقدمها إسرائيل للرب، والمبدأ الأساسي في هذه الذبائح هو التكفير عن الخطية، وأنواع القرابين في نظام الكهنوت اللاوي:

*  قربان التقدمة.         *  قربان ذبيحة السلامة.          *  قربان ذبيحة الإثم.            *  قربان ذبيحة الخطية.

والنقطة المركزية هي التكفير عن الخطية بالدم، ولم يكن هذا النظام أول ما ظهر في تاريخ الإنسانية، بل كان منذ بدء الحياة الإنسانية، التكفير بالدم، قدم قايين قرباناً من أثمار الأرض، وقدم هابيل قرباناً من أبكار غنمه ومن سمانها، هذان كانا أول قربانين قُدما للرب ذُكرا في الكتاب المقدس.

من أين جاءت فكرة العبادة بالقرابين حتى يتقدم قايين وهابيل بقرابين إلى الرب في العبادة؟ إن هناك ذكر ضمن تلميحي في إعداد الكساء للإنسان لستر عورته التي كشفتها الخطية، حيث شعر آدم وحواء أنهما عريانان فخجلا، لقد كانا عريانين ومع ذلك لم يخجلا حتى أكلا من الشجرة المنهى عنها وتعدَيا أمر الله، فعرفا أنهما عريانان، وقد ستر الله عورتهما بأقمصةٍ من جلدٍ، دمٌ مسفوكٌ، حيوانٌ يُذبح ويُسلخ جلده، ويستر هذا الجلد ما كشفته الخطية من عورة الإنسان.

إذن لا بد أن يكون هذا الأمر وهذا التدبير تدبيراً إلهياً محضاً، لا يمكن أن يصل إليه عقل إنسان، لما قصد الإنسان أن يستر نفسه كل ما وصل إليه تفكيره وعقله أنهما خاطا لأنفسهما أوراق تينٍ، لم يخطر ببالهما التفكير بالدم، قد يكون ذلك لأنه لم يكن لآدم وحواء سلطانٌ البتة لذبح حيوان من الحيوانات، لأن الأمر كان نبات الأرض وأثمار الشجر، وكل ما تخرجه الأرض من نبات أصبح طعاماً للإنسان والحيوان.

إذاً كان الأمر الذي صدر في ذبح حيوانٍ لا يمكن أن يصل إليه تفكير الإنسان، فهو تدبيرٌ إلهيٌّ تحت سلطانه وأمره، الله نفسه أول من ذبح حيواناً، لذلك نلاحظ أن كل هذه لم تكن في العهد القديم إلا رمزاً، يقول الرسول: إن دم تيوسٍ وعجولٍ ورماد عجلةٍ لا يمكن أن يطهر الضمير ولا ينقي القلب، ولا يمكن أن يستر عورةً إلا باعتباره مرموزاً به إلى الدم الذي سيسفك، الدم الزكي المعروف سابقاً قبل تأسيس العالم “عالمين أنكم افتديتم لا بأشياءٍ تفنى ….. بل بدمٍ كريمٍ كما من حملٍ بلا عيبٍ  ولا دنسٍ دم المسيح، معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم”، فلم تكن هذه كلها إلا مظاهر رمزية.

والقرابين ليست واحداً بل قرابين متعددة، ولماذا؟ أليس قربان المسيح المرموز إليه قربانٌ واحدٌ؟ “لأنه بقربانٍ واحدٍ قد أكمل إلى الأبد المقدسين”، فلماذا إذاً تعدُّد القرابين؟ وهنا يأتي الأمر الجوهري، لم يكن الرمز إلى المسيح في أية ناحيةٍ من النواحي بشيءٍ واحدٍ، ففي نظام المسكن والخيمة نجد مذبح المحرقة والمرحضة، مذبح المحرقة للدم، والمرحضة للاغتسال بالماء، الدم من ناحيةٍ والماء من ناحيةٍ أخرى، الماء لا يأتي على مذبح المحرقة، والذبيحة لا تأتي في المرحضة، ولكن الاثنين أمران لازمان، وكلاهما يجتمعان في المسيح “خرج من جنبه دمٌ وماء”.

ثم ندخل إلى القدس نجد هناك ثلاثة أشياء: المنارة، المائدة، مذبح البخور. المنارة: للنور، المائدة: للخبز، مذبح البخور: إشارة إلى صعود البخور يتنسمه الله رائحةً زكيةً لصلاة الشعب، وهذه الثلاثة أيضاً تجتمع في المسيح، فالمسيح نور العالم، وخبز الحياة، وهو شفيعنا.

وإذا دخلنا إلى قدس الأقداس نجد تابوت العهد والشريعة في قلبه والغطاء عليه مرشوشٌ بالدم، وهذا يسمى عرش النعمة، وتابوت العهد رمزٌ إلى المسيح، وشريعة الله في قلب المسيح، والغطاء مرشوشٌ بدم المسيح، فيصبح المسيح عرش النعمة الذي نتقدم به إلى الله.

إذاً في كل نظام الخيمة والهيكل نرى رموزاً متعددة إلى شخصٍ واحدٍ هو يسوع المسيح الذي سنراه المحرقة والتقدمة وذبيحة السلامة وذبيحة الإثم وذبيحة الخطية، كلها مجموعةٌ في شخص المسيح الواحد، ولا يمكن أن يوجد شخصٌ آخرٌ سواه يجمع هذه كلها معاً، مثلاً عمود السحاب وعمود النار يرينا صورة من هذه الصور، أهما عمودان أم عموداً واحداً؟ سحابةٌ في النهار ونارٌ في الليل، إشارةٌ إلى طبيعتي المسيح: الناسوتية في النار واللاهوتية في السحابة.

فكل الرموز في العهد القديم مجموعةً كلها معاً في شخص يسوع المسيح،.هذا بالتحقيق يعظم أمامنا هذا الشخص، من هو هذا الإنسان العجيب، الإله المبارك فوق الجميع، أي شكرٍ وسجودٍ وعبادةٍ وتكريسٍ وخدمةٍ نقدمها له؟ ماذا نرد له؟

بهذه الملاحظات التمهيدية نتقدم إلى الدخول في عمق النظام الكهنوتي اللاوي الذي في هذا النظام، شخصية يسوع، في الوقت نفسه يجب ألا ننسَ أنه ليس هو الذبيحة فحسب، بل هو أيضاً الكاهن الذي يقدم الذبيحة، لا يمكن أن يوجد كاهنٌ في كل الوجود يقدم ذبيحة المسيح إلا المسيح نفسه “قدم نفسه”، هل يستطيع كاهنٌ هارونيٌّ أو لاويٌّ أو أي إنسانٍ كان أن يقدم المسيح ذبيحةً؟ المسيح هو الكاهن الذي قدم نفسه.

ليس فقط هو الذبيحة والكاهن، ولكنه أيضاً المذبح، على أي مذبحٍ قدم نفسه؟ بل هو أيضاً المسكن، الهيكل المصنوع “لا بيدٍ”، هل دخل المسيح إلى مسكنٍ أرضيٍّ؟ هل دخل إلى الأقداس الأرضية؟ رئيس الكهنة يدخل قدس الأقداس فقط والكهنة إلى القدس، هل دخل المسيح إلى القدس في الأرض؟ لا لأنه لم يكن كاهناً من رتبة هارون، ولأنه من سبط يهوذا هل دخل إلى قدس الأقداس؟ لا لأنه لم يكن رئيس كهنةٍ من تلك الرتبة ولا من ذلك السبط، لذلك يقول كاتب رسالة العبرانيين: “فإنه لو كان على الأرض لما كان كاهناً إذ يوجد الكهنة الذين يقدمون قرابين حسب الناموس، الذين يخدمون شبه السماويات وظلها كما أوحيَ إلى موسى…”.

هو المسكن، هو الهيكل هو المذبح، هو الذبيحة، هو الكاهن.

هذه كلها كانت رمزيةً، كل رمزٍ في ناحيةٍ، هل كان هارون ذبيحةً؟ لا فلا يمكن أن يكون ذبيحةً، هل كان الكبش كاهناً؟ لا ولا يمكن أن يكون المذبح ذبيحةً أو كاهناً، ولكن المسيح يجمع هذه كلها معاً.

لنضع ذلك أمامنا عند الكلام عن القرابين “لأنه بقربانٍ واحدٍ قد أكمل إلى الأبد المقدسين” (عب 10 : 14).

شمس البر  1956

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.