تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » الله عندما يقول لا

الله عندما يقول لا

entrepreneur rejecting offering from man with outstretched hand

الكاتب

 القس جورج عزت

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر 

اعتاد الوثنيّون أن يصنعوا آلهتهم بالشكل الذي يحققون فيه رغباتهم. فيشكّلونها بمختلف الأحجام ويُلوّنوها بأجمل الألوان ويجتهدون في إرضائها ويخشون ويلاتها. يحملونها على الأكتاف، فهي لا تقدر أن تحمل نفسها، أو يضخّمون تماثيلها حتى يشعر المتعبد لها بحقارته أمامها. واعتادوا أن تسجيب لهم الآلهة بوسائل ضغط وأساليب وحِيَل ماكرة وضعوها في شكل طقوس دينية وفرائض صعبة التنفيذ تصل إلى حد تقديم الأطفال ذبائح لتلك الآلهة. أما إلهنا الذي نعبده فهو الله الذي خلقنا وشكّلنا، لا نراه لكنه يرانا، لا نلمسه لكنه يتلامس معنا. هو الذي صنعنا وأبدعنا وله كل الحق في يمسك زمام أمور حياتنا. وهو عالٍ مرتفع إلا أنه قريب متضع. يسكن السماء ولا يمتنع عن السكن في قلوب المؤمنين البسطاء. ولأنه إله كبير وملك قدير فوق كل ملوك الأرض. فهو أكبر من تصوراتنا المحدودة. فهو ليس ذلك الإله الذي تُصوّره بعض القصص الخيالية بأنه رجل مُسِنّ أو كبير الحجم. وهو ليس إله غريب الأطوار، غضوب، قاسٍ، متقلّب المزاج، غير مفهوم ومحتجب دائمًا. كما إنه ليس الإله الذي يحقق كل ما يخطر ببالنا ولا يقول إلا “نعم” على كل رغباتنا، حتى إن لم تكن ضرورية أو في صميم مشيئته المَرْضية. فلماذا نتعجب عندما يستجيب الله ويقول لطلباتنا “لا”؟ فالاستجابة ليست معناها “نعم”، ففي كلمة “لا” تكمُن كل البركات والنِعَم. فهناك أنواع من الاستجابة لا تعجبنا منها إلا “نعم.” مهلاً، تذكر أن الله عندما “يمنح” ويفتح الأبواب فذلك من فيض نعمته الكريمة، وعندما “يمنع” ويغلق الأبواب فذلك من فضل حكمته الرحيمة. فالخير الذي نتوقعه من “نعم” قد يكون هو الشر بعينه. واللعنة التي نتوقعها في “لا” قد تكون هي البركة بعينها. فهل تستمر تشكر الله عندما يقول لك “لا”؟ هل ستظل تحبه وتعبده بنفس القوة والحماس؟ هل ستطيعه رغم أنك لا تفهمه؟ هل تشعر أن خذلك ولم يحقق سؤل قلبك الذي طلبته منه بدموع؟ هل تشعر أنه أعطاك مفاجأة صادمة غير سارة وغير متوقعة؟ عزيزي تذكّر أن الأمور “غير المتوقعة” لا تعني أن الله “غير قادر” بل تعني أننا “غير فاهمين” لطرق الله “غير المحدودة.” فحكمة الله تعمل دائمًا لخيرك الذي لن تراه عينك اليوم لكن ستراه غدًا بالإيمان. فعندما يستجيب الله بـ ” لا” هذا لا ينفي حبه أو قدرته او علمه وحكمته؛ بل يثبت أننا مازلنا محدودي الفكر والقدرة على استيعاب طرق الله. فهو يريد أن يمتحن إيماننا الحقيقي به في الأوقات غير العادية والصلوات غير المستجابة والأمور غير المفهومة والأحداث غير المتوقعة. فأمور الله عجيبة إلا أنها تعمل دائمًا لخيرك، وطرقه قد تبدو غريبة إلا تسير منتهى الدقة في التوقيت والحكمة في التنفيذ. وأفكار الله سامية تحمل السلام لكل محبيه. من السهل أن تشكر على “نعم” لكن من الصعب أن تشكر على “لا”. فأصعب أنواع الشكر عندما تشكر الله على شيء لم يحدث، وطلبة لم تُستجاب. لكن تأكد أن نار مشيئة الله خير من جنة مشيئتك، وغموض خطة الله أفضل من وضوح خطتك، وغرابة طرق الله وأفكاره أعظم من منطقية طرق الإنسان وأفكار. فالله أب حكيم لا يفتح كل الأبواب في آن واحد، ولا يغلقها أيضًا في آنٍ واحد. فهو يفتح ويغلق، يجرح ويعصب، يسحق ويداه تشفيان. يعوّض بأفراح ويضمد الجراح في وقته وبطريقته التي يراها أنسب لمحبيه. فهو لا يحتاج أن يثبت محبته ويؤكد رعايته ببراهين جديدة كل يوم لأنه أثبتها بالفعل في الصليب. فغلْق الأبواب قد يكون لحمايتك، والسماح بالصعاب قد يكون لتشكيل ونمو شخصيتك وتقوية إيمانك. وأخيرًا، تذكّر أن إلهك أكبر من أفكارك، وصانعك أعظم من كل تصوراتك وأحكم من كل طرقك وحساباتك. فاخضع له شاكرًا، واصبر له واثقًا، واسجد له عابدًا معترفًا بمحدوديتك ومؤمنًا بعدم محدوديته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.