تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » المحافل المقدسة في مجتمع العهد القديم

المحافل المقدسة في مجتمع العهد القديم

الكاتب

 القس صموئيل عطا

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر 

إذا أمعنا النظر في أسفار العهد القديم فإننا نجد مجتمعًا متماسكًا مكونًا من شعب، وقادته، ومؤسساته، وأيضًا له هويته العرقية، والدينية، ومواسمه، وعطلاته الرسمية المقدسة لدى جميع الشعب، وهكذا نرى الصورة كاملة لهذا المجتمع خاصة من بعد أحداث الخروج، أي خروج بني اسرائيل من مصر بقيادة موسى، وذلك بعد فترة طويلة من العبودية القاسية تحت نير فرعون، لكن بعد أن أخرجهم الرب بذراع رفيعة،وبيد ممدودةخلصهم، فإنه قادهم في البرية أيضًا، ثم أعلن لهم أيضًا عن مجده من خلال خيمة الاجتماع، حيث كان الرب يجتمع بموسى في خيمة الاجتماع ليُعلّمه فرائضه وأحكامه ووصاياه لكي ينقلها للشعب حتى “إذا فعلها الانسان يحيا بها” (لاويين 18 : 5).

وهكذا نجد في سفر اللاويين ابتداءً من إقامة خيمة الاجتماع وجميع التشريعات التي تسلّمها موسى من الله في برية سيناء، حيث نجد شرائع الذبائح، والشرائع الخاصة بالكهنة، وشرائع التكفير، ثم شرائع التقديس، وغيرها من الشرائع التي تجعلهم في علاقة مستمرة مع الله القدوس، ثم نجد ايضًا لوائح الأعياد، والمواسم، والمناسبات الدينية والتي يرتبط معظمها بالمواسم الزراعية، وتسمى هذه المناسبات ب”مواسم الرب” أو “المحافل المقدسة”.

وجميع هذه المواسم تعامل معاملة السبت، حيث أنه عطلة وراحة للانسان، وكان الغرض من هذه المواسم، والأعياد هو تخصيص، وتكريس هذه الأيام التي تقام فيها تلك المناسبات المختلفة لتذكير الشعب باستمرار بأعمال الرب، وإحساناته العظيمة معهم حتى لاتنسى مع الوقت، بل لتُحفر في قلوبهم، وأذهانهم، فتكون جوهر حياتهم، ووجودهم ككيان مجتمعي له هويته الخاصة.

وهكذا نحن في المسيحية بالرغم من أننا نؤمن بأن كل الأيام مقدسة، وليس يومًا واحدًا فقط،؟ إلا أننا أيضًا نُقدس، ونُكرّس، يوم الأحد من كل أسبوع لعبادة الرب من خلال الذهاب إلى الكنائس للاشتراك مع الكنيسة المكونة من أعضاء الجسد الواحد بحسب فكر العهد الجديد، حيث يُعتبر المؤمنون من كل مكان وفي كل كنيسة محلية هم أعضاء جسد المسيح، ويمثلونه، حيث يتم ممارسة الصلاة، والوعظ والتعليم، والشركة المقدسة بين الأعضاء، وممارسة الفرائض الروحية المقدسة كفريضتي المعمودية والعشاء الرباني، لذلك أيضًا يجب علينا أن نحث أسرنا وعائلاتنا على ذلك، وأن نُعلّم أطفالنا أيضًا مفهوم العبادة الكتابية، وأهمية تقديس يوم الرب.

المواسم أو المحافل المقدسة

نجد في الأصحاح الثالث والعشرين من سفر اللاويين قائمة بهذه الأعياد والمواسم المقدسة يتقدمها (يوم السبت المقدس) من كل أسبوع بحسب الطقس الموسوي الذي تتضمنه الوصية الرابعة (خر 20 : 8 – 11 / تك 2 : 1 – 3)، حيث يتكرر كل سبت أي اليوم السابع من كل أسبوع، وهوسبت راحة لايُعمل فيه شيء ماعدا ما يجب أن يأكله الانسان (خر 12 :16)، وذلك للتذكير بأعمال الرب الخلاصية، ونظرًا لأهميته فإنه يأتي في مقدمة قائمة الأعياد والمواسم المقدسة بالرغم من تكراره أسبوعيًا.

وتعتبر المواسم والأعياد المقدسة بمثابة التقويم الليتورجي السنوي الخاص بالشعب اليهودي آنذاك، وذلك بحسب تقويم “حضارة ما بين النهرين” والذي يعود إلى ما بعد السبي، ومن الجدير بالذكر أنه هناك ثلاثة أعياد أساسية تسمى “أعياد الحج” لأن فيها يجتمع كل رجال اسرائيل في أورشليم ليُعيدوا، وليظهروا أمام الرب في هيكل أورشليم هناك (خر 23 : 14 – 17 / تث 16 : 16 – 17)، وهذه الأعياد هى:

  • عيد الفطير
  • عيد الأسابيع أو الحصاد أو الخمسين.
  • عيد المظال أو الجمع.

وهذا بخلاف الأعياد الأخرى أيضًا كعيد الفصح، وعيد الأبواق، ويوم الكفارة.

أولًا: عيد الفصح:

حيث كان يتم الاحتفال به في الرابع عشر من شهر نيسان، الذي هو الشهر الأول بحسب التقويم اليهودي، ويتم الاحتفال به لتذكير بني اسرائيل بخلاصهم وتحريرهم من العبودية على يد فرعون، وإخراجهم من أرض مصر بذراع رفيعة ، وبيد ممدودة، ويتم الاحتفال به عن طريق تقديم الذبائح بحسب التعليمات المفصلة لصنع الفصح الواردة في (خر 12 : 1 – 20)، حيث يُقدم كل بيت شاة صحيحة (بلا عيب) ذكرًا ابن سنة، وكان يمكن أن يشترك بيتان معًا في تقديم الشاة كذبيحة كاملة إذا لم يستطع البيت الواحد تقديم الشاة كاملة، وتقدم في عشية ذلك اليوم، وبحسب المؤرخ “يوسيفوس” كانت قد جرت العادة في أيامه أن تُذبح الشاة حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، وهذا كان الوقت من النهار الذي فيه ذبح المسيح فصحنا الحقيقي عندما قدم نفسه لأجلنا كذبيحة كاملة مرة واحدة على الصليب (1 كو 5 : 7 / لو 23 : 44 – 46).

كما كان يتم أكل خروف الفصح كله مشويًا بالنار، رأسه مع جوفه وأكارعه، ويجب ألا يبقوا منه شيئًا إلى الصباح، بل يُحرقوا ما يتبقى بالنار، كما أنه كان هناك تحذير من أكله نيئًا أو مطبوخًا بالماء حتى لا يتشبهوا بالشعوب الوثنية في احتفالاتهم من ناحية، ومن ناحية اخرى لما يحمله هذا التحذير من مضامين صحية، وأيضًا يرى بعض المفسرين في أمر شيّه بالنار أن فيه إشارة إلى المسيح الفصح الحقيقي الذي ذبح لأجلنا واكتوى بنيران العدل الإلهي في سبيل تكفيره عن خطايانا.

ثانيًا: عيد الفطير

وهذا العيد يلي الفصح مباشرة حيث كان يتم الاحتفال به لمدة سبعة أيام بعد القصح، حيث كان يُفتتح العيد باحتفال عشاء الفصح في عشية يوم 14 نيسان حتى اليوم السابع، ونظرًا لقربهما من بعض فإنه تم اعتبارهما فيما بعد عيدًا واحدًا حيث كان يُقال على الفصح الفطير (لو 22 : 1)، وكان يتضمن الاحتفال ذبيحة محرقة في البداية والنهاية، وقد سمي بعيد الفطر، حيث كان يؤكل الفطير الذي يُصنع من الحبوب التي تم حصادها حديثًا دون إضافة خمير مطلقًا، والفطير يشير إلى حياة النقاء والقداسة، لذلك ما نتعلمه كمسيحيين من عيد الفطير هو أن نجتهد ونسعى دائمًا لتكون حياتنا مقدسة مكرسة للسيد المسيح، أي أن تكون حياتنا فطيرًا دائمًا خالية من خمير الشر والخطية، لذلك يقول المرنم: “اختبرني يالله واعرف قلبي امتحني واعرف أفكاري وانظر إن كان فيّ طريقًا باطلًا واهدني طريقًا أبديًا” (مز 139 : 23 ).

ثالثًا: عيد الباكورة (لا 23 : 15 – 22)

وهو عيد باكورة الثمار، ويسمى أيضًا بعيد الخمسين أو عيد الأسابيع، ولاحقًا سمي بالعنصرة pentacoste” ” وكان يتم الاحتفال به في اليوم التالي لسبت أسبوع الفطير، حيث كان يتم فيه تقديم حزمة المحصول كباكورة للرب عن طريق الكاهن، حيث يرددها أمام الرب للرضا عنهم، وأيضًا يصحبها تقديم قرابين محرمة ودقيق وسكيب (خر 29 : 40)، وكان تقديم حزمة الشعير كباكورة يشير إلى تكريس الحصاد كله للرب، كما كان يتم التنبير على أمر هام جدا خلال هذا الموسم ألا وهو مراعاة الفقراء والمساكين والغرباء أيضًا (لا 23 : 22) وهنا نجد تعليم مبدأ العطاء والمشاركة.

ويكلمنا العهد الجديد أيضًا عن الباكورة، فيذكر أن المسيح قام من الأموات وصار باكورة الراقدين (1 كو 15 : 20)، وأيضًا أننا نحن “الذين لنا باكورة الروح” (رو 8 : 23)، كما أن الله أيضًا جعلنا باكورة من خلائقه “شاء فولدنا بكلمة الحق لنكون باكورة من خلائقه” (يع 1 : 18).

وهذا التعليم يدفعنا أن نقدم للرب الباكورة من كل شيء كعربون بكامل الحياة التي هى ملك الرب “لأنكم قد اشتريتم بثمن” (1كو 6 : 20).

فالله يستحق ليس فقط أن نقدم له باكورة محاصيلنا وأموالنا فقط بل أيضًا باكورة عمرنا،ووقتنا وطاقاتنا، وإمكانياتنا و…إلخ.

رابعًا: عيد الأبواق (تذكار هتاف البوق) (لا 23 : 23 – 25)

وكان يبدأ في اليوم الأول من الشهر السابع ويستمر حتى اليوم العاشر من الشهر، وكانت العلامة المميزة لهذا العيد هى النفخ في الأبواق المصنوعة من قرون الحيوانات ليجتمع الشعب أمام الرب للعبادة، وتقديم الذبائح، والهتاف أمام الرب، وذلك للتذكير بعهد الله مع شعبه، والاحتفال بعطاياه لهم، ونعمه عليهم.

ويكلمنا العهد الجديد أيضًا عن الأبواق، فلقد قال السيد المسيح عن مجيئه لأخذ مختاريه: “فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء السماوات إلى أقصائها” (مت 24 : 31).

وأيضًا يقول بولس عن نفس الحدث: “لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولًا، ثم نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء، لذلك عزوا بعضكم بعضًا بهذا الكلام” ( 1 تس 4 : 16).

خامسًا: عيد الكفارة ( لا 23 :26 – 32)

وكلمة كفارة في اللغة العبرية تعنى تغطية، ويكون يوم الكفارة في اليوم العاشر من الشهر السابع، ويتضمن ذلك العيد فكرة تذليل النفس للتطهير من الخطية والنجاسة، ونوال الغفران، أي الصوم الإلزامي، حيث قال لهم الرب: “في ذلك اليوم تذللون نفوسكم وتقربون وقودًا للرب” (لا 23 : 27) ويُذكر ذلك الصوم في سفر الأعمال أيضًا (أع 27 : 9).

وكان يوم الكفارة من الأعياد الهامة جدًا عند اليهود، حيث كان يتم التكفير عن خطايا الشعب بالكامل جماعة وأفراد أيضًا (لا 16 : 17)، حيث كان يدخل رئيس الكهنة إلى قدس الأقداس داخل الحجاب مرة واحدة، أي في ذلك اليوم فقط، وبطقوس معينة للتكفير عن الخطايا.

وفي هذا إشارة إلى ذبيحة المسيح الكاملة، حيث قدّم المسيح نفسه مرة واحدة كذبيحة كاملة على الصليب “فبهذه المشيئة نحن مقدسون بتقديم جسد يسوع مرة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله.” (عب 10 : 10)، وأيضًا  “أما هذا فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله” ( عب 10 : 12). لذلك فالمسيح “كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا العالم أيضًا” (1 يو 2 : 2).

سادسًا: عيد المظال

وعيد المظال هو آخر أعياد السنة اليهودية، حيث كان يتم جمع آخر الحبوب أو المحاصيل وتخزينها، وهو واحد من أعياد الحج الثلاثة، حيث كان يتم الاحتفال به لمدة سبعة أيام، حيث كان الشعب يقيم المظال المزينة بالخضرة لأجل الحصادين، حيث كان هذا العيد يتميز بالفرحة، والابتهاج، والسرور أمام الرب “تفرحون أمام الرب” كما كان الشعب أيضًا في هذا العيد يتذكر تيهانه في البرية، ومعية الرب وعنايته بهم خلال كل هذه الفترة.

ويذكر العهد الجديد أيضًا عيد المظال، فعلى سبيل المثال نرى بطرس في حادثة التجلّي في مشهد مختلف، حيث طفر فرحًا بعد رؤيته لهيئة السيد المتغيرة وظهور إيليّا وموسى معه فقال متأثرًا بأحداث عيد المظال: “جيد يارب أن نكون ههنا فلنصنع ثلاث مظال لك واحدة، ولموسى واحدة، ولإيليّا واحدة، وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلًا: هذا هو ابني الوحيد الذي به سررت له اسمعوا” (مت 17 : 4 – 5)، وأيضًا نجد في (لو 16 : 9) تعليم عن المظال الأبدية.

لذلك فعيد المظال يكلمنا عن انتظار الرب، حيث أنه هناك وقت لابد أن تتم فيه مواعيد الله.

خاتمة:

لقد تمتع الشعب في العهد القديم بمعاملات خاصة مع الله ومواعيده، ولقد كلمهم الله بأنواع وطرق كثيرة، وهكذا الحال مع شعب الرب في العهد الجديد، فالله يدعو شعبه ليعيدوا بناء اسوار الانفصال عن العالم، وأن ينتظروا الرب بترقبٍ وسهر، بأحقاءٍ ممنطقة، وسُرُجٍ موقدة، متجاوبين مع صوته وكلمته، خاضعين لقيادة روحه، مُعيذدين، وفرحين، ومُتغذين على المسيح فصحنا الحقيقي، وأيضًا تابعينه مقتفين آثاره بحياة نقيّة مقدّسة.

المراجع:

آرثر، جون ماك. تفسير الكتاب المقدس. ط2، (لبنان: دار منهل الحياة، 2012).

إسطفانوس، أندرية زكي. التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس. ط1(القاهرة: دار الثقافة، 2018).

 والتون، جون ه وآخرون. الخلفية الحضارية للكتاب المقدس، الجزء الأول. ط2، (القاهرة: دار الثقافة، 2012 – 2018).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.