تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » المسيح في البدء، في العالم، في الجسد – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

المسيح في البدء، في العالم، في الجسد – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

المسيح في البدء، في العالم، في الجسد

(يو 1 : 1 – 18)

“في اليدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله”، “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم، كان في العالم، وكون العالم به، ولم يعرفه العالم”، “والكلمة صار جسداً، وحل بيننا، ورأينا مجده مجداً كما لوحيدٍ من الآب مملوءاً نعمةً وحقًّا”.

في البدء كان، كان في العالم، آتياً في الجسد.

في البدء، في العالم، في الجسد، هذه العبارة مأخوذة من الأصحاح الرابع من الرسالة الثانية لهذا الرسول اللاهوتي، في هذه الكلمات الثلاث، قي البدء، في العالم، في الجسد، ويمكن أن نرى كلمة في الجسد أيضاً في الرسالو الأولى من يوحنا: “أيها الأحباء لا تصدقوا كل روحٍ بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله، لأن أنبياء كذبةٍ كثيرون قد خرجوا إلى العالم”، “امتحنوا الأرواح هل هي من الله”، فكلمة الجسد استعملها الرسول في رسائله ، يعترف بيسوع المسيح أنه قد أتى في الجسد، قال هذا عن الكلمة التي استعملها في إنجيله “صار جسداً”.           .

 والكلمات الثلاث عن شخصيةٍ واحدةٍ، سمَّاه في الآية الأولى الكلمة “في البدء كان الكلمة”، وسمَّاه في الآية الثانية النور “كان النور الحقيقي …  آتياً إلى العالم، كان في العالم، وكون به العالم، ولم يعرفه العالم”، الكلمة، النور، في الآية الثالثة سمَّاه يسوع المسيح آتياً في الجسد “والكلمة صار جسداً وحل بيننا”، إذاً هذا شخص يسوع المسيح: الكلمة، النور، يسوع المسيح، فالشخصية إذاً واضحة يتكلم عن هذه الشخصية:

1- في البدء كان: فليس له بدء لأنه كان في البدء كائناً قبل أن يكون البدء كما قال هو بنفسه لجماعة اليهود عندما قال لهم: “أبوكم  نهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح”، فاعترضوه قائلين: من تجعل نفسك؟ كم سنة لك؟ لم تبلغ بعد الخمسين “ليس لك خمسون سنةً بعد”، ولم يكن له إلا ثلاثةٌ وثلاثون سنة “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائنٌ”، وقبل أن يكون اليهود أنا كائنٌ، هكذا أجاب عليهم، والبدء الذي يشار إليه هو الذي تكلم عنه موسى في أول أصحاحاته في سفر التكوين وفي أول كلمة من أسفاره في الكتاب، في البدء كان كائناً موجوداً، في ذلك البدء كان موجوداً وواجب الوجود من ذاته لأنه في البدء كان.

وقد أشار المسيح إلى هذه الحقيقة في صلاته في الليلة الأخيرة من حياته على الأرض: “أيها الآب أنا مجدتك على الأرض …. والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون (تأسيس) العالم”، قبل بدء الزمان هو كائنٌ، في البدء كان، وفي هذه الحقيقة وفي نور هذه الحقيقة نراه إلهاً، لذلك يقول: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله”، “الله لم يره أحدٌ قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب”، عندما قال هذه الكلمة لم يقل الذي كان في حضن الآب بل قال: “الذي هو في حضن الآب”، وهذا هو التنبير الذي عبَّر به رجال الكنيسة مثبتين الإيمان والحق، إلهٌ من إلهٍ، نورٌ من نورٌ، إلهٌ حقٌ من إلهٍ حقٍ، مولودٌ من الآب غير مخلوق، جوهرٌ مع الإنسان.

هل تعرف الآب؟ والابن يقول: “أنا والآب واحدٌ”، فهل يمكن أن تعرف الآب دون الابن؟ وهل يمكن أن تعرف الابن دون الآب؟ “ليس أحدٌ يعرف الابن إلا الآب، ولا أحدٌ يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له”، لا يقدر أحدٌ أن يعرف الآب إلا الابن ولا أحدٌ يعرف الابن إلا الآب، ولا أحدٌ يعرف الآب إلا الذي إذا أراد أن يعلن له الابن، لا بشيءٍ آخر، لا بالبحث، ولا بالفلسفة، حكمةٌ ليست من هذا الدهر، حكمة الله هي سره “التي لم يعلمها أحدٌ من عظماء هذا الدهر لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد، بل كما هو مكتوبٌ ما لم ترعينٌ ولم تسمع أذنٌ ولم يخطر على بال إنسانٍ ما أعده الله للذين يحبونه”، يقول لنا الرسول: “أعلنه الله لنا نحن (الرسل) بروحه”، إعلانٌ بالروح.

لنعرف الآب والابن، وقد قال أحدهم في سفر الأمثال: “من صعد إلى السماء ونزل، من جمع الريح في حفنتيه، من صرَّ الماء في ثوبه، من ثبت جميع أطراف الأرض، ما اسمه وما اسم ابنه إن عرفت”، هل تعرف وأين تريد أن تعرف؟ وأين تجد هذه المعرفة؟ في الذين يصعدون إلى الفضاء؟ يستطيعون أكتشاف أسرار الطبيعة ولكن إلى حدٍّ معينٍ، لا يستطيعون أن يعرفوا أسرار ملكوت السموات، أسراره لا تُعرف إلا بالإعلان، وإذا أردنا أن نعرف فلنفتش الكتب، هذه كانت النقطة الأولى، في البدء كان.

2- في العالم: كان هو النور الحقيقي، “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم، كان في العالم، وكون به العالم، ولم يعرفه العالم”، وهنا نجد علاقة كبرى بين النور والكلمة، “في البدء كان الكلمة وكان الكلمة الله”، هذا الكلمة كان عند الله، كان في البدء عند الله، “كل شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٌ مما كان”، عندما ثبت أطراف الأرض، عندما وضع قواعد الأرض، الكلمة التي بها كوَّن العالم تكويناٌ منتظماً مرتباً، “قال فكان، هو أمر فصار”، الكلمة “كل شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٌ مما كان”، عندما وضع قواعد الأرض “لما رسم أسس الأرض كنت عنده صانعاً”، الذي به عمل العالمين، وكيف نفهم ذلك؟ يقول الرسول في رسالة العبرانيين الأصحاح الحادي عشر والآية الأولى: “بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقنت بكلمة الله”، هذا هو الكلمة الذي “كل شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٌ مما كان”، الكلمة ليست النطق، اللفظ، بل هي شخصيةٌ خاصةٌ، عبَّر عن تلك الشخصية بالكلمة بذات التعبير “كل شيءٍ به كان”، كما أنه يعبر عنه بالكلمة في الخلق وكان الكلمة في البدء “هذا كان عند الله”، “كل شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٌ مما كان”، “الذي به عمل العالمين”، عبر عنه في ذات الوقت بالنور والتنبير واضح كما قيل: “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم، كان في العالم، وكون العالم به”، فهذا العالم كما كون بالكلمة قيل أيضاً أنه كون بالنور، “كان النور الحقيقي .. أتياً إلى العالم”، كانت تلك الشخصية المعبر عنها بالكلمة هي الشخصية المعبر عنها بالنور في خلق المسكونة، هذا التعبير عجيبٌ جداً.

النور الذي بدأ في اليوم الأول وبدء الكلمات وبدء الكون ترتيباً نورانياً أوجد الحياة كما قيل: “فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس”، يقول المرنم في المزمور المئة والرابع والعدد الثاني وهو يجلس متأملاً في روحانية الخلق أو في القوة الروحية في الخليقة، أول ما يقول، أول ما رأى، أول ما ظهر أمامه: “اللابس النور كثوبٍ”، قبل أن يتكلم عن الجلد وملائكة العلي، قبل كل ذلك رأى “اللابس النر كثوبٍ”، وهو رمزٌ واضحٌ أنه هو نور السماء الذي أشرق على الأرض وأنه هو النور الآتي إلى العالم لينير العالم ويبدد ظلمات الجهل.

“أنا نور العالم، من يتبعني لا يمشي في الظلمة”، “سيروا (في النور) مادام لكم النور، لئلا يدرككم الظلام”، “لأن الله الذي قال أن يشرق نورٌ من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح”، الوحي النوراني المشرق، لذلك رآه زكريا قبل أن يولد وقال عنه أنه يشرق من العلاء “المُشرَق من العلاء”، “جميعكم أبناء نورٍ، لسنا من ليلٍ ولا من ظلمةٍ، فلا ننم كالباقين بل لنسهر ونصحو لأن الذين ينامون فبالليل ينامون، والذين يسكرون فبالليل يسكرون”، وأما أنتم “نور العالم”، “فليضيء نوركم قدام الناس لكي يروا أعمالكم ويمجدوا أباكم الذي في السموات”.

“في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة الله، … كل شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٌ مما كان، فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس، … كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم، كان قي العالم، وكون العالم به، ولم يعرفه العالم”، لأن العالم يعيش في ظلمة الجهل فلا يراه العالم.

3- في الجسد: قبل الزمان “كان الكلمة عند الله”، وكان هو في بدء الزمان “كل شيءٍ به كان”، أتى إلى العالم، وكون العالم به في الجسد في ملء الزمان كما يقول الرسول: “لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه”، في زمانٍ تاريخيٍّ في تاريخٍ معينٍ معلومٍ منذ الأزل عند الآب، “في ملء الزمان أرسل الله ابنه”، وقد جاء يقول: “قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل”، أما مجيئه في الجسد فمعلومٌ وطريقته عجيبةٌ في ذاتها وأعجب مما يتصور إنسانٌ في العالم أن يولد إنسانٌ بدون زرع بشرٍ من عذراء لم تعرف رجلاً، “كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً”، “الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك”، حُبل به من الروح القدس، فالتكوين عجيبٌ، وتكوين جسده أعجب، سرٌّ لا يُدرك، هل نستطيع أن نبحث في أصله وكيف صار؟ وهل ندخل في هذه الأسرار العميقة التي تفوق كل عقل؟ إنه سرٌّ بالإعلان فقط لا شيء آخر.

سر التجسد، آتياً في الجسد، جاءنا في الجسد، هذه هي الحقيقة، الكلمة الذي هو الله، الذي كان عند الله، الكلمة هذا صار جسداً، أي صار إنساناً، إنساناً كاملاً، “اشترك مع الأولاد في اللحم الدم”، جسداً حقيقياً ونفساً ناطقةً كسائر عباد البشر، كيف كان سر العذراء؟ كيف صار سر التجسد؟ وعبثاً نحاول أن ندرك، ونضيع الوقت في البحث، لنؤمن بما أُعلن فقط، لا باحثين ولا مناقشين، وكم يريد الشيطان أن يناقشنا كما ناقشت الحية حواء، وها هي مناقشات الشيطان إلى اليوم إذ يريد أن يشككنا في هذه الإعلانات السماوية، فلنحذر ولنقبل بالإيمان الإعلان الذي كشف السر السماوي، بهذه الحالة أصبح الكلمة جسداً، الله صار إنساناً، لم يتخلى عن لاهوته بل اتخذ بلاهوته ناسوتاً حقيقياً واتحد الاثنين اتحاداً تاماً في شخصٍ واحدٍ، شخصية يسوع المسيح، فمن هو يسوع المسيح؟ هو الله، الله الكامل والإنسان الكامل، متحدين معاً في شخصٍ واحدٍ اتحاداً لا يمكن أن يزول، لا مفارقةً، لم يفارق ناسوته لاهوته، ولم يفارق لاهوته ناسوته لا للحظةٍ واحدةٍ ولا طرفة عينٍ.

كيف يجوع، كيف يتعب، كيف يأكل، كيف يشرب، كإنسانٍ حقيقيٍّ؟ وكيف يموت؟ كل هذه تساؤلات شيطانية، هذا هو الواقع وهذه هو الحق المعلن، في البيت، في الطريق، وهو يبكم البحر، وتأتي عند قدميه الشياطين ويجثون أمامه، وتعترف بلاهوته، وهو ينام، الذي هدَّأ البحر بكلمة، من هو هذا؟ الذي كان على الصليب، ودُفن في القبر، وقام من القبر، هذا الاتحاد قمة الفداء، وهو لا يزال إلى اليوم في جسد مجده متحداً بلاهوتٍ تامٍ، إنساناً كاملاً وإلهاً كاملاً، ها هو جالسٌ عن يمين العظمة “الذي وهو بهاء مجده (مجد الآب) ورسم جوهره … بعد ما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي صائراً أعظم من الملائكة” في ناسوته الكامل وفي لاهوته الذي لا يتغير، هكذا سيأتي ثانيةً “وسيغير شكل جسد تواضعنا لنكون على صورة جسد مجده” لنبق معه “بكراً بين إخوةٍ كثيرين” إلى أبد الآبدين.

في هذه النقطة ظهر المضلل وضد المسيح، الذي أشار إليه في قوله لتلاميذه محذراً سيأتي مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويضلون كثيرين، هذا هو ضد المسيح، لذلك يقول الرسول: “قد خرج إلى العالم أنبياء كذبة (مضلون) كثيرون”، ويقول عنهم: كانوا منا وخرجوا وكلهم ليسوا منا لأنهم لو كانوا منا لكانوا معنا ولبقوا معنا، مضلون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتياً في الجسد، أنكروا لاهوته وقالوا إنه مولودٌ كإنسانٍ طبيعيٍّ، لم يقولوا نزل كما قال الكتاب، “ومن هو الذي صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء … الذي هو في السماء” وهو على الأرض.

في حضن الآب، “دخل إلى العالم (وخرج هؤلاء من الكنيسة إلى العالم)، مضلون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح،… هذا هو المضل والضد للمسيح”، فلننظر إلى أنفسنا نطع الإيمان ولا نشك في التعليم الصحيح ولا نقبل غيره، وأما أولئك فلا تقولوا لهم سلامٌ ولا تقبلوهم في بيوتكم لئلا تشتركوا في خطاياهم” كما يقول يوحنا في رسالته الثانية، لأن هذا هو الضلال الذي يؤدي إلى الهلاك، فالمسيح يحذرنا من هذا الارتداد، “من هو الكذاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح”، قالوا أن يسوع مولودٌ من مريم لا العذراء، المسيح حل عليه الروح القدس عند المعمودية فصار يسوع المسيح، وعند الصليب فارقه المسيح، والموت طبيعة، لذلك يقول الرسول يوحنا في رسالته الأولى والأصحاح الثاني: “من هو الكذاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح، هذا هو ضد المسيح الذي ينكر الآب والابن”، من ينكر أن يسوع هو المسيح هو ضد المسيح، العلاقة متينة بين الآب والابن، فسر الثالوث وسر اقنوم الابن هو الإله التام.

فلنحذر ولنفهم ولنؤمن ولا نقلب الأوضاع، يجب أن نؤمن لكي نفهم ونؤمن فنرى بالإيمان نفسه، “ألم أقل لك إن آمنت ترين مجد الله”، “طوبى لمن آمنوا ولم يروا”، “لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.