تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » امتحان آدم وسقوطه

امتحان آدم وسقوطه

تأليف

القس جيمس أنس

راجعه ونقحه وأضاف إليه

الدكتور القس منيس عبد النور

الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة – القاهرة

امتحان آدم وسقوطه

1 – ما هو عهد الأعمال؟

* لما خلق الله الإنسان على صورته في المعرفة والبر والقداسة عاهده عهد الحياة (ويُسمّى غالباً عهد الأعمال) على شرط الطاعة الكاملة، ونهاه عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر لئلا يموت. وهذا يتضمن: (1) أقام الله عهداً مع آدم. (2) وعده بالحياة. (3) بشرط الطاعة الكاملة. (4) كان قصاص المعصية هو الموت.

2 – هل جاء القول بإقامة الله عهداً مع آدم صراحةً في الكتاب المقدس؟

* ليس صراحة بل ضمناً، فقد وعد الله آدم وعداً مقيّداً بشرط، ورتَّب على العصيان قصاصاً معلوماً. وورد فيه أن الإنسان ينال الحياة الأبدية بطريقتين فقط، إحداهما تقوم بالطاعة فقط، والأخرى بالإيمان، وسُمّيت الثانية «العهد». وكانتا في الجوهر شيئاً واحداً، وسُميتا باسمٍ واحد هو «العهد» وسُمي العهد الذي قطعه الله مع آدم «عهد الأعمال» لأن الأعمال شرطه، ولأن الله ميَّزه عن عهد النعمة الذي يَعِد بالحياة بشرط الإيمان. وفي العهدين القديم والجديد نظامان هما الموسوي والمسيحي، ويشير كلاهما لعهد واحد، هو ما يُسمّى «عهد النعمة» تمييزاً له عن عهد الأعمال، لأن الله أقام عهداً آخر مع البشر بعد نقض عهد الأعمال بسقوط آدم، هو عهد النعمة، بشرط الإيمان الذي هو شرط الخلاص في النظام الموسوي والمسيحي.

3 – ما هو الجزاء الذي وعد الله به آدم في حالة طاعته؟

* هو الحياة، وأدلة ذلك ما يأتي:

(1) تحذير الله له بقوله «لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت» وهو يعني أنه إن كان لا يأكل لا يموت.

(2) يعلّم الكتاب المقدس صريحاً وبطرق مختلفة أن الحياة كانت بترتيب الله مرتبطة بالطاعة. قال المسيح للناموسي «افعل هذا فتحيا». وقال بولس «الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها» (لو 10: 28 ورو 10: 5).

(3) الله قاضٍ عادل لابد أن يجازي خلائقه العاقلة بحسب مبادئ العدل. فإن انتفت المعصية انتفى العقاب (أي الموت). ومن ثبت في القداسة ثبت بواسطتها في رضى الله (أي الحياة).

(4) القداسة أو اهتمام الروح هي حياة وسلام (رو 8: 6) فلو ثبت آدم في القداسة لتمتَّع بالحياة التي تصدُر من رضى الله، وضمِنَ السعادة والقداسة وخلود النفس والجسد وكل ما ينتج عن ذلك، لأن الحياة التي قرنها الكتاب المقدس بالطاعة هي ما يصدر عن رضى الله والاتحاد به، وتؤدي للمجد والكرامة والسلام (رو 2: 10). ولأن المسيح مصدر حياتنا، فهو يمنح المؤمن الذي سقط ثم تاب حياةً روحية أبدية ويرفع شأنه نفساً وجسداً ويمتعه بالسعادة الكاملة.

4 – ما هو شرط العهد الذي قطعه الله مع آدم؟

* هو شرط الطاعة الكاملة كما نستدل مما يأتي:

(1) من تعاليم الكتاب الذي يقول إن الخطية هي التعدي على شريعة الله أو عدم طاعتها، فهي توقِف الاتحاد بين الإنسان وخالقه، وتجلب الغضب الإلهي عليه. قال الرسول يعقوب «من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة (أي تعدى أمراً واحداً منه) فقد صار مجرماً في الكل» (يع 2: 10) وقال بولس «ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به» (غل 3: 10) فشرط القبول عند الله بواسطة الناموس هو الطاعة الكاملة، وذلك غير محصور في النظام الموسوي بل يعم النواميس الإلهية كلها.

(2) من بناء الرسول بولس احتجاجه في رسالتي رومية وغلاطية على أن الشريعة تطلب الطاعة الكاملة، فنَهْيُ آدم عن الأكل من شجرة معلومة لا يشمل كل واجباته، بل هو امتحان خارجي يُظهِر حقيقة موقفه من جهة الطاعة الكاملة وعدمها. لأنه لما كان قد خُلق في حال القداسة والعواطف الطاهرة اقتضى امتحان طاعته بوصية أو أمرٍ خارجي.

5 – هل كان شرط العهد الذي قُطع مع آدم (الامتناع عن الأكل من الشجرة) يقتضي الطاعة الدائمة؟

* الأرجح لا، فمن الموافق للعقل ونص الكتاب تعيين مدة امتحان لكل الخلائق العاقلة، فمَن وُجد أميناً منهم في تلك المدة ثبت في كماله وأمِن خطر الارتداد. ويؤيد ذلك ما جاء عن الملائكة الذين لم يحفظوا رئاستهم والذين حفظوها، وثبات الذين منهم وُجدوا أمناء في القداسة وفي رضى الله. فلو ثبت آدم في الطاعة في المدة المعيَّنة لامتحانه لبقي في رضى الله، وأَمِن هو ونسله إلى الأبد خطر السقوط في الخطية.

6 ما هو القصاص الذي ترتَّب على كسر العهد؟

* هو الموت بدليل قوله «لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت». وهذا الموت لا يقتصر على انحلال الجسد لما يأتي:

(1) لأن كلمة موت تُستعمل في الكتاب المقدس لتدل على نتائج المعصية، فهي تشمل كل أنواع العقاب بدليل قوله «أجرة الخطية هي موت» و«النفس التي تخطئ تموت» وبناءً عليه يكون المقصود من الموت كل ضرر يحل على البشر قصاصاً للخطية.

(2) لما كان الموت المنذَر به عكس الحياة الموعود بها، ولما كانت هذه الحياة هي البقاء في حالة السعادة والقداسة إلى الأبد، فيكون الموت هو كل أنواع الشقاء في هذه الحياة، وانحلال الجسد، وكل ما يلزم عن الموت الروحي والأبدي.

(3) لما كان الله هو مصدر حياة النفس، وكان رضاه والاتحاد به روحياً ضروريين للقداسة والسعادة اللتين بهما تقوم الحياة، كانت النفس إذا خسرت رضاه تموت وتخسر الحياة الروحية وتسقط في هاوية الخطية والشقاء الأبدي.

(4) نعرف نوع العقاب المنذَر به من تنفيذه. ونعلم أن نتائج خطية آدم كانت خسارة صورة الله ورضاه، وكل ما نتج عن ذلك من الشر والضرر.

(5) فدانا المسيح من موت أبوينا الأولين بسبب معصيتهما. ونعلم أن المسيح لا يخلّص الجسد فقط من القبر، بل يخلّص النفس أيضاً من الموت الروحي والأبدي. فيلزم من ذلك أن الموت أو العقاب على نقض عهد الأعمال يتضمن الموت الجسدي وكل نوع من شقاء هذه الحياة، ويتضمّن الموت الروحي والأبدي أيضاً. وعلى هذا يكون آدم قد مات في اليوم الذي أكل فيه الثمرة المنهي عنها، ولم يكن العقاب المنذَر به وقتياً، بل كان خضوعاً دائماً لكل الأضرار التي تصدر عن غضب الله العادل.

7 – مع مَن قُطع العهد الأصلي أي عهد الأعمال؟

* من شأن العهد أن يكون بين اثنين أو أكثر، لأنه لا يكون لواحد. فاللذان قُطع بينهما العهد الأصلي هما الله وآدم. غير أنه لم يُقطع مع آدم لأجل نفسه فقط بل لأجل نسله أيضاً باعتباره رأسه ونائبه.

8 – ما هي الأدلة على أن العهد لم يُقطع مع آدم من أجل نفسه فقط بل من أجل نسله أيضاً؟

* (1) من تطبيق كل ما قيل له على نسله. فكل ما أُبيح له أُبيح لنسله، وكل ما وُعد به وُعد به نسله، وكل ما أُنذر به على المعصية أُنذر به نسله، وأُعطي الأرض لتكون ميراثاً لنسله، فلم تكن له وحده. والسلطان الذي مُنح له على سائر الحيوانات كان لنسله مثلما كان له، وكذلك وعد الحياة والوعيد بالموت.

(2) من أن العقاب الذي حل عليه حل على كل نسله، فلُعنت الأرض لهم كما لُعنت له، وحُكم عليهم أن يأكلوا خبزهم بعرق جبينهم كما حُكم عليه بذلك. وأوجاع الولادة هي ميراثٌ مشترك بين كل بنات حواء، وكل البشر عرضةٌ للمرض وتحت سلطان الموت ومولودون في الخطية وخالون من صورة الله الأخلاقية. وقد تأثر نسل آدم بنتائج خطيته كما تأثَّر هو.

(3) تصريح كتبة العهد الجديد الملهَمين بنيابة آدم عن نسله. قال بولس «في آدم يموت الجميع» و«بخطيةٍ واحدة صار الحكم على جميع الناس للدينونة» و«بإنسانٍ واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت» و«بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة» (1كو 15: 22 ورو 5: 12-19) ولهذا العدد الأخير شأن عظيم في توضيح علاقتنا بآدم. وقال بولس إن آدم كان مثال الآتي (رو 5: 14). فتشبيه آدم الأول بآدم الثاني صريح.

ولكن ما هو وجه الشَّبه بينهما؟ نرى في الكتاب المقدس أوجه اختلاف كثيرة بين آدم الأول وآدم الثاني. فالإنسان الأول مثلاً من الأرض ترابي، والإنسان الثاني الرب من السماء. بالإنسان الأول كان الإثم والموت، وبالإنسان الثاني البر والحياة (رو 5: 12-21). ولكن التشابه بينهما هو في أمر واحد ذي شأن، وهو أن لآدم الأول وظيفة نيابية كآدم الثاني. وبهذا المعنى كان آدم الأول «مثال الآتي». وعلى هذا الأسلوب لُقِّب المسيح «آدم الثاني» لأنه لم يزل ولا يزال نائب الخطاة.

(4) يتأسس الفداء في الكتاب المقدس على حقيقة أنه كما سقطنا في آدم نخلُص في المسيح. وإنكار هذا المبدإ في القضية الواحدة هو إنكاره في الثانية، لارتباط القضيتين معاً في الكتاب المقدس. ولما كانت النيابة من المبادئ المشهورة في ما أعطاه الله للناس من الفرائض الدينية وأعمال البشر وعمل الفداء، كانت النيابة من مبادئ الدين الأساسية وسُطرت في قواعد إيمان كل الكنائس.

9 – ما هو القول الصحيح في دوام عهد الأعمال؟ هل هو باقٍ إلى الآن؟

* إن كان آدم قد ناب في عهد الأعمال عن نسله، فيكون ذلك العهد قد زال، لأن الاعتقاد أن البشر باقون تحت ذلك العهد هو اعتقادٌ أنهم لا يزالون تحت الامتحان، وأن البشر لم يسقطوا بسقوط آدم. على أن آدم كان رأساً ونائباً لكل نسله، ولا بد أن كل البشر شاركوه امتحانه وسقطوا معه في معصيته، فإننا نولد أبناء الغضب (أف 2: 3). وأما قول المسيح للناموسي «افعل هذا فتحيا» (لو 10: 28) وقول الرسول «إن الله سيجازي كل واحد حسب أعماله» (رو 2: 6) فيدلان على أن مبادئ العدل الأزلية لا تزال كما كانت. فالإنسان لا يُدان إذا قدر أن يبرهن أمام الله أنه بريءٌ من الخطية، سواء كانت أصلية أم فعلية. ولكن الواقع غير ذلك، فالعالم كله تحت الدينونة والبشر كلهم ساقطون، وقد امتُحنوا في آدم فسقطوا.

10 ماذا يقول الكتاب عن سقوط آدم؟

* قال سفر التكوين إن الله وضع آدم في جنة عدن ليعملها ويحفظها، وأوصاه «من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت» (تك 2: 15-17). و«كانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله، فقالت للمرأة: أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجرة الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: لن تموتا. بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفَين الخير والشر. فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهِجة العيون وأن الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل» (تك 3: 1-6).

11 – ما هي نتائج معصية أبوينا الأولين؟

* (1) شعورهما حالاً بالذنب والخجل.

(2) محاولتهما إخفاء نفسيهما عن وجه الله.

(3) حكم الله العادل على الحية والرجل والمرأة، وتنفيذ ذلك الحكم حالاً.

(4) طرد آدم وحواء من جنة عدن ومنعهما من الاقتراب من شجرة الحياة.

أما الأمور التي يجب أن نبحثها في ذلك فهي:

(1) حقيقة السقوط كحادثة تاريخية.

(2) شجرة الحياة.

(3) شجرة معرفة الخير والشر.

(4) الحية.

(5) حقيقة التجربة.

(6) ما أحدثته المعصية الأولى.

12 – ما هي الأدلة على أن امتحان الإنسان وسقوطه كان حادثة تاريخية؟

* (1) البرهان الداخلي في سفر التكوين، ويتضح من مقارنته بالأخبار الخرافية القديمة عن خلق الإنسان وأصله كما جاءت في كتب الأمم الوثنية القديمة، فيظهر الفرق حالاً بينهما، ويتبين أن تلك خرافات نشأت عن أوهام وظنون، وأن خبر الكتاب بسيط ومفهوم ومملوء من الحقائق السامية.

(2) امتحان الإنسان جزء صحيح من سفر التكوين، وهو سفر تاريخي. فلم يرد ذكره على سبيل المثَل، بل هو قسم تاريخي من مضمون السفر الإلهي والأساس الجوهري لكل ما يتلوه. وهو أيضاً جزء من تاريخ الكتاب المقدس الكامل الذي يخبرنا بأصل الجنس البشري وسقوطه وفدائه. وبين سقوط الإنسان وفدائه علاقة تدل على أن السقوط حادث تاريخي كالفداء. فإن كان السقوط مَثَلاً، صحّ القول أن الفداء مَثَل!

(3) اعتباره في العهدين القديم والجديد من الحوادث التاريخية.

(4) إعلان الكتاب المقدس أنه أساسٌ لكل النظام الإلهي التعليمي، فقد اعتبره المسيح ورسله حادثة حقيقية، وأساساً لما عمله الله لخلاص البشر، فقالوا إنه لما جرب الشيطان الإنسان وأغواه ليعصى، صار الشيطان رئيس مملكة الظلمة، فأتى المسيح ليبيده ويفدي شعبه من سلطانه. وأننا كما مُتْنا في آدم نحيا في المسيح.

13 – ما هي شجرة الحياة، وما هي خواص ثمرها؟

* كان في جنة عدن شجرتان، لكلٍّ منهما صفة رمزية، الواحدة تُسمّى شجرة الحياة والثانية شجرة المعرفة. وقد رمزت الأولى للحياة والثانية للعصيان والموت. وكان للإنسان أن يأكل من ثمر شجرة الحياة ما دام في كماله. ولا نقدر أن نقطع بأنه كان لثمرها قوة ذاتية لمنح الحياة، أي لتحفظ جسد الإنسان في نشاطه، أو لتجعله بالتدريج مثل جسد المسيح الممجَّد الآن، ولا بأن العلاقة بين أكل ثمرها والخلود ما يكون بين السبب والنتيجة. لكن نعلم أن الأكل من تلك الشجرة كان واسطة للتمتع بالحياة الأبدية بدليل ما يأتي:

(1) طُرد الإنسان بعد معصيته من الفردوس لئلا يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة ويأكل ويحيا إلى الأبد (تك 3: 22).

(2) كانت تلك الشجرة رمزاً للمسيح أصل الحياة للمؤمنين، وتشبهه في منح الحياة. أي أن المسيح صار ينبوع الحياة الروحية والأبدية لشعبه كما كانت تلك الشجرة ينبوع حياة لآدم وحواء ولكل ذريتهما لو لم يعصيا الله. ويؤيد ذلك وعد المسيح لمن يغلب أن يعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله. ومن أن في السماء شجرة حياة ورقها لشفاء الأمم. ومن قوله «طوبى للذين يصنعون وصاياه لكي يكون سلطانهم على شجرة الحياة ويدخلون من الأبواب إلى المدينة» (رؤ 2: 7 و22: 1، 14). فكما كان الفردوس رمزاً للسماء، كانت الشجرة التي كان لآدم إذا أطاع أن ينال الحياة الخالدة بواسطتها في ذلك الفردوس الأرضي رمزاً إلى ذاك الذي هو ينبوع الحياة الروحية والأبدية لشعبه في الفردوس الأعلى، أي كانت رمزاً للمسيح أصل كل حياة روحية.

14 – ما هي شجرة معرفة الخير والشر؟

* حقيقة هذه الشجرة غير واضحة وكذلك معناها، والأرجح أن المقصود بها شجرة ينشئ أكل ثمرها معرفة الخير والشر، بدليل ما يأتي:

(1) مشابهتها لشجرة الحياة، فكما وُضعت تلك لتحفظ الحياة كذلك وُضعت هذه لتنشئ المعرفة. وأكد المجرِّب للمرأة أن أكل ثمرة تلك الشجرة يفتح عينيها.

(2) ما نشأ عن أكل ثمرها المنهي عنه، وهو انفتاح أعين اللذين عصيا.

(3) قول الله بعد سقوط آدم «هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر». فبأكله الثمرة المنهي عنها حصل على معرفةٍ تشبه في بعض الأوجه معرفة الله، غير أنها تتميَّز عنها في أوجهٍ أخرى. ولا يحسن اعتبار هذا القول تهكماً لأن هذا قول الله. فثمر هذه الشجرة ينشئ معرفةً بحسب تعيين الله، لا من قوة ذاتية فيها.

15 – بكم معنى ورد اسم شجرة معرفة الخير والشر في أقوال المفسرين؟

* بثلاثة معان:

(1) بمعنى المعرفة البسيطة. واستنتجوا هذا من أن الكتاب يعبّر عن جهالة الطفولية بعدم تمييز الطفل بين الخير والشر. ومن ذلك قوله «وأما أطفالكم.. الذين لم يعرفوا اليوم الخير والشر» (تث 1: 39). و«لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير» (إش 7: 16). وبتعبيره أيضاً عن نضوج شخص في المعرفة العقلية أو الروحية بأن له قوةً أن يميّز بين الخير والشر. فقيل عن المؤمن الكامل أو الناضج إنه قد صارت له الحواس مدرَّبة على التمييز بين الخير والشر (عب 5: 14). ومن مقارنة هذه الآيات استُنتج أن المقصود بشجرة معرفة الخير والشر الإشارة إلى المعرفة البسيطة فقط، أي أن آدم قبل السقوط كان في حال السعادة والبراءة دون هذه المعرفة. ولما أكل منها حصل عليها. لكن هذا التفسير لا يصح، لأن آدم كان له تلك المعرفة وكان بالغاً لا طفلاً.

(2) بمعنى معرفة التمييز بين الصواب والخطأ. غير أن هذه المعرفة كانت له منذ البداية، وكانت خيراً لا يجب منعه عنه. وقال البعض إن المقصود بذلك معرفة ما هو الخير وما هو الشر. ولكن هذا معيّن لنا بإرادة الله، لأن كل ما يأمر به هو خير وما ينهى عنه هو شر. ولا شك أنه كان للإنسان من تلك المعرفة قبل سقوطه أكثر مما كان له بعده.

(3) بمعنى اختبار نتيجة عمل الخير والشر، التي هي إما السعادة أو الشقاء وهو الأرجح. فالأكل من الثمر المنهي عنه جعل آدم يعرف بالاختبار الذاتي الفرق بين الخير والشر. فإن الله علم طبيعة الشر ونتائجه من علمه بكل شيء، ولكن آدم لم يقدر أن يعرف ذلك إلا بالاختبار الشخصي الذي حصل عليه حين أخطأ. والأرجح أن آدم كان مع حواء حين جرَّبتها الحية، بدليل قول الكتاب إن المرأة «أخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل» (تك 3: 6). فكان آدم شريكاً لها ورفيقاً في هذه الحادثة.

16 – ما معنى كلام الحية لحواء؟

* المعنى هو الحرفي الحقيقي لا المجازي، أي أن الحية غير مستعارة هنا للشيطان، ولا الشيطان اتَّخذ هيئتها. بل أن آلة التجربة كانت حية حقيقية. ويؤيد ذلك ما وُصفت به الحية من الصفات الطبيعية (تك 3: 1) واللعنة التي نُطق بها عليها، والعداوة التي قيل إنها تكون دائماً بينها وبين الإنسان. لكن الشيطان كان المجرِّب الحقيقي، واتخذ الحية آلة لذلك بدليل ما يأتي:

(1) ما نُسب هنا إلى الحية لا يستطيعه غير العاقل. نعم يمكن أن تكون الحية أحيل جميع حيوانات البرية، ولكن لا يمكن أن تكون لها القوة السامَّة التي ظهرت في المجرِّب.

(2) تؤكد نصوص العهد الجديد أن الشيطان أغوى أبوينا الأولين. فجاء في سفر الرؤيا «فطُرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان، الذي يُضل العالم كله». وأيضاً «فقُبض على التنين الحية القديمة الذي هو إبليس والشيطان» (رؤ 12: 9 و20: 2). وقال بولس «ولكني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تُفسَد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح» (2كو 11: 3). ويظهر أن الرسول أراد بالحية هنا الشيطان من آية 14 حيث أشار إلى مكر الشيطان وإلى أنه هو المضل العظيم. وأشار بولس إلى تك 3: 15 بقوله «وإله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعاً» (رو 16: 20) ودعا المسيح إبليس «قتَّالاً من البدء» و«أبا الكذاب» (يو 8: 44) لأن الخطية والموت دخلا العالم بواسطته.

17 – كيف أمكن للحية أن تتكلم؟

* ليس في كلام الحية من الصعوبة أكثر مما في سماع كلام مفهوم من سيناء، أو الصوت من السماء عند معمودية المسيح، أو كلام أتان بلعام، خاصةً متى عرفنا أن الحية نطقت بقوة الشيطان. وفي الكتاب المقدس أمثلة أخرى لذلك من كلام الملائكة الأخيار والأشرار وأعمالهم.

18 – كيف نفذت الحية التجربة؟

* أغرى المجرب حواء بعدم الاتكال على صلاح الله، وبالشك في صدق النهي عن الأكل من تلك الشجرة، فقال «أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟» (تك 3: 2). ثم حاول صريحاً أن يُبطل إيمانها ويشكّكها في الله بقوله «لن تموتا» بل بالحري «تكونان كالله عارفَيْن الخير والشر» (تك 3: 4، 5). فخضعت حواء لهذه التجربة واشترك آدم معها في المعصية. وكان السببان اللذان قاداها للعصيان هما: الشك في صدق الله وصلاحه، والكبرياء. فلما شكّت في صلاح الله وصدق إنذاره بذلت كل جهدها في طلب المعرفة المنهي عنها لتصير مثل الله.

اعترض البعض على أقوال الكتاب في التجربة الأولى بقولهم إنه لا يليق بالله أن يمتحن أبوينا الأولين بالنهي عن أكل ثمر شجرة، لأن ذلك أمر زهيد لا يُعتبر. ونجيب على ذلك أن الله كان له الحق أن يختار كيفية الامتحان، وأنه اختار طريقاً لا تضايق الإنسان ولا تحرمه شيئاً من سعادته، فمنعه عما يمكن أن يستغني عنه، وامتحنه بأمر واحد بسيط ليُظهِر مقدار طاعته، وهل يعتبر مجرد إرادة ربه فوق شهوة نفسه؟

أما القول إن المسألة طفيفة، فنقول إن أكل الثمر أو الامتناع عنه أمر زهيد في حد ذاته، ولكن الذي جعله ذا شأن هو أنه كان عصياناً للأمر الإلهي، فخطية آدم كانت مخالفة إرادة الله وعدم طاعته. وهذه الخطية وإن كانت في أمر زهيد، فهي أعظم خطية تقطع الاتحاد الروحي بين الخالق والمخلوق، وتجعل المخلوق يتمرد على خالقه، وهو أمرٌ لا يُحتمَل في الأمور الزهيدة كما في الأمور العظيمة. فامتحان آدم جرى ليُظهِر مقدار إكرامه لإرادة الخالق، فوجبت عليه الدينونة لأنه فضَّل إرادته وأهان إرادة الله. ولا يليق أن نعتبر هذا الامتحان قساوةً، بل كان من باب اللطف والصلاح، فقد علَّق الله سعادة البشر الأبدية على الأمانة البسيطة في حفظ أمرٍ هين، وجعل آدم وحواء في أفضل حالة يمكنهما فيها أن يقاوما التجربة ويجوزا الامتحان بنجاح.

19 – ماذا كانت نتيجة المعصية في والدينا الأوَّلين؟

* (1) الخجل الذي نشأ عن الشعور بالإثم.

(2) هول سخط الله أو الشعور بالذنب الذي يوجب العقاب، ولذلك حاولا الاختفاء من حضرته. وكانت لا بد من حدوث هذه التأثيرات، وهي تبرهن علاوة على خسارة البراءة الأصلية وخسارة رضى الله والاتحاد الروحي به. فالحالة التي سقط إليها آدم بمعصيته كحالة الملائكة الساقطين في سوء المنقلب.

واعترض البعض على ذلك بقولهم: إن الإنسان لا يفسد كل الفساد بمعصيةٍ واحدة، فنجيب: إن هذا يصح بمعنى أن الإنسان لا يبلغ أعظم الشر بخطية واحدة، ولكن المعصية الواحدة توجب على مرتكبها الموت الروحي لأنها تجلب عليه غضب الله ولعنته، وتُفقده الاتحاد بالله، كما أن ثقباً واحداً في السفينة يُغرقها، أو وخزة واحدة في العين تُعميها.

أما البلايا الأخرى المختلفة التي حلّت بآدم وحواء من معصيتهما فتتبع تلك، من الغضب الإلهي، ونتائج الموت الروحي المتضمَّنة في العقاب الذي أنذر الله آدم به.

وإذا قيل: لماذا فوَّض الله الإنسان قوة الإرادة وجعله في أحوالٍ تمكّنه (إذا اختار) أن يهين سلطان الخالق فيسقط ويجلب البلايا على نفسه وعلى غيره؟ فنجيب: إن لبّ هذا السؤال هو: لماذا خلق الله عاقلاً مختاراً وتركه يختار الخير أو يرفضه؟ وذلك من أسرار الخالق، فلا نستطيع توضيحه إلا جزئياً، فالمخلوق العاقل لا يقدر أن يقدم لله الإكرام اللائق إلا باختياره، ولذلك ينبغي أن يُمتحَن ليختار لنفسه إن كان يخدم الله أو يخدم نفسه؟ وليكون ذلك الامتحان صحيحاً يجب أن يُمنَح المخلوق حرية الإرادة والقدرة الكاملة على طاعة الرب، وإلا فيكون إكرام المخلوق للخالق مثل إكرام الطبيعة الجامدة والمواد المائتة.

وإذا قيل: لماذا لم يحرس الله الإنسان ويوطد فيه الميل إلى الصلاح فينقذه من السقوط؟ فنجيب: إن الامتحان يجب أن يسبق الثبوت وإلا فهو وهمي. ثم أن هذا السؤال يتضمن سؤالاً آخر ليس في طاقة البشر أن يجاوبوه، وهو: لماذا سمح الله بدخول الخطية إلى العالم؟!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.