تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » اهتفي للرب يا كل الأرض – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

اهتفي للرب يا كل الأرض – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

اهتفي للرب يا كل الأرض

 

(مز 100)

“اهتفي للرب يا كل الأرض اعبدوا الرب بفرحٍ ادخلوا إلى حضرته بترنمٍ”.

هكذا يقول المرنم، مرنم إسرائيل الحلو داود النبي: “اعبدوا الرب بفرحٍ ادخلوا إلى حضرته بترنمٍ”، هكذا يقول في المزمور المئة في العدد الثاني من هذا المزمور: “اعبدوا الرب بفرحٍ ادخلوا إلى حضرته بترنمٍ”.

وهل نتصور ذلك الموكب المجيد في مدينة أورشليم في أيام العيد، موكبٌ مقدسٌ صاعدٌ إلى هيكل الرب فوق الجبال المقدسة متدرجاً، جيشاً مجيداً متعبداً صاعدٌ يترنم، من قدامٍ المغنون ومن وراءٍ ضاربو الأوتار، وفي الوسط فتياتٌ يضربن الدفوف، موقفٌ ما أمجده، وما أجمل أن يصعد إلى بيت الرب ليعيد للرب ويدخل بيت الرب ليكون في حضرة الرب.

هذه هي الصورة الي تُرسم أمامنا في التاريخ المقدس في الأيام المعينة لذلك الشعب في ذلك الزمان، وكم نسمع المرنم وقد وصل إلى بيت الرب ينادي: “اهتفي للرب يا كل الأرض اعبدوا الرب بفرحٍ ادخلوا إلى حضرته بترنمٍ” إلى حضرة الرب، ومن هو الرب؟ يوجد أربابٌ كثيرون: رب البيت، رب الأسرة، أربابٌ كثيرون، ومن هو الرب الذي نحن في حضرته؟ هو يهوه وترجمته يكون – وهو فعل عبراني من أفعال المضارعة – الذي يكون أو الذي هو يهوه، الذي “هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد”، “الكائن والذي كان والذي يأتي”، في الماضي، في الحاضر، في المستقبل، منذ الأزل إلى الأبد.

هذا هو الرب يهوه، “هذا اسمي إلى الأبد وهذا ذكري إلى دورٍ فدورٍ” يقول لموسى مُعرفاً نفسه قائلاً: “أنا إله
إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب”، أنا هو، هو هو، هذا هو، هذا اسمه منذ الأزل إلى الأبد، يهوه، الكائن في الماضي أزلاً، الكائن في الحاضر موجوداً، الكائن في المستقبل أبدياً، إذاً هو إلهٌ لا يُحد لا بزمانٍ ولا بمكانٍ فكيف نستطيع أن نكون في حضرته؟ كان الشعب قديماً يستطيع أن يكون في حضرته بمعنى من المعاني فقد كان يحل في قدس أقداس الهيكل فوق تابوت العهد بين الكروبين يُضيء بمجدٍ سماويّ يتلألأ ويدخل رئيس الكهنة مرةً في السنة ليلتقي بهذا المجد الفائق في كل حذرٍ لابساً لباسه الرسمي المعيَّن من الله بكل تدقيقٍ وإمعانٍ، بكل حشمةٍ ووقارٍ ليخرج بسرعة لئلا يموت. بهذه الطريقة يكون الشعب في حضرة الرب عن يد رئيس الكهنة الأعظم هرون أولاً ونسله بعد ذلك.

وأين هو الرب يهوه الآن؟ أين هوحالٌّ لنأتي إلى حضرته؟ لنكون في مقره؟ أين هو؟ إنه يملأ السماء والأرض لا حد لمكانٍ له، إنه أزليٌّ أبديٌّ لا حدَّ لزمانٍ له، إنه روحٌ غير منظورٍ لا يستطيع أحدٌ أن يراه ويعيش كما قال هو لموسى، فكيف إذاً نستطيع أن نكون في حضرة الرب الإله الأزلي الأبدي، الروح الذي يملأ كل مكان والذي حالٌّ كل زمان؟ أين هو؟ كيف نستطيع أن نكون في حضرته؟

إن الآب القدوس الإله الحي الذي لا حد له ولا مكان يحصره قد تجلى في ابنه الحبيب الرب يسوع المسيح، الأقنوم الثاني في اللاهوت، في الابن، ابن الله الوحيد، وعن هذه الحقيقة يقول الرسول بولس عن هذا الابن الوحيد: “إن فيه (في هذا الابن) سُرَّ (سُر الرب) أن يحل فيه كل الملء (كل ملء لاهوت الآب)”، لذلك يقول الابن: “الآب الحال فيَّ” وأنا فيه، ولكنه لا يزال لاهوتاً أزلياً أبدياً روحاً غير محدودٍ، لا يُرى ولا يستطيع أحدٌ أن يراه، لذلك حل لاهوت الابن في ناسوتٍ مباركٍ مقدسٍ قيل عنه: “فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً”، ناسوتٌ في لاهوتٍ، لاهوتٌ في ناسوتٍ، لاهوتٌ في ناسوتٍ متجسداً وناسوتٌ لا يتغير “ورأينا مجده مجداً”، حين رآه على جبل التجلي، ويقول بطرس في هذه الحقيقة كنا مشاهدين مجده، مجد وحيدٍ من الآب في هذا الابن المبارك الحال في تابوتٍ مقدسٍ.

نستطيع أن نكون في حضرة الرب الإله الحي الذي لا يراه الإنسان، ولكن كيف؟ أين هذا الابن؟ إنه صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب، كيف نستطيع أن نكون في حضرته؟ هل نعرف كيف؟ وإن كنا لا نستطيع أن نعرف الطريقة فهو الطريق وقد أعلن الطريق، لأنه بغير إعلانٍ سماويٍّ لا يستطيع إنسانٌ أن يعرف الطريق إليه.

أما الطريق إليه فقد أُعلن في الكتب المقدسة كما قال هو: “موسى كتب عني”، قال ذلك وهو متجسدٌ، موسى كتب عني، وقال لتلميذي عمواس: “أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء”، بكل ما قاله الأنبياء عني، أما ينبغي كما قال الآنبياء أن اتألم وأدخل بذلك إلى مجدي، أن يتألم المسيح ويدخل إلى مجده، في كتب موسى والأنبياء، وعند صعوده إلى السماء جمع الأحد عشر تلميذاً عند جبل الزيتون وفتح ذهنهم ليفهموا الكتب وكل ما كُتب عنه في ناموس موسى والأنبياء والمزامير، الكتب التي نسميها العهد القديم، هناك مجد المسيح يسوع من موسى والأنبياء وكل الكتب إلى ملاخي، من البدء في سفر التكوين إلى آخر القول عن ظهور يوحنا المعمدان “إيليا”.

في تلك الكتب نستطيع أن نكون في حضرة الآب الذي هو في الابن هذا هو الطريق الذي نستطيع به أن نكون في حضرة الله في الكتب المقدسة، وهذا معناه أننا حينما نقرأ الكتب نريد أن نرى المسيح ممثلاً للاهوت الآب السماوي الذي هو لاهوتٌ حالٌّ في ابنه والمسيح قي ناسوته، نستطيع أن نرى الله – الذي لا يراه أحدٌ – في الكتب المقدسة، هناك نستطيع أن نكون في حضرة الرب، ولكن الكتبة والفريسيين لم يستطيعوا أن يروه، لم يجدوه، لم يعرفوه، مع أنهم عرفوا تلك الكتب معرفةً جيدةً، حفظوها فصلاً فصلاً، كتاباً كتاباً، عددا عددا، ومقدار الأعداد ومقدار الأصفار ولكنهم لم يروا المسيح، ولذلك قال لهم: “فتشوا الكتب”، “موسى كتب عني”، “فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياةٌ أبديةٌ وهي التي تشهد لي”، ولا تريدون أن تأتوا إليَّ، أي وأنتم تفتشون لا تجدوني، لا تستطيعون أن تجدوني لأنكم لستم تفتشون عليَّ، لا تريدون أن تأتوا إليَّ لتكون لكم حياةٌ، هل نفتش هذه الكتب؟ إن تفتيشها الآن أسهل مما كان عليه من قبل.

لأننا لنا في تلك الكتب تفسيرٌ حقيقيٌّ لا تفسيرٌ بشريٌّ، تفسيرٌ حقيقيٌّ لتلك الكتب القديمة تكشف لنا حقيقة وجود المسيح هناك، فقد كانت كتب العهد القديم، المسيح يتكلم بروحه في الأنبياء، والمسيح بروحه في الأنبياء وهو يتكلم “يشهد بالألام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها”، يشهد في تلك الكتب القديمة التي نريد أن نبتعد عنها الآن فنضل الطريق، فإذا فتشنا الكتب نريد أن نكون في حضرة المسيح وأن نكون أمامه ناظرين إليه نراه برؤية حقيقية تُكشف أمام عيوننا، “اكشف عن عينيَّ فأرى عجائب من شريعتك”، نورٌ لسبيلي، طريق الحق، نرى يسوع المسيح وفيه نرى الله الآب.

هذه هي الحضرة، نحن لا نأتي إلى هيكلٍ حل فيه مجدٌ، يدخل فيه رئيس الكهنة، نحن أمام كتابٌ مقدسٌ فيه إعلاناتٌ سماويةٌ نرى فيها أمام يسوع المسيح حتمياً نرى فيه حياةٌ فنبتهج فندخل إلى حضرته بترنمٍ فرحين مبتهجين، مترنمين في قلوبنا في أفكارنا مبتهجين “منذرين بعضنا بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية”، كلها متجمعة في مزامير مرنم إسرائيل الحلو، مرنم إسرائيل الموحى إليه، كلها هناك مزامير تسابيح أغاني روحية، لا أفكار البشر، تعاليم الحق السماوية.

نفرح ونبتهج إذ نرى المسيح في هذه الكتب فنترنم وإذ نترنم بنشيد: قال الرب لربي .. تسلط على أعدائك، قضيب عزٍّ قضيب ملكك، أقسم الرب، (مز 110)، وفي ذات الكتاب: “إني أُخبر من جهة قضاء الرب قال لي أنت ابني أنا اليوم ولدتك اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً وأقاصي الأرض (كل الشعوب) ملكاًلك …. قبلوا الابن لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق”، نترنم نفرح بالمسيح الملك، بالمسيح الكاهن، بالمسيح النبي، بالمسيح الفادي، نرى الآلام في (مز 22): “ثقبوا يديَّ ورجليّ،َ إلهي إلهي لملذا تركتني، كل عظامي انفصلت”… إلى آخر القول، نترنم بفرحٍ بعيدين عن كل بشر وعن كل شيءٍ دون سواه، نترنم بفرحٍ، لا بهزة الشعور، لا بهزة العواطف، بل بالنعمة والحق دون سواهما.

إذاً كيف ندخل؟ لا طريق إلا من الكتب المقدسة، ندخل بالروح القدس الذي يكشف عن عيوننا فنرى المسيح، ناموس موسى والأنبياء والمزامير من سفر التكوين إلى سفر ملاخي، تفسيراً في الرسائل شرحا لهذه الكتب المقدسة.

ادخلوا فتشوا الكتب ادخلوا في تفتيش الكتب إلى حضرة الرب يسوع المسيح في الكتب لتروا إله السماء والأرض هذا الشخص العجيب المُعلن في هذه الكتب المقدسة، في آلامه وفي أمجاده.

“اهتفي للرب يا كل الأرض”، هذا هو ربك سيدك الذي أتى وأعلن في العهد الجديد بما جاء في العهد القديم له المجد إلى الأبد.

الأحد  5 / 9 / 1976

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.