تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » تأثير خطية آدم في نسله

تأثير خطية آدم في نسله

تأليف

القس جيمس أنس

راجعه ونقحه وأضاف إليه

الدكتور القس منيس عبد النور

الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة – القاهرة

تأثير خطية آدم في نسله

1 – هل أضرَّت خطية آدم به فقط؟

* أجمع المسيحيون على أن خطية آدم لم تضرّه فقط، بل أضرّت كل نسله أيضاً. واختلف اللاهوتيون في كيفية علاقة آدم بنسله، وفي سبب اشتراكهم في نتائج معصيته، وفي ماهية الخطية التي ورثها نسله منه، وفي امتدادها. ويقول التعليم الإنجيلي إن خطية الإنسان تقوم باشتراكه في جُرم خطية آدم الأولى المحسوب عليه، وبضياع البر الأصلي، وبفساد طبيعته كلها المسمَّى غالباً «الخطية الأصلية» وبجميع الخطايا الفعلية الصادرة من ذلك. وبسبب هذا الفساد الأصلي فسد البشر تماماً في كل قُوى النفس والجسد، وانحرفوا عن الخير، وعجزوا عن عمله، وتبعوا الشر. ومن هذا الفساد تصدر كل الخطايا الفعلية. ويؤمن الإنجيليون أن العهد لم يُقطع مع آدم من أجل نفسه فقط، بل من أجل نسله أيضاً، فالبشر جميعاً المتناسلون منه تناسلاً طبيعياً أخطأوا فيه وسقطوا معه بخطيته الأولى. فعلاقتهم بآدم هي سبب هذه الحال الرديئة.

2 – ما هي القضايا الثلاث المتضمَّنة في التعليم الإنجيلي في علاقة البشر بآدم؟

* (1) حسبان خطية آدم الأولى على نسله.

(2) الخطية الأصلية، أي فساد الطبيعة الموروثة منه.

(3) عجز الإنسان الساقط عن كل خيرٍ روحي.

3 – هل اختلف المسيحيون حول اشتراك ذرية آدم في نتائج سقوطه؟

* كلا، بل أجمعوا على ذلك. ولكنهم اختلفوا في تعليله. وهاك أشهر المذاهب فيه:

(1) يقول المذهب الأول إن خطية آدم ليست سبب إثم البشر، وليس بين آدم والبشر علاقة طبيعية ولا جسدية ولا شرعية تسبّب فيهم الخطية. ومن أهل هذا المذهب من نسب خطأ البشر إلى قصدٍ أو ترتيبٍ إلهي، وهو أنه إن أخطأ آدم يخطئ جميع البشر بدون علاقة بينه وبينهم توجب ذلك. ومنهم من نسبها إلى اختيار الإنسان الحر فقالوا: كما اختار آدم أن يخطئ كذلك يختار كل إنسان الخطية بدون وجود علاقة طبيعية أو شرعية بينه وبين آدم. وهذا المذهب لا يطابق تعليم الكتاب المقدس.

(2) ويقول المذهب الثاني إن خطأ البشر الحاضر يعود إلى عمل اختياري من كل إنسان في وجودٍ سابق، لا إلى معصية آدم الأولى، فالنفوس تولد في هذا العالم في حال الخطية لأنها وُجدت سابقاً في كيانٍ آخر أخطأت فيه ضد الله. وقد أنشأ أوريجانوس هذا المذهب الغريب، لكن الكنيسة رفضته، ولم يقبله إلا قليلون، فهو يقول إن آدم روح ساقط. وهو رأي وهمي لا أساس له في الكتاب المقدس، الذي يعلّمنا ان الله خلق الإنسان جسداً ونفساً، ورأى ذلك أنه حسنٌ. وأنه خلقه على صورته في المعرفة والبر والقداسة، وسقط آدم من تلك الحال في هذه الحياة لا في غيرها. فبإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، فأخطأ الجميع في الإنسان الواحد. وكل ذلك يناقض هذا المذهب. ومن الأدلة على بُطله أيضاً عدم شعور أحد من الناس بوجودٍ سابق له، أو بالخطية في حالة سابقة. فالاعتقاد أن الله جعل جميع البشر تحت العقاب على خطايا ارتُكبت في عالمٍ آخر لا يذكرون شيئاً منها ولا يشعر بها ضمير أحدٍ منهم لا يحل مشكلة الخطية الأصلية.

(3) يقول المذهب الثالث إن البشر اشتركوا في خطية آدم لأنهم كانوا فيه حقيقةً، وأرادوا وفعلوا كل ما أراد هو وفعل. وقد سُمي هذا المذهب بمذهب «الجوهر العام» لأنه يعتقد أن كل البشر جوهر واحد، وأن كل فرد منهم هو جزء من ذلك الجوهر البشري العام، يشترك مع جميع الأفراد في حياة واحدة. وبموجب هذا الرأي تكون خطية آدم خطيتنا نحن أيضاً، لأننا ارتكبناها بالفعل، وقد حُسِبت علينا باعتبارها خطيتنا، لا باعتبارها خطية آدم فقط.

(4) المذهب الرابع هو مذهب «الحسبان بالواسطة» وهو أن البشر خطاة لأنهم يرثون من آدم طبيعة فاسدة أثيمة، يحسبهم الله بسببها مذنبين ويعاملهم كذلك. فهم خطاة، ليس لأن جُرم معصية آدم حُسب عليهم، ولا لأن بينهم وبين آدم علاقة شرعية (مع أنهم لا ينكرون تلك العلاقة) بل لأنهم يولدون خطاة. ويعاقب الله كل إنسان على الخطية لأنه وُلد خاطئاً واستحق العقاب، لا لأن آدم كان نائبه وهو قد سقط بسقوطه.

(5) المذهب الخامس هو مذهب «الحسبان المباشر» أي بدون واسطة وهو الأكثر قبولاً عند أغلب اللاهوتيين، ويقول إن آدم هو رأس البشر الطبيعي ونائبهم الشرعي، وإن البشر بسبب ذلك امتُحنوا فيه، فنتج من سقوطه أن وُلد كل فرد منهم بطبيعةٍ فاسدة وتحت طائلة عقاب معصية آدم. فالأمر الأول نشأ عن رئاسة آدم الطبيعية، ولما فسد نال نسلهُ بالولادة طبيعةً فاسدة بموجب قانون أن الشيء يلد نظيره. ونشأ الأمر الثاني عن رئاسة آدم الشرعية التي بموجبها كان نائب البشر شرعاً (أي بتعيينٍ رسمي من الله) وحُسب عليهم جرم معصيته لأنه نائبهم الشرعي. والنتيجة أن جرم خطية آدم الأولى وضياع بره الأصلي وفساد طبيعته بسقوطه وصل إلى جميع نسله لأنه رأسهم الطبيعي ونائبهم الشرعي، وأن بين البشر وآدم علاقة طبيعية وعلاقة شرعية. فبواسطة العلاقة الطبيعية أخذوا منه الطبيعة الفاسدة. وبعلاقتهم الشرعية به حُسب عليهم جُرم معصيته.

ولما كان المذهبان الأولان من المذاهب الخمسة المتقدمة في علاقتنا بآدم، أو تعليل حسبان جرم معصيته الأولى على نسله مخالفَيْن صريحاً للكتاب المقدس لا نلتفت إليهما الآن، بل نبحث بالتدقيق المذاهب الثلاثة الأخيرة.

4 – ما هو مذهب «الجوهر العام» في العلاقة بين آدم ونسله؟

* انظر فصل 23 س 4-9.

يقول هذا المذهب إن معصية آدم هي معصية كل الجنس البشري بمعنى حقيقي لا نيابي، لِما بينهما من الوحدة. فالبشر عُصاة بأنفسهم بمعصية آدم كما هو عاصٍ بها بنفسه، ونتيجةً لذلك فسد البشر كما فسد هو، وبالطريقة نفسها. ويبرهنون رأيهم بأن في آدم ونسله ناسوتاً واحداً، وناسوت الجميع هو جوهر واحد عام، وخطية آدم هي خطية كل الجنس البشري، لأن الذي ارتكبها هو ذلك الجوهر العام العاقل المختار صاحب الإرادة، الذي هو نفس ناسوتهم. فهي خطيتهم كما هي خطيته، لأنها فِعل عقلهم وإرادتهم كما هي فعله تماماً. وقد استصوب هذا المذهب بعض اللاهوتيين القدماء، لكن معظم المحدثين رفضوه لسببين: (أ) لعدم صحته في حد ذاته، و(ب) لعدم مناسبته لتوضيح العلاقة بين آدم والبشر في مسألة الخطية الأصلية.

5 – ما هي الأدلة على خطأ مذهب «الجوهر العام»؟

* (1) هذا المذهب مجرد افتراض، لا برهان على صدقه، ولا على احتمال وقوعه. ولما كان ترجيحه غير ممكن فهو يخالف العقل والقياس.

(2) ليس له سند من الكتاب المقدس. نعم إن الكتاب قال إن آدم ونسله واحدٌ، ولكنه قال أيضاً إن المسيح وشعبه واحدٌ، وإن كل المؤمنين في كل القرون الذين في السماء وعلى الأرض هم واحد. وقد جرت العادة أن نتكلم على كل جماعة منتظمة معاً كالكنيسة المنظورة والمملكة المستقلة كأنها واحدٌ. ولم يستنتج أحدٌ من قول الكتاب إن المسيح وشعبه واحد، بمعنى  أنهما يكوِّنان جوهراً واحداً، ولا استنتج أحدٌ من قولنا إن المؤمنين واحد تمييزاً لهم عن باقي البشر فيكونون جوهراً واحداً، وبقية البشر جوهر آخر. فلا نستنتج من قول الكتاب إن آدم ونسله واحد بمعنى أنهم جوهر واحد. وليس في تعليم الكتاب المقدس ما يبرهن هذا المذهب.

(3) ليس له سند من شعور البشر بل يناقضه كما أجمع الكل، لأن كل إنسان يعرف في نفسه أنه جوهرٌ متفرّدٌ قائمٌ بنفسه.

(4) يناقض تعليم الكتاب المقدس في استقلالية النفس.

(5) التوفيق بينه وبين براءة المسيح من الخطأ مستحيل، فإنْ كان جوهر الناسوت الوحيد قد صار خاطئاً وفاسداً في آدم، ونحن صرنا كذلك فيه لأننا شركاؤه في ذلك الجوهر الساقط، فلا يمكن أن تكون طبيعة المسيح البشرية بريئة من الخطية، إذ كان قد اتخذ لنفسه (بحسب هذا المذهب) ذات الجوهر الذي أخطأ في آدم.

6 – اشرح كيف أن مذهب «الجوهر العام» لا يوضح العلاقة بين آدم والبشر في مسألة الخطية الأصلية؟

* على أهل هذا المذهب أن يوضحوا حقيقتين:

(1) هناك عقاب يقع علينا بسبب خطية آدم، لأن معصية آدم كانت معصيتنا نحن أيضاً.

(2) الفساد الموروث هو خطية فينا بالحقيقة ويقوم بالجُرم والفساد، لأن الفساد الذاتي فينا نشأ عن ارتدادنا الاختياري، فأصبحنا مسؤولين عن طبيعتنا الفاسدة وعن شرنا الذي نرتكبه.

ويتضح بُطل تعليل هذا المذهب لهاتين الحقيقتين بما يأتي:

(1) هذا المذهب لا يوضح مسألة الخطية الأصلية، فقصاص الخطية الفعلية يتمّ بناءً على المسؤولية الشخصية، ويقتضي أن تكون الخطية قد ارتُكبت عمداً، وإلا فلا يقتنع الضمير بها، ولا يشعر بالإثم. والذي يتألم دون أن يشعر بالإثم ودون أن يحس أنه يستحق اللوم، لا يعتبر معاناته قصاصاً بل قساوةً بدون سبب. كما أننا لا نعاقب من يرتكب خطأ أثناء نومه أو جنونه. فما يدّعيه أهل مذهب «الجوهر العام» من توضيح مسألة قصاص البشر لأجل خطية آدم، أو لأجل الجرم المتعلق بفسادهم الموروث هو غير صحيح، لأن ما لا نقدر أن نشعر أننا قد ارتكبناه باختيارنا لا نستحق عليه قصاصاً أكثر مما يستحق الأبله أو المجنون أو الميت من القصاص على عمل فظيع.

(2) يفترض هذا المذهب أننا مسؤولون عما قلناه قبل ولادتنا بألوف السنين، وهو غريب وبعيد عن التصديق! نعم نقدر أن نفهم معنى القول إننا مُتنا في المسيح وقُمنا معه، وإن موته موتنا وقيامته قيامتنا لأنه رأسنا ونائبنا، وقد مات وقام بالنيابة عنا. لكن لا يمكن أن نكون قد متنا وقمنا فيه بالفعل، ولا يمكن أننا كنا فعَلة أعمال المسيح حقيقةً، لأن ذلك لا يقبله العقل السليم. ونقدر أيضاً أن نفهم كيف أخطأنا في آدم وسقطنا معه، لأن الله أقامه رأس البشر ونائبهم. ولكن القول إننا ارتكبنا نفس المعصية التي ارتكبها آدم هو قول بدون معنى وبعيد الحدوث، فإن غير الموجود لا يعمل، لأننا لم نوجد قبل وجودنا في حياتنا الحاضرة!

(3) لا يعيّن هذا المذهب سبباً لمسؤوليتنا عن معصية آدم الأولى دون خطاياه التي ارتكبها بعدها. فإن صحّ أن معصية آدم هي معصيتنا جميعاً لأنها صدرت عن الطبيعة البشرية، صدق ذلك على جميع خطايا آدم الأخرى، أو على الأقل على ما ارتكبه قبل ولادة أولاده، لأن البشر لم يكونوا مجموعين فيه وهو في الجنة أكثر مما كانوا بعد أن طُرد منها. وإذا قيل: لماذا نُسأل عن خطية آدم دون خطية حواء؟ أجبنا: إن للبشر علاقة بخطية آدم لا بخطية حواء، لأن الكتاب قال إننا نحمل جُرم خطيته لا جرم خطيتها، لأن آدم كان نائبنا، والعهد قُطع معه لا مع حواء. أما مذهب الجوهر العام فيقول العكس، لأن حواء أخطأت أولاً، وسقطت الطبيعة البشرية فيها قبل أن يخطئ آدم، وتكون خطيتها هي التي أفسدت طبيعتنا. وهذا يخالف نص الكتاب المقدس.

(4) هذا المذهب يناقض تعليم الرسول بولس في التبرير الذي هو أساس رجاء كل مؤمن، وهو أننا نتبرر نتيجة أعمالٍ لم نفعلها نحن، ولا نستحقها، ولا نقدر بطبيعتنا الخاطئة أن نقوم بها (رو 5: 12-21). فشبَّه الرسول ذلك بعلاقتنا مع آدم، الذي لم نفعل فعله، ولا خطيته خطيتنا، ولا جرمها علينا شخصياً، بل حُسبت علينا كشيء غير خاص بنا، ونتج عنها لنا العقاب وضياع رضى الله وفقدان البر الأصلي والموت الروحي. كما أن بر المسيح ليس هو برنا بل حُسِب لنا، وإذا قبلناه واتكلنا عليه يصير لنا حقٌ بواسطته في كل فوائد الفداء. ومن هذا نرى أن أهل مذهب «الجوهر العام» أنكروا خطية آدم باعتبارها خطية شخصٍ آخر غيرنا نائب عنا، وهي أساس دينونتنا. وقولهم هذا يعني أنهم ينكرون أن بر المسيح الذي هو بر شخص آخر غيرنا هو أساس تبريرنا. ومما يؤيد هذا أن الأسباب التي أوردوها لعدم إمكان حسبان خطية آدم علينا لأنها ليست خطيتنا، يمكن إيرادها لعدم إمكان حسبان بر المسيح لنا لأنه ليس برنا.

أما أساس هذا القول وغيره من الأقوال الباطلة في الخطية الأصلية، فهو أن الإنسان لا يمكن أن يُسأل إلا عن أعماله الخاصة وعن طبيعته التي اكتسبها. فإن صدق ذلك لزم عنه حسب قول الرسول إننا إن لم نكمل الناموس تماماً ونعيد طبيعتنا إلى صورة الله نهلك إلى الأبد.

(5) هذا المذهب لا يطابق تعليم الكتاب أن خطية آدم لا خطية كل واحدٍ منا هي وحدها السبب الشرعي لدينونة نسله، وأنه لأجلها صار الحكم على جميع الناس للدينونة، وهذا هو كل تعليم الحسبان حسب نص الكتاب المقدس.

7 – ما هو مذهب «الحسبان بواسطة» ومن أنشأه؟

* في منتصف القرن 17 نبغ الأستاذ لاسيوس في مدرسة صامور اللاهوتية في فرنسا، وغيّر بعض التعاليم اللاهوتية الشائعة بين المصلَحين في حسبان خطية آدم على نسله، وقال إننا نأخذ طبيعةً فاسدة من آدم، وإن تلك الطبيعة (لا معصية آدم) هي سبب الدينونة التي عمَّت كل البشر. ولما اعتُرض عليه بأن رأيه ينفي جرم معصية آدم أجاب أنه لا ينفي حسبان خطية آدم على نسله، بل يجعل ذلك متوقّفاً على اشتراكنا في طبيعته الفاسدة فقط. أي أننا مشمولون في جُرم معصيته لأن طبيعتنا فاسدة، فيكون أن جرم آدم لم يُحسب على نسله مباشرةً، أو بدون واسطة، بل بواسطة اشتراكنا في طبيعته الأخلاقية.

وهذا الرأي يشبه مذهب «الحسبان بدون واسطة» في أنه يدل على أن فساد طبيعتنا مستمر بالتناسل الطبيعي، وناتج من رئاسة آدم الطبيعية. ويختلف عنه في أن حسبان جرم آدم مبني على فساد طبيعتنا لا على رئاسة آدم النيابية. فبموجب مذهب «الحسبان بواسطة» يتوقف كل شيء على رئاسة آدم الطبيعية، وبموجب «الحسبان بدون واسطة» ينتج الفساد من رئاسة آدم الطبيعية، وينتج الجرم المحسوب علينا من رئاسته النيابية الشرعية.

8 – ما هي أهم الاعتراضات على تعليم «الحسبان بواسطة»؟

* (1) إنه يعارض قول الكتاب إنه «بخطية واحدة (أو واحد) صار الحكم على جميع الناس للدينونة» أي أن خطية آدم هي سبب الدينونة. فسبب الدينونة هو فساد طبيعتنا.

(2) إنه ينفي أن الفساد الموروث الذي يُولد فيه جميع البشر من نوع العقاب، ويجعله ذاته سبب العقاب. وذلك يعارض تعليم الكتاب المقدس أنه قد حُكم على البشر بالموت الذي هُدد به آدم، وأن كلمة «موت» هنا تشمل ضياع البر الأصلي والفساد الموروث.

(3) هذا المذهب لا يوضح مسألة حسبان جرم معصية آدم، بل يزيد إبهامها، لأنه يثبت أن نسل آدم يرثون طبيعته بعد أن أخطأوا وضيّعوا صورة الله بموجب الناموس الطبيعي للتناسل، وأنهم بسبب تلك الطبيعة الفاسدة سقطوا تحت غضب الله ولعنته. فجميع بلايا البشر التي تأتي على نسل آدم قصاصاً شرعياً لمعصيته الأولى (بموجب تعليم الكتاب المقدس) هي حسب تعليم مذهب «الحسبان بواسطة» آلام تأتي بطريقة طبيعية أوجبت مع ذلك الحكم للدينونة.

(4) هذا التعليم ينقض المقارنة بين آدم والمسيح التي حسبها الرسول ذات أهمية كبرى (رو 5: 12-21) وبيّن بها أن البشر مبرَّرون ببرٍ ليس هو برهم الشخصي، كما أنهم قد دينوا على خطية ليست هي خطيتهم الشخصية، وإن قضاء الموت (أي خسارة رضى الله) اجتاز إلى كل الناس لأجل خطية آدم لا لأجل خطيتهم الشخصية. ولذلك حرَّض البشر أن يتكلوا بكل ثقة على الوعد بالتبرير ببرٍ ليس هو برهم بالحقيقة. فإنكار أن معصية آدم السابقة لمعصيتنا هي أساس دينونتنا ينقض تلك المقارنة، ويخالف تعليم الرسول بولس ويُبطل برهانه هذا.

9 – ما هو مذهب الحسبان «بدون واسطة»؟

* «الحسبان» في الشرع وعلم اللاهوت هو نسبة شيء إلى شخص، بمعنى أنه سببٌ كافٍ لعقابه أو لثوابه، فيقال: حُسب كذا على فلان أو له، أي جُعل ذلك على حسابه، سواءٌ كان الشيء المحسوب خطية أم براً، وسواءٌ كانت تلك الخطية أو ذلك البر مما يختصُ بالمحسوب له أم بغيره. والمقصود بحسبان الخطية في الكتاب المقدس وفي علم اللاهوت هو حسبان جرمها. ولكن ليس المقصود بالجرم الخطأ الشخصي بل الالتزام الشرعي لإرضاء العدل، لأن الفساد الذاتي ليس محسوباً، ولا الاستحقاق الشخصي للوم، بل الوجوب الشرعي لإيفاء العدل حقه. فما ينشأ من هذا الحسبان ليس قساوة تجرى بدون سبب، ولا هو بلية أو مصيبة أو تأديب حسب المعنى الحرفي لهذه الكلمة، بل هو عقاب تُجريه الشريعة إيفاءً للعدل. غير أن العقاب الذي أوجبته الشريعة على البشر بسبب خطية آدم زهيد لا يُعتبر بالنسبة إلى القصاص الآتي عليهم بسبب خطاياهم التي ارتكبوها فعلاً. فعقاب خطية آدم ليس هو وحده سبب هلاك أحد من الناس.

ولقد أجمع اللاهوتيون الأغسطينيون على أن حقيقة الحسبان، سواء كان حسبان خطية آدم علينا، أم حسبان خطايانا على المسيح، أو حسبان بر المسيح للمؤمنين هي واحدة، فالحسبان تم بطريقة واحدة مع اختلاف الأحوال، حتى أن الأمر الواحد منها يوضح الباقي. فمتى قيل إن خطايا البشر حُسبت على المسيح، أو إنه حمل خطاياهم، لا يُقصَد به أن المسيح ارتكبها بالفعل أو أذنب أخلاقياً، ولا أن استحقاق عقابها حل عليه، بل أنه قام مكانهم أمام الشريعة، وتكفّل بإيفاء ما يطلبه العدل عن خطاياهم، أو كما قال الرسول «صار لعنةً لأجلنا» (غل 3: 13). وبناءً على ذلك يُراد بالقول إن بر المسيح يُحسب للمؤمنين، ليس أنهم صنعوا ذلك البر أو عملوا أعمال المسيح في طاعته للشريعة، ولا أن استحقاق بره هو استحقاقهم الشخصي، أو أن طبيعتهم الأخلاقية تقوم به، بل أن البر الذي صنعه المسيح لمنفعة شعبه باسمهم كنائبهم جُعل لحسابهم، حتى يكون الله عادلاً وهو يبرّر الخاطئ الذي آمن.

فالحسبان بهذا المعنى يشمل نسبة جرم خطية آدم الأولى إلينا، فصرنا آثمين أمام الناموس شرعاً وساقطين تحت حكمه بالقصاص. على أن هذا ليس كل ما أنتجته تلك الخطية فينا، فقد قبلنا من آدم بالتسلسل الطبيعي طبيعةً فاسدة حقيقية. فالحكم الشرعي وقع علينا بجعل جرم خطيته جرمنا. ووصل الفساد الطبيعي إلينا بالولادة الطبيعية إرثاً. وكان الحكم بسبب نيابة آدم عنا نيابة شرعية، وكان الفساد بسبب نيابة آدم عنا نيابة طبيعية. وكلاهما خطية تستوجب الدينونة. أي أن تلك الحال التي نولد فيها هي حال الخطية، غير أنها ليست كالخطية الناتجة من عمل الإرادة ضد الشريعة الإلهية. فالخطية التي نولد فيها تُعتبر عند الله وراثية لا فعلية، ورثناها من آدم بنيابته عنا، لا لأننا أخطأنا فيه فعلاً. وهو سبحانه قد وضع مقابلها بر الفادي نائبنا في نظام الفداء، حتى إن كل من ينتقل من هذه الحياة قبل ارتكاب الخطايا الفعلية عمداً يرفع الله عنه تلك الدينونة، لأنه قد تبرر ببر المسيح كما أُدين بخطية آدم، وقدّس الله طبيعته الفاسدة بتجديد الروح القدس بالولادة الروحية، استعداداً لدخوله السماء مع الذين فداهم المسيح. وعلى ذلك لا تكون الخطية الأصلية بالنظر إلى جرمها وفسادها علةً لهلاك أحدٍ من بني جنسنا. ولا يهلك إلا من يخطئ بإرادته فعلاً ويستمر على ذلك بلا توبة، ويرفض نيابة الفادي ويهمل وسائط الخلاص المعدَّة له بالمسيح.

10 – ما هو سبب أكثر الصعوبات في هذا الموضوع؟

* سببه التباس الألفاظ، فإن كلمتي «بار» و«غير بار» استُعملتا لمعنيين مختلفين، فعُبّر بهما أحياناً عن طبيعة الإنسان الأخلاقية، كقولنا فلان بار أي مستقيم أو صالح في نفسه، وأحياناً عن العلاقة بالعدل دون طبيعة الإنسان الأخلاقية. وبموجب ذلك من أوفى العدل حقه وإن كان في نفسه غير بار (أو شريراً) هو حسب الشريعة بارٌ. ولولا ذلك لما قدر خاطئ أن يخلُص، لأن كل مؤمن على الأرض يشعر ويعترف أنه غير بار في نفسه، وأنه يستحق العقاب وغضب الله ولعنته. ومع ذلك يفرح إذ يتأكد أن لبر المسيح استحقاقاً غير محدودٍ، وكفارته كافية عن كل خطية. وهذان يجعلان الخاطئ (باعتبار الشريعة لا باعتبار ما هو في نفسه) باراً لدى العدل الإلهي. فمتى قال الله إن المنافقين أبرار، لا يكون المقصود أنهم بخلاف ما هم عليه، بل أن شخصاً آخر أوفى دَيْنهم للعدل. ومتى قيل إن خطية آدم محسوبة على نسله لا يكون المعنى أن نسله ارتكبوا خطيته أو عملوا عمله، ولا أنهم مذنبون فعلاً لأجل معصيته وإنها هي سبب تأنيب ضمائرهم، بل أن خطيته هي لأجل ما بينه وبينهم من الاتحاد، وهو السبب الشرعي لدينونة نسله، كما أن بر المسيح هو السبب الشرعي لتبرير شعبه.

ونتعلم من التاريخ ومن الكتاب المقدس أن البشر كافةً جنس ساقط، وخطاة تحت طائلة بلايا كثيرة، منها ما يصيب أولادهم في طفولتهم قبل إمكان صدور معصية منهم بالفعل. وتعليل الكتاب لكل ما تقدم هو أن الله جعل أبانا الأول نائب جنسه الشرعي ورأسه الطبيعي، ووضعه تحت الامتحان بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن كل نسله. فلو تمسك بكماله لثبت هو ونسله في حال القداسة والسعادة إلى الأبد. ولكنه سقط من الحال التي خُلق عليها، فسقط نسله فيها بمعصيته الأولى، فأتى قصاص تلك المعصية عليهم كما أتى عليه. ولما كانوا قد امتُحنوا فيه، وهو أخطأ، نتج من ذلك أنهم يدخلون العالم في حال الخطية والدينونة، فصاروا بالطبيعة أبناء الغضب. إذاً ما يقاسونه من بلايا هذه الحياة ليس أثقالاً غير شرعية ولا نتائج طبيعية لسقوطه فقط، بل هو من الأحكام الشرعية الصحيحة، فتبدأ الولادة تحت حكم الشريعة، وضياع البر الأصلي، والموت الروحي والزمني، نتيجةً لمعصية آدم الأولى وعقاباً عليها. وهذا التعليل لمسألة إثمية الإنسان وشقائه ليس سهل الفهم، لأن طرق الله بعيدة عن الاستقصاء. غير أنه هو تعليل الكتاب المقدس الذي يُقنع العقل والقلب والضمير أكثر جداً مما سواه من التعليلات التي أنشأها الإنسان بفطنته لحل إشكال هذه المسألة.

ومسألة النيابة في علم اللاهوت جوهرية، لأنها محور يدور عليه النظام الإنجيلي، سواءٌ كان البحث في نسبتنا إلى آدم أم إلى المسيح، فإن الدينونة بالنظر إلى خطية آدم نيابية، والخلاص بالمسيح نيابي أيضاً. وإن لم نراعِ هذه الحقيقة النيابية لا نستطيع أن نفهم الكتاب المقدس ولا معاملة الله للبشر، ولا ندرك نظام الفداء، ولا يتضح لدينا أن الخلاص لا يمكن إلا بالمسيح، فلا نائب آخر ينوب عنا في الكون نخلص بنيابته. فكل من رفض المسيح يرفض نائبه الوحيد ويحتقر واسطة إنقاذه الوحيدة من حكم الشريعة ومطلوب العدل. وبنيابة المسيح أيضاً يخلُص الأطفال الذين يموتون قبل أن يدركوا ويرتكبوا الخطايا الفعلية عمداً. وبهذا يخلص المجانين وسائر الذين قد خرجوا عن دائرة المسؤولية الأخلاقية لعلةٍ ما. وهكذا يقال في إمكان خلاص أفرادٍ من الوثنيين الذين لم تتيسر لهم إنارة الإنجيل ومعرفة المسيح (لا العارفين بالفادي لأن مسؤوليتهم لا تُرفع). فإذا أراد الله خلاصهم وكانوا من المختارين وقد أحسنوا استعمال ما عندهم من النور الطبيعي ورفضوا اتكالهم على صلاحهم واستحقاقهم وطلبوا من رحمة الله مغفرة خطاياهم وقبولهم، يُحتمَل خلاصهم بلطفه بنيابة المسيح عنهم، لأننا لا نرى في الكتاب المقدس ما يمنع الرجاء بقبولهم. ولو أن معرفتنا بأحوال الوثنيين تقلل الرجاء بوجود أفاضل منهم يتممون جوهرياً مطالب الإنجيل كالتوبة والاتكال على مجرد الرحمة الإلهية المقدمة لنا بواسطة المسيح. والاعتقاد الشائع عند جميع اللاهوتيين الإنجيليين هو أن اختبار الخلاص يشمل الأطفال الذين يموتون في طفولتهم سواءٌ كانوا من بيوت مسيحية أم غير مسيحية في أي بلاد كانت على وجه الأرض. فإن الأطفال المختارين إذا ماتوا في طفولتهم يُجدَّدون ويخلصون بالمسيح بواسطة الروح القدس الذي يفعل حينما يشاء وأينما يشاء وكيفما يشاء. وهكذا يقال في سائر المختارين الذين لا سبيل لدعوتهم ظاهراً بخدمة الكلمة.

وليس من العدل أن نحسب جُرم خطية شخص على آخر بدون علاقة بينهما. وإذ لم يكن بين الملائكة والبشر ولا بين الملائكة والمسيح علاقة بها يُشمل الواحد في النتائج الشرعية لخطية الآخر أو بره، لم تحسب خطايا الملائكة الساقطين على البشر ولا على المسيح، ولا حُسب بر المسيح لهم.

والله لا ينظر إلينا كأفراد أو أشخاص فقط بل كجنس واحد، ولا يُعتبر سقوط آدم كأنه سقوط إنسان واحد بل سقوط البشر جميعاً بناءً على نيابة آدم في امتحانه عن كل البشر، فوحدة البشر ليست طبيعية فقط بل شرعية أيضاً، أي إن الشريعة تعتبر البشر جنساً واحداً باعتبار علاقته بآدم. غير أن دائرة تلك الوحدة محدودة، ووجودها لا يلاشي علاقة كل فرد منا بشريعة الله، ولا يرفع عنه المسؤولية كشخص مستقل بنفسه.

11 – ما هي الأدلة لإثبات مذهب «الحسبان بدون واسطة»؟

* (1) الدليل الأول من تعليم الكتاب المقدس أن آدم هو بتعيين الله نائب البشر الشرعي ورأسه الطبيعي. وبناء على ذلك أثّرت خطيته الأولى تأثيراً عظيماً في كل نسله لأنها كانت خطية رسمية وبالنيابة عن كل البشر، فحُسب جرم تلك الخطية على كل نسله، ووُلِد كلٌ منهم بطبيعة فاسدة تحت طائلة الموت الجسدي والروحي، فاشتملت نتائج تلك الخطية على قضيتين مهمتين وهما «الجرم المحسوب» و«الفساد الموروث» (انظر فصل25 س8). فكل ما قيل لآدم في جنة عدن قيل له باعتباره نائب نسله. فعهد الحياة (أي عهد الأعمال) قُطع معه بالإصالة عن نفسه وبالنيابة عن نسله، وكذلك السلطان الذي منحه الله له على الطبيعة وعلى المخلوقات. وهكذا يُقال في كل ما هُدِّد به من البلايا على المعصية، بدليل حلوله على كل البشر بالفعل، لأنهم جميعاً وقعوا تحت الآلام الناتجة من طرد آدم من الفردوس ومن لعنة الأرض بسببه، فهم يحصلون على خبزهم بعرق وجوههم، ويولدون في العالم بأتعاب خالين من البر الأصلي وتحت طائلة الموت الجسدي والروحي. فكل ما هُدد به آدم من العقاب المتضمَّن في كلمة «موت» وقع عليهم. وكذلك في الوعد بالفداء، عُومِل آدم كرأس البشر ونائبهم.

وقد ورد ذكر هذه النسبة العهدية في الكتاب المقدس في المقارنة التي عقدها بولس بين آدم والمسيح، وأوضح فيها أن المسيح هو نائب شعبه كما كان آدم نائب نسله، وأن نيابة كل منهما متشابهة، فنتج عن نيابة آدم أن خطيته جلبت دينونتهم الشرعية، ونتج عن نيابة المسيح أن بره برَّر المؤمنين شرعياً (رو 5: 12-21 وأف 2: 3 و1كو 15: 22). فكل البشر خطاة ومذنبون وتحت دينونة الناموس، فلا يقدرون أن يتبرروا بالناموس، إذ لا يقدر الناموس أن يبررهم ويدينهم معاً. ولما كان كل ذي جسد عاجزاً أن يتبرر بأعمال الناموس أرسل الله ابنه ليخلّصنا، فأخذ طبيعتنا وناب عنا وأطاع وتألم عوضاً عنا، وبذلك صنع لنا براً تاماً ذا استحقاق غير محدودٍ. وبناءً عليه يقدر الله أن يكون عادلاً في تبريره الفجار، إذا لم يعتمدوا على برهم الذاتي، وإذا قبلوا هذا البر المقدَّم لهم مجاناً في الإنجيل واتكلوا عليه. وتعليم الإنجيل كله هو أن بر إنسان واحدٍ (المسيح) يُحسب للمؤمنين، ويكون كافياً لتبريرهم عند الله. وأشار الرسول إلى مشابهة ذلك لدينونة البشر بسبب خطية آدم، وبيّن أنه كما أن خطية آدم هي الأساس الشرعي لدينونة جميع الذين ناب عنهم، كذلك طاعة المسيح (أي بره) هي الأساس الشرعي لتبرير جميع المؤمنين به. قال الرسول «وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع» (آية 12) فكيف أخطأ الجميع في خطية آدم إن لم يكن قد أخطأ عنهم، والجميع أخطأوا فيه على سبيل نيابي. وقال الرسول «لأنه إن كان بخطية واحدة مات الكثيرون» وأيضاً «لأن الحكم من واحدٍ للدينونة» (آيتا 15، 16). وهذا يعني أن حكم الله على البشر مبنيٌ على خطية واحدٍ، وذلك الحكم للموت والدينونة. ويتضح من القرينة أن المحكوم عليهم بهذا الحكم هم البشر جميعاً، فقد دينوا بسبب خطية آدم. ولم يقل الرسول إن ذلك الحكم لأجل خطاياهم الشخصية بل لأجل خطية آدم. وقال الرسول أيضاً «لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة» (آية 19) فكلمة «جُعل» تبيّن أنهم لم يكونوا خطاة بأفعالهم، بل جُعلوا خطاة بخطية غيرهم وهو آدم. وإذا اعترض أحد بقوله إن العبارة «إذ أخطأ الجميع» (آية 12) تشير إلى أن الجميع أخطأوا فعلاً، لا لخطأ آدم بالنيابة عنهم، قلنا إن هذا التفسير لا يصح، لأن الرسول في آية 14 أدخل بين الذين اجتاز عليهم الموت الأطفال الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم. ولماذا اجتاز عليهم الموت مع أنهم أبرياء من الخطايا الفعلية وعاشوا قبل إعطاء الناموس الموسوي إن لم يكونوا أخطأوا في آدم نائب الجميع؟ وقال الرسول أيضاً «كنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضاً» (أف 2: 3) فالإشارة في هذه العبارة إلى حال البشر، أمماً ويهوداً معاً. والمعنى أن الجميع يولدون في حالة الخطية التي تستحق غضب الله. وقال كذلك «لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيُحيا الجميع» (1كو 15: 22) ومعنى هذا أن آدم نائبنا وأننا سقطنا فيه.

(2) جاء مبدأ الحسبان في ثلاثة تعاليم جوهرية في الكتاب المقدس، هي حسبان خطية آدم على البشر، وحسبان خطية البشر على المسيح، وحسبان بر المسيح الفادي للمؤمنين. والمبدأ واحدٌ في الجميع. غير أن أحوال الحسبان وشروطه ونتائجه تختلف، فحسبان خطية آدم يعم البشر فعلاً بدون استثناء، وكذلك حسبان خطية البشر على المسيح يعم الجميع احتمالاً، لأنه مات لأجل العالم، وحسبان بر المسيح أيضاً باعتبار كفايته ومناسبته للغاية المقصودة يعم البشر عموماً. غير أن حسبان فداء المسيح وإيمان الخاطئ يتوقفان على شرط قبول الخاطئ للمسيح كما يوضحه الكتاب المقدس. وبذلك ظهرت العلاقة بين تعليم الحسبان على هذه الصور الثلاث التي شرحناها. فالقول إن الله لا يكون عادلاً إن عاقب أحداً لأجل خطايا غيره، وإن صح قانونياً، لا يصح إذا وُجدت علاقة رسمية عيّنها الخالق بموجب نظام مقرر كما في العلاقات الثلاث المذكورة آنفاً. فلا شك أن الله لا يعاقب «بطرس» لأجل خطايا «مرقس» ولكن ليس هذا دليلاً على عدم إمكان قيام علاقة رسمية نيابية بين آدم ونسله أو بين البشر والمسيح والمؤمنين البالغين والأطفال غير المدركين. وإذا نفينا مبدأ الحسبان من الكتاب لم ننفِ تعليم الخطية الأصلية فقط، بل تعليم الكفارة والتبرير أيضاً. فإن كل تقدمة كفارية في نظام العهد القديم وذبيحة المسيح العظيمة في العهد الجديد تشهد بصدق هذا المبدأ. ومثال ذلك أن الذبيحة تحمل خطية الذي يقدمها، وأن الأيادي توضع على الحيوان المقدَّم للذبح للتعبير عن نقل الجرم إليه، ووجوب أن يكون الحيوان المقدم للذبح خالياً من كل نقصٍ وعيبٍ للدلالة على أن دمه لم يُسفك بسبب ذنوبه بل لأجل خطايا غيره. وكل ذلك من باب الرمز والتمثيل، لأنه لا يمكن نقل جرم خطية إلى حيوان غير عاقلٍ، ولا صنع كفارة بدمه. ولكن كان القصد بذلك الرسم تعليم حقائق خطيرة وهي: (أ) عقاب الخطية هو الموت. (ب) الخطية لا يمكن أن تُغفر بدون كفارة. (ج) الكفارة تقوم بالعقاب النيابي، فيقوم البار مكان المجرم ويحمل العقاب عنه. وهذا هو المعنى المدلول عليه وجوباً بالتقدمات الكفارية في كل القرون وبين كل الأمم، والمستفاد من كل أقوال الكتاب ولا سيما من تعليمه في كفارة المسيح، كقوله إنه «أُسلم من أجل خطايانا» (رو 4: 25) وإنه «مات من أجل خطايانا» (1كو 15: 3) وإنه «صار لعنةً لأجلنا» (غل 3: 13) وإنه «تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة» (1بط 3: 18) وإنه «حمل خطايانا» (1بط 2: 24). فيمكن أن تُحسب خطايا شخص على آخر بالعدل بموجب سببٍ كافٍ، وهذا هو معنى التبرير في الأصل، لأنه ليس المقصود به أصلاً تغيير حال الخاطئ، ولا مجرد الصفح والرضى عنه كما لو صفح عن عاصٍ وأُرجع للتمتع بحقوقه الدينية، بل هو استيفاء الشريعة حقها من المبرَّر (أو المصرَّح بأنه بار) سواء كان الوفاء من المبرَّر نفسه أو حُسب له من غيره. فيتضح أن إنكار حسبان خطية آدم هو إنكار لتعليم الكتاب المقدس في الكفارة والتبرير، وقد تعلَّمنا من التاريخ أن الذين رفضوا أحدهما رفضوا الآخر.

(3) قبول هذا التعليم عند المسيحيين في كل القرون، فكان هو اعتقاد كنيسة اليهود في العهد القديم، واعتقاد الكنيسة منذ إنشائها. غير أنه في القرن 17 حاول الأرمينيون (كالبيلاجيين والنصف بيلاجيين) إبطال تعليم الكتاب المقدس هذا والمؤيَّد بحوادث تاريخية عديدة ظاهرة.

12 – ما هو الاعتراض الشائع على حسبان خطية آدم علينا، وما الرد عليه؟

* قيل إن هذا التعليم يناقض عدل الله وصلاحه، لأنه لا يمكن أن يعاقب الله كل البشر على خطية فردٍ منهم، ولو كان ذلك الفرد نائباً عنهم. وإن العلاقة بيننا وبين آدم بنيابته عنا في الامتحان ظلم. فنجيب على ذلك:

(1) جرى ذلك الامتحان في أفضل الأحوال وأنسبها، إذ لا يمكن امتحان إنسانٍ في أفضل وأيسر من أحوال آدم، فكان امتحان البشر بواسطة نائبهم مناسباً جداً لأن يطيع. فإذا قلنا بضياع النظام النيابي في السقوط، فإننا نقوله أيضاً في الخلاص، لأنه كما ناب عنهم آدم بالسقوط ناب عنهم المسيح بالخلاص. وبمجرد نيابة المسيح عنا لا يهلك أحد منا كما سبق القول، لأن مبدأ النيابة هذا يعود على جنسنا الساقط بنفعٍ لا يوصف، ولولاه لكُنّا مثل الملائكة الذين سقطوا كلٌ بنفسه بلا نائب، وهلك بلا نائب يخلصه.

(2) امتحان كل مولود في هذه الدنيا المملوءة من الفساد والشر بمنزلة حكم سابق عليه بالسقوط، إذ لا يكبر أحدٌ في هذه الدنيا ويسلم من تجاربها ولو وُلِد في حال الطهارة. فإذا امتُحن في صِغره تم هلاكه في بداية حياته، وكان الامتحان في وسط شر هذا العالم سبيلاً للسقوط والهلاك بلا رجاء الخلاص بواسطة فادٍ ينوب عنه.

(3) وجود هذا التعليم في كتاب الله يؤكد موافقته لعدل الله وصلاحه. فليس لنا سوى أن نتكل على حكمته وصلاحه وعدله، ونترك هذه المسألة وغيرها من المسائل العويصة إلى أن تتضح لدينا بنور المعرفة السماوية، لأن الله لم يعلن لنا قصده بسماحهِ للخطية أن تدخل إلى العالم، ولا كشف لنا أسرار حكمه الأخلاقي. فمهما اعترضنا على سقوطنا مع آدم في الخطية الأصلية لا يسعنا أن ننكر ما نراه في الواقع من اتصال شرور الوالدين بالأولاد والسلف بالخلف، وهو ما يثبت تعليم الكتاب. فليس لنا أن نتجاسر ونعترض بالكبرياء والجهل، بل أن نقبل تعاليم الكتاب بالتواضع والفرح، عالمين أنه بذات المبدأ الذي نُعاقب بموجبه بسبب خطية آدم نخلص بموجبه بسبب بر المسيح الذي احتمل لأجلنا لعنة الشريعة والقصاص.

(4) يقول الكتاب «النفس التي تخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الآب والآب لا يحمل من إثم الابن. بر البار عليه يكون وشر الشرير عليه يكون» (حز 18: 20). ولكن إذا تحولت المسألة إلى النظام الذي استحسنه الله لامتحان جنسنا ولأجل خلاصنا من الخطية، وجدنا أن المبدأ النيابي على هيئته الرسمية يصح، وقد استحسنه الله في تلك العلاقات المهمة، فلا بد أن يكون مبدأ الحسبان جائزاً ومفيداً، وقد اختاره الله بحكمته وعدله. ووجدنا أيضاً أن الله بحكمته استحسن أن يجعل علاقة بين البشر في أحوال أخرى غير القضايا الثلاث العظيمة التي أشرنا إليها يشترك بها الواحد في نتائج ذنوب الآخر أو فضائله لسبب علاقة وُضعت بينهما بالغاية الإلهية، ومن أمثلة ذلك افتقاد الله ذنوب الآباء في أبنائهم (خر 20: 5) وحلّت اللعنة التي نُطق بها على كنعان على ذريته، ولما باع عيسو بكوريته حُرم نسله من عهد الوعد (تك 25: 29-34) وكذلك الطوفان الذي أُرسِل بالغضب على العالم، وخراب سدوم وعمورة، واستئصال الكنعانيين الذي هلك فيه ألوف الأولاد الأبرياء من الذنوب التي لأجلها أُجريت تلك الأحكام الهائلة. ومُنع بنو عمون وموآب من الدخول في جماعة الرب إلى الأبد لأن أسلافهم قاوموا بني إسرائيل حين خرجوا من أرض مصر (تث 23: 3) وفي فتنة داثان وأبيرام وخيانة عخان أُبيدت النساء والأولاد والأطفال لأجل والديهم (عدد ص16 وتث 7: 24، 25) وقال الله إنه لا يُكفّر عن شر بيت عالي بذبيحة أو بتقدمة إلى الأبد (1صم 3: 14). وقال لداود «لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد لأنك احتقرتني وأخذت امرأة أوريا الحثي لتكون لك امرأة» (2صم 12: 10) وقيل لجيحزي المتمرد «برَص نعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد» (2مل 5: 27) وعيَّنت خطية يربعام ورجال جيله نصيب الأسباط العشرة كل الأيام، ودعاء اليهود على أنفسهم لما طلبوا صلب المسيح وصرخوا «دمه علينا وعلى أولادنا» أصاب بني إسرائيل المشتتين في أقطار العالم.

والعهد الذي قطعه الله مع إبراهيم لم يكن لأجل إبراهيم وحده بل لأجل نسله أيضاً لارتباطهم بكل شروط ذلك العهد، وقد اشتركوا في مواعيده وتهديداته. وفي كثيرٍ من حوادث الكتاب المقدس عوقب الذين لم يشتركوا في العصيان، وكابد الأولاد كل ما كابده البالغون من الأحكام التي حلت على الشعب لأجل خطاياهم، سواء كانت جوعاً أم وبأً أم حرباً. ولما وصل بنو إسرائيل إلى سيناء جدد الله العهد الإبراهيمي ووسعه مع البالغين منهم كنوّاب عن نسلهم. وفي عهد المعمودية ينوب الوالدان عن الولد ويُدخلانه في العهد بدون علمه، وغالباً يتوقف نصيب الأولاد على أمانة الوالدين.

ومن تصفّح التاريخ رآه مملوءاً من أمثلة ذلك، فقصاص المجرم يجلب العار على عائلته، والمسرف والسكير يجلبان الفقر والشقاء الدائمين على كل من له علاقة بهما. وقد تحددت أحوال كل الأمم على وجه الأرض، بدرجات متفاوتة من السعادة أو الشقاء بسبب أخلاق أسلافها.

13 – ما هو الفساد الذي ورثناه من آدم بسبب علاقتنا به؟

* هو الخطية الأصلية، أو فساد الطبيعة، أو الحالة التي تولد عليها النفس بغضّ النظر عن حسبان جُرم معصية آدم عليها. ونرى هذا في:

(1) خلوّ النفس من البر الأصلي الذي كان لآدم قبل سقوطه.

(2) وراثتها طبيعة فاسدة من الوالدين.

(3) عجزها في الأمور الروحية، وهو نتيجة ضرورية لما سبق.

وقد سبق القول إن آدم بعد سقوطه صار يلد أولاداً على شبَهه كصورته، بدون بر، فاسدي الطبيعة وعاجزين عن أن يكونوا صالحين أو يفعلوا الصلاح بقوتهم، وذلك بموجب الناموس العام الموضوع من الله أن الشيء يلد نظيره.

14 – ماذا يُراد بالخطية الأصلية؟

* هي حالة النفس التي تولد عليها بسبب علاقتها بآدم، خاليةً من البر الأصلي، وفاسدةً فساداً طبيعياً. والخطية نوعان: ما يقوم بحالة النفس التي تولد فيها وهو الخطية الأصلية، وما يقوم بالعمل وهو الخطية الفعلية. وعلى ذلك يكون الطفل خاطئاً، لا بمعنى أنه ارتكب الخطية بالفعل، بل لأنه وُلد في حال الخطية لا في حال القداسة، وأن جرم خطية آدم حُسب عليه. وهذه الحال هي التي تُسمى باعتبار فساد طبيعتنا «الخطية الأصلية» وهي وحدها لا تُهلك النفس لأن الكتاب يفيدنا أن الذي يموت قبل سن التكليف يخلُص بحسبان بر المسيح له، وبنواله فوائد الفداء.

وأما تسمية هذه الحال الناقصة والفاسدة (التي يولد عليها جميع البشر منذ السقوط) بالخطية الأصلية فسببه:

(1) إن مرتكبها خاطئ بطبيعته، فهي ليست مجرد بلية أو حادثة محزنة.

(2) إنها صدرت من آدم باعتباره أصل جنسنا ونائبه.

(3) إنها أصل جميع الخطايا الأخرى.

(4) إنها تتميّز عن الخطايا الفعلية.

15 – ما هو تعريف الخطية الأصلية سلباً وإيجاباً؟

* التعريف السلبي هو أن الخطية الأصلية (أي فساد الطبيعة المأخوذ من آدم) ليست:

(1) فساد ذات النفس أو جوهرها، فإن جوهر النفس لا يتغير بالسقوط، لا قبل الولادة الثانية ولا بعدها، بل تتغير ميولها وأحوالها. ففسادها الأصلي لا يمس جوهرها بل أخلاقها وطبائعها وميول الإرادة فيها، لأن الإرادة انحرفت عن الصلاح وحادت عن الحق.

(2) ليست الخطية الأصلية عنصراً دخيلاً على النفس وممزوجاً بها كما يُمزج السم بالشراب.

(3) وليست ضياع شيء من القوى، لأنها لا تزال تملك جميع قواها.

وأما التعريف الإيجابي فهو أن الخطية الأصلية:

(1) فساد عام في أحوال كل قوى النفس، غير أنه لا يمس جوهرها بل ميولها فقط. وهذا يتضمن: خلوّها من البر الأصلي، وفساد طبيعة الإنسان الأخلاقية فساداً تاماً يشمل الحيدان عن الله وعن كل خيرٍ روحي، والميل إلى كل شرٍ، وأن كل ذلك يُحسب خطية.

(2) لا تفارق الخطية البشر حتى المتجددين منهم، بل تحفظ فيهم صفاتها الشريرة بدرجات مختلفة، لأن تقديس النفس لا يكمل في هذه الحياة، بخلاف التبرير الذي يكمل حالاً عند الإيمان بالمسيح.

(3) إنها تُميت النفس روحياً، فالإنسان الطبيعي غير المتجدد عاجز من تلقاء ذاته عن كل عملٍ صالح، ولو أن هذا لا يخلّصه من المسؤولية، ولا يزال صاحب إرادة حرة.

وتعمّ الخطية الأصلية جميع قوى النفس بدون استثناء، وهذا هو المقصود بالقول إن الإنسان كلي الفساد بطبيعته، أي أن الفساد يشمل كل قوى نفسه، لا أنه بلغ في عمله الدرجة القصوى من الشر. ويعلّمنا الكتاب أن هذا الفساد الأصلي موروث، خاص بطبيعتنا البشرية لا مكتسَب من معاشرة الأشرار بعد الولادة. ومما يدلنا على أنه أصليٌ فينا أنهُ يسبق كل اختبار ويظهر في كل واحد من أول الحياة بدون استثناء، وأنه لا وسيلة للتخلص منه سوى بالولادة الثانية بروح الله وفعل النعمة الإلهية في القلب.

16 – ما هي التعاليم التي تناقض التعليم الإنجيلي في الخطية الأصلية؟

* (1) التعليم أن الجنس البشري لم يتضرر من سقوط آدم.

(2) التعليم أن الخطية الأصلية هي سلبية تقوم بعدم البر الأصلي فقط.

(3) التعليم أن للإنسان طبيعة فاسدة موروثة وميولاً للخطية، ولكن ذلك الفساد وتلك الميول ليست خطية.

(4) القول إن الطبيعة البشرية منحطة انحطاطاً أخلاقياً يستحق غضب الله، وهذا خطية. غير أن الإنسان لم يبلغ حالة الموت الروحي وعجزه الكامل عن إرضاء الله.

(5) القول إن تأثير الخطية الأصلية ليس في النفس كلها، وإن قوى العقل تميزت عن بقية القوى بأنها سليمة من الضرر. وقال غيرهم إن مقر الخطية الأصلية ليس سوى الجسد. لكن المذهب الإنجيلي العام هو أن الإنسان كله نفساً وجسداً خضع لفساد طبيعته التي أخذها من آدم، غير أن مقر الخطية ليس الجسد بل النفس.

17 – ما هي الأدلة على صدق التعليم الإنجيلي في الخطية الأصلية؟

الأدلة على ذلك ستة وهي:

(1) إثمية كل البشر.

(2) إثمية البشر الكاملة.

(3) إثمية البشر منذ الطفولة.

(4) شهادة الكتاب المقدس.

(5) شهادة عموم الموت.

(6) شهادة إيمان الكنيسة في كل القرون.

18 – كيف تبرهن إثمية كل البشر؟

* إثمية كل البشر تعني أن جميع البشر خطاة، ويتضح ذلك من:

(1) الكتاب المقدس: (أ) الذي يقول إن كل البشر خطاة، ونقتبس قول المرنم «لن يتبرر قدامك حيٌ» (مز 143: 2) وقال بولس إن كل العالم تحت قصاصٍ من الله، وإنه لا فرق، إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله (رو 3: 19، 22، 23) وإن الكتاب أغلق على الكل تحت الخطية (غل 3: 22) فهم تحت سلطان الخطية ودينونتها. وقال يعقوب «لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا» (يع 3: 2). وقال يوحنا «إن قلنا إنه ليس لنا خطية نُضلّ أنفسنا وليس الحق فينا» وأيضاً «العالم كلهُ قد وُضع في الشرير» (1يو 1: 8، 10 و5: 19 اُنظر أيضاً جا 7: 20 وإش 53: 6 و64: 6 ومز 130: 3).

(ب) يذكر الكتاب عمومية الخطية كأمر مسلّم به، فإن كل ما جاء فيه عن الخطاة والديانة لا يوافق إلا من كان في حال الخطية، وجميع فرائض العهد القديم وتعاليم العهد الجديد مبنية على أن البشر تحت سلطان الخطية ودينونتها.

(ج) جاء في رومية ص 1-3 و7: 14-25 و8: 1-8 أن الجميع يهوداً وأمما تحت الخطية المتسلّطة على قلوب الجميع.

(2) من الاختبار والتاريخ: لا يشك أحدٌ بحسب خبرته أنه هو نفسه خاطئ، وأن كل إنسان يعرفه هو أيضاً في حال الارتداد عن الله. ولم يرد في التاريخ ذكر أمة أو قبيلة أو عائلة بريئة من الخطية، ولا ذُكر شخص لم يتدنس بها سوى الإنسان يسوع المسيح الذي امتاز عن جميع البشر في خلوّه منها (1يو 3: 5). ففي بداية تاريخ البشر بعد سقوط آدم قيل إن آدم ولد ولداً على شبَهه كصورته (تك 5: 3) أي على صورة طبيعته الساقطة. وكل من طالع تاريخ البشر وجده مملوءاً من الشرور والرذائل والمظالم وأعمال القسوة والغش والخبث. وقد سُنَّت القوانين لتحفظ حقوق الناس وتمنع ارتكاب الشر وتجديف الأثيم وقصاص المذنب. وصدَق القول الجامعة «هذا وجدتُ فقط: أن الله صنع الإنسان مستقيماً، أما هم فطلبوا اختراعات كثيرة» (جا 7: 29).

19 – كيف تبرهن إثمية البشر الكاملة؟

* المقصود بإثمية البشر الكاملة أنهم بسبب ارتدادهم عن الله فسدوا جميعاً فساداً تاماً، وأن هذا الفساد شرٌ عظيمٌ في نفسه. لكن لا يُراد به أن كل البشر فاسدون فساداً متساوياً، ولا أن كل فرد منهم فاسد كل الفساد، ولا أنهم خالون من جميع الفضائل الأخلاقية، لأننا نتعلم من الكتاب المقدس أن البشر على درجات متفاوتة جداً من الأمانة واللطف والإحسان، ويقول الوحي إن الأمم أنفسهم يفعلون بالطبيعة ما هو في الناموس، ويخضعون لسلطان الضمير الذي يمدح أو يذم سيرتهم الأخلاقية، وإن كان بدرجات متفاوتة (رو 2: 14، 15). فالكتاب يعلّمنا عن فساد البشر الكلي، وخلوّهم التام من القداسة، وعدم إدراكهم للصفات الإلهية ولا علاقتهم بالله خالقهم وفاديهم. وقد ابتعد البشر عن الله حتى أنهم لا يفهمون حقه، والجميع يميلون إلى تفضيل الدنيا على الدين واحترام المخلوقات دون الخالق. ولما كان ذلك ارتداداً كلياً عن الله قال الكتاب إن كل البشر أموات روحياً، أي خالون من كل أصول الحياة الروحية. ويتضح فساد طبيعتنا المطلَق مما يأتي:

(1) من ثماره غير المحصاة وشيوعها الغريب، كخطايا الجسد والخلاعة، والتعدي على حقوق الغير، وخطايا القلب كالكبرياء والحسد والحقد، وخطايا اللسان كالنميمة والغش، وخطايا عدم الشكر والتدنيس والتجديف، مما شاع في كل العالم.

(2) من قِلة مراعاة البشر كافة (ما عدا المتديّنين) حقوق الله الفائقة، ومن إهمالها دائماً، فإن الجميع يسلكون كأنهم غير مسؤولين لله. ولما كان هذا الابتعاد عن الله عاماً وكلياً قال الرسول إن البشر أعداء الله (رو 5: 10) وإن اهتمام الجسد (أي ميل العقل البشري العام الطبيعي) عداوة لله (رو 8: 7).

(3) رفض الذين أتى المسيح ليخلّصهم شخصه الكريم وخلاصه العظيم. لقد اجتمعت في المسيح كل كمالات اللاهوت وجميع فضائل الناسوت، ورسالته هي رسالة المحبة غير المدرَكة وغير المتغيرة وغير المحدودة التي لا يستحقها العالم، وبسبب محبته وضع نفسه ووُلِد من امرأةٍ تحت الناموس وعاش حياة الفقر والمسكنة والحزن والاضطهاد، واحتمل آلاماً شديدة لا تُدرَك لأجلنا. وأخيراً حمل خطايانا في جسده على الصليب حتى صار ممكناً أن الله يبرر الفاجر، وحصّل لنا الحكمة والبر والقداسة والفداء وبركات لا تُحصى عدداً وقيمةً، وهو يهبها لجميع الذين يقبلونها بدون فضة ولا ثمن، ووعد أن يجعلنا ملوكاً وكهنة لله (رؤ 1: 6) ويرفعنا إلى حال المجد والسعادة. ولكن البشر رفضوه رغم كل سموّه الإلهي وعظيم محبته وشدة آلامه لأجلهم وقيمة البركات الضرورية لخلاصهم التي أعدّها لهم. جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله، وأبغضه العالم منذ عرفه ولا يزال يبغضه، ويأبى أن يعترف أنه إلهه ومخلِّصه، وأن يقبل هبات خلاصه ويحبه ويخدمه. ألا ترى أن تصرُّف البشر نحو المسيح هو من الأدلة القاطعة على ارتداد جنسنا العام وعمق الفساد الذي غرق فيه؟

(4) من أن الخطية الأصلية غير قابلة للإصلاح، لأن الخطية مرض فينا لا يقبل الشفاء ولا ينجح فيه دواء، بدليل أن البشر قد حاولوا أن يكفروا عنها بل أن يلاشوها، واستعملوا كل ما في طاقتهم، وجربوا أصول الفلسفة والتهذيب الأخلاقي، واعتزل بعضهم معاشرة بني جنسهم، واستعانوا بكل قواهم وإرادتهم وباشروا أشق أعمال إنكار الذات وأشدها ألماً، فكانت النتيجة الوحيدة هي الفشل. فلا يمكن جعل الثمرة جيدة بدون أن تكون الشجرة جيدة.

(5) من اختبار شعب الله في كل زمان ومكان، فأيوب أفضل رجال جيله وضع يده على فمه أمام الله وقال «لذلك أرفض (أي أرفض نفسي) وأندم في التراب والرماد» (أي 40: 4 و42: 6). ومزامير التوبة لداود مملوءة من اعترافه بالخطية والإقرار بفساده العميق لدى الله. وإشعياء صرخ «ويلٌ لي! إني هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين» (إش 6: 5) والأنبياء القدماء (حتى الذين قُدِسوا من الرحم منهم) قالوا إن كل أعمال برّهم كثوبٍ نجس (إش 64: 6). وأظهر كتَبة العهد الجديد الأطهار نفس هذا الشعور العميق بإثميتهم والاقتناع العميق بإثمية بني جنسهم قاطبةً. قال بولس عن نفسه إنه أول الخطاة وتأوَّه من أنه جسديٌ مبيع تحت الخطية، وأنَّ من ثقل الطبيعة الشريرة وصرخ «ويحي أنا الإنسان الشقي! من ينقذني من جسد هذا الموت؟» (رو 7: 24). ومن عهد الرسل إلى الآن لم يختلف أحدٌ في هذا الأمر.

20 – كيف تبرهن إثمية البشر منذ الطفولة؟

* يتبرهن ذلك من أن الولد حالما يقدر أن يعمل عملاً أخلاقياً يرتكب ما يدل على فساده الأصلي. راقب طفلاً يتعامل مع أخيه، ترَ الغضب والحقد والأنانية، وإلقاء اللوم على الغير، والكذب، وغير ذلك من الأخلاق الشريرة، ويظهر أنه يميل إلى العالم، وأن نفسه ترتد عن الله الخالق وعن طلب القداسة والفضل الأخلاقي.

21 – كيف تبرهن وجود الخطية الأصلية من الكتاب المقدس؟

* (1) يعلن الكتاب فساد طبيعة البشر، فيقول إن البشر يخطئون جميعاً منذ أول وجودهم، ويقول إن قلب الإنسان شرير « القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس، من يعرفه؟» (إر 17: 9) «امتلأ قلب بني البشر فيهم لفعل الشر» (جا 8: 11) «كل تصوُّر أفكار قلب الإنسان إنما هو شرير كل يومٍ» (تك 6: 5) «تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته» (تك 8: 21). والقلب في الكتاب يشير إلى نفس الإنسان أو الجوهر الذي يفتكر ويشعر ويشتهي ويريد، ومنه تصدر الأفكار والشهوات والمقاصد الصالحة والشريرة. ومن ثمار البشر نعرفهم «هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً؟ هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً ردية. لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثماراً ردية ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيدة.. اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيداً أو اجعلوا الشجرة ردية وثمرها ردياً، لأن من الثمر تُعرف الشجرة» (مت 7: 16-19 و12: 33). وخلاصة هذه الآيات أن أعمال الإنسان الأخلاقية وأفكاره ومشاعره تنشأ عن طبيعته، وأن الأعمال لا تكوّن طبيعة الإنسان بل تعلن حقيقتها، كما أن ثمر الشجرة لا يكوّن طبيعتها بل يعلنها، وأن في طبيعة الإنسان ما هو متميّز عن أعماله وسابقٌ لها وينشئ سيرته سواءٌ كانت جيدة أم رديئة. فالخطية بين البشر (حسب تعليم المسيح) تدل على رداءة طبيعتهم كما أن الثمر الرديء يدل على رداءة طبيعة الشجرة. قال المرنم «بالإثم صُوّرت وبالخطية حُبلت بي أمي» (مز 51: 5). وقول المسيح «المولود من الجسد جسد هو» (يو 3: 6) ومعناه أن المولود من والدين فاسدين هو نفسه فاسد بسبب تناسله منهما بدليل ما يأتي: (أ) استعمال كلمة «جسد» في الكتاب يدل على السقوط والفساد، فقد جاءت فيه وصفاً للجسد الإنساني أو لعضوٍ منه، كما جاءت إشارةً لطبيعة الإنسان الجسدية في حالة فسادها، فقيل «الوجود في الجسد» بمعنى الوجود في حالة طبيعية غير متجددة و«أعمال الجسد» بمعنى أعمال الإنسان الناتجة من طبيعته الفاسدة و«السلوك حسب الجسد» بمعنى التصرف تحت سلطان طبيعة الإنسان الخاطئة. فالإنسان جسدي واهتمامه جسدي وهو فاسد وعبدٌ للخطية. (ب) هذا التفسير واضح من اقتضاء المقام، فقول المسيح «المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح» يعني أن المولود من الروح هو من الروح القدس، مقدس ومشابهٌ لطبيعة الروح القدس. ومعنى الجزء الأول من الآية أن المولود من الجسد هو من أصل شرير، لأنه مولود من والدين ساقطين، أخذ منهما المولود طبيعةً ساقطة. (ج) قرينة الكلام، فقد قال المسيح إن السبب العام لضرورة التجديد أو الولادة الروحية هو أننا أخذنا طبيعة فاسدة بولادتنا الطبيعية. ويؤيد هذا قول الرسول «الذين نحن أيضاً (اليهود والأمم) كنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضاً» (أف 2: 3). ولما كان معنى «أبناء الغضب» في العبرية «الذين تحت الغضب» يكون معنى هذه العبارة أننا نحن (مثل الباقين) تحت الغضب الإلهي العادل ودينونته، ليس فقط بسبب سيرتنا الفاسدة، بل كنتيجة ضرورية للحالة التي وُلدنا عليها، لأننا بالطبيعة أبناء الغضب. ويقول بولس إنه هو وبطرس بالطبيعة يهوديان، أي أنهما بحسب ولادتهما يهوديان لا دخيلان. وقال أيضاً إن الأمم يفعلون بالطبيعة ما هو في الناموس، أي من ميولهم الداخلية لا من التعليم الخارجي. وقال أيضاً إن آلهة الأمم ليسوا بالطبيعة آلهة، أي أنهم ليسوا آلهة بالحقيقة بل بحسب اعتقاد بعض البشر. ويقول العلماء والعامة إن البشر بالطبيعة متكبرون أو قساة القلوب أو عادلون، ويصدق عليهم هذا بالنظر إلى طبيعتهم لا بسبب سلوكهم أو صفاتهم المكتسبة فقط.

(2) وصف الكتاب المقدس رداءة حالة الإنسان الطبيعية منذ السقوط، تعبيراً عن الخطية الأصلية، فقال إن البشر جميعاً من كل أمة وفي كل قرن أموات روحياً، وإن الإنسان الطبيعي (أي الإنسان حسب طبيعته) خالٍ من حياة الله الروحية ومظلم البصيرة لا يعرف ما لله ولا يقبله، ولا تفعل الحقائق الروحية فعلها فيه لأنه لا يحس بها بل هو من هذا القبيل كالميت الذي لا يحس. وهو أيضاً متجنّب عن الله عاجز عن إنقاذ نفسه من حالة الفساد والشقاء هذه. وإن جميع الذين خلصوا من هذه الحالة التي خُلقوا عليها هم الذين تجددوا بالروح القدس وساروا بقوة الله الروحية، ولهذا السبب دُعُوا روحانيين، لأنهم خضعوا لسلطان الروح القدس الذي هو أعلى من سلطان الطبيعة البشرية الساقطة.

(3) تعليم الكتاب بلزوم الفداء العام، فالكتاب يبرهن وجود الخطية الأصلية بقوله إن البشر جميعاً يحتاجون لفداء المسيح، وإنه لا خلاص لأحدٍ من البشر بغير هذا الفداء. وقد أجمع المسيحيون على أن الأطفال يحتاجون إلى الفداء كالبالغين لأنهم داخلون أيضاً في عهد النعمة كما دخلوا في عهد الأعمال.

(4) يعلّم الكتاب ضرورة تجديد الروح القدس للإنسان، فيغيّر قلبه أو طبيعته، فتنتقل النفس من حالة الموت الروحي إلى حالة الحياة الروحية، وهو نفس التغيير من الخطية إلى القداسة الذي قال المسيح إنه ضروري للخلاص (يو 3: 1-8 قارن كو 3: 9، 10 وتي 3: 5، 6). وبرهان ذلك أن الخطاة يحتاجون إلى التجديد والأطفال يحتاجون إلى التجديد. والذي يحتاج إلى التجديد هو في حال الخطية. إذاً الأطفال والخطاة هم في حال الخطية.

ويتبرهن احتياج الأطفال للتجديد مما يأتي: (أ) من قول الكتاب إن كل البشر يجب أن يولدوا من الروح ليدخلوا ملكوت الله. أي كل المتناسلين من آدم تناسلاً طبيعياً بدون استثناء، وسبب ذلك يعمّ الأطفال أيضاً، فكلام المسيح في هذا الموضوع يفيد أن جميع المولودين من الجسد يجب أن يولدوا ثانية لمجرد أنهم مولودون من الجسد. (ب) من إدخال الأطفال دائماً مع والديهم في كل عهود النعمة والمواعيد التي أُعلنت وقُطعت. فالوعد لأبوينا الأوَّلين بالفادي كان لهما ولنسلهما، والوعد لإبراهيم كان له ولنسله أجمع، بالغين وأطفالاً. وقُطع العهد على جبل سيناء مع الشعب ومع أطفالهم (تث 29: 10-13). ويعلّمنا الكتاب أن الأولاد منذ ولادتهم يحتاجون إلى الخلاص ولهم حق الشركة في نظام الفداء. (ج) من علامة وختم عهد النعمة (وهو الختان في العهد القديم، والمعمودية في العهد الجديد) للأطفال المولودين حديثاً. لأن الختان كان علامة وختم العهد بين الله والعبرانيين. ويعلّمنا الكتاب أن للختان معنى روحياً، وهو أن الذين يختتنون يحتاجون إلى الطهارة الداخلية، وأن الوعد بالبركة العظيمة هو للأبناء حسب العهد الذي كان الختان خَتْمُه. فختان القلب هو الختان الداخلي بواسطة الروح القدس تمييزاً عن الختان الخارجي في الجسد (تث 10: 16 و30: 6 وحز 44: 7 وأع 7: 51 ورو 2: 28). فختان الأطفال في اليوم الثامن بعد ولادتهم يدل على أنهم مولودون بالخطية ومحتاجون إلى التجديد. وما قيل عن الختان يُقال عن المعمودية. ولما كانت المعمودية حسب تعليم المسيح واستعمال الكنيسة تستلزم أن المعمَّدين خطاةٌ محتاجون للغفران وتجديد الروح القدس كانت دليلاً على أن تعليم الخطية الأصلية ثابت في المسيحية.

22 – كيف تبرهن عموم الموت كنتيجة للخطية الأصلية؟

* عموم الموت من الحجج القاطعة على صدق التعليم الإنجيلي في الخطية الأصلية، لأن الموت حلّ بالبشر عقاباً على الخطية. أما الذين أنكروا الخطية الأصلية فلم يمكنهم التخلص من هذا الدليل إلا بإنكار أن الموت عقاب، فقالوا إنه شرٌ طبيعي صادر عن طبيعتنا، وهو ليس برهاناً على أن كل البشر خطاة أكثر مما يكون موت البهائم برهاناً على أنها خاطئة.

ورداً على ذلك نقول:

(1) ليس البشر بهائم، فموت البهائم غير العاقلة والتي لا تخطئ ليس برهاناً على أن البشر لا يموتون بسبب خطيتهم، لأن ما يصح في البهائم لا يصح في البشر.

(2) هذا الاعتراض يناقض كلمة الله التي تقول إن الموت جُعل عقاباً على آدم لمعصيته، فلو لم يخطئ ما مات. قال الرسول بولس إن الموت هو أجرة الخطية (أو قصاصها) وإنه حدث بسبب الخطية (رو 6: 23 و5: 12). وقد اتخذ هذا المبدأ أساساً لبحثه في رو 5: 12-20 الذي خلاصته أنه حيث ليس شريعة ليس خطية، وحيث ليس خطية لا قصاص. لكن جميع البشر تحت القصاص، إذاً جميعهم خطاة. والدليل الذي أورده الرسول على أن جميع البشر تحت القصاص هو موتهم، لأن الموت هو قصاص. وقال الرسول أيضاً إن الموت مَلَك من آدم إلى موسى، وإنه اجتاز إلى جميع البشر بدون استثناء لأن الجميع خطاة. فموت الإنسان عقاب له وإجراؤه برهان قاطع على الجرم. فموت الأطفال دليل كافٍ على خطيتهم الأصلية.

23 – ما هي شهادة إيمان الكنيسة في كل القرون على الخطية الأصلية؟

* أجمع المسيحيون على هذا التعليم. وإن كنا نحن الإنجيليين نعتقد أن كلمة الله المتضمنة في أسفار العهدين القديم والجديد هي القانون الوحيد المعصوم للإيمان والعمل (بغير حاجة للتقليد) إلا أننا لا نرفض إرشاد الكنيسة باعتبارها هيكل الروح القدس ومتعلمة منه، ولا نفصل أنفسنا عن جماعة المؤمنين العظيمة في كل القرون، بل نعتقد أن المسيح وعد شعبه بالروح القدس ليرشدهم إلى معرفة الحق، وأن ذلك الروح المبارك يسكن في جميع بني الله ويعلمهم ويرشدهم إلى معرفة الحق وتصديقه. ولذلك فلشعب الله الحقيقي إيمانٌ واحد في كل ما هو جوهري، وربٌ واحد وإله واحد وآبٌ واحد للكل. وكل تعليم يمكن أن يُبرهن أنه جزء من إيمان أولاد الله الحقيقيين في كل قرنٍ يستحق القبول، ما دام لا يتناقض مع الكتاب المقدس، وقد أجمع اليهود في زمان العهد القديم، وأجمع المسيحيون الحقيقيون على عموم الخطية وعلى فساد قلوبهم وطبيعتهم، وعلّموا أن هذا الفساد متسلط على الناس الذين أنّوا تحته كحِمل شاق، وعرفوا أنهم بالطبيعة أبناء الغضب. ويقدم الوالدون المسيحيون أولادهم للمسيح ليغتسلوا بدمه ويتجددوا بروحه، كالأمهات اللواتي ازدحمن حول المسيح وهو على الأرض ومعهن أطفالهن المرضى راجيات شفاءهم بنعمته وقدرته. فمهما اكتنف تعليم الخطية الأصلية من الصعوبات والإبهام يجب أن نقبله لأنه منصوص عليه في الكتاب المقدس ومثبت بالأدلة القاطعة ومقرر في إيمان الكنيسة كلها.

24 – ما هو سبب الاعتراض على التعليم الإنجيلي في الخطية الأصلية؟

* وردت على هذا التعليم اعتراضات كما وردت على غيره من حقائق الوحي، لأن البشر يجهلون الحقائق وارتباطها ببعضها. فنحن نعرف مثلاً أن الله موجود، وأنه يدير الكون وكل ما فيه، ولكن لا نعلم كيف نوفّق بين سياسته الفعالة وحرية اختيار المخلوقات العاقلة. ونعرف أن في العالم خطية وشقاء، وأن الله غير محدود في القدرة والقداسة والصلاح، ولكن لا نعرف كيف نوفق بين انتشار الخطية وصفاته الصالحة.

ولا يمكن منع الاعتراضات على ما هو مثبَت إثباتاً كافياً من التعاليم والحقائق، ولا يمكن إزالة كل ما فيه من الصعوبات. وليس هذا دليلاً على بطلانه وليس عذراً لرفضه. ولما كان الاعتراض على تعليم الخطية الأصلية ليس مجرد اعتراض على حقيقة تعليمية فقط، بل على حقيقة واقعة ملموسة، فيمكن رفض الاعتراض بدون صعوبة.

25 – ما هي الاعتراضات على التعليم الإنجيلي في الخطية الأصلية وما هو الرد عليها؟

* تنحصر الاعتراضات في أربعة أقوال:

(1) دخول البشر إلى العالم ساقطين في حال الخطية لا يوافق عدل الله وصلاحه.

(2) إن ذلك يجعل الله منشئ الخطية.

(3) إن ذلك يسلب الإنسان حرية إرادته.

(4) إن ذلك يجعل الإنسان مسؤولاً عن حالته الأصلية التي وُلد فيها.

وسنبحث عن كلٍ من هذه الاعتراضات بالتفصيل، فنقول:

(1) يقولون إن دخول البشر إلى العالم ساقطين في حال الخطية لا يوافق عدل الله وصلاحه. فنجيب: يقول الكتاب إن كل ما يعمله الله حق، فإذا سمح بولادة البشر في حال الخطية فلا بد أن يكون ذلك موافقاً لكماله الإلهي، كما أن تدبيره وسائط الخلاص من تلك الحالة السيئة حتى لا يهلك أحد لمجرد ولادته في الخطية، وفتحه باب التوبة للخاطئ ليتوب فيحيا توافق كماله الإلهي. ثم إن الكتاب المقدس يعلّل فساد البشر ويبيّن عدم تناقضه مع عدل الله، فقد امتحن آدم امتحاناً عادلاً رسب فيه، فأصابه الموت الروحي كما أصاب المولودين منه كجزء من العقاب الشرعي على معصيته، أو كنتيجة ضرورية منها. فإذا رفض أحد هذا التعليل لفساد البشر لا يقدر أن ينفي حقيقة الفساد، ويرفض ما أنعم الله علينا به من الإنارة والإفادة من هذه المسألة المعقدة.

(2) يعترضون بأن وجود الخطية الأصلية يجعل الله منشئ الخطية، وقالوا إنه لما كان الله هو خالق طبيعتنا، وهي خاطئة، فلا بد أن يكون الله منشئ الخطية. ونجيب: هذا القياس مغالطة، بدليل أن كلمة «الطبيعة» مستعملٌ في المقدمة الكبرى بمعنىً وفي المقدمة الصغرى بمعنى آخر، ففي الأولى استعملوه بمعنى الجوهر المخلوق، وفي الأخرى بمعنى الميل الأخلاقي أو الحالة الروحية. نعم إن الله هو منشئ جوهرنا ولكن جوهرنا ليس خاطئاً، وهو أيضاً خالقنا ومكوّن طبيعتنا وأبو أرواح جميع البشر، بمعنى أنه وضع الشرائع والقوات الثانوية الفاعلة في إنشاء البشر، وهي في كل حين خاضعة لسلطان إرادته. ولكنه لم ينشئ الصفات الشريرة الملازمة لطبيعتنا منذ الولادة، لأن تلك الصفات تنشأ بالوراثة من والدينا. أما تعليم الخطية الأصلية فلا يدل على أن الله ينشئ الشر فينا، بل على أنه يترك جنسنا المرتد للولادة الطبيعية بمقتضى الناموس الثابت أن الشيء يلد نظيره، فننمو خالين من البر الأصلي ومن حلول الروح القدس بنعمته في قلوبنا. ولما كان هذا الناموس الثابت وهذا الخلو من النعمة ينشأ عنهما بالضرورة موتٌ روحي، فلا يكون الله منشئ الخطية، لأن أصل ذلك الموت الروحي ليس الله، بل آدم الخاطئ الأول الذي خُلق في حال الطهارة وسقط، وبه سقط البشر.

(2) ولنا دليلان على أن الله ليس منشئ الخطية: (أ) قبول فكرة أن الجسد والنفس ينشئان بالتناسل الطبيعي بمقتضى ناموس أن الشيء يلد نظيره، فتكون طبيعة الإنسان الأثيمة قد نتجت من ولادته من والدين خاطئين أخذ منهما طبيعة مثل طبيعتهما. أما عمل هذا الناموس فظاهر دائماً وفي كل مكان بدليل ما نراه غالباً من مشابهة خواص الأولاد العقلية والجسدية والأخلاقية لخواص الوالدين، ومن انتقال صفات كل الأمم والشعوب والقبائل إلى نسلهم من جيل إلى آخر، فالعائلات تحفظ الصفات والميول والمواهب الخاصة بها قرناً بعد آخر وتنقلها إلى أجيالها التابعة. فنسل البدو بدو، ونسل المصري مصري، وهلم جراً. ولما كان ناموس نقل الصفات غير محصور في القوى الجسدية، كان من المنتظر والمرجح أن يكون عاماً في البشر، يمتد إلى نقل الطبيعة الفاسدة الأثيمة. (ب) قبول مذهب أن الله يخلق النفوس مباشرة، لا متناسلة تناسلاً طبيعياً، طاهرة في ذاتها غير أنها خالية من البر الأصلي الذي كان لآدم. ومتى عملت فيها أسباب الإثم ساقتها إلى المعصية والخطأ. والمذهب الأول (الذي يقول إن الشيء يلد نظيره) وإن كانت ولادة الإنسان في الإثم مما يصعب تصوره، أقرب إلى الصواب من المذهب الثاني وهو أن الله يخلق النفس طاهرة، وإن كانت ولادتها في الخطية من الأمور التي يعسر فهمها باعتبار صلاح الله. غير أن تلك الولادة في الخطية ليست من قبيل الخطية الفعلية الصادرة عن الإرادة الحرة، بل من قبيل الخطية الأصلية، ولا تهلك نفس بسببها بدليل أن الله يمكن أن يأذن أن نولد خطاة ولا يسمح بأن نهلك لمجرد هذا السبب، بل ينسب استحقاق بر المسيح خلاصاً لكل من يموت قبل أن يصير مسؤولاً بنفسه عن الخطايا الفعلية. وكل ذلك مما يخفِّف صعوبة المسألة. على أن الولادة في الخطية على مذهب أن الله يخلق النفس طاهرة لم تزل مشكلة.

(3) ويعترضون بأن تعليم الخطية الأصلية ينفي الإرادة الحرة، لأنه إن كنا مولودين بطبيعة فاسدة تعمل ما هو رديء فقط، لا نكن مخيَّرين في ما نعمل، فلا نكون مسؤولين عن أعمالنا. فنجيب: هذا الاعتراض مبني على افتراض خاطئ سنشرحه أكثر في الفصل القادم ونرد عليه. وهم يوردون الاعتراض نفسه على قضاء الله، وعلى النعمة الفعالة، وعلى سعادة القديسين المحققة، وعلى سائر التعاليم التي تشترك فيها إرادة الإنسان الحرة. وتعليم الخطية الأصلية يستلزم أن البشر مخيّرون في ارتكاب الخطية، بنفس درجة ونوع حرية القديسين والملائكة. وكل مخلوق يتصرف بحسب طبيعته بدون معارضة من خارج نفسه.

(4) يعترضون بأن تعليم الخطية الأصلية يجعل الإنسان مسؤولاً عن حالته الأصلية التي وُلد فيها، والإنسان لا يُسأل إلا عن أعمال إرادته الحرة. ونجيب: أوضحنا في فصل 24 س 9، 10 أن أخلاق الإنسان تتوقف على طبيعته وليس على أصله. والخطية الأصلية ليست من الله بل من الإنسان الذي خُلق أولاً باراً وسقط. مثال ذلك آدم الذي كان قديساً لأنه خلق قديساً. أما القديسون فهم هكذا لأنهم تجددوا وتقدسوا بقوة الله القادر على كل شيء. وكذلك النفس الخاضعة لأخلاقيات شريرة (وإن كانت تلك الأخلاقيات طبيعية وخارجة عن سلطان الإرادة في نسل آدم) هي شريرة لا محالة، لأنها ليست من قوة متسلطة على الإرادة البشرية، بل أصلها من إرادة آدم الذي امتُحن فيه جنسنا.

ولم ينشأ هذا الاعتراض عند أصحابه لأنهم يعترضون على الوحي، ولا على شهادة الاختبار والتاريخ، بل لأنهم وجدوا صعوبة في التوفيق بين تعليم الخطية الأصلية ومبادئ يؤمنون بها، منها قولهم إن الإنسان مخيّر ومسؤول أمام الشريعة المقدسة. وهذه الصعوبة لا تنفي صحة تعليم الخطية الأصلية، سواء قدرنا ان ندفعها أم لا، وإلا لزم أن ننكر كل النبوات وفعل العناية الإلهية لأننا لا نقدر أن نوفق بين سلطان الله المطلق على الفاعلين الأحرار وحريتهم. والقول بعدم مسؤولية الإنسان إلا عن أعماله الخاصة بغض النظر عن طبيعته الراسخة يناقض الاختبار وتعليم الوحي، ولذلك آمن الجميع أن الإنسان مسؤول عن طبيعته الأخلاقية بغضّ النظر عن كيفية تولّد تلك الطبيعة فيه، وبغضّ النظر عن أصلها.

على أن الكتاب المقدس يفرّق بين الخطية الساكنة في قلب الإنسان المختصة به باطناً، والخطايا التي يرتكبها جهراً باختياره، كما قال الرسول «لنطهِّر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح، مكمِّلين القداسة في خوف الله» (2كو 7: 1).

26 – ما هو الأمر الثالث المهم الناشئ عن نسبة البشر إلى آدم وسقوطه؟

* هو عجز الإنسان الساقط عن عمل الصلاح الروحي أمام الله من تلقاء نفسه وبقوته الذاتية، وهذا ما يُسمى «الموت الروحي». ويُقسم الكلام في هذا الموضوع إلى ما يأتي:

(1) مذهب الإنجيليين على ما هو مقرر في قواعد إيمانهم.

(2) بيان حقيقة عجز الإنسان الساقط.

(3) الأدلة على صحة القول بعجز الإنسان.

(4) أشهر الاعتراضات على هذا التعليم والرد عليها.

27 – ما هي المذاهب المشهورة في قدرة الإنسان الساقط في الأمور الروحية؟

* (1) المذهب البيلاجي، وهو أن للخطاة قدرة كاملة على عمل كل ما يكلفهم الله به.

(2) المذهب النصف البيلاجي (ويوافقه المذهب الأرميني) وهو أن قُوى الإنسان ضعُفت بسبب سقوط البشر، لكنهم لم يفقدوا كل قدرة على عمل الصلاح الروحي أمام الله. وأصحاب هذا المبدأ يسلمون بلزوم النعمة الإلهية لمساعدة الإنسان في حياته الروحية وحفظه من الارتداد، ولكنهم ينكرون وجوب تلك النعمة ليتمكن من أن يبدأ الحياة الجديدة، فيقولون إن كل إنسان قادر من تلقاء نفسه على أن يتوب ويؤمن بالمسيح ويحيا روحياً، لكنه يحتاج إلى مساعدة الله ليتمم ذلك ويواظب عليه.

(3) المذهب الأغسطيني (أي الإنجيلي) وهو أن البشر عجزوا منذ السقوط عن الرجوع إلى الله أو عن عمل الصالحات الحقيقية أمامه بقدرتهم الذاتية، بسبب الفساد الذاتي الموروث، الذي به نرفض كل صلاح ونعجز عن عمله ونقاومه، ونميل ميلاً تاماً إلى الشر وارتكاب كل الخطايا الفعلية. وقد وهب الله الإنسان اختياراً طبيعياً لا يُغصَب ولا يُمال إلى الخير ولا إلى الشر باضطرار طبيعي مطلق. وإن الإنسان خُلق ليكون (ما دام في حال البر) مخيّراً قادراً على أن يريد ما هو صالح ومُرْضٍ لله فيفعله مع قبوله التغيير، فلذلك كان سقوطه من تلك الحال ممكناً. وأن الإنسان بسقوطه في حال الخطية خسر كل قدرة الإرادة على كل خير روحي متعلق بالخلاص، فهو في هذه الحالة الطبيعية يكره كل ما هو صالح، وهو ميت في الخطية فلا يستطيع بقدرته الذاتية أن يُرجع نفسه ولا أن يُعد نفسه للرجوع. وأن الله إذا ردَّ الخاطئ فنقله إلى حال النعمة، يعتقه من عبوديته الطبيعية للخطية، وبنعمته وحدها يقدّره على أن يريد بحريته ما هو صالح روحياً فيفعله. غير أنه بسبب الفساد الباقي فيه لا يريد مجرد الصلاح ولا يريده إرادة تامة ولكنه يريد الشر أيضاً فيفعله. وإن إرادة الإنسان تحرَّر في مجرد الخير تحريراً لا يمكن أن يتغير بعد دخوله المجد لا قبل.

ويقترن بكلٍّ من هذه المذاهب الثلاثة ما يوافقه من الآراء في النعمة، أي عمل الروح القدس في تجديد الإنسان وترجيعه إلى الله. فالبيلاجيون أنكروا لزوم فعل الروح القدس العجيب في تجديد البشر وتقديسهم. والنصف البيلاجيين سلّموا بلزومه لمساعدة قُوى الإنسان الضعيفة في الرجوع إلى الله، غير أنهم زعموا أن الخاطئ يرجع إلى الله باختياره بدون حاجة إلى النعمة الإلهية، وأن الروح القدس يساعده في ذلك. فالإنسان يختار والروح يساعد على إتمام العمل. ونسب الأغسطينيون كل عمل التجديد إلى روح الله، وقالوا إنه لما كانت النفس هي التي تتغيّر وتتجدد كانت هي المفعول به لا الفاعل، غير أنها تفعل مع الروح بعد التجديد في جميع أعمال الحياة الروحية. فالإنسان يرجع إلى الله بإرادته، ولكن ليس بقوته الذاتية الطبيعية، بل بقوة يعطيها له الله بالتجديد.

28 – ما المقصود بعجز الإنسان الساقط عن كل خير روحي؟

* يتضح هذا العجز سلباً وإيجاباً بما يأتي:

أولاً –  سلبياً:

(1) إنه لا ينشأ عن فقدان الخاطئ قُوى عقله أو إحدى صفات طبيعته الجوهرية، بدليل أنه لا يزال حائزاً قواه العقلية وحواسه القلبية وإرادته وضميره، وله كل قوى النفس بكمالها، وله قدرة التمييز بين الخير والشر، وضميره (حسب قول الرسول) يشتكي أو يحتج على أعماله الأخلاقية. وعلى هذا يكون الإنسان باعتبار بنيته الروحية هو هو قبل السقوط وبعده، غير أن قواه أخذت في الارتداد عن حال الصلاح والقداسة ومالت كل الميل إلى الشر. وليس في قدرتها أن تغيّر تلك الميول أو أن تُصلح حالها. فالإنسان من تلقاء نفسه (طبعاً وضرورة) يحب الشر ويختاره، ولا يقدر أن يحب القداسة محبة قلبية ويختارها، على أن جوهر النفس وبنيتها الروحية لا يزالان على ما كانا وقت خلقه.

(2) إنه لا ينشأ عن أن الإنسان فاعل مختار أخلاقي، بدليل أنه يتصرف بأعماله ويشعر بالواجب الأخلاقي، حتى أنه إذا أخطأ يكون قد فعل باختياره ما هو ضد ضميره، أو ضد أوامر الشريعة، ويكون تفضيله الشر على الخير واختياره إياه بدون التزام خارجي، أي باستعمال حريته على ما يشاء.

(3) إنه ليس فقدان القدرة على إتمام مطالب الله، فإن عدم قدرته يعود لاختلال قواه الذاتية، أو في صيرورة النفس في حال العجز الطبيعي الخُلقي، بغضّ النظر عن فسادها وميولها نحو الشر. لأنه إذا فرضنا أن إنساناً ساقطاً تخلَّص من كل فساد طبيعي، وصار في حال القداسة كما كان آدم قبل السقوط، لم تختلف نفسه في شيء من النيّة والقدرة عن نفس آدم قبل السقوط.

ثانيا – إيجابياً:

(1) يعود هذا العجز إلى عدم التمييز الروحي، وعدم تمييز الحقائق الدينية تمييزاً صحيحاً، وعدم المحبة لها أو الميل الواجب إليها بسبب فساد الطبيعة الكلي الذي أظلم به العقل والفهم وفسد الذوق والشعور وجعل الإرادة في حالة العصيان حتى لا تميل مطلقاً إلى اختيار الصالح من تلقاء نفسها. لأنه لما كانت الإرادة إرادة طبيعة فاسدة، فهي لا تختار إلا ما يوافق ميول تلك الطبيعة. غير أن الإرادة لم تفقد بذلك حريتها بل صارت إرادة حرة لطبيعة فاسدة مستعبَدة للخطية الساكنة فيها.

(2) إنه يختص بما للروح فقط، كما قيل: «بكل خير روحي يتعلق بالخلاص» بدليل أن الإنسان لم يزل منذ السقوط إلى الآن حراً في الاختيار، قادراً على القصد وعلى إتمام أعمال أخلاقية جيدة (كقدرته على الأعمال الرديئة) من الإحسان والإنصاف والواجبات للناس ونوال المدح منهم وعكس ذلك. غير أن هذه الأعمال ليست من الروحيات الصالحة التي يريدها الله من البشر في الشريعة المقدسة ليمنح الإنسان الخلاص، بل هي من الأعمال الخارجية المأمور بها في الناموس الأخلاقي. وميز اللاهوتيون بين ما لا يزال الإنسان الساقط قادراً على إتمامه من الأعمال وما هو عاجزٌ عنه. وسمّوا النوع الأول «الأعمال الخارجية» والثاني «ما لله» أو «ما للروح» أو الأمور المختصة بالخلاص وبالديانة القلبية الطاهرة. والفرق بين هذين النوعين من الأعمال ظاهرٌ، وإن كان التعبير عنه بالكلام صعباً.

وبين الأعمال الأخلاقية المنظورة والإحساسات الدينية القلبية فرق عظيم، وكذلك بين تقديم الشكر الشفاهي لله والإكرام الخارجي للدين من جانب والعبادة الحقيقية والتقوى القلبية من جانب آخر . ونتعلم من كتاب الله ومن جميع قوانين إيمان الكنائس المصلحة أن الخاطئ لا يقدر أن يغيّر قلبه ولا أن يجدّد نفسه ولا أن يتوب بحزنٍ حسب مشيئة الله ولا أن يؤمن الإيمان الذي للخلاص. وبالاختصار لا يقدر أن يباشر رياضة تقَويّة أو يتمم عملاً يستحق رضى الله، لأن كل أعماله ملطخة بالخطية التي لا يقدر أن يحرر نفسه من سلطانها. فأين الإنسان الذي يقدر أن يغيّر حالته الباطنية ويُلزم نفسه بمحبة ما لا يحبه من الصلاح ويعمل ما يخالف شهوات قلبه وميوله في ما يختص بتقوى الله. وتعليم الأغسطينيين هو أن هذا العجز كليٌ مطلق كعجز الأعمى عن البصر والأصم عن السمع، أو كعجز الأموات عن الرجوع إلى الحياة.

ويختلف الموت الروحي عن الموت الجسدي، فالموت الجسدي هو خروج الحياة من الجسد المادي، فلا يعود الجسد يحس. أما الموت الروحي فهو انفصال النفس عن الله وعدم اتحادها به وعدم طاعتها لشرائعه. فالنفس المتحدة بالله والمطيعة له هي الحية، وعلامة الحياة الروحية هي القداسة، وعلامة الموت الروحي هي الخطية، رغم بقاء جسد الإنسان متحركاً.

29 – بأي معنى يُقال إن الإنسان قادر، وبأي معنى يُقال إنه عاجز عن إتمام مطالب الله، وما هو سبب عجزه؟

* إذا اعتبرنا حالة الإنسان الساقطة الفاسدة فلا يُقال مطلقاً إنه يقدر أن يتمّم مطالب الله، لأن الخطية استولت عليه. ولكن إذا نظرنا إلى قواه الروحية وحالتها الطبيعية (لا الأخلاقية) بعد السقوط لا نجد فيها ما يمنعه من إتمام كل ما يأمره الله به واجتناب كل ما ينهاه عنه، لأن عجز الإنسان لا يرجع إلى فقدانه قوى النفس أو اختلالها، بل إلى فسادها، الذي لم يؤثر في بنية النفس بل في ميولها أو أخلاقها. فالإنسان لا يزال قادراً، إذا اعتبرنا قواه الخلقية، لأنها جميعها باقية كما كانت. ولكن إذا اعتبرنا حالته الأخلاقية فهو فاسد عاجز مفتقر إلى النعمة الإلهية ليتمم مطالب الله. وقد عبر الرسول عن حالة الإنسان في مصارعته الخطية بعد تجديد القلب بقوله «لأن الإرادة حاضرة عندي. وأما أن أفعل الحُسنى فلست أجد» (رو 7: 18). ويتضح من القرينة أن الخطية هي سبب عجزه عن الفعل المطلوب، كما قيل «وأما أنا فجسدي مبيعٌ تحت الخطية» (آية 14) وقوله أيضاً «فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة فيَّ» (آية 17). فإذا صحَّ مثل هذا القول على المتجددين فكم بالحري يصحّ على من لم يتجددوا. فالإنسان عاجز باعتبار أنه ذو طبيعة خاطئة. وأما باعتباره إنساناً بغضّ النظر عن خطيته فهو قادر، ولا يمنعه شيء عن إتمام مطالب الله إلا الخطية ومحبته لها وتسلطها على إرادته. على أن قدرته هذه لا قيمة لها إلا عندما يساعده الله، وتعمل نعمته فيه، فبذلك وحده يقدر أن يقوم بمطالب الله.

فسبب العجز الروحي في الإنسان هو فساد طبيعته وتسلط الخطية عليه، وهو مسؤول عن هذا العجز لأنه من جنسٍ أسقط ذاته، وهو مشترك بواسطة نيابة آدم في ذلك السقوط، وأخذ ذلك الفساد من جنسه أصلاً بالإرث، وقبله لنفسه فعلاً بالتسليم والاشتراك الفعلي عند بلوغه سن الإدراك. فلا يُنسب عجزه إلا إلى تأثير الخطية فيه وسلطانها عليه. وهو يحتاج إلى نعمة الله لتخلّصه من الخطية الكامنة في إرادته العاجزة عن طلب الخير أو الرغبة فيه. ولو كان الإنسان ذا قداسة لقدر أن يصغي إلى مطالب الله ويقبل النعمة الإلهية ويطيع الخالق. وعلى هذا ففقدان الإرادة ثم العجز لا يعذرانه ولا يحررانه من المسؤولية، ولا سيما أن نعمة الله حاضرة لتساعده دائماً وتقدّره ليتمم ما كلّفه الله به. وعدم قبوله النعمة وعدم استعماله إياها يزيد ذنبه ومسؤوليته.

30 – ما هي الأدلة على صدق التعليم الأغسطيني (أي الإنجيلي) في عجز الإنسان الساقط عن كل خيرٍ روحي؟

* نقدم سبعة أدلة على ذلك:

(1) لا ينسب الكتاب المقدس للبشر قدرةً على إتمام مطالب الله: فهم ساقطون لا قدرة لهم على تغيير قلوبهم ورجوعهم إلى الله. فلو كانوا قادرين أن ينشئوا التجديد الذي يتوقف عليه خلاصهم، لأوجبه الله عليهم، ولرأينا فيهم ما يثبت امتلاكهم القدرة على إنشائه وما يدعوهم إلى استعمالها. وإذا قيل إن الأمر بالتوبة والإيمان يدل على أن الإنسان يمتلك ما يمكّنه من التوبة، قلنا إن هذا الأمر بالتوبة موجَّهٌ إلى خلائق عاقلة حرة. فالله يأمر الخطاة والقديسين أن يكونوا كاملين كما أنه هو كامل. وواضح أن هذا الكمال مستحيل، ولكنه يعلّمنا أن للإنسان الساقط قدرة على القيام بالواجبات الروحية.

(2) نصوص الكتاب الصريحة على عجز الإنسان: ومنها أن المسيح شبَّه العلاقة بينه وبين شعبه بعلاقة الكرمة بأغصانها. «كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم أيضاً إن لم تثبتوا فيَّ.. بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً» (يو 15: 4، 5) وهذا يعني أن المسيح هو ينبوع الحياة الروحية الوحيد، وأن كل المنفصلين عنه خالون من هذه الحياة ومن كل قدرة على إنشاء ثمارها اللائقة، بل إن الذين هم فيه ليس لهم هذه القدرة في أنفسهم بل يستمدونها منه. وقال بولس إنه عاجز عن عمل شيء صالحٍ من نفسه فقال «كفايتنا هي من الله» (2كو 3: 5). وقال المسيح لليهود «لا يقدر أحدٌ أن يُقبل إليَّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني» (يو 6: 44). وهذا لا يناقض قوله في مكانٍ آخر «لا تريدون أن تأتوا إليَّ لتكون لكم حياة» (يو 5: 40) لأن التائب المؤمن وإن أتى إلى المسيح بإرادته، فهذا لا يدل بالضرورة على أنه يقدر من ذاته أن ينشئ هذه الإرادة. وكذلك رفض الخاطئ أن يأتي إلى المسيح لا يدل على أن ذلك الإتيان في قدرة إرادته، لأنه لا يقدر أن يملك هذه الإرادة ما لم يشعر حقيقةً بالخطية، ويميّز شخص المسيح وطبيعته وعمله ويميل إليه. ولكن كل ذلك ليس في سلطان الإرادة ولا في طاقة الإنسان أن يصل إلى هذه الدرجة من المعرفة والإدراك والرغبة الصالحة. قال الرسول بولس «لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله إذ ليس هو خاضعاً لناموس الله لأنه أيضاً لا يستطيع. فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله» (رو 8: 7، 8). ويظهر من ذلك أن الذين هم في الجسد متميزون عن الذين هم في الروح، فالأولون غير متجددين، والباقون في الحالة الطبيعية والمحكوم عليهم بأنهم لا يقدرون أن يُرضوا الله. وقال إن الإيمان هو عطية الله (أف 2: 8). وقال أيضاً إنه بدون إيمان لا نقدر أن نُرضي الله (عب 11: 6) وإن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر ان يعرفه، لأنه إنما يُحكَم فيه روحياً (1كو 2: 14) أي أن الإنسان الطبيعي يتميّز عن الإنسان الروحي بأن الروحي هو الذي يسيطر عليه الروح القدس، وكل ما فيه من الحياة والنشاط هو من الروح. أما الإنسان الطبيعي فهو الذي تحت سيطرة طبيعته الساقطة، ولا حياة روحية فيه. وقد حكم الرسول على الإنسان الطبيعي أولاً: بأنه لا يقبل ما للروح، أي الحقائق التي أعلنها الروح. وثانياً: بأنه لا يقدر أن يعرفه. وثالثاً: بأن سبب هذا العجز عدم تمييزه الروحي، وعدم إدراكه للأمور الإلهية وصدقها، لأن هذا التمييز ينشأ عن تعليم الروح القدس في الداخل وإنارته وإرشاده. فهذه الآية تثبت عجز الخاطئ، وتبيّن أن سببه أو أصله ليس مجرد نفور أو عدم ميل بل عدم المعرفة الصحيحة، فلا يقدر إنسانٌ أن يدرك جمال معزوفة لو لم تكن له أذن موسيقية. فالإنسان يعجز عن رؤية الأشياء الروحية وجمالها بدون تمييز روحي، بينما البشر كلهم مجرمون وفاسدون وخالون من القوة (انظر أيضاً مت 7: 18 ويو 8: 34 وأع 16: 14 ورو 3: 10، 12 و5: 6 و6: 17، 20 و7: 14 و1كو 2: 14 و2كو 3: 5 وأف 2: 1، 5، 10 و5: 8 وفي 1: 6 و2: 13 وكو 1: 21 و2: 13 وتي 3: 3-5 وعب 13: 20، 21).

(3) سبب العجز هو حقيقة الخطية الأصلية: فقد أفقدت الإنسان صورة الله ورضاه، وأغرقته في لجة الموت الروحي، وأن الله هو حياة النفس، وأن رضاه والاتحاد به ضروريان للسعادة وللقداسة أيضاً، وأن المطرودين من حضرته الذين تحت غضبه ولعنته هم في الظلمة الخارجية لا يعرفون الإله الذي هو لهم نار آكلة، ولا يرغبون في الاتحاد به. وقال بولس إن النفس لا يمكن أن تتقدس بدون رضى الله، وبنى كل تعاليمه على: (أ) أننا خطاة تحت الدينونة لا نقدر أن نتبرر من خطايانا إلا ببرّ المسيح. (ب) أننا أموات روحياً، فلا يقدر الحق وحده أن ينشئ فينا حياةً روحية أو يقدّرنا على الأعمال الروحية. كما لا يقدر سلطان أوامر الناموس ولا اجتهادنا على مساعدتنا. ولا نقدر أن نثمر لله إلا إذا كنا مبررين مجاناً، ورجعنا بنعمته إلى رضاه، ولذلك قال «إذاً يا إخوتي أنتم أيضاً قد متُّم للناموس بجسد المسيح لكي تصيروا لآخَر قد أُقيم من الأموات لنثمر لله. لأنه لما كنا في الجسد كانت أهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في أعضائنا لكي نثمر للموت. وأما الآن فقد تحررنا من الناموس، إذ مات الذي كنا مُمسَكين فيه حتى نعبد بجدّة الروح لا بعِتق الحرف» (رو 7: 4-6).

فالبشر ساقطون بطبيعتهم، ضُعفاء عاجزون كل العجز عن عمل الصلاح الروحي ومضادون له. ويصف الكتاب أحوال البشر الطبيعية منذ السقوط وصفاً واحداً، فيقول إنهم عمي صمٌّ أموات في الروح، لا يقدرون من أنفسهم أن يتخلصوا من هذه الحال، كما أن المولود أعمى لا يقدر أن يفتح عيني نفسه، والفاسد في القبر لا يقدر أن يحيي ذاته.

(4) تعليم الكتاب أن فعل الروح القدس ضروري في التجديد والتقديس، وهو: (أ) أن الروح القدس هو ينبوع الحياة الروحية وجميع أعمالها، وبدون عمله العجيب فينا لا نقدر أن نعمل أعمالاً مقدسة كما أن الغصن الجاف أو المقطوع من الكرمة لا يقدر أن يأتي بثمر. (ب) ليست النفس هي فاعلة التغيير، لكنها مفعولٌ بها، يفعل فيها روح الله هذا التغيير، فيمنحها أولاً الحياة، ثم يحرك وينشط النفس الحية للعمل الصالح ويرشدها في إتمام كل واجباتها الروحية. (ج) اعتقادنا أن التجديد يسبق جميع الأعمال المقدسة ينفي أي إمكانية أو استعداد أو مساعدة من جانب الخاطئ، لأن التجديد لا ينشأ عن أسباب طبيعية، بل عن مجرد إرادة الله وعمله رأساً (أي بدون واسطة) كالخليقة والمعجزات. (د) يسمّي الكتاب عمل الله هذا «خلقاً جديداً» و«ولادة جديدة» و«قيامة من الأموات». وهذه التسميات تبيّن عجز الخاطئ وأن الخلاص ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم، فهو الذي يعمل فينا أن نريد وأن نعمل من أجل المسرة (في 2: 13).

(5) شهادة الاختبار: فإن الله يطالبنا بالرجوع من الخطية إلى القداسة، وإلى محبة أكبر لله وإلى محبة القريب كأنفسنا وتتميم كل واجباتنا بدون عيب ولا نقص، وحفظ أنفسنا من كل خطية بالفكر أو بالقول أو بالفعل. وكل ذلك لا يقدر عليه أحدٌ. وكل إنسان يعرف جيداً من نفسه: (أ) أنه ملزوم أن يكون كاملاً أخلاقياً، فيخشى الله ويحفظ جميع وصاياه ويتجنب كل خطية بالفكر أو بالقول أو بالفعل. (ب) أنه لا يقدر على ذلك كما أنه لا يقدر أن يقيم الأموات.

(6) شهادة الكنيسة في كل القرون: يظهر من رومية ص7 ومن اختبار كل مؤمن أن كل من يقتنع بالخطية لابد أن يشعر ويعترف: (أ) بأنه مذنبٌ أمام الله وتحت حكم دينونة ناموسه العادل الذي خالفه. (ب) أنه فاسد جداً ونجس بالخطية، وقلبه غير مستقيم، وأن الضمير الصالح وشريعة الله يدينان أفكاره وإحساساته وميوله، وأن الخطية قوة ساكنة فيه ليعمل كل نوع من الشر. (ج) أنه لا يقدر أن يكفّر عن إثمه أو أن يحرر نفسه من سلطان الخطية، فيضطر أن يصرخ «ويحي أنا الإنسان الشقي! من ينقذني من جسد هذا الموت؟» (رو 7: 24). وهذا الشعور بالعجز التام هو من أصول الاقتناع الحقيقي بالخطية.

(7) الدليل من شهادة شعور كل إنسان مثبتة من اعتقاد الكنيسة العام ومن كل تاريخ البشر: فإذا تأملنا المزامير والصلوات والترانيم رأينا جميع المسيحيين بالحق مقتنعين بضعفهم الكلي وافتقارهم إلى نعمة الله. وهم يئنون من عجزهم عن محبتهم لفاديهم وعن حفظ أنفسهم من الخطية وعن العيشة المقدسة الموافقة لاقتناعهم بواجباتهم ويتواضعون تحت هذا العجز ولا يعتذرون عنه، بل يقرّون أنه ثمرة فساد طبيعتهم الذي وصل إليهم كميراث مُحزن من آدم، وينسبون كل ما فيهم من الخير مهما كان إلى الروح القدس لا إلى قدرتهم الخاصة. ويعبّر كلٌ منهم عن اقتناع قلبه العميق بقول الرسول «لا أنا بل نعمة الله التي فيَّ». ويوافق شهادة الكنيسة هذه تاريخ جميع القرون، فلم يذكر أحدٌ أنه تغيّر من تلقاء نفسه بقوته الذاتية، ولم يعتقد أحد أنه يقدر أن يجدد نفسه بقوته، فإن الإنسان الساقط خالٍ من القدرة على تغيير نفسه أو عمل الصلاح بدون أن يتغير بقوة روح الله القادر على كل شيء.

31 – ما هي الاعتراضات على تعليم عجز الإنسان، وما هو الرد عليها؟

* نذكر ثلاثة اعتراضات:

(1) هذا التعليم ينفي مسؤولية الإنسان. وللرد على هذا نقول إن هذا الرأي مبنيّ على مبدأ يصدق على دائرة الطبيعة لا على دائرة الأخلاق والدين، فمن الظلم أن نُكلف إنساناً بعملٍ لا يقدر أن يقوم به، فلا نكلف الأعمى بالنظر ولا الأصم بالسمع ولا الطفل بفهم الرياضيات. والعجز في هذه الأمثلة يعود إلى الله الذي حدّد قدرة الأعمى مثلاً، أما العجز الأخلاقي فيعود إلى فساد طبيعة الإنسان الأخلاقية لا إلى محدوديتها. فنحن لا نطلب من الطفل أن تكون له مثل العواطف المقدسة التي لأرواح الأبرار المكمَّلين (عب 12: 3) لأن هذا يتعذّر عليه. فالالتزام الديني محدود بالقدرة الطبيعية لمن يقوم به، ولكن العجز الناشئ عن الخطية والذي يزول بزوالها لا يرفع المسؤولية الأخلاقية، وإلا كانت الخطية عذراً للخطية! ولما كان عجز الخاطئ عن التوبة والإيمان ومحبة الله والحياة المقدسة غير ناشئ عن محدودية طبيعته التي خلقه الله عليها، بل عن فساد طبيعته الأخلاقي وعصيان إرادته، لا يكون عجزه سبباً كافياً لإعفائه من المسؤولية، ويجب عليه أن يكون كما يريد الله منه، وأن يعمل كل ما يأمره به.

ولما كانت المسؤولية الأخلاقية مبنيةً على تملُّك القُوى الأخلاقية كالعقل والعواطف والإرادة والضمير، لزم أن تدوم تلك المسؤولية لأن تلك القوى موجودة. ولكن إذا فُقد العقل أو الشعور بالفرق بين الخير والشر أو القدرة على إدراك الأمور الأخلاقية زالت المسؤولية. والذي ليس لطبيعته تلك القُوى لا يكون مسؤولاً. ويقول التعليم الأغسطيني إن الإنسان بسقوطه لم يفقد عقله وضميره وإرادته، فتكون مسؤوليته عن سلوكه باقية كما كانت قبل سقوطه.

وقد قاوم البعض هذا التعليم بنفس هذا الاعتراض على صورة أخرى فقالوا إن مسؤولية الإنسان تستلزم قدرته على القيام بما يُكلف به. فنجيب: تُبنى المسؤولية في الأمور الأخلاقية على أن الأخلاق الصحيحة تُلزم الضمير، سواء كان الإنسان قادراً أم عاجزاً. فالإنسان العاجز عن الصدق مثلاً لا يحرره عجزه من الالتزام بالصدق، لأن المانع هو في شدة ميله إلى الكذب، وهو مسؤول عن ذلك الميل الفاسد.

وقال أهل هذا الاعتراض إن الإلزام بالتوبة يستلزم القدرة على التوبة. فنجيب: لا دخل للقدرة على التوبة أو عدم القدرة في مسألة الإلزام، لأن شريعة الله الطاهرة هي هي في مطاليبها، سواءٌ توغل الخاطئ في الخطية أم لا. والأمر بالتوبة لا يخرج عن دائرة قدرة الإنسان الطبيعية بغضّ النظر عن فساد طبيعته وضعف إرادته بسبب فعل الخطية في طبيعته. والإنسان يقدر أن يتوب لولا المانع الذي أقامه هو في طريق نفسه، فليس المانع من خارج، ولا هو في طبيعته، بل هو في ارتداد إرادته ارتداداً تاماً عن كل ميل ليتمم مطالب الله الروحية، وذلك خطية. والخطية لا تكون عذراً للخطية! ثم أن الله لما أمرنا بالتوبة وعدنا بالمعونة الإلهية لنتوب. فإن كان الإنسان مسؤولاً بالتوبة لأن الله أمر بها بغضّ النظر عن الوعد بالمعونة، فبالأولى أن يكون مسؤولاً بالتوبة مع توافر ذلك الوعد السامي.

(2) التعليم عن عجز الإنسان ينفي كل سبب لاستعمال وسائط النعمة، فإذا كنا عاجزين عن تتميم غاية معلومة فلا فائدة من استعمال الوسائط لإتمامها. فنجيب: هذا اعتراض باطل، فلو رفض الفلاح أن يحرث حقله ما لم يتأكد من الحصول على حصاد وفير لألقينا عليه اللوم. فإن نتائج أعمالنا تتوقف على مساعدة عوامل لا سلطان لنا عليها، ونحن مطالبون أن نستعمل الوسائط المناسبة التي تحقق هدفنا، ونتكل على مساعدة عوامل بدونها تكون جميع اجتهاداتنا باطلة.

أما مبادئ الكتاب المقدس في وجوب استعمال وسائط النعمة فهي: (أ) أمر الله: وهذا وحده في حدّ ذاته تشجيع كافٍ، فلم تكن طبيعة مياه الأردن تشفي الأبرص، ولكن نعمان السرياني أطاع الله واغتسل فيها فنال الشفاء. ولم تكن طبيعة مياه بركة سلوام تُرجع للأعمى البصر، ولكن لو عصى الأعمى أمر المسيح أن يغتسل في تلك البركة لما نال الشفاء. فالأمر الإلهي يحمل السلطان. (ب) مناسبة الوسائط للغاية: فإذا كان أمر الله وحده كافياً بدون هذه المناسبة، فكم بالحري يكون كافياً متى وُجدت. وهناك تناسبٌ بين وسائط النعمة والغاية المقصودة أي القداسة، وهي مثل ما بين زرع الحبوب والحصاد، لأن الإنسان يزرع والله ينمي في الروحيات كما في الطبيعيات. (ج) توقف تحصيل الغاية التي هي الخلاص على وسائط النعمة: وذلك كتوقف الغاية على الوسائط في الأمور الطبيعية، بدليل أن البشر لا يمكن أن يخلصوا بدون الحق والانتباه لمطالبه. والذي لا يطلب لا يجد، ومن يأبى أن يسأل لا يأخذ، لأن هذا هو أسلوب السياسة الإلهية في ملكوت النعمة وفي ملكوت الطبيعة. (د) وعد الله الصريح: وهو قوله «من يطلب يجد، ومن يسأل يأخذ، ومن يقرع يُفتح له». ولما كانت النعمة أعظم ما يحتاج إليه الإنسان وكان نوالها داخلاً في هذا الوعد، كان تعليم العجز الأخلاقي غير مضادٍ لوجوب اجتهاد الخطاة في طلب خلاصهم بالطريقة التي عيّنها الله.

(3) التعليم عن عجز الإنسان يشجع الخاطئ على تأجيل خلاصه، فاعتقاده بعجزه عن تغيير قلبه والتوبة والإيمان بالإنجيل يدفعه إلى التأجيل وإلى القول الباطل إنه يجب أن ينتظر وقت الله، لأنه هو الذي يعطي البشر القلب الجديد والإيمان والتوبة. فنجيب: لا شك أن الشيطان يجرب البشر بهذه الأفكار ويغويهم على التصرف بموجبها، كما يجربهم بطرقٍ أخرى. وأما تعليم العجز الأخلاقي فيدفع البشر إلى عكس ذلك تماماً، لأن الإنسان متى اقتنع بأن الحصول ما يرغب فيه خارج عن دائرة قواه، استعان بغيره. مثال ذلك إذا عرف مريضٌ أنه لا يقدر أن يشفي نفسه استدعى الطبيب أو ذهب إليه، كما فعل المرضى في عصر المسيح. ولكن إذا زعم المريض أن مرضه تحت سيطرته، أو أنه مجرد وهم، ما استغاث بالطبيب.

ولا يوجد تعليم يهلك النفس أكثر من التعليم أن الخطاة يقدرون أن يجدّدوا أنفسهم ويتوبوا ويؤمنوا متى شاءوا، لأن من يعتقد مثل ذلك لا يلجأ البتة إلى الينبوع الذي منه وحده نكتسب جميع البركات، بل ينقاد إلى إهمال الوسائط. فاجتهاد الكفرة والجهلاء في الاعتذار بهذا التعليم عن البقاء في الغفلة والتأجيل ومقاومة النعمة الإلهية عبث، لأن الأشرار دائماً يحوّلون التعاليم الإلهية إلى غير ما قُصد بها، حتى صارت لهم رائحة موت لموت. أما الصالحون فلا شيء يحثهم على الاتكال على الله وطلب النعمة والاجتهاد في استعمال الوسائط مثل التعليم بعجزهم، لأنه أقنع البشر باحتياجهم إلى المعونة الإلهية وتجديد الروح القدس لأجل الخلاص.

32 – كيف ينبغي على الكارز بالإنجيل أن يشرح عجز الإنسان؟

* ينبغي أن يعلن هذا الحق، بشرط أن لا يجعله منفصلاً عن النعمة الإلهية ومواعيد الله بالمعونة اللازمة لكل من ينتبه لأمر خلاصه. وينبغي أن يبيّن أن عدم القدرة هو في الحقيقة عدم إرادة، وأن عدم الإرادة هو خطية ينبغي أن يتخلّص الخاطئ منها بمعونة الله. فلا يجوز للكارز أن يكرز بعقيدة العجز بطريقة تجعل المستمع يحسب ذاته غير مسؤول بسبب عجزه، كأن عدم مسؤوليته نتيجة طبيعية لعدم قدرته، لأن مثل هذا الاستنتاج، وإن صحّ من جهة ما يعجز عنه الإنسان لأسباب خَلقية فيه (كعدم قدرته على الطيران في الهواء مثلاً) لا يصح من جهة ما يعجز عنه لفساد طبيعته وشدة ميله إلى الشر، لأنه مسؤول عن ذلك الزيغان وملزوم أخلاقياً أن يتخلص منه باختياره، ويطلب ما هو صالح. فعلى الكارز أن لا ينادي بقدرة الإنسان باعتباره إنساناً بدون أن ينادي بعدم قدرته باعتباره خاطئاً، لأن الأمرين متلازمان. وقد قال الكتاب المقدس «تمّموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ، لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة» وقال «لا يقدر أحد أن يأتي إليَّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني» (في 2: 12، 13 ويو 6: 14 قارن مت 2:2 ويو 15: 5 ورو 8: 7-9 وغل 3: 22). فالكتاب يخاطب الإنسان باعتباره خاطئاً عاجزاً ولكنه غير محروم من النعمة اللازمة (مت 12: 20 ويو 7: 37 وإش 55: 1، 2) لأنه لا ينبئنا بتوبة أو إيمان أو رجوع حقيقي إلى الله أو خلاص بالمسيح إلا بواسطة فعل النعمة الإلهية فينا، وهذا يشجع الواعظ والموعوظين معاً، ويقوي آمالهم بحُسن النتيجة. علماً بأن قدرة الإنسان ليست منه بل من قوة الله. فالكارز إذ ذاك يقدر أن ينادي بوجوب التوبة والرجوع إلى الله حالاً لسببين، هما: (أ) لا يمنع من التوبة إلا الخطية المتسلطة على إرادة الخاطئ، و(ب) أن الله أعدَّ النعمة اللازمة لتمكين الخاطئ من التوبة إذا أحسن استعمالها. ولكن إذا استخفّ بها أو أهملها فليس للكارز أن يقدم له سواها أو أن يدله على واسطة أخرى تُرجى منها فائدة. فخلاص الخاطئ العاجز يتم بقبول النعمة الإلهية فقط، لأن الخلاص هو من خارج الإنسان لا من داخله، والذبيحة الفعالة مقدَّمة عنا لا بنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.