تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » تجسد المسيح

تجسد المسيح

تأليف

القس جيمس أنس

راجعه ونقحه وأضاف إليه

الدكتور القس منيس عبد النور

الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة – القاهرة

تجسُّد المسيح

1 –   ما هي البراهين على أن المسيح الموعود به في العهد القديم قد أتى، وأن يسوع الناصري هو ذلك المسيح؟

* لنا على ذلك أدلة قاطعة منها أن جميع النبوات تمت فيه، وأن الأحوال والشروط الخاصة بمجيئه بحسب أقوال الأنبياء لا يمكن أن تتكرر في تاريخ العالم وأن تتم  في غيره. لذلك يكون يسوع الناصري هو المسيح.

2- ما هو الأمر العظيم الذي تمَّ في مجيء يسوع المسيح؟

* هو تجسد ابن الله، وذلك من أعظم عقائد المسيحية، فإن ابن الله الوحيد وُلد في ملء الزمان من مريم العذراء بالروح القدس، وصار عمانوئيل أي «الله معنا» وعاش نحو 33 سنة كإنسان على هذه الأرض بين أبناء جنسنا، وبذلك تم التجسُّد المجيد. غير أن ذلك الشخص العظيم لا يزال في حال التجسد بعد صعوده من هذا العالم، فهو إله متجسد الآن وإلى الأبد، وفي حال المجد والارتفاع كما كان في حال الذل والاتضاع (دا 2: 44 و2بط 1: 11 ويو 3: 13 وأف 2: 6 وعب 4: 14، 15 ويه 25 ورؤ 1: 5 و5: 5، 13 و7: 17 و22: 4). وهذا التجسد هو أساس عمل الفداء وشرط ضروري ليتمم المسيح وظيفته الفدائية للبشر، وهو الواسطة العظمى لإتمام قصد الله في الفداء، والمحور الذي تدور عليه المقاصد الإلهية في خلاص البشر.

  • – ماذا يقتضيه التجسد الإلهي؟

* يقتضي أن يكون في اللاهوت أقانيم ليتمَّ التجسد في اختيار أقنوم منها دون غيره، وليأخذ كل منها عمله الخاص بالخلاص. وكذلك يقتضي هدفاً لائقاً يستوجب التجسد ويتم به وفيه، وهو افتداء جنس سقط في الخطية، ليس له رجاء ولا معين غير الله متجسداً، لأنه وحده قادر على مطالب الخلاص. فلزوم التجسد عند الله أن يتخذ جسداً بواسطة أقنوم من الأقانيم. ولزوم التجسد عند البشر هو وقوعهم في حالة تستدعي التجسد لإنقاذهم منها.

ولا نعني بذلك أن نقطع بأن خلاص البشر يستحيل من غير تجسد، ولكننا نقول إنه طريق موافق ولائق وفريد في الحكمة لتتميم المقصود. وحدوث التجسد يؤكد أنه ضروري لإتمام قصد الله كاملاً في عمل الفداء، كما يدل على أن خلاص البشر يتطلب ذلك. فهذه الحادثة الرفيعة لإتمام عمل الفداء كما قصد الله إتمامه، وتسد احتياجات البشر الساقطين في الخطية.

  • – ما هي فوائد التجسد للبشر؟

* لنا في ابن الله المتجسد مثال فريد لحياة البشرية الكاملة، وظهور اللاهوت بكمال صفاته على هيئة منظورة محسوسة اقتربت منا اقتراباً عجيباً، جعلت مخاطبتنا لله وجهاً لوجه في الصلاة والاتحاد الروحي أمراً ممكناً. ولنا أيضاً به التكفير عن خطايانا، وفتح باب الرجاء الأبدي لجنسنا الهالك، وتعيين مرشد وملك يرشدنا دائماً في الحق، ويحامي عنا إلى نهاية حياتنا، ويضمُّنا أخيراً إلى رعيته السماوية لنتمتع به إلى أبد الدهور.

  • – ماذا يُقال في لزوم التجسد؟

* اختلفت الأقوال في هذا، فقال قوم: لا لزوم مطلقاً للتجسد، لأن الله يقدر أن يخلص البشر بأن يصفح عن خطاياهم، ويعلن أمره الإلهي بقبولهم برحمته، ويُدخلهم مباشرةً إلى الحياة الأبدية. وأصحاب هذا الاعتقاد ينكرون لاهوت المسيح، ويخالفون تعاليم الكتاب في لزوم الكفارة. وخطأ هذا الرأي واضح لأنه يخالف الواقع، فإن تدبير الله لحدوث التجسد شهادة إلهية أنه تدبير حكمة الله، وأنه الواسطة الأنسب والأفضل بل الضرورية لخلاص البشر. وقال غيرهم إن التجسد لازم ولا بد منه باعتبار طبيعة الله، فما دام الله قد أراد التجسد، سواء استدعت ذلك أحوال البشر أم لا، لم يكتفِ اللاهوت بالوجود المجرد بغير تجسد، لأن البشر لا يعرفونه ولا يدركون كمال صفاته بدون تجسد. واستندوا في قولهم هذا على ما جاء في أف 1: 10 و4: 24 وكو 1: 15، 16 و3: 10، 11. ولكننا عند قراءة هذه الآيات لا نفهم منها لزوم التجسد مجرداً عن سقوط الإنسان وقصد الفداء، بل نفهم أن التجسد مقترن بذلك. ولم ينظر الرسول بولس فيها إلى التجسد إلا من حيث أنه وسيلة إتمام الفداء. وكل ما قيل في الكتاب يعلمنا أن التجسد كان بسبب الخطية ولأجل الخلاص منها (رو 8: 3 ويو 3: 16 وغل 4: 4، 5 وعب 2: 14-16 و1تي 1: 15 و1يو 3: 8).

والقول الأصح في هذا الموضوع هو أن التجسد كان ضرورياً بعد سقوط الإنسان، لأن الصفات الإلهية تستلزم التجسد لإنقاذه من عبودية الخطية ولعنة الشريعة والهلاك الأبدي بسبب خطيته. كما أن احتياجات الإنسان، وما يقتضيه حكم الله الأخلاقي تستوجب إعلان الله نفسه للبشر وخلاص الإنسان من خطيته واتحاد المخلوق بالخالق. فلزوم التجسد مبني على أحوال البشر لا على أنه ضروري للاهوت. فإذا أراد الله أن يفدي البشر دبر التجسد، ونتعلم من الكتاب أن الفداء ممكن بالتجسد فقط.

  • – هل لنا في اتحاد النفس بالجسد في الإنسان ما يقابل اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح؟

* الإنسان مركب من جوهرين متميِّزين هما النفس والجسد. فالنفس جوهر غير مادي ليس لها شيء من خواص المادة، بل هي روحية لها جميع خواص الروح، وهي فاعلة حساسة عاقلة حرة. أما الجوهر الذي نسميه «الجسد» فهو مادي له خواص المادة وليس له شيء من خواص الروح. واتحاد النفس بالجسد في الإنسان يقوم:

  • بكونه اتحاداً شخصياً، يتألف من اتحاد النفس والجسد في إنسان بشري واحد.
  • بكونه اتحاداً خالياً من الامتزاج والاختلاط، فالنفس تبقى روحاً والجسد يبقى مادة، لا يمتزجان بل يبقيان متميزين، ولا تنتقل خواص الواحد إلى الآخر.

ومن نتائج هذا الاتحاد بين النفس والجسد في الإنسان الواحد:

  • اشتراك الإنسان في صفات جوهرية، إذ له صفات النفس والجسد معاً، بحيث يمكننا أن ننسب إلى الإنسان كل ما ننسبه إلى جسده وكل ما ننسبه إلى نفسه، فنقول إنه طويل أو قصير، مريض أو معافى، جميل أو قبيح، حاذق وحكيم وصالح ومحسن. غير أنه ليس كل ما يصدق على الواحد منهما يصدق على الآخر.
  • إمكان نسبة صفات متناقضة إلى شخص واحد، فنقول مثلاً في إنسان واحد إنه ضعيف وقوي، وإنه خالد وغير خالد، وإنه يزول ويبقى إلى الأبد، وإنه روح وتراب ورماد.
  • إمكان تسمية الإنسان بأنه نفس وبأنه جسد، ويمكننا أن نسميه نفساً ناطقة، ونقول أيضاً إنه يجوع ويعطش. ونسميه إنساناً حياً، ونقول أيضاً إنه قابل للولادة الثانية.
  • اشتراك الإنسان في خواص النفس وخواص الجسد وأعمالهما، أي إن خواص كل من النفس والجسد (بسبب اتحادهما) هي خواص الإنسان بكليته. وكذلك أعمال النفس والجسد هي أعمال الإنسان بكليته.
  • ارتفاع شأن جسد الإنسان بسبب اقترانه بالنفس، لأن الذي يرفع الإنسان عن البهائم هو اتحاده اتحاداً شخصياً بالنفس الناطقة الخالدة.

واتحاد اللاهوت والناسوت في أقنوم المسيح هو كاتحاد النفس والجسد في تركيب الإنسان. على أنه لا توجد مشابهة تامة بين شيئين في جميع أوصافهما وخواصهما، وإنما في هذا التشبيه ما هو كافٍ لتقوية الإيمان، وتفنيد الكفر، وإيضاح الموضوع على قدر الإمكان.

  • – ما هو تعليم الكتاب المقدس في شخص المسيح؟

* خلاصة تعليمه في المسيح المتجسد ما يأتي:

  • إنه إنسان حقيقي ذو طبيعة بشرية كاملة، ننسب إليه كل ما ننسبه إلى الإنسان باعتبار ناسوته، ما عدا الخطية.
  • إنه إله بالحقيقة ذو طبيعة إلهية كاملة، ننسب إليه كل ما ننسبه إلى الله.
  • إنه شخص أو ذات واحدة، فإن نفس الشخص الذي قال «أنا عطشان» قال «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن». وهذه القضايا الثلاث تتضمن تعليم الكتاب في شأن التجسد.
  • – ما هي أدلة الكتاب على صحة هذا التعليم في شخص المسيح؟

* أدلته ثلاثة أنواع:

  • النص على كل من ناسوت المسيح ولاهوته وشخصيته الواحدة.
  • النص عليه تارة باعتبار أنه إنسان، وتارة باعتبار أنه إله، وأحياناً باعتبار أنه إنسان وإله معاً.
  • النص الصريح على تعليم التجسد.
  • – ما هي الأدلة على كل من ناسوت المسيح ولاهوته وشخصيته الواحدة؟

* هي ما يتضمن عبارات تتعلق بكل من ناسوته ولاهوته وشخصيته الواحدة. ومن ذلك:

(1) ما قيل في شأن ناسوت المسيح أنه ذو طبيعة بشرية كاملة جسداً حقيقياً ونفساً. ومنها: (أ) ما ينسب إليه جسداً حقيقياً مادياً مركباً من لحم ودم كأجساد البشر في كل ما هو جوهري، لأنه وُلد من العذراء وتغذى من جسمها، وكان ينمو في القامة، وكانت له جميع ميول الجسد البشري، فكان خاضعاً للألم واللذة والجوع والعطش والتعب والنوم والموت، وكان ينظر ويلمس (قارن عب 2: 14 ولو 24: 39). وقيل في العهد القديم إنه «نسل المرأة» و«نسل إبراهيم» و«ابن داود» وإنه «إنسان» و«رجل أوجاع» وسُمي في الإنجيل «ابن الإنسان» نحو ثمانين مرة. (ب) له نفس ناطقة وعقل بشري، به كان يفكر ويشعر ويفرح ويحزن، وينمو في الحكمة، ويجهل بعض الأشياء كزمن يوم الدينونة.

(2) ما قيل في شأن لاهوت المسيح، فسُمي «إلهاً» ولُقب بجميع الأسماء والألقاب الإلهية، فقيل إنه «الله» (عب 1: 8) و«الإله القدير» (إش 9: 6) و«الله العظيم» (تي 2: 13) و«الإله على الكل» (رو 9: 5) و«يهوه» و«الرب» و«رب الأرباب» و«ملك الملوك». ووُصف بجميع الصفات الإلهية، ومنها أنه «حاضر في كل مكان» و«عالم بكل شيء» و«غير متغير» وأنه «هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد» وأنه خالق الكون والمتسلط عليه (كو 1: 16، 17) وأنه هو المعبود من جميع الخلائق العاقلة حتى الأسمى منها، وأن جميع الملائكة أُمرت أن تسجد له (عب 1: 6) وأنه عن يمين عرش الله وملائكة وسلاطين وقوات مخضعة له (1بط 3: 22) وأنه موضوع جميع المشاعر الدينية كالاحترام والمحبة والإيمان، وأن جميع البشر والملائكة يجب أن يقدموا له حساباً عن صفاتهم وسيرتهم، وهو نفسه أمر الناس أن يكرموه كما يكرمون الآب (يو 5: 23) وأن يؤمنوا به كما يؤمنون بالآب (يو 14: 1). وقال إنه هو والآب واحد (يو 10: 30 و17: 11، 21، 22) وإن الذي رآه قد رأى الآب (يو 14: 9) ودعا جميع البشر إليه ووعدهم بغفران خطاياهم، وبإرسال الروح القدس إليهم، وبأن يمنحهم راحة وسلاماً، ويقيمهم في اليوم الأخير، ويمنحهم حياة أبدية. والخلاصة أنه وُصف في الكتاب بنفس أوصاف الله، ووعد وفعل بقدر ما وعد الله وفعل. ولذلك هو إله المسيحيين كما أن الآب أيضاً إلههم منذ تأسيس الدين المسيحي (انظر فصل 14).

(3) ما قيل في الكتاب في شأن شخصية المسيح الواحدة، أي أنه إله تام وإنسان تام في ذات واحدة، ومما يؤيد ذلك: (أ) عدم وجود دليل على تعداد الشخص فيه، فإنه يعلمنا أن الآب والابن والروح القدس متميزون في الأقنومية، وذلك من استعمال  الضمائر لهم عند الكلام على كل منهم، وأن الآب يحب الابن ويرسله، والابن يحب الآب ويطيعه. غير أنه لا يصح أن نميز طبيعتي المسيح على هذا المنوال، بل هو شخص واحد مؤلف من طبيعتين متحدتين فيه، فإن ابن الله لا يخاطب ابن الإنسان كشخص متميز عن نفسه، والكتاب المقدس لا يعلن لنا إلا مسيحاً واحداً. (ب) البراهين الصريحة، ومنها أن المسيح يستعمل لنفسه ضمير المتكلم، ويُستعمل ضمير المخاطَب عند مخاطبته، وفي الغيبة ضمير الغائب. فقيل مرة إنه ليس له خمسون سنة بعد (يو 8: 57) وقيل «أنت يا رب في البدء أسست الأرض» (عب 1: 10). والإشارة إلى شخص واحد في كلتا الجملتين. فنرى أن المسيح يُعتبر شخصاً واحداً، إلهاً تاماً وإنساناً تاماً.

  • – ما هي الأدلة على اعتبار أنه إنسان تارة، وأنه إله تارة أخرى، وأنه إنسان وإله معاً تارة؟

* هي ما يتعلق بنصوص الكتاب عن المسيح، تارة باعتباره إنساناً، وأخرى باعتباره إلهاً، وأحياناً باعتباره إلهاً وإنساناً معاً. ففي العهد القديم وُصف أنه «من نسل إبراهيم، ومن سبط يهوذا، ومن بيت داود» وأنه يولد من عذراء في بيت لحم، وأنه «رجل أوجاع» يحتمل تأديب خطايانا ويسكب للموت نفسه. وقد وُصف أيضاً فيه أنه «إله» لأنه سُمي «ابن الله» و«عمانوئيل» و«الله القدير» و«الرب برنا». وقيل إنه منذ الأزل والملائكة تعبده (انظر فصل 14 س 1-11).

وقيل في العهد الجديد إنه إنسان، وذُكر فيه جدول نسبه على أنه من بيت داود ومن نسله، وذُكرت أيضاً ولادته وحياته وموته. وقيل إنه إله، وابن الله، والكائن منذ الأزل، وله كل سلطان، وإنه مستحق الوقار والمحبة والطاعة الواجبة لله، وإن الرسل سجدوا له وسألوه المغفرة (انظر فصل 14 س 12-33). فجميع هذه الأوصاف المتنوعة المنسوبة دائماً إلى شخص واحد لا يمكن توفيقها إلا باعتبار تعليم الكتاب المقدس في التجسد الإلهي، الذي هو مفتاح تفسير كل أقوال الكتاب في المسيح. وبدونه تكون جميع أقوال الكتاب مبهمة ومشوشة ومتناقضة.

  • – ما هي الأدلة على تعليم التجسد؟

* هي ما يتضمن النصوص الصريحة على تعليم التجسد، ومنها:

  • يوحنا 1: 1-14: وفيه أن الكلمة أزلي (والمقصود به لاهوت المسيح)، وأن بينه وبين الآب علاقة قريبة جداً، وأنه إله خالق كل الأشياء، وأن الحياة فيه. وعلى هذا فهو مصدر الحياة لجميع الأحياء، والنور الحقيقي (أي ينبوع كل معرفة وقداسة) وأنه أتى إلى العالم وجاء إلى خاصته، وأنه صار جسداً، اتَّخذ طبيعتنا البشرية وسكن بيننا كإنسان. وهذا يعني أن شخصاً إلهياً بالحقيقة (هو الكلمة الأزلي خالق العالم) صار إنساناً. وما ذلك إلا تعليم التجسد تماماً بصريح العبارة.
  • 1يوحنا 1: 1-3: وهو نص على أن الذي كان من البدء عند الله ظهر على الأرض، وكان يرى ويسمع ويلمس.
  • رومية 1: 2-5: وهو نص على طبيعتي المسيح ووحدانية شخصه. فهو من جهة طبيعته الجسدية ابن داود، ومن جهة طبيعته الإلهية ابن الله. وقال أيضاً إنه الله العظيم (تي 2: 13) وابن إبراهيم، وعبراني بحسب ولادته الجسدية.
  • 1تي 3: 16: وهو نص على أن الله ظهر في الجسد.
  • في 2: 6-11: وهو أن المسيح كان الله أو في صورة الله، وأنه مساوٍ للآب، وأنه صار إنساناً وأخذ صورة عبد، وأنه خضع للموت على الصليب، وأنه رُفع فوق المخلوقات وأُعطي السلطان العام المطلق.
  • عب 2: 14: وفي بداءة هذه الرسالة قيل إن المسيح بهاء مجد الله ورسم جوهره، وخالق العالمين، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته، وإنه أسمى من الملائكة، وإن جميعهم يسجدون له. وفي الأصحاح الثاني قيل إنه إنسان وإن البشر إخوته.

    وخلاصة ما تقدم أن المسيح المتجسد هو إله وإنسان في شخصية واحدة. وسبب التعاليم الفاسدة في هذا الشأن هو إنكار صدق ما قيل في الكتاب المقدس عن لاهوت المسيح، أو عن ناسوته، أو عن وحدانية شخصه. ولذلك التزمت الكنيسة أن تبحث بحثاً مدققاً في هذا الشأن، وتبين بالتفصيل معنى أقوال الكتاب في حقيقة اتحاد الطبيعتين في المسيح، ونتائج ذلك الاتحاد.

  • – كيف تثبت أن للمسيح طبيعتين متحدتين في شخص واحد؟

* ينسب الكتاب المقدس للمسيح كل صفات الناسوت وكل صفات اللاهوت معاً في شخص واحد. فقيل في ناسوته إنه ذو جسد، مولود من امرأة، كان ينمو في القامة، يرى ويشعر به ويلمس، وإنه ذو نفس كانت تتعب وتفرح وتحزن وتنو في الحكمة وتجهل بعض الأحوال والأمور. وقيل في شان لاهوته إنه إله على الكل، عالم بكل شيء قادر على كل شيء أزلي. ولذلك يعلمنا الكتاب أن الجوهرين المجموعين في شخصه (أي الناسوت واللاهوت) طبيعتان متميزتان.

  • – كيف يتبيَّن أن طبيعتي المسيح متحدتان ولكن غير ممتزجتين أو مختلطتين؟

* لا يقوم اتحاد طبيعتي المسيح بمزجهما وحدوث طبيعة ثالثة ليست هي ناسوتاً ولا لاهوتاً، بل طبيعة مؤلفة منهما، فهذا مستحيل، لأن خواص الطبيعتين مختلفة. وكما أنه لا يمكن أن ينتج عن مزج العقل والمادة جوهر جديد  ليس هو عقلاً ولا مادة، هكذا لا يمكن للطبيعتين البشرية والإلهية أن يمتزجا فتنتج منهما طبيعة ثالثة، لأن الطبيعة الإلهية ممتازة عن الطبيعة البشرية ولا يمكن مزجهما. نعم إن المسيح هو إله وإنسان معاً، ولكن هذا باعتبار شخصه لا باعتبار طبيعته، فإن الطبيعة الإلهية باقية متميزة عن الطبيعة البشرية ولو اتحدتا في شخص واحد، لأنه لا يمكن جعل المحدود غير محدود أو غير المحدود محدوداً، ولا يمكن جعل الله إنساناً ولا جعل الإنسان إلهاً، وإنما يمكن وجود شخص واحد له طبيعة إلهية وبشرية معاً، بشرط أن تكون الطبيعتان متحدتين لا ممتزجتين فيه.

إذاً كل طبيعة من طبيعتي المسيح باقية على حدة، غير أنهما متحدتان في شخصية واحدة. وكما أن الجنس البشري يحفظ كل خواصه المادية، والنفس تحفظ كل صفاتها الروحية في اتحادهما في شخص واحد، كذلك اللاهوت والناسوت يحفظ كل منهما خواصه في اتحادهما في شخص المسيح. فينتج من ذلك مشيئة بشرية ومشيئة إلهية معاً. فللمسيح مشيئة محدودة ومشيئة غير محدودة، وقدرة محدودة وقدرة غير محدودة معاً، وحكمة بشرية قابلة للنمو وحكمة إلهية كاملة. وكل ذلك سر بعيد عن الاستقصاء، ولكنه ليس بأكثر خفاء من اتحاد العقل والمادة في طبيعتنا البشرية.

وانتقال صفات الطبيعة الواحدة إلى الأخرى مردود، لأنه يسبب تغييراً في جوهر الطبيعتين، المستقلة كل منهما عن الأخرى. فإذا انتقلت مثلاً الصفات الإلهية إلى الطبيعة البشرية لم تبقَ طبيعة بشرية، وبالعكس. وإذا نُزع النطق بالقوة من العقل ما بقي عقلاً، وإذا أُضيف النطق إلى المادة لم تبقَ مادة، وإذا أُعطي المحدود ما لغير المحدود انتفى كونه محدوداً. ويعلمنا الكتاب المقدس أن طبيعة المسيح البشرية بقيت على حالها بعد التجسد، وأن الطبيعة الإلهية بقيت إلهية.

  • – ما هي خلاصة تعليم الكتاب المقدس في سر التجسد؟

* خلاصته هي: (1) تجسد المسيح في طبيعتين (اللاهوت والناسوت) وهما متحدتان اتحاداً لا يقبل الانفكاك أو الانفصال.

(2) هاتان الطبيعتان غير ممتزجتين امتزاجاً تتكوَّن منه طبيعة ثالثة متميزة عن كل منهما، بل إن كل واحدة منهما تحتفظ بكل خواصها.

  • لم تنتقل صفة من الطبيعة الإلهية إلى البشرية، وبالأولى لم تنتقل صفة من الطبيعة البشرية إلى الإلهية، فلم يصر الناسوت في المسيح إلهاً، ولا اللاهوت صار ناسوتاً.
  • ليس اتحاد الطبيعتين على سبيل حلول الطبيعة الإلهية في بنية بشرية، بل على سبيل اتحاد شخصي نشأ منه أن المسيح شخص واحد بطبيعتين متميزتين إلى الأبد.
  • – ما هي نتائج اتحاد طبيتي المسيح؟

* هي: (1) الاشتراك في الصفات.

(2) كانت جميع أعمال المسيح، سواء بشرية أو إلهية، أعماله باعتباره شخصاً واحداً.

(3) المسيح هو موضوع السجود الديني.

  • يشعر المسيح مع شعبه.
  • الكلمة المتجسد هو مصدر الحياة.
  • ارتفاع شأن طبيعة المسيح البشرية.
  • – ما معنى الاشتراك في الصفات؟

* معناه أن لشخص المسيح الواحد صفات الطبيعتين، حتى أن كل ما يمكن أن يُقال في كل منهما يمكن أن يُقال فيه، لا أن لكل من الطبيعتين صفات الأخرى. فيصح أن يوصف المسيح بكل ما يصدق على ناسوته وعلى لاهوته، كما يصح أن يوصف الإنسان بكل ما يوصف على نفسه وعلى جسده. مثال ذلك قوله إن الإنسان خالد وغير خالد، ومخلوق من التراب وابن الله.. فيمكننا أن نقول إن المسيح محدود وغير محدود، وأنه يجهل أموراً ويعلم كل شيء، وإنه دون الله ومساوٍ له، وهو منذ الأزل وإنه وُلد في وقت معلوم. وعلى هذا المبدأ يجب أن نفسر آيات كثيرة من الكتاب المقدس، وقد قسمناها إلى أربعة أنواع وهي:

  • ما كان المحمول فيه على كل الشخص، ومثاله أن المسيح فادينا وربنا وملكنا ونبينا وكاهننا وراعينا. فإن هذه الأقوال تصدق عليه بالنظر إلى كل شخصه لا باعتبار كونه إلهاً فقط أو مجرد إنسان.
  • ما كان الموضوع فيه الشخص والمحمول لا يصدق إلا على اللاهوت، ومثاله قوله «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» وقوله أيضاً «المجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم» ومثل هذا كثير، فإن المسيح استعمل ضمير المتكلم في هذه الأقوال باعتبار كونه شخصاً، غير أن المحمول لا يصدق إلا على اللاهوت.
  • ما كان الموضوع فيه هو الشخص والمحمول لا يصدق إلا على الطبيعة البشرية، مثاله قول يسوع «أنا عطشان» و«نفسي حزينة حتى الموت» وقول البشير «بكى يسوع» وكذلك الآيات التي مضمونها أن المسيح كان يمشي ويأكل وينام ويرى ويلمس ويسمع صوته.
  • ما دخل تحت الصنف الأول من هذه الأصناف، ولكنه يمتاز عنه في أن الموضوع مما يختص بالطبيعة الإلهية والمحمول لا يصدق على نفس الطبيعة الإلهية، بل على الطبيعتين الإلهية والإنسانية معاً في حال الاقتران. ومثاله قول الرسول «فحينئذ الابن نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكل» (1كو 15: 28). فالموضوع هنا هو الابن باعتباره إلهاً وإنساناً معاً. والإشارة إلى تسليمه الملك الذي تقلده كوسيط بين الله والإنسان ليجري عمل الفداء. ومثال آخر هو قول المسيح «الآب أعظم مني» فهذا لا يصح على الطبيعة الإلهية بل يصح على الإله والإنسان معاً، أي على المسيح باعتباره وسيطاً. فيتبين مما تقدم أن الوحي المقدس نسب إلى المسيح صفات الناسوت وصفات اللاهوت، بدون نظر إلى الاسم الذي سموه به، لأنه شخص واحد، فسموه الرب والابن، ونسبوا إليه ما يصدق عليه فقط باعتبار كونه إلهاً وإنساناً معاً.
  • ما معنى أن جميع أعمال المسيح سواء كانت بشرية أم إلهية هي أعمال شخص واحد؟

* معناه أن أعمال المسيح بعضها إلهي محض كالمعجزات، وبعضها بشري محض كالأكل والشرب والنوم، وبعضها إلهي وبشري تشترك الطبيعتان في عمله، كعمل الفداء. ولا يخفى أن جميع تلك الأعمال هي أعمال المسيح، أي أعمال شخص واحد، وأن أعمال المسيح هي أعمال شخص إلهي وإن اختصت بطبيعته البشرية. ولذلك يجوز أن نعتبر طاعة المسيح وآلامه (وإن كانت ليست طاعة) وآلام الطبيعة الإلهية أنها طاعة وآلام شخص إلهي. فإن نفس الإنسان لا يمكن أن تُجرح ولا أن تُحرق. ولكن متى أصاب الجسد شيء من ذلك نسبناه كله إلى الإنسان. وعلى هذا المبدأ نقول إن طاعة المسيح بر الله، وإن دم المسيح دم إلهي. ومن ذلك نتج أن لعمله فاعلية واستحقاقاً غير محدود. وفي هذا يقول الكتاب المقدس «لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا» (عب 10: 4). ولكن بما أن للمسيح روحاً أزلياً أكمل المقدَّسين إلى الأبد بتقديم نفسه مرة واحدة. وهذا هو الأمر الأخص الذي أطنب الرسول بإثباته في رسالته إلى العبرانيين، والسبب الذي قدَّمه لعدم الحاجة لتكرار ذبيحة المسيح، وهو أن فاعليتها أعظم من فاعلية ذبائح النظام القديم. وهو قد طبع على قلوب المؤمنين في جميع القرون حتى أن كلاً منهم يقول من كل قلبه «يا ربي يسوع، دمك فقط يقدر أن يكفر عن الخطية».

وربما سُمي شخص المسيح بإحدى طبيعتيه، ونُسب إليه من الأعمال ما هو خاص بالطبيعة الأخرى، وذلك كما تقدم في الكلام على صفاته. فإنه في الكلام على تسليمه نفسه للموت سُمي الله وابن الله ورب المجد. وسُمي أيضاً الإنسان وابن الإنسان. ونُسب إليه من الأعمال ما هو خاص بسلطانه الإلهي فقط، ومن ذلك القول إن ابن الإنسان هو الذي يغفر الخطايا، ورب السبت، ويقيم الأموات، يرسل ملائكته ليجمع مختاريه.

وقد سبق أن قلنا إن أعمال الإنسان تنقسم إلى ثلاثة أنواع: عقلية محضة كالفكر، وجسدية محضة كالأكل والشرب، ومختلطة من عقلية وجسدية كالتكلم والكتابة وما أشبهها. وكلها تُنسب إلى شخص واحد. فكذلك أعمال المسيح الإلهية والبشرية والمختلطة تُنسب كلها إلى ذات واحدة.

  • – ما معنى أن شخص يسوع المسيح موضوع السجود الديني؟

* معنى السجود هنا تقديم الإكرام الديني بناءً على وجود صفات إلهية في المسجود له، وهو الأساس الوحيد لذلك السجود. وليس ناسوت المسيح هو أساس السجود بل لاهوته. على أن المعبود هو شخص اتحد فيه اللاهوت بالناسوت.

  • – ما معنى أن المسيح يقدر أن يشعر مع شعبه؟

* أساسه هو قول الرسول إن المسيح هو رئيس كهنة رحيم وأمين، وبالنتيجة إنه نفس المخلص الذي نحتاج إليه.. فلأنه الله والكلمة الأزلي يمكنه أن يكون ويعمل حسب ما تقتضي احتياجاتنا. فكيف يمكنه ذلك لو كان إنساناً فقط، مهما كان حكيماً ومقدساً ومحسناً؟ فالذي نحتاج إليه ونبتغيه هو مخلص يكون إلهاً وإنساناً معاً: يكون إلهاً ليقدر أن يكون دائماً حاضراً في كل مكان، وقادراً على كل شيء، وغير محدود في وسائطه ليخلِّص ويبارك. ويكون إنساناً ليمكنه أن يحس بضعفاتنا، ويتجرب مثلنا، ويخضع للناموس الذي عصيناه، ويحتمل القصاص الذي نستحقه. وقد حل في المسيح كل ملء اللاهوت جسدياً، ووُجد في الهيئة كإنسان ليمكننا الوصول إليه والامتلاء من ملئه. ولذلك نحن كاملون فيه لا يعوزنا شيء.

  • – ما معنى أن الكلمة المتجسد هو مصدر الحياة؟

* يعلمنا الكتاب المقدس أن «الكلمة» هو الحياة الأبدية، وأن له الحياة في نفسه، وهو مصدر الحياة الجسدية والعقلية والروحية. وأيضاً أن تجسده هو الكيفية المختارة لوصول بركات الحياة الروحية للبشر. لذلك هو وحده المخلِّص، ووحده مصدر حياتنا. ونحن نصير شركاء هذه الحياة بالاتحاد به. وهذا الاتحاد يتم بواسطة سكن الروح القدس فينا لما نؤمن به، فيصير لنا المسيح حياة أبدية فلا نعود نحيا نحن، بل المسيح يحيا فينا (غل 2: 20).

  • – ما معنى أن طبيعة المسيح البشرية ارتفعت بالتجسد؟

* كما أن الجنس البشري بسبب اتحاده الجوهري بالنفس الناطقة رُفع بما لا يقاس فوق كل مخلوق مادي في الكون، كذلك رُفع ناسوت المسيح بدون قياس في المقام والقدر بسبب اتحاده بطبيعته الإلهية، ولا سيما السلطان على جميع الخلائق العاقلة.

  • – هل تقررت الحقائق التي شرحناها عن شخص المسيح حالاً بعد تأسيس الكنيسة المسيحية؟

* مع أن هذه الحقائق عن شخص المسيح كلها معلنة في الكتاب المقدس إما تصريحاً أو تضميناً، إلا أنها لم تتقرر تماماً عند جميع الكنائس المسيحية إلا بعد مباحثات طويلة استمرت إلى نهاية القرن السادس. فقد قام في الكنيسة بعض اللاهوتيين الذين نادوا بضلالات متنوعة في شخص المسيح، وتبعهم قوم على اختلاف مذاهبهم. لكن جمهور شعب الله المؤمنين اعتقدوا اعتقاداً واحداً منذ البدء، وهو ما سبق الكلام عليه. غير أنه لما كان الشعب متمسكاً بأن اللاهوت والناسوت متحدان غير ممتزجين في شخصية واحدة، كان اللاهوتيون مضطرين بسبب الاعتراضات من خارج وبميلهم للبحث من داخل، أن يسألوا: كيف يمكن أن شخصاً واحداً يكون إلهاً وإنساناً معاً؟ وكيف يتحد اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح؟ وفي إجابة هذه الأسئلة حدثت صعوبات تسبَّبت في مجادلات كثيرة. وليتخلصوا من ذلك أنكر البعض لاهوت المسيح، وأنكر غيرهم ناسوته أو كمال الناسوت، وأنكر غيرهم حقيقة اتحاد طبيعتيه ونتائجه.

  • – ما هي المذاهب الخاطئة في تجسد المسيح وحقيقة شخصيته؟

*هناك ثلاث مذاهب رئيسية هي:

  • المذاهب التي تنكر لاهوت المسيح.
  • المذاهب التي تنكر ناسوته.
  • المذاهب التي تنكر وحدة شخصه في طبيعتين متميزتين غير ممتزجتين أو مختلطتين.
  • – ما هي المذاهب التي تنكر لاهوت المسيح؟

* منها الأبيونيون والناصريون. وقد مال هذان الفريقان إلى بعض العقائد اليهودية، فقال الأبيونيون إن المسيح كان إنساناً. واعتقد الناصريون ذلك، غير أنهم سلموا بأنه حُبل به بطريقة عجيبة، وأنه كان صاحب مواهب خارقة. واشتهر هذا الضلال في فرقة السوسينيين في القرن السادس عشر، وبين منكري التثليث الأقنومي في القرون المتأخرة. ومن الذين أنكروا لاهوت المسيح أريوس وفرقته (انظر فصل 13 س 7-10).

والتأم المجمع النيقوي في سنة 325م لإبطال مذهب أريوس، وأجمع الحاضرون على القانون النيقوي دفعاً لضلال أريوس، وشرحاً لاعتقاد الكنيسة في لاهوت المسيح قبل التجسد وبعده (قانون الإيمان النيقوي في فصل 8 س 4 وفصل 13 س 8).

  • – ما هي المذاهب التي تنكر ناسوت المسيح؟

* أنكر الغنوسيون بطرق متنوعة ناسوت المسيح، وساقتهم إلى ذلك آراؤهم في أصل الشر. فقالوا إن الله هو مصدر الخير فقط، وإن الشر موجود، فلا بد أن يكون أصله خارجاً عن الله. وقالوا إن الله مصدر جميع الكائنات الروحية، لأن جميعها صدرت من جوهره، وقد صدرت منها كائنات أخرى، ومن تلك صدر غيرها، وهكذا. وكل صادر كان أقل مما صدر منه، فكانت الكائنات تزيد انحطاطاً كلما بعدت عن مصدرها الأصلي. وقالوا أيضاً إن الشر يصدر من المادة وإن خالق العالم ليس الله بل روح دون الله يسمى «الديميورغوس» أطلق عليه بعض طوائف الغنوسيين أنه إله اليهود. وقالوا إن الإنسان مكوَّن من روح صادرة من الله متحدة بجسد مادي، ونفس حيوانية، وإن تلك الروح تدنست واستُعبدت بسبب هذا الاتحاد. وإن فداءها يتم بتحريرها من الجسد لأنه يمكنها من الرجوع إلى دائرة الأرواح الطاهرة أو الغياب في الله. ولأجل إتمام هذا الفداء أتى المسيح إلى هذا العالم، وهو من أسمى الكائنات الصادرة من الله. وكان ينبغي له أن يظهر في هيئة إنسان ولكنه كان مستحيلاً أن يصير إنساناً بدون الخضوع للفساد والعبودية اللذين أتى لينقذ البشر منهما. ولإزالة هذه الصعوبة نشأت آراء متنوعة.

قال البعض وهم الدوسيتيون إن المسيح لم يكن له جسد حقيقي ولا نفس بشرية، وإن ظهوره جسدياً على صورة إنسان كان خيالاً أو طيفاً بدون جوهر ولا حقيقة. ولذلك سموا «دوسيتيين» (وهي كلمة يونانية مشتقة من فعل معناه يظهر). فحياة المسيح على الأرض حسب اعتقاد هذه الفرقة من الغنوسيين كانت وهماً، وأنه لم يولد بالحقيقة ولا تألم ولا مات، بل كان ذلك حسب الظاهر فقط. وقال غيرهم إن المسيح كان ذا جسد حقيقي، ولكنهم أنكروا أن ذلك الجسد كان مادياً، واعتقدوا أنه كان مصنوعاً من جوهر سماوي أتى به المسيح إلى العالم، وأنه وُلد من مريم العذراء، لكنه لم يكن من جوهرها بل كانت إناء وُضع فيه ذلك الجوهر السماوي. وقال غيرهم، ومنهم الكيرنثيون، إن يسوع المسيح شخصان ممتازان. أما يسوع فهو ابن يوسف وهو إنسان كسائر الناس، وأما المسيح فهو روح أو قوة حلَّ على يسوع عند معموديته وصار مرشداً وحارساً له، ومكنه من صنع المعجزات. وفي وقت آلامه تركه يكابد الآلام وحده ورجع إلى السماء. وبما أن الكتاب المقدس يعلن لنا أن يسوع المسيح مخلص العالم هو إنسان بالحقيقة، اعتبرت الكنيسة كل تلك الآراء الغنوسية ضلالات ورفضتها.

ومن مذاهب الضلال من جهة ناسوت المسيح مذهب الأبوليناريين (نسبة إلى أبوليناريوس الذي كان أسقفاً شهيراً في لاودكية). ويقول مذهبهم إن الإنسان (على رأي أفلاطون) مؤلَّف من ثلاثة جواهر وهي الجسد والنفس الحيوانية والروح الناطقة، وإن المسيح مؤلف من ثلاثة جواهر وهي الجسد والنفس الحيوانية واللاهوت. وبذلك أنكروا أن للمسيح روحاً ناطقة كما لسائر البشر. وزعموا أن اللاهوت أخذ في المسيح مكان الروح الناطقة في الإنسان. ومما قادهم إلى هذا القول صعوبة تصوُّر اتحاد طبيعتين كاملتين في شخص واحد. فقالوا: إذا كان المسيح الله أو الكلمة الإلهي فإنه يكون كاملاً. وإذا كان إنساناً فلا بد أن يكون ذا عقل محدود وإرادة بشرية، فكيف يمكن أن يكون (والحالة هذه) شخصاً واحداً؟ نعم إن ذلك مما لا يدركه العقل البشري، ولكن لا تناقض فيه. فانعقد مجمع مسكوني في القسطنطينية سنة 381م وفند التعليم الأبوليناري ورفضه، ثم تلاشى بعد قليل.

  • – ما هي المذاهب التي تنكر وحدانية شخص المسيح بطبيعتين غير ممتزجتين أو مختلطتين؟

* اشتهر من هذه المذاهب اثنان، وهما مذهب النساطرة ومذهب الأفتيخيين:

(1) المذهب النسطوري هو أن للمسيح أقنومين. فإنه لما ثبت كمال الطبيعتين في المسيح وقع اختلاف في العلاقة بينهما، فقال أصحاب هذا المذهب إن الكلمة الإلهي حل في الإنسان يسوع المسيح واتحد به اتحاداً مشابهاً لحلول الروح القدس في المؤمن. ولذلك لم يتميز المسيح عن الذين حل فيهم روح الله إلا في أنه حصل على كمال اللاهوت الذي حل فيه. وكانت شخصية المسيح بشرية محضة تحت سلطان اللاهوت الذي كان بمنزلة شخصية أخرى مستقلة. وكان نسطور (صاحب هذا المذهب) أديباً مشهوراً ذا تقوى حقيقية، وكان أولاً راهباً في أنطاكية ثم صار بطريركاً في القسطنطينية. ونشأ الجدال على هذا الموضوع من دفاعه عن القول إنه لا يحق أن تُسمى مريم العذراء «أم الله» فقال إن العذراء تسمى «أم المسيح» ولا يجوز تسميتها «أم الله» لأنه أنكر اتحاد اللاهوت والناسوت في شخص المسيح، وقال إن اللاهوت حل فقط في الناسوت. واعتقد معظم المسيحيين أن لاهوت المسيح غير مولود ولا مخلوق. لكن في شخص يسوع المسيح طبيعتين، إحداهما إلهية، وعلى ذلك تجوز تسمية العذراء «أم الله متجسداً في شخص يسوع المسيح» فهي جائزة من جهة، ومن جهة أخرى تجديف. وأما نسطور فقال إن الله منزَّه عن أن يولد وعن أن يموت. وهذا صحيح باعتبار جوهر اللاهوت المجرد عن الناسوت. وأما في حال التجسد فيجوز أن نقول إن شخص المسيح مولود من مريم العذراء، وبهذا المعنى فقط يحتمل تسمية العذراء «أم الله». وقد حكم مجمع أفسس المسكوني الثالث (سنة 431م) ضد تعليم نسطور. وأخيراً عُزل ونُفي ومات سنة 440م ورحل تابعوه إلى بلاد الفرس ونظموا أنفسهم جماعة مستقلة، لا تزال باقية إلى عصرنا الحاضر.

(2)  أما ضلال الأفتيخيين فعكس مذهب النساطرة، فقد أنكروا أن للمسيح طبيعتين وقالوا إن له طبيعة واحدة فقط ناتجة من اتحاد اللاهوت بالناسوت. وحكم ضدهم في مجمع خلقدونية سنة 451م. وبعد ذلك بنحو 200 سنة اجتهد الامبراطور هرقل (الذي مات 641م) أن يرد الأفتيخيين إلى الكنيسة فاقترح قولاً متوسطاً بين الفريقين هو أن المسيح وإن كان ذا طبيعتين متميزتين لم تكن له إلا مشيئة واحدة. ودفعاً لهذا القول صرح المجمع المسكوني السادس الذي التأم في القسطنطينية سنة 681م أن التعليم الصحيح المقبول في الكنيسة بناءً على تعليم الكتاب هو أن المسيح شخص واحد ذو طبيعتين متميزتين هما اللاهوت والناسوت. وبالنتيجة فإن له مشيئة بشرية محدودة ومشيئة إلهية غير محدودة وغير متغيرة.

ومنذ صدور هذا الحكم من ذلك المجمع توقَّف النزاع في هذه المسألة ولم يحدث فيها تغيير بعد ذلك. وقد قبلت كل الكنائس اليونانية واللاتينية والإنجيلية الحكم على نسطور الذي أنكر وحدانية شخص المسيح، كما قبلت الحكم على أفتيخوس الذي أنكر تمييز الطبيعتين، وجعلت كل ذلك من قواعد إيمانها.

  • – ما هو تعليم الكنيسة الإنجيلية في هذا الموضوع؟

* كان لبعض الباحثين في أثناء القرون المتوسطة آراء متنوعة في شخص المسيح، لكن لم يقاوم أحد قانونياً أحكام مجمعي خلقدونية والقسطنطينية. وفي وقت الإصلاح عوَّل المصلحون على تعليم الكنيسة الأولى كما يتبين من قوانين الإيمان المتنوعة عندهم، ورفضوا جميع ما رفضته تلك الكنيسة من الضلالات في شخص المسيح، كالأبيونية والغنوسية والنسطورية والأفتيخية وغيرها، وعلَّموا كل ما علمته أول ستة مجامع مسكونية، وهو ما قبلته الكنيسة كلها بدون زيادة ولا نقصان، وقالوا إن ابن الله، الأقنوم الثاني في الثالوث هو الإله الحق الأزلي من جوهر الآب ومعادل له. ولما جاء ملء الزمان أخذ لنفسه طبيعة الإنسان مع خواصها الجوهرية وصفاتها العامة، ولكن بلا خطية. فحُبل به بقوة الروح القدس في العذراء مريم ومن جسدها، وبذلك اتحدت طبيعتان صحيحتان كاملتان متميزتان اتحاداً غير منفصل في شخص واحد، بدون تحويل ولا تركيب ولا اختلاط. وذلك الشخص إله حق وإنسان حق بل مسيح واحد، والوسيط الوحيد بين الله والإنسان.

إن التعليم البسيط البليغ الخلاصي الذي نتعلمه من الكتاب المقدس والكنيسة بوجه العموم هو أن ابن الله الأزلي صار إنساناً باتخاذه لنفسه جسداً ذا طبيعتين متميزتين وأقنوم واحد. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.