تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » تحذير – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

تحذير – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

تحذير

(لو 22 : 31و32)

“سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنظة ولكني طلبت من أجلك”.

سمعان سمعان، اسمع اسمع، سمعا يا سمعان، افتح أذنيك واسمع ما أقوله لك يقول الرب.

القول خطير فاسمع وتحذر: “هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة، ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك، وأنت متى رجعت ثبت إخوتك”.

هناك طلبان يا سمعان من متصارعين عدوين، طلبان مقدمان أمام العرش في حضرة الآب السماوي: طلبٌ من الشيطان، وطلبٌ من ابن الإنسان، مصارعةٌ قويةٌ بين هذين العدوين منذ اليوم الذي قيل فيه للحية، التنين الأحمر، الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان، إذ يقول لها الرب بحكمٍ أزليٍّ أبديٍّ لايُنطق: “أضع عداوةً بينكِ وبين المرأة وبين نسلكِ ونسلها، هو يسحق رأسكِ وأنتِ تسحقين عقبه”، ولم تكن هذه العداوة في هذا البدء فحسب، وإنما تُنبئت بهذه الأقوال، فقد كانت عداوةً سابقةً في خصومةٍ بين رب المجد وبين رئيسٍ من رؤساء الملائكة أنتجت ذلك الرئيس أمام ملائكته.

في جنة عدن تثبَّتت هذه العداوة بحكمٍ قضائيٍّ، العداوة التي وُجدت أصلاً أصبحت في جنة عدن حكماً قضائياً لا يمكن أن يُنقض، “أضع عداوةً” ليست من جديد، إن العداوة موجودة قبلاً فكان وضعها حكماً قضائياً لإثبات هذه العداوة إلى الأبد، وبين هذين العدوين المتصارعين طلبان سبقت الإشارة إليهما.

وأمامنا الآن طلب العدو الأساسي إبليس، الشيطان، يحذر منه السيد، ابن الإنسان، يحذر بتحذيرٍ هو: “سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم”، هذا هو الطلب، طلب الشيطان للإثنى عشر “لكي يغربلكم كالحنطة”، فهم حنطة طلع الشيطان بينهم كالزوان، وهنالك على المائدة في تلك الساعات الأخيرة يقيم الله شيطاناً على أحد الرسل ويُلقي الشيطان في قلبه أن يسلم السيد حتى قال رب المجد بصوت تحذيرٍ، بل بصوتٍ كسيرٍ: “إن واحداً منكم يسلمني”، يحذرهم، أبواق الشيطان ألقت في قلبه أن يسلم سيده مباعاً للأعداء “بثلاثين من الفضة”.

سلم إله العرش هذا الرجل في يد الشيطان تسليماً نهائياً، أُعطيَ غرضه، سُلم له هذا الإنسان والسيد يحذر بالقول: “إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو محتومٌ”، هذا أمرٌ لا بد منه، يسلم إلى أيدي الأعداء، يُضرب ويُلكم ويُجلد ويُتفل على وجهه، ويُلطم ويوخز رأسه بإكليل الشوك، وتُسمر يداه ورجلاه ويُطعن بالحربة عن طريق هذا الذي سُلم ليد الشيطان بناءً على طلب الشيطان الذي ألقيَ في قلبه أن يسلم سيده بأجرة الإثم والشر.

وقد حذره السيد تحذيراتٌ أخرى، فمن الجهة الواحدة ينطق بالويل: “ويلٌ لذلك الرجل الذي به يُسلم ابن الإنسان، كان خيراً له لو لم يولد” من أن يولد ويسلم إلى الشيطان الذي طلبه لكي يعاون في تسليم السيد، ابن الإنسان، لأنه “أحب اللعنة فأتته” وأبغض النعمة فابتعدت عنه وسُلِّم إلى يد المجرب الأثيم للهلاك الأبدي، ومع أن السيد غسل قدميه وقت العشاء لعله يتعظ ولعل قلبه يلين، ومع أنه أخذ اللقمة وسلمه لعله يرى محبة السيد فيرجع عن شره، ولكن بالرغم من كل ذلك سلم قلبه للشيطان، وسلم لطلب الشيطان، “وكان خيراً له لو لم يولد”. وكمل التحذير إلى سمعان، وليس هذا فحسب فإن الشيطان اشتغل طالباً من السماء أن لا يتمم طلبه إلا إذا سلم له يهوذا، كما رأينا في أيوب.

ولكن الرب سلم يهوذا وسلم أيضاً باقي التلاميذ لتجربةٍ شيطانيةٍ عنوانها: من هو أكبر في ملكوت السموات؟ من هو الوزير الأول؟ من هو الرئيس الأعلى؟ شر الكبرياء، شر الانتفاخ، شر العناد، فكانت بينهم مشاجرةٌ: من منهم يكون أكبر؟ من منهم يكون سيداً؟ من منهم يكون وزيراً أعلى؟ من منهم يتفوق على إخوته؟ مشاجرةٌ شيطانيةٌ دبت بينهم وهم على المائدة.

ولكن السيد المسيح رب المجد، رأى العالم في كبرياء قلبه، في طبيعته المتكبرة، في شر هذه الكبرياء يفتخر: “وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك”، وقال له إلى الموت أنا أذهب معك. ستنكرني ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك، ثلاث مرات، أنا، حاشا، ويا للكبرياء المنتفخة، وبالثقة الشخصية الطبيعية يقول كلا لا أنكرك البتة.

يا سمعان احذر، هكذا عمل الشيطان في قلب جميع التلاميذ وهم على العشاء، وقد رأى السيد هذا الوضع وخاصةً بعد أن قال بصريح العبارة: “الآن رئيس هذا العالم يأتي” الشيطان إبليس، كما قال للذين صلبوه: “هذه ساعتكم وسلطان الظلمة”، فقد جمع الشيطان جميع قواته في تلك الليلة المظلمة والمطر شديد وسحيق إلى الأبد والخوف لا بد منه. فكان هذا التحذير “سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة”، على أن السيد يعبر عن هذا الطلب والتسليم له بالغربلة لأن السيد، لأن الإله رب المجد يسلم هؤلاء التلاميذ، يسلم أولاده للغربلة، كما سلَّم أيوب للغربلة. لغربلة الحنطة، لإخراج القمح النقي والقضاء على التبن.

وهذا هو العمل الذي جاء لأجله رب المجد إلى الأرض كما قال يوحنا المعمدان: “أنا أعمد بماءٍ للتوبة” أما ذاك “سيعمدكم بالروح القدس ونار”، نارٌ للتوبة، يرسل منجله إلى بيدره، يرسل غرباله إلى بيدره فيفصل بين القمح والحنطة “فيجمع القمح إلى مخزنه والتبن يحرقه بالنار”، هذه هي الغربلة، كالحنطة، فإذا سلم الرب الذين له إلى الغربلة تكون هذه تلك النتيجة الناصعة، الغربلة، وكما عبر الرسول بولس: لتكون خفة ضيقتنا للمدح عند إعلان الرب يسوع المسيح، فكونوا كالذهب الذي يُنقى بالنار فيكون ذهباً نقياً خالياً من الشوائب.

وهنا نقف للتساؤل: هل كان خروج السيد المسيح إلى البرية بعد المعمودية مُقاداً من الروح القدس بناءً على طلب الشيطان؟ ولماذا لا؟ ولماذا لا يقود الروح الذي حل عند المعمودية ابن الإنسان إلى البرية؟ يقول: “ليُجرَّب ابن الإنسان من إبليس”، كأن إبليس طلب أن يجرِّب ابن الإنسان فأُجيب إلى طلبه فخرج المسيح إلى البرية ليُجرَّب من إبليس، فالتجربة في هذه الساعة أمرٌ ضروريٌّ لابن الإنسان. وهو أول مكان يجب أن يجتاز فيه ابن الإنسان قبل البدء في خدمته، أن يخرج إلى البرية بناءً على طلب الشيطان مُقاداً بالروح القدس ليجرب من إبليس، لذلك سمح له الآب مُقاداً بالروح القدس بالخروج إلى البرية أربعون يوماً مُجرباً من إبليس، لكي يخرج كالذهب، كالحنطة المنقاة، وقد خرج ظافراً وغالباً يقدر أن يعطي نصراً وغلبةً للذين له في برية هذا العالم أمام مقاومة الشيطان وتجارب الشيطان، “الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة”، ولا بد من الغربلة.

وقد كان الوعد قديماً أن الله يغربل شعبه، كما في عاموس، ولكن حبةً واحدةً من الذين له لا تسقط من الغربال، تُحفظ في الغربال ولا حبةً واحدةً تسقط إلى الأرض، هم حنطةٌ، بقيةٌ تبقى في الغربال لازدياد النقاء إلى أن توضع في المخزن إلى الأبد، إلا أنه يوجد غربالٌ آخر للأمم البعيدين عن الرب يُسمَّى غربال السوء نتيجة السيئات، والسوء للذين يُغربَلون، إذ يُسلَّمون إلى هذا المُغربِل الذي سلمه الرب الغربال ليغربل شعبه فيسقط التبن فيُحرق وكل هذه الأشياء الدنسة في نيران الجحيم، وأما الذهب فيخرج من بوتقة الامتحان من النار نقياً.

هذا هو القصد الإلهي من تسليم أولاده للغربلة ليكون قمحاً نقياً نظيفاً طاهراً يُدخل به إلى المخازن، وهي الصورة التي نراها في مثل زوان الحقل: يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من حقله كل الزوان ويطرحونه في النار، أشرار الأرض، “حينئذٍ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم”، له المجد الحافظ الأمين، الماسك باليمين، المعطي القوة، المنقي الذهب، الجامع إلى مخزنه الذهب، إلى الأبد آمين.

  الأحد   10 / 7 / 1976

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.