تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » سن الثلاثين – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

سن الثلاثين – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

سن الثلاثين

(تك 41 : 46) ، (لو 3 : 23)

“كان يوسف ابن ثلاثين سنةٍ لما وقف أمام فرعون ملك مصر”، “ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنةٍ”.

يظهر أن لسن الثلاثين شأناً هاماً في الإعلانات الإلهية، من سن الثلاثين بدأ اللاويون والكهنة خدمتهم المقدسة في بيت الرب: “من ابن ثلاثين سنةٍ فصاعداً إلى ابن خمسين سنةٍ كل الداخلين ليعملوا عمل الخدمة وعمل الحمل في خيمة الاجتماع” (عد 4 : 47)، أول ملك في السلالة التي قدسها الرب ليخرج منها ملك الملوك ابن داود المبارك كان ابن ثلاثين سنةٍ حين ملك (2 صم 5 : 4)، فالرتبة الملكية والرتبة الكهنوتية في ملكوت الله على الأرض اتفقتا معاً في هذه السن الثلاثينية.

وهل لهذا رتَّب الكاهن الأعظم، ملك الملوك، الذي جاء لا على رتبة هرون في الكهنوت اللاوي، بل على رتبة ملكي صادق ملك ساليم كاهن الله العلي؟ (تك 14 : 18وعب 7)، هل رتَّب هذا الابن الوحيد الأزلي؟ بل هل قرر القصد الإلهي السامي ما أعلنه الوحي المقدس أن لا يبدأ هذا الملك الكاهن خدمته على الأرض إلا في سن الثلاثين؟ وهل نقدر أن نرى في يوسف الصديق في وقوفه قدام فرعون في تلك السن عينها وتقلده السيادة على بيت فرعون، مسلطاً على كل ملكه، ليأسر رؤساءه حسب إرادته ويعلم مشايخه حكمةً رمزاً إلى ذلك الملك المجيد؟ (مز 105 : 20 – 22).

في هذه السن الثلاثينية بدأ كل من الملك المرموز إليه والسيد المرموز به خدمته التي وضعت على عاتقه ولأجلها أُرسل الملك من السماء وأُرسل السيد يوسف من أرض كنعان إلى مصر، وبهذا الاعتبار تكون سن الثلاثين بداءة خدمة على الأرض تلقى منها جمعية للمساعي بالأزبكية، التي بلغت تلك السن، نظرةً إلى الوراء وأخرى إلى الأمام في النقط الثلاث التالية:

قبل سن الثلاثين: فرصةٌ إعداديةٌ.     في سن الثلاثين: شعورٌ بالمسؤلية.       بعد سن الثلاثين: خدمةٌ متواصلةٌ نقيةٌ.

فرصة إعدادية:

كانت هذه الفرصة ليوسف تحت عنوان ما أعلنه الوحي المقدس في قول المرنم القائم في العلا، الذي تكلم به روح الرب وكلمته على لسانه (2 صم 23 : 1و2) حيث قال: “أرسل أمامهم رجلاً، بيع يوسف عبداً، آذوا بالقيد رجليه، في الحديد دخلت نفسه، إلى وقت مجيء كلمته، قول الرب امتحنه” (مز 105 : 17 – 19)، فقد كانت فرصةً إعداديةً فيها أعده الرب للخدمة المعدة له:-

1- بقوة الغلبة على الشهوات الشبابية: وقد هرب منها بعزمٍ صادقٍ يوم وقفت أمامه وزينت نفسها له في بيت فوطيفار، فداس تجربتها وسحق شيطانها تحت رجليه وتخلص منها بترك ردائه والفرار من البيت مردداً قوله المأثور: “كيف أصنع هذا الشر العظيم وأُخطيء إلى الله” (تك 39 : 9).

2- بنعمة الصبر في الضيق: “في الحديد دخلت نفسه” فتضايق، “آذوا بالقيد رجليه” فتألم، ولكنه كان صابراً مسلماً لمن يقضي بعدلٍ، ولم يدون لنا الوحي كلمةً من منطوقات فمه أيام محنته في السجن إلا القول الذي قاله لرئيس السقاة: “إنما إذا ذكرتني عندك، حينما يصير لك خيرٌ، تصنع إليَّ إحساناً وتذكرني لفرعون وتُخرجني من هذا البيت، لأني قد سُرقت من أرض العبرانيين، وهنا أيضاً لم أفعل شيئاً حتى وضعوني في السجن” (تك 40 : 14و15)، فلم يُشر بشيءٍ إلى إساءة إخوته له ولا إلى شر زوجة فوطيفار ضده، لأنه كان لا يرى في الأمر إلا يد الرب.

وهكذا تعلم في هذه الفترة أن يكون صفوحاً متغاضياً عن إساءات الناس ناظراً إلى قصد الله الصالح، وقد قدره هذا على أن يتعرف إلى إخوته الذين باعوه بعد أن دبروا لقتله، وأن يُطلق صوته بالبكاء فرحاً بلقياهم، وأن يُعلن لهم عن صفحه التام وهو قادرٌ على الانتقام، قائلاً لهم: “لا تتأسفوا ولا تغتاظوا لأنكم بعتموني إلى هنا، لأنه لاستبقاء حياةٍ أرسلني الله قدامكم” (تك 45 : 5)، وإذ أتوا إليه بعد موت أبيهم يستغفرونه خوفاً من انتقامه، طمأن نفوسهم باكياً قائلاً لهم: “هل أنا مكان الله؟ أنتم قصدتم لي شراً، أما الله فقصد به خيراّ” (تك 50 : 14 – 21).

3- يعطيه الإيمان والرجاء في انتظار المواعيد: فإن هذا المسجون الذي “آذوا بالقيد رجليه وفي الحديد دخلت نفسه”، هو هو صاحب الأحلام التي فيها رأى ذاته سيداً مُسلَّطاً والجميع يسجدون قدامه، حتى أن إخوته وهم يدبرون لهلاكه قالوا إذ رأوه: “هو ذا هذا صاحب الأحلام قادمٌ، فالآن هلم نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول وحشٌ رديءٌ أكله فنرى ماذا تكون أحلامه” (تك  37 : 5 – 24).

وهل لم تكن أحلام يوسف إلا مواعيد إلهيةٍ ثابتةٍ لا بد من إتمامها؟ كيف لا وقد تمت بحذافيرها وصار سيد إخوته بل سيد العالم في وقته؟ فكان لا بد أن يُمتحن يوسف في قاع البئر وفي بيت فوطيفار وفي السجن بالنسبة لهذه المواعيد الصادقة. وهذا هو معنى قول المرنم: “إلى وقت مجييء كلمته، قول الرب امتحنه” تقويةٌ لإيمانه وتوثيقاً لرجائه ليكون من “الذين بالإيمان والأناة يرثون المواعيد” (عب 6 : 12)، فترةٌ امتحانيةٌ ما أقساها في ثلاث عشر سنةٍ إعداداً له لسن الثلاثين وقد اجتازها وخرج منها مُعداً لتلك السن فائزاً ظافراً بالرب.

ومهما بالغنا لا نقدر أن نصل إلى وصف تلك الفترة الإعدادية التي صرفها السيد المسيح قبل أن بلغ الثلاثين من عمره، ولا يمكننا مهما بالغنا أن نبلغ إلى أعماق شعور ابن الله وحسه الحي بما كانت فيه حالته النفسية في تلك الفترة وهو عالمٌ أنه “من عند الله خرج وإلى الله يمضي” (يو 13 : 4)، عالمٌ بشخصيته العجيبة كائناً “على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد” (رو 9 : 5).

هل دَرت أمه بهذا المقام الرفيع وهي تحمله طفلاً على ركبتيها وتضمه إلى صدرها وترضعه من ثدييها؟ هل دري يوسف أبوه بهذا السمو الإلهي الفائق يعمل معه صبياً في دكان النجار الفقير الحقير؟ هل دري مواطنوه بأن الحكمة السماوية بينهم وكلمة الله العجيب يتمشى في وسطهم ويلعب في أسواقهم؟ لقد صرف ثلاثين سنةٍ في الناصرة بين أُناسٍ لم ركوا حقيقته، فلا عجبٍ إذا قالوا عنه، بعد مرور هذه الفترة الطويلة في أول خدمةٍ له بينهم: “من أين لهذا هذه الحكمة والقوات، أليس هذا هو النجار ابن النجار، أليست أمه تُدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا، أو أليست أخواته جميعهن عندنا، فمن أين لهذا هذه كلها، فكانوا يعثرون به” (مت 13 : 54 – 57 ، مر 6 : 2 – 3).

ما أعجب صبرك يا ابن الله القدير وأنت تنتظر إعلان حقيقة شخصك العجيب ثلاثين سنةٍ ليعرف العالم أنك إلهٌ من إلهٍ، نورٌ من نورٍ، إلهٌ حقٍّ من إلهٍ حقٍّ، لقد سكتت السماء هذه الفترة الطويلة عن هذا الإعلان الفائق واحتملت أنت هذا السكوت الرهيب كل هذا الزمان الطويل بصبرٍ ما أمرّه، شربت كأسه حتى الثماله استعداداً ليوم الإعلان الذي سمعت فيه الصوت من السماء المفتوحة: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت”، فاهدِ قلوبنا إلى صبرك يا ملك القديسين.

وإن كان الاختبار يحقق أن وقوع البلاء أخف وطأة من انتظاره، يكون لنا من وراء هذا التحقيق الاختباري شعورٌ ولو ضئيلٌ بما كان يجوز في نفس السيد من سيفٍ حادٍ قاطعٍ ومن آلامٍ مبرحةٍ لا تُطاق بظهور شبح الصليب المخيف أمامه، وموته فوق الخشبة تحت غضب الآب ولعنته، وهل نقدر أن ندرك كم من الأوقات كانت تضطرب نفسه ويشعر بوطأة حزنٍ عميقٍ في قلبه تكاد تُخمد أنفاسه؟ كما حدث بعد ذلك في جثسيماني وقبل جثسيماني وهو يصرخ: “أيها الآب نجني من هذه الساعة” (يو12 : 27)، “يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس” (مت 26 : 39).

بل ألم يذق مرارة فتك الخطية بالبشرية فيما كان يشاهده يومياً بعينَي رأسه ويجري في كل لحظةٍ تحت حسه، وقد طالت الفترة قبل جولاته “ليصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس”، حتى يصل إلى الصليب ليجرد الرياسات والسلاطين ويشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه (كو 2 : 15)، ويرحم البشرية المعذبة، وما أجمل، يا شباب المساعي بالأزبكية، أن تعتبروا ما مضى من يوم تأسيس جمعيتكم إلى الآن، فرصة إعدادٍ ليس فقط لتنسوا ما هو وراء بل أيضاً لكي تمتدوا إلى ما هو قدام.

شعورٌ بالمسؤلية:

في سن الثلاثين حل على يوسف روح حكمةٍ سماويةٍ عجيبٌ هو ذات الروح الذي حل على سيدنا في ذات السن حسب النبوة القديمة القائلة: “ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب” (إش 11 : 1و2)، فلا عجب إذا قال فرعون لعبيده عن يوسف هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله؟ كما توجه إلى يوسف نفسه بالقول: “بعد ما أعلمك الله كل هذا، ليس بصيرٌ وحكيمٌ مثلك”.

بهذا الروح رأى يوسف مستقبل العالم المخيف والخراب الذي يتهدده والشر الذي يهدد النفوس بالإبادة، فشعر بالمسؤلية الخطيرة الملقاة على عاتقه، وقد ظن أنه يكفي لإلقاء هذه المسؤلية عنه مجرد إظهاره لفرعون شر المجاعة التي تهدد الأرض، وإعلانه الأمر مقرراً من الله، محققاً له أن الله مسرعٌ ليصنعه ومجرد قوله له: “فالآن لينظر فرعون رجلاً بصيراً وحكيماً يجعله على أرض مصر”، يفعل فرعون ويوكل نظاراً على الأرض ويأخذ خُمس غلة أرض مصر في سبع سني الشبع فيجمعون طعام هذه السنين الجيدة القادمة ويخزنون قمحاً تحت يد فرعون طعاماً في المدن ويحفظونه فيكون الطعام ذخيرةً.

على أن هذه الخطة التي رسمها يوسف لاتقاء شر المجاعة كانت أكبر حافز للملك بأن يُلقي المسؤلية على عاتق يوسف عملياً، بأن خلع فرعون خاتمه من يده وجعله في يد يوسف وألبسه ثياب بوصٍ ووضع طوق ذهبٍ في عنقه، وأركبه في مركبته الثانية ونادوا أمامه اركعوا وجعله على كل أرض مصر، وقال له: “أنا فرعون فبدونك لا يرفع إنسانٌ يده ولا رجله في كل أرض مصر”.

وهل كل هذا لا يجعل يوسف يشعر بعِظَم المسؤلية الملقاة عليه وبثقل حملها الكبير؟ فلا عجب إذا خرج واجتاز في كل أرض مصر، لا ليُظهر عظمته ولا ليتفاخر بجاهه وسطوته ولا ليعلن سيادته وبهاء مجده، بل ليتعرف مسؤليته التي وُضع عليه أن يضطلع بها ليبدأ خدمته الخطيرة جداً متخذاً شعاره تلك الكلمات الذهبية التي علم بها سيده ملك الملوك تلاميذه قائلاً: “أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم، فلا يكون هكذا فيكم، بل من أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً، ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً، كما أن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين” (مت 20 : 25 – 28)، “احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديعٌ ومتواضع القلب فتجدوا راحةً لنفوسكم” (مت 11 : 29).

وهذا هو الروح الذي ملأ السيد نفسه في سن الثلاثين، وبه تعمد بعد معموديته بالماء بيد يوحنا حين انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئةٍ جسميةٍ مثل حمامةٍ لأنه “ليس بكيلٍ يعطي الله الروح” (لو 3 : 21و22 ، يو 3 : 34)، والحمامة ما أودعها وما أبسطها وما أبعدها عن الأنانية والكبرياء، وما أبعدها عن الغراب في دليل الشعور بالمسؤلية يوم أرسلها نوح من الفلك لتأتي إليه بالخبر اليقين عن حالة الأرض بعد الطوفان، فإن الغراب إذ أُرسل من الفلك خرج من طاقته متردداً ذهاباً وإياباً على وجه المياه دون استقرارٍ في الفلك، ولعله التهى بالجيف الطافية عن المسؤلية الملقاة على عاتقه، أما الحمامة فلم تجد مقراً لرجلها ولم يهدأ لها بالٌ حتى أتمَّت رسالتها وعادت بورقة زيتونٍ في فمها منها علم نوح أن المياه قد قلت عن الأرض.

أوليس حمامة السماء روح الشعور بالمسؤلية الخطيرة هو الذي قاد سيد المجد العظيم إلى البرية لمواجهة عدوه العظيم إبليس، لأنه “كيف يستطيع أحدٌ أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً وحينئذٍ ينهب بيته” (مت 4 : 1 – 11 ، 12 : 29).

هل تشعر مساعي الأزبكية وقد بلغت سن الثلاثين بتلك المسؤلية الإلهية العظمى؟ وهل تنتظر ملئاً من جديد بذلك الروح المجيد، الذي حل على يوسف قديماً وعلى وسيط العهد الجديد في تلك السن عينها، ليكشف لها كشفاً جديداً عن المسؤلية الموضوعة عليها لتضطلع بها بقوةٍ جديدةٍ لحياة:

خدمة متواصلة نقية:

وما أمجدها خدمة أضطلع بها يوسف عنواناً لأمجد خدمةٍ في السماء وعلى الأرض، اضطلع بها ابن الإنسان العظيم بعد سن الثلاثين إلى نهاية أيامه على الأرض وما زال مضطلعاً بها إلى اليوم وهو في السماء التي ستقبله “إلى أزمنة رد كل شيء التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر” (أع 3 : 21)، أما هذه الخدمة فشعارها الأزلي الأبدي عبَّر عنه يوسف في قوله لإخوته: “لأنه لاستبقاء حياةٍ أرسلني الله قدامكم”، وفي قول السيد له المجد: “أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياةٌ وليكون لهم أفضل” (يو 10 : 10).

وقد صورها بصورةٍ أبهى وأمجد في صلاته الشفاعية بقوله لأبيه: “أيها الآب قد أتت الساعة مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضاً إذ أعطيته سلطاناً على كل جسدٍ ليعطي حياةً أبدية لكل من أعطيته، وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو 17 : 1 – 3).

فهي إذاً خدمة حياة لأجل المعينين للحياة الأبدية تمجيداً للآب القدوس في شخص ابنه العجيب الأزلي الأبدي، هذه هي الخدمة التي تنتظركم يا رجال المساعي هل تبنيتموها؟ هل وضعتموها على قلبكم؟ هل تضطلعون بها بعزمٍ صادقٍ لأجل خلاص النفوس ومجد المسيح والآب؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.