تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » طبيعة الإنسان

طبيعة الإنسان

تأليف

القس جيمس أنس

راجعه ونقحه وأضاف إليه

الدكتور القس منيس عبد النور

الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة – القاهرة

طبيعة الإنسان

1 – ما هو تعليم الكتاب المقدس في طبيعة الإنسان؟

* جبَل الله الإنسان من تراب الأرض ونفخ فيه نسمة حياة فصار نفساً حية. فالإنسان مركب من جوهرين متميّزين أحدهما مادي وهو الجسد، والآخر روحي متميّز عنه هو النفس. ومن اقترانهما نتجت حياة الإنسان الجسدية (الحيوانية) التي يشترك فيها مع سائر الحيوانات. والجسد الإنساني محسوس ومتعدد الأجزاء، أما النفس فغير محسوسة وهي واحدة، وهي التي تفتكر وتشعر وتريد. وميَّز العلماء في كل زمان ومكان بين الماديات والروحيات، وهذا ما يؤيده الكتاب المقدس.

2 – ما هي حقائق الكتاب المقدس في طبيعة الإنسان؟

* ليس في الكتاب المقدس تعاليم مرتبة ومفصَّلة في شأن جوهر النفس وخواصها، ولكنه يتضمن حقائق كثيرة في تركيبنا الجسدي والعقلي يُعرف منها أن الإنسان مؤلف من جوهرين متميّزين. وهذا يتضح مما يأتي:

(1) مما جاء فيه من التمييز بين النفس والجسد، ففي النبأ الأول عن خلق الإنسان يتميّز الجسد المجبول من تراب الأرض عن النفس التي هي الجوهر الروحي الحي التي نفخها الله فيه. ولما سقط الإنسان قال الله له «لأنك تراب وإلى تراب تعود». فالجسد المخلوق من التراب يعود إليه «فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها» (جا 12: 7) «ويُفنى مجد وعره وبستانه، النفس والجسد جميعاً» (إش 10: 18). وقال دانيال «حزنَت روحي في وسط جسمي» (دا 7: 15). وقال المسيح لتلاميذه «لا تهتموا لحياتكم.. ولا لأجسادكم.. لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها. بل خافوا من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم» (مت 6: 25 و10: 28). وهناك آيات أخرى كثيرة بنفس المعنى.

(2) من الأقوال التي تدل على أن الجسد مسكنٌ للنفس، أن الكتاب يشبّه الجسد بلباسٍ يُخلَع وبخيمةٍ أو بيتٍ تسكن فيه النفس ثم تخلعه ثم تعود إليه. قال بطرس «عالماً أن خلع مسكني قريب» (2بط 1: 14) وقال بولس إنه في وقت ما لم يعلم «أفي الجسد هو أم خارج الجسد» وأيضاً «لأننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السماوات بناء من الله». ثم تكلم عن خلع هذا البيت الأرضي ولبس البيت الذي من السماء، وتكلم عن تغرُّبه عن الجسد وسكنه عند الرب، وأنه عالم أننا ونحن مستوطنون في الجسد فنحن متغرّبون عن الرب (2كو 5: 1-10). وقال لأهل فيلبي «لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح. ذاك أفضل جداً. ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم» (في 1: 23، 24).

فبقاء النفس حية قادرة على العمل بعد موت الجسد من الأمور المؤكدة. والجسد والنفس جوهران متميّزان، أولهما يقبل الانحلال والتحويل إلى تراب، والثاني يبقى حياً مستقلاً بنفسه شاعراً بوجوده. ونجد هذا التعليم في العهد القديم، من ذكر سكن الأموات في الهاوية وظهورهم منها في بعض الأحيان، كما جاء في برهان المسيح أن إبراهيم واسحاق ويعقوب أحياء، لأن الله ليس إله أموات بل إله أحياء (مت 22: 32). ومن ظهور موسى وإيليا على جبل التجلي وكلامهما مع المسيح (مر 9: 4) ومن قول المسيح للص التائب «اليوم تكون معي في الفردوس (نفسه لا جسده)» (لو 23: 43). وقلنا إن بولس اشتهى أن يتغرَّب عن الجسد ويكون مع الرب، لأنه عرف أن جوهره الشخصي الوجداني (أي النفس الشاعرة) يبقى بعد انحلال جسده على ما هو عليه من الشعور التام والحركة طول مدة انفصاله عن الجسد وقيامه بدونه (ما بين الموت والقيامة).

3 – ما هي العلاقة بين النفس والجسد؟

* لما كان الإنسان مؤلفاً من نفس ناطقة وجسد مادي (حسب نص الكتاب) كانت العلاقة بينهما تفوق إدراكنا لنقص معرفتنا بكيفية تأثّر كلٍ منهما بالآخر. وخلاصة ما نعرفه في هذا الشأن ما يأتي:

(1) تقوم تلك العلاقة باتحاد النفس والجسد اتحاداً حقيقياً. ولما كانت حياة الجسد تتوقف على اقترانه بالنفس، فإن انفصالها عنه يُفقده الحياة فيموت ويضيع منه الحس والحركة، ويخضع للنواميس الطبيعية التي تتسلط على المادي إلى أن ترجع تراباً.

(2) تنشئ بعض الأحوال الجسدية بعض الأحوال العقلية، لأن العقل يشعر بتأثير المواد بواسطة أعضاء الحس الجسدية، فينظر ويسمع ويحس. ونعلم من الاختبار اليومي أن صحة الجسد ضرورية لراحة العقل ولصحته، ومرض الواحد يحدث ما يشبهه في الآخر، والانفعالات العقلية تؤثر في الجسد. فالخجل يحمر الوجه والخوف يصفره، والفرح يعجل ضربات القلب ويجعل العيون تلمع، ويُغمى على الإنسان إن ضُرب على رأسه. ولا يمكن إدراك كل ذلك ولا يمكن إنكاره!

(3) تتوقف بعض الأعمال الجسدية على الإرادة كالحركة واستخدام العضلات. وبعضها مستقلة عنها، كالعَرق والتنفّس والهضم والإفراز.

والتمييز بين النفس والجسد في طبيعة الإنسان ضروري لنفي مذهب الماديين، ولفهم تعاليم الكتاب في شخص المسيح، وسقوط الإنسان، والخطية الأصلية، والتجديد والقيامة، وما يتعلق بفداء البشر. وسُمي هذا التعليم في طبيعة الإنسان بالإثنينية (نسبة إلى اثنين) تمييزاً له عن المذهب الثلاثي، وهو أن الإنسان مؤلف من ثلاثة جواهر نبحثها في السؤال التالي.

4 – ما هو المذهب الثلاثي؟

* هو القول إن الإنسان مؤلف من ثلاثة جواهر متميزة، وهي الروح والنفس والجسد. فقالوا إن الجسد هو الجزء المادي من بنيتنا، والنفس (الروح الحيواني) هي أصل الحياة الحيوانية ومقرها، وإن الروح هي الجوهر الذي يحوي الحياة الروحية والعقلية، وهي صورة الله الخالدة. فمتى ماتت نباتة انحل تركيبها الجسدي، ومتى ماتت بهيمة رجع جسدها إلى التراب وتلاشت حياتها الحيوانية، وعندما يموت الإنسان يعود جسده إلى التراب وتنحل نفسه (الحياة الحيوانية فيه) وتبقى روحه فقط، إلى أن تتحد أيضاً بالجسد في القيامة. وبموجب ذلك يكون العقل والعواطف والإرادة والضمير مختصة بروح الإنسان، وتكون حركاته الحيوانية مختصة بنفسه التي يشترك فيها مع البهائم. أما كل ما هو مادي فيختص بجسده.

5 – كيف تبين أن تعليم الثلاثية ليس من أقوال الكتاب المقدس؟

* يتبيّن ذلك مما يأتي:

(1) إنه لا يتفق مع ما جاء بالكتاب عن خلق الإنسان، فالكتاب يقول إن الله جبل الإنسان تراباً من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار نفساً حية، أي حلت فيه نفس حية. ويدل ذلك على الجسد المادي المجبول من الأرض، وعلى الجوهر الروحي الحي الصادر من الله وهو النفس.

(2) إنه لا يتفق مع أقوال الكتاب في طبيعة الإنسان، فليس في الكتاب ما يدل على أن النفس والروح جوهران يتميّز أحدهما عن الآخر. بل إن الكلمات العبرانية واليونانية التي استعملوها لهما يُراد بها معنى واحد، هو نسمة أو حياة أو مبدأ الحياة. فجاء في الكتاب أن النفس هي جوهر الحياة للجسد، وهي ما يفتكر ويشعر ويخلُص أو يهلك ويحيا بعد الجسد ولا يموت أبداً. فالنفس هي الإنسان ذاته أي ما تقوم به ذاتيته وشخصيته. وإذ ليس فيه أسمى منها استُعملت كثيراً مرادفة للذات فقيل «جميع النفوس» والمعنى جميع الناس و«نفسي» والمعنى أنا، و«نفسك» والمعنى أنت. وقال المسيح «ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه؟» ولما كانت النفس هي التي تخطئ والتي ترجع إلى الله، أمرنا الرب أن نحبه من كل النفس. وقيل إن الرجاء «مرساة النفس» وإن كلمة الله تقدر أن «تخلّص النفس» وإن غاية إيماننا هي «خلاص النفوس (نفوسنا نحن)» (1بط 1  :9). ورأى يوحنا في السماء نفوس الذين قُتلوا من أجل كلمة الله (رؤ 6: 9 و20: 4). ومن كل ذلك يتضح أن النفس ليست مجرد الحياة الجسدية الحيوانية بل العقلية أيضاً، وأنها والروح ليسا جوهرين متميّزين، بل هما جوهر واحد.

(3) تُستعمل كلمتا نفس وروح في الكتاب المقدس للإنسان والحيوان غير الناطق. فلو نسب الكتاب المقدس النفس فقط إلى البهائم، والنفس والروح إلى الإنسان، لظننّا أن بينهما اختلافاً، ولكن الأمر ليس كذلك لأنه يسمي الجوهر الحي في البهيمة نفساً وروحاً. قال الحكيم «ومن يعلم روح بني البشر هل هي تصعد إلى فوق، وروح البهيمة هل هي تنزل إلى أسفل الأرض؟» (جا 3: 21). أما نفس البهيمة فهي ما تقوم به حياتها، ومن خواصها الحس والتمييز الغريزي والإدراك جزئياً (ولو أن قُوى الإدراك في البهائم لا تُذكر بالنسبة إلى قوى عقل الإنسان) وهي غير خالدة. وأما نفس الإنسان فهي روح خالدة ذات قوى وصفات سامية كالعقلية والأخلاقية والدينية. وكما أن خواص الحياة الروحية في البهائم هي من أعمال الروح الحيواني فقط، كذلك جميع قوى الإنسان وصفاته العقلية والأخلاقية جوهر واحد فقط، وهو نفسه الخالدة التي باقترانها بالجسد تنشئ حياة حيوانية في الإنسان تشبه الحياة الحيوانية في البهائم. غير أن تلك الحياة الحيوانية ليست جوهراً ثالثاً مستقلاً في بنية الإنسان، بل هي الحياة الناتجة عن اتحاد النفس البشرية بلحم الجسد الإنساني ودمه.

ولو كانت روح الإنسان غير النفس لما عُبِّر في الكتاب عن الموت تارة بخروج النفس (تك 35: 18 و1مل 17: 21 وأع 15: 26 و20: 10). وتارة بخروج الروح (مز 31: 5 ومت 27: 50 ولو 23: 46 و8: 55 ويو 19: 30 وأع 7: 59). ولا عُبِّر عن أنفس الموتى وأرواحهم بدون تمييز بينهما كألفاظ مترادفة (ابط 3: 19 وعب 12: 23 ورؤ 6: 9 و20: 4) ولا عُبِّر عن الإنسان بكماله تارة أنه جسد ونفس (مت 10: 28) وتارة أنه جسد وروح (جا 12: 7 و1كو 5:5).

6 – هل أثبت أصحاب المذهب الثلاثي مذهبهم من الكتاب المقدس؟

* أوردوا بعض الآيات منه لهذا الهدف، غير أن ما أوردوه لا ينفي تعليم الإثنينية بل يوافقه، ومن ذلك قول الرسول «وإله السلام نفسه يقدسكم بالتمام، ولتُحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح» (1تس 5: 23). ولكن الرسول قصد بهذه الصلاة ذكر الإنسان كله على سبيل الإطناب لا على سبيل التفصيل، وأن ذلك مثل قول مريم «تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلّصي» حيث أُريد بالنفس والروح شيء واحد لا جوهران مختلفان. ومما أوردوه أيضاً قول المسيح «تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل فكرك» غير أن هذا لا يشير إلى جواهر مختلفة. فعندما نصلي لأجل إنارة العقل والقلب وتقديسهما لا نقصد بذلك أن نميّز بين جوهرين مختلفين، بل نريد به النفس فقط بكل قُواها. وأيضاً قول الرسول إن كلمة الله تخترق إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ (عب 4: 12) فالنفس والروح هنا جوهر واحد فقط، كما أن المقصود بالمفاصل والمخاخ صور مختلفة لجوهر واحد مادي لا جواهر مختلفة. فإذا قلنا إن كلمة الله تصل إلى القلب وإلى الضمير أيضاً لا يكون المقصود أن القلب والضمير جوهران متميّزان. ومثل ذلك قول الرسول «إنكم تثبتون في روح واحد مجاهدين معاً بنفس واحدة» (في 1: 27). ومن أدلة الثلاثية قول الرسول «يُزرع جسماً حيوانياً ويُقام جسماً روحانياً. يوجد جسم حيواني ويوجد جسم روحاني» (1كو 15: 44). فقالوا إن الأول هو ما فيه النفس بمعنى الحياة الحيوانية، والآخر ما فيه الروح بمعنى الحياة الروحية، والواحد نملكه في هذا العالم والآخر سنملكه في العالم الآتي. أي أن النفس توجد في هذه الحياة دون الآتية، وبينها وبين الروح اختلاف. وهذا التفسير خاطئ لأنه يناقض تعاليم أخرى في الكتاب المقدس. والتفسير الصحيح هو أن لنا في هذا العالم أجساداً كثيفة قابلة للزوال، وحقيرة أو قبيحة المنظر. وأما في العالم الآتي فسيكون لنا أجساد ممجدة توافق حالةً أسمى من حالتنا الحاضرة. فالنفس وإن غلب استعمالها للجوهر الناطق الخالد يُعبَّر بها عن الحياة المختصة بالبهائم. وبما أن الله بكلمته يجعل أجسادنا في هذا العالم مناسبة لحالتها الأرضية التي تشترك فيها مع البهائم في أمور كثيرة، كالجوع والعطش والنوم إلى غير ذلك، سيجعلها في الآخرة مناسبة لحالتها السماوية المجيدة. فالجسم في الأولى حيواني (في الأصل نفسي) وفي الثانية روحاني. ومن هذا قول بولس «إن لحماً ودماً لا يرثان ملكوت الله» مع أن أجسادنا التي هي لحم ودم سترث ذلك الملكوت، لأن الجوهر المادي المكوَّن الآن من لحم ودم يتغير حتى يصير مثل جسد المسيح الممجد (في 3: 21). فكما أن هذا القول لا يدل على فرق جوهري بين الجسد على ما هو عليه في هذا العالم وعلى ما سيكون عليه في العالم الآتي، كذلك قول الرسول عن الجسم الحيواني (النفسي) والجسم الروحاني لا يبرهن أن النفس والروح جوهران متميّزان.

وقد أخذ بعض المسيحيين الأولين تعليم ثلاثية تركيب الإنسان عن أفلاطون، ثم اعتبرته الكنيسة خطراً بل هرطقة، لما بُني عليه من الآراء الخاطئة في طبيعة المسيح، وفي تأثير خطية آدم في طبيعة البشر كما يُرى من تاريخ الكنيسة.

7 – ما هو مذهب وجود الجوهر العام للبشر؟

* من الآراء في شأن طبيعة الإنسان أن الجنس البشري جوهر عام حقيقي الوجود مستقل عن كل ما يُعزَى إليه من الأفراد (ولذلك سُمِّي مذهب الجوهر العام للبشر) وهو أن كل إنسان فرد من الجوهر العام، غير أنه مستقل عن الأفراد. فإذا ظهرت الخواص الجسدية في فردٍ ثم مات، بقي الجوهر العام البشري في الأفراد الأخرى. وقالوا إن الله أوجد جوهر الجنس البشري العام قبل البشر، أي أوجد الجنسية قبل أفرادها، ومثّلوا استقلال الجوهر البشري عن أفراده بالمغناطيسية التي هي قوة في الطبيعة وجدت قبل حجارة المغناطيس مستقلة عن كل منها، وأيضاً بالكهربائية المستقلة عن اللمبات التي تضيء فيها. وقالوا إن الإنسان تركيب جسدي يحل فيه الناسوت فيحيا، كما أن قطعة المغناطيس قطعة حديد حلّت القوة المغناطيسية فيها، لأنها موافقة لذلك الحلول. وحسب أصحاب مذهب الجوهر العام النوع أو البشر جوهراً حقيقياً خلق مستقلاً عن أفراده، فيكون الناسوت جوهراً بشرياً أي عنصراً حقيقي الوجود قائماً بنفسه يشغل زماناً ومكاناً، ويكون الله حين خلق الإنسان الأول قد خلق البشر وهم جوهر عاقل مختار مشترك في بنيات كثيرة آلية، مظاهره أفراد البشر المختلفون الكثيرو العدد.

8 – ما هي الأدلة على خطأ مذهب الجوهر العام؟

* هذا المذهب عكس المذهب المشهور في طبيعة الإنسان، أي أن نفس كل إنسان جوهر مفرد من نوع نفوس البشر، مستقل عما سواه. ويتبين بطلانه مما يأتي:

(1) مذهب الجوهر العام مبنيٌّ على الظن الذي لا يكفي وحده أن يكون أساساً للتعاليم التي يجب أن تتقرر بالبرهان الإيجابي.

(2) ليس لهذا المذهب سند في الكتاب المقدس، بل افترضه أصحابه لشرح بعض تعاليم الكتاب. مثلاً قالوا إن كل البشر متشابهون في أن لهم قوى وغرائز وميولاً واحدة، وإن جميعهم مولودون بالخطية. وكل ذلك يتضح جيداً إذا فرضنا أن الناسوت جوهر واحد، وإن أفراد البشر الكثيري العدد هم مظاهره، مثل المغناطيسية وحجارة المغناطيس التي يُظهِر كلٌّ منها نفس القوة المغناطيسية التي يُظهرها الآخر. فيلزم عن ذلك أن المغناطيسية هي واحدة في الكل. فنجيب: إن الأمور المشار إليها يمكن تعليلها بطريقة أخرى، وليس فيها دليل على صحة هذا المذهب. ويعلّم الكتاب المقدس ما يناقض هذا المذهب.

(3) ليس له سند في المشاعر، فكل إنسان يشعر بوجوده وبوجود غيره، ولكنه لا يشعر مطلقاً باشتراك جوهره مع جوهر الآخرين، بل يرى نفسه جوهراً مفرداً متميّزاً، كما يرى جسده منفصلاً ومتميّزاً عن كل جسد آخر.

(4) ينقضه الكتاب واعتقاد الكنيسة العام، فهما يعلّمان أن النفس خالدة تبقى بعد الموت مستقلة بذاتها وشاعرة بوجودها.

(5) لا يوافق التعليم في شخص المسيح وعمله، فالكتاب يعلّمنا أن ابن الله صار إنساناً واتّخذ لنفسه جسداً حقيقياً ونفساً ناطقة. ولكن مذهب الجوهر العام يقول إنه لم يتخذ نفساً ناطقة بل ناسوتاً بشرياً، مظاهره أفراد البشر. ولكن الكتاب يقول إن ابن الله صار إنساناً واحداً من جنسنا.

ويعلّم مذهب الجوهر العام أن الناسوت أخطأ في آدم، أي أن خطية آدم لم تكن خطية فرد، بل خطية ذلك الناسوت أو الجوهر العام، وسقط بتلك الخطية في حال الفساد ووقع تحت دينونة الشريعة. فكل أفراد البشر (حسب زعمهم) في أجيالهم المتوالية الذين أعلن (أو حسب تعبيرهم تشخص) فيهم الناسوت دخلوا العالم في حال الفساد تحت الدينونة وسنبحث هذا التعليل لنسبة الجنس لآدم في فصل 27. ولو كان الناسوت حياة بشرية مجرمة وفاسدة بواسطة السقوط لنتج أن ابن الله الذي اتخذ الناسوت البشري هو مجرم وخاطئ. وهذا يبيّن خطأ هذا المذهب.

(6) لو كان هذا المذهب صحيحاً، فلماذا لا يَصْدُق فكره على أنواع الحيوان والنبات أيضاً؟ فيوجد جوهر للغنم وآخر للخيل وآخر للفيل، وقِس على ذلك ولكل منها وجود ظاهر في أفراد الشاة والخيل والأفيال، وهذا لا يمكن تصوّره.

9 – ماذا نتعلّم من الكتاب المقدس عن نفس آدم، وأين اختلف اللاهوتيون بشأنه؟

* نتعلّم أن الله لما جبل آدم من تراب الأرض خلق نفسه مباشرةً، وهذا لا خلاف عليه، وإنما الخلاف هو في أصل نفوس الذين تناسلوا منه: هل خلقها الله رأساً خليقة جديدة كما خلق نفس آدم، أو هل توالدت كالأجساد؟ ولا خلاف بين اللاهوتيين في توالد الأجساد، إنما الخلاف في أمر النفس بسبب صعوبة الحكم فيه. وفي ذلك ثلاثة مذاهب، هي: (أ) وجود النفس السابق. (ب) خلق النفوس عند تكوين الأجساد. (ج) تناسل النفوس بالولادة الطبيعية. نوردها ثم نذكر ما يحملنا على تفضيل أحدها على الآخرَين.

10 – ما هو مذهب »وجود النفس السابق«؟

هو اعتقاد وجود النفس السابق، وفيه قولان:

(1) إن الله خلق جميع النفوس البشرية حين خلق نفس آدم، وعندما يولد إنسان يعطيه الله النفس المخلوقة له.

(2) خُلقت النفوس البشرية سابقاً في عالم آخر، وجُعلت تحت الامتحان وسقطت، فحكم الله عليها بالدخول إلى هذا العالم واحتمال امتحان جديد في حالة جديدة قصاصاً لها. وزعم أصحاب هذا القول إنه الحل الصحيح لمسألة الخطية الأصلية، وأكَّدوا صدقه ليبرِّئوا الله من القساوة في سماحه بولادة كل البشر في الخطية. ومن أشهر معتقديه أوريجانوس، أخذه عن أفلاطون. ويتضح خطأ هذا الرأي مما يأتي:

(1) إنه يناقض تعليم كتاب الله أن الجنس البشري ابتدأ من آدم، وأن كل أفراد البشر تسلسلوا منه بالولادة الطبيعية.

(2) لا دليل على وجود البشر سابقاً في عالم آخر نفساً أو جسداً.

(3) لا يحلّ هذا المذهب مسألة وجود الخطية في العالم، بل يزيدها تعقيداً.

(4) يناقض قول الكتاب إن الله خلق الإنسان في حال الطهارة.

11 – ما هو مذهب »خلق النفوس عند تكوين الأجساد«؟

* ويُعرف هذا الاعتقاد أيضاً باعتقاد مخلوقية النفوس. ويقول إن كل نفس بشرية خُلقت مباشرةً بقوة الله مستقلة عن الجسد، واقترنت به وهو في الرحم أو عند الولادة. وعلى ذلك فالنفس والجسد جوهران مختلفان مستقلان الواحد عن الآخر، ولكل منهما أصل خاص متميّز عن أصل الآخر. وهو مذهب كثيرين من أفاضل المسيحيين. ولكننا نميل إلى رفضه للأسباب الآتية:

(1) ليس عليه دليل قاطع في الكتاب المقدس. نعم يعلّمنا الكتاب أن الله خالق النفوس كما أنه خالق كل شيء، ولكن لا يعلّمنا أنه يخلق النفوس كما خلق آدم مباشرةً بمجرد قوته الخالقة.

(2) يعلّمنا الكتاب ما يخالف هذا المذهب، فيقول إن جميع البشر متناسلون من آدم الذي ولد ابناً وسمّى حواء بهذا الاسم لأنها أم كل حي. وفي جداول الأنساب نُسِب الجنس كله إلى آدم. وفي الكلام على نسبتنا إليه في سقوطه نتعلم أن جميع البشر جنس واحد متناسلون منه بالولادة الطبيعية، ويُعتبر الإنسان فيه دائماً مؤلفاً من نفسٍ وجسد، فقوله مثلاً إن إبراهيم ولد إسحاق يدل على اعتباره إسحاق إنساناً مؤلفاً من نفس وجسد. ولكن حسب اعتقاد مخلوقية النفوس وُلد جسد إسحاق فقط من إبراهيم، أما نفسه فخُلقت مستقلة عن إبراهيم، فالبشر على ذلك متناسلون من آدم جسداً لا نفساً، وليس بين آدم وبين نفوسهم علاقةً مطلقاً.

(3) يجعل هذا المذهب تعليل فساد الطبيعة البشرية أمراً عسراً أو قريباً من المحال. فيقول الكتاب إن فساد الطبيعة وقع أصلاً في النفس لا في الجسد. وهذا المذهب يقطع كل علاقة بين آدم ونسله سوى العلاقة الجسدية، ويقول إن النفس تولد خليقة جديدة لا علاقة لها بآدم ولا بأحد من نسله.

(4) عدم موافقة هذا المذهب للنظام النيابي، مع أن الكتاب يقول إن آدم هو رأس الجنس ونائبه في امتحانه، بسبب ما بينه وبين نسله من العلاقة الطبيعية والروحية والشرعية. ولكن هذا المذهب يقول إنه ليس بينه وبين نسله سوى العلاقة الجسدية، وهي غير كافية للنيابة العهدية المبنية على العلاقة الطبيعية والروحية والشرعية.

12 – ما هو مذهب »تناسل النفوس بالولادة الطبيعية«؟

* هو اعتقاد تناسل النفوس بالولادة الطبيعية، أي أن نفوس الأولاد تتناسل من الوالدين مثل أجسادهم، وأن الولد مؤلف من جوهرين هما النفس والجسد، وكلاهما يولدان من الوالدين حسب الشرائع الطبيعية التي عيَّنها الله حين خلق الجنس البشري. وكان ترتليان أول من أنشأ هذا المذهب في الكنيسة، ومال إليه أغسطينوس، على أنه لم يصرح في تآليفه بقبوله. واستصوبه كثيرون من أفاضل اللاهوتيين المتمسكين بالنظام الأغسطيني.

13 – ماذا يحملنا على ترجيح مذهب »تناسل النفوس بالولادة الطبيعية« على غيره؟

* (1) موافقته للناموس العام أن الشيء يلد نظيره. فالنبات والحيوان ينتجان ما هو مثل نفسيهما ويشابهه كل المشابهة، ويشاركه في خواص كثيرة، وأنه لا دليل على استثناء الإنسان من تلك الشرائع الطبيعية.

(2) هذا المذهب مؤيَّد ومثبَت بحقائق معلومة عند الجميع كالمشابهة بين المولود والوالدين في الصفات والخواص الجسدية والعقلية والأخلاقية. فإذا اعتبرنا المشابهة الجسدية نتيجة تناسل الجسد على قانون أن الشيء يلد نظيره، فلماذا لا تكون المشابهة النفسية ناشئة من جهة تناسل النفس أيضاً لأن تعليل تلك المشابهة بأنها نتيجة التربية لا يصح، فكثيراً ما ظهرت بعد موت الوالدين قبل تربية أولادهما. وكذلك تعليلها بأن الجسد يؤثر في النفس ويسبّب مشابهة روحية للوالدين، فالأصح هو أن النفس تؤثر في الجسد. فضلاً عن أن تلك المشابهة ليست متعلقة بالجسد فقط ولا بالحياة الحيوانية، بل كثيراً ما تختص بالقوى العقلية والخواص الأخلاقية. ويعلّمنا الكتاب أننا ورثنا الفساد الطبيعي (الخطية الأصلية) وهذا يعني فساد النفس والجسد كليهما. فإذا قلنا إن الله خلق النفس رأساً، فلا بد أنها صدرت من عنده في حالة الطهارة الكاملة، لأن الله لا يخلق ما هو غير طاهر أخلاقياً. وإن كانت النفس خُلقت طاهرة فكيف فسدت ووُلدت خاطئة؟ وإذا قلنا إن اقتران النفس بالجسد جعلها نجسة وخاطئة فذلك بعيد الاحتمال، لأن ليس للجسد صفة أخلاقية تؤثر في النفس وتحولها من حالة الطهارة إلى الفساد. وإذا أدخل الله نفساً طاهرة في جسد إنساني وهو عارف أن ذلك يؤول حالاً إلى تحوُّل النفس من حالها المقدسة إلى حال نجسة، عسُر علينا التوفيق بين ذلك وتعليم أن الله ليس سبب سقوط الإنسان، فالله ليس أصل الخطية الطبيعية فينا. فإذا قيل إن ولادة النفس من الوالدين سر لا يُدرك، قلنا: هذا يصح كذلك على أمور كثيرة لا يسعنا إنكارها ومنها ما هو أبسط وأسهل للفهم من أصل النفس.

(3) هذا المذهب مرجح جداً من الكتاب المقدس، خاصةً من نصوصه على فساد الطبيعة البشرية، كما قال المرنم «بالإثم صُوِّرت، وبالخطية حبلت بي أمي» (مز 51: 5). وقال المسيح «المولود من الجسد جسد هو» (يو 3: 6). فالجسد هنا كناية عن طبيعة الإنسان نفساً وجسداً في الحالة التي يولد عليها. ومن مقابلة أول هذه الآية مع آخرها (وهو المولود من الروح هو روح) يتضح أن المقصود بالولادة من الجسد الولادة في الخطية. وقول الرسول «وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضاً» (أف 2: 3). والمقصود بالطبيعة هنا الجسد والنفس، لأننا لسنا أولاد الغضب بمعنى جسدي فقط بل بمعنى روحي أيضاً. وقيل «يوم خلق الله الإنسان، على شَبَه الله عمله» (تك 5: 1). ولا شك أن المشابهة بين الله والإنسان هي روحية، ثم دخلت الخطية وأفسدت صورة الله التي خلق الإنسان عليها. وقيل أيضاً ولد آدم «ولداً على شبَهه كصورته» (تك 5: 3). فإذا اعتبرنا المشابهة بين الله وآدم في الآية الأولى روحية، فلماذا لا نعتبر المشابهة بين آدم وابنه كذلك؟ وأن هذا الشَّبه لم يكن على شبه آدم وصورته في الجسد فقط، بل وفي النفس أيضاً، أي أنه وُلد خاطئاً مثل أبيه. وقال المسيح «ينبغي أن تولدوا من فوق» (يو 3: 7) مشيراً بذلك لوجوب ولادة النفس ثانية في القداسة التي يلزم عنها أن النفس قد وُلدت أولاً في الفساد. وقال الرسول إن بني لاوي خرجوا من صُلب إبراهيم، ثم قال إن لاوي كان بعدُ في صُلب إبراهيم حين استقبله ملكي صادق (عب 7: 5، 10) والمقصود بذلك كل شخص لاوي نفساً وجسداً. فعلى ما تقدم نرجح هذا المذهب. وقاوم أهل مذهب مخلوقية النفوس هذا التعليم بقولهم إن الكتاب المقدس كثيراً ما يذكر أن الله خالق النفس (جا 12: 7 وإش 57: 16 وزك 12: 1 وعب 12: 9). وعلى ذلك نجيب: إن أقوال الكتاب بهذا المعنى لا تعلّم بالضرورة أن الله خلق النفوس رأساً، لأنه بعد أن أتمّ عمل الخلق قيل عن أعمال كثيرة إن الله عملها، مع أن الله استخدم لعملها أسباباً ثانوية. وكذلك نسَب الكتاب المقدس إلى الوالدين ولادة أولادهم نفساً وجسداً (تك 46: 26، 27 وأم 17: 21 و23: 24 وإش 45: 10) ونُسب إلى الله في الكتاب خلق الحيوان (مز 104: 30) وأنه زيَّن زنابق الحقل (مت 6: 30) فلا شك أن الله قام بهذه الأعمال مستخدماً أسباباً ثانوية طبيعية. وقال الكتاب إن الله أبو الأرواح (عب 12: 9) في مجال المقارنة بين التأديب بيد الآباء الجسديين والتأديب بيد الآب السماوي.

أما أقوى الاعتراضات على التعليم بتسلسل النفس مع الجسد بالولادة الطبيعية فهو أن ذلك يستلزم أن النفس قابلة للتجزؤ، فيكون سنداً للفلسفة المادية التي بموجبها تُعتبر النفس مادة لا غير. فنجيب: إن هذه النتيجة ليست ضرورية، فما يصح على المادة لا يصح على الروح. وبما أن النفس جوهر واحد مستقل لا يقبل التجزؤ، ولا يتكون بمجموع ما هو متفرق، لا يسوغ مطلقاً اعتقاد إمكان انحلالها أو جمعها من متفرق كما يصح ذلك على المادة. وأقصى ما يُقال في هذه الشبهة أنه إن صحَّت لا يصحّ القول بتناسل النفس. على أن صحتها ليست ضرورةً، فالذي خلق النفس أصلاً يستطيع أن يقدّر الوالدين على ولادة أنفس أخرى بطريق لا يعلمها العقل البشري، خاصةً إذا فرضنا أن عنايته السامية تعيّن كل ما يحدث. ولو عرفنا هذا السر العظيم لكان من المحتمل القريب أن السبب الأصلي (الله) يعمل مع الأسباب الثانوية في إيجاد النفس، فلا تُنسب لعمل الله مستقلاً عن عمل البشر، ولا إلى عمل البشر مستقلاً عن عمل الله، لأنه قيل في الكتاب إن النفس خلقت على صورة الله وشبَهه، وقيل كذلك إن آدم ولد ولداً على شبَهه كصورته. وفي هذه المسألة كما في كثير غيرها أسرار لا يعلمها إلا الله.

14 – ما هو التعليم الصحيح في روحانية النفس؟

* حاول أهل الفلسفة المادية أن ينفوا التمييز بين النفس والجسد، وقالوا إن النفس مادية كالجسد بل من ذات جوهره وغير مستقلة عنه. ونشأت من فواعل مادية. وهو قولٌ خاطئ بدليل أن المادة تتميّز عن الروح في أنها خالية من العقل والإرادة والضمير وكل خواص النفس. بينما النفس فاعل أخلاقي حر ذو إرادة واختيار قابل للتعليم والإرشاد والحث، مسؤول عما يفعل وله الحياة التي لا يمكن فصلها عنه، مع قدرة على القصد والتدبير والتنفيذ. وإذا قيل إن الإنسان متى افتكر يتحرك دماغه، فينشأ الفكر عن تلك الحركة، وهذا يعني أن أصله مادي. نجيب: الصواب هو أن الروح تحرك الدماغ وهو خاضع لها كغيره من أعضاء الجسد، فأصل الفكر روحي لا مادي. ومما يختلف فيه الروح عن المادة أيضاً أنه مركز الشعور بالخطية وتأنيب الضمير والمسؤولية لله، وأما المادة فلا تشعر بشيء من ذلك. وإذا قيل إن انحطاط قُوى الإنسان عقلاً وجسداً بسبب كبر العمر دليل على اشتراك النفس مع الجسد المادي، قلنا إن هذا الضعف لا يصيب النفس ذاتها بل الجسد، ولما كان الجسد آلة للنفس ظهر كأنها ضعفت معه، وذلك يتضح من الجنون الذي يحدث من فعل المرض في الجسد ويزول بزواله، وأيضاً من أنه إذا تعطل السمع والبصر في الجسد لم يتعطل فهم الروح بذلك. ولا يدل الخلل في الجسد على خلل في النفس، بل على أن الجسد آلة للنفس. وإذا فارقت النفس الجسد تخلصت من الخلل واستقلّت بذاتها. ويُكنى عن الموت بانفصال النفس عن الجسد. وهذا التعليم في روحانية النفس واستقلال جوهرها عن المادة هو التعليم الذي قبله جمهور البشر في كل الأجيال والقرون، والذي يصدقه العقل السليم ويرفض سواه.

15 ما هو التعليم في خلود النفس من شهادة الطبيعة البشرية؟

* تعتقد كل الأديان بخلود النفس، كما تميل إليه الطبيعة البشرية حتى بدون معرفة إعلانات الوحي بشأنه. ولما كانت النفس جوهراً روحياً متميّزاً عن الجسد كان ذلك مما يستلزم استقلال وجودها عنه وعدم انحلالها معه، ويثبت دوامها بعد انحلاله. ولشهادة الطبيعة البشرية في هذه المسألة صوت أقوى من الترجيح، وهي تتضح مما يأتي:

(1) لكل إنسان شهادة الشعور الباطن بوجود نفسه، وبصفاتها الخاصة، وسلطانها على الجسد ومسؤوليتها. وهذه الشهادة لا يقوى الماديون على إنكارها.

(2) تتوق الطبيعة البشرية بطبيعتها إلى الحياة بعد الموت، وهذا ما نجده في كل أديان البشر وفي أفضل مذاهب الفلسفة في العالم. وهو يدل دلالة جازمة على انتظار البشر بوجه العموم الحياة الروحية بعد مفارقة النفس للجسد، وعلى أن هذا الميل أصيل في الإنسان ومن الخواص الخلقية فيه.

(3) تشهد بنية الإنسان الروحية والعقلية والأخلاقية بخلوده بدليل أن للنباتات والحيوانات على أنواعها حداً للكمال أو البلوغ في النمو وتنفيذ غاية الخالق في خلقها، فيلزم أن لنفس الإنسان حداً للبلوغ أيضاً. وإذا فكرنا في صفات النفس وقواها السامية وأنها مخلوقة على صورة الخالق، نجد أنها لا تبلغ كمالها في هذه الحياة القصيرة، بل لا بد أن لها حياة خالدة لتنفذ غاية الخالق في خلقها، فقد منحها قُوى روحية تمكّنها من معرفته وخدمته وعبادته والتمتع به، ومن التقدم العقلي والأخلاقي والارتقاء الروحي حتى تصير مشابهة لله. وبعيد عن المعقول أن الله خلق أنفس البشر على ما هي من سمو الشأن لتبقى فترة وجيزة من الزمان في هذا العالم الفاني ثم تضمحل إلى الأبد.

(4) لا يتم حكم الله الأخلاقي في هذه الحياة القصيرة، وهذا يرجح حياة النفس بعد موت الجسد لإجراء ما لم يتم هنا من الأحكام الإلهية. فكثيراً ما لا يحصد الخطاة في هذه الحياة ما زرعت أيديهم، وكذلك أولاد الإيمان. فلا بد من إجراء العدل الإلهي بعد هذه الحياة.

فإذا ثبت أن النفس تبقى بعد الموت صحّ أنها تبقى إلى الأبد، وليس في الكتاب المقدس ما يدل على أن الله يلاشي نفوس البشر بعد الموت.

16 – ما هي شهادة الوحي بخلود النفس؟

* يشهد الوحي بصدق كل ما توصلنا إليه في طبيعة الإنسان، ويؤكد لنا فداء النفس والجسد من لعنة الخطية وإدخالهما أخيراً للسعادة الخالدة في السماء بواسطة عمل المسيح فقط، الذي وحده أنار الحياة والخلود، وأن قيامته هي عربون قيامة جميع المؤمنين به. ويعلن لنا أيضاً دوام الأشرار في مكان العقاب إلى الأبد. والله لا يلاشي أحداً من الأبرار ولا الأشرار. وتفوق شهادة الوحي شهادة الطبيعة. ولا شك في أن تعليم العهد الجديد في الحياة الأبدية والقيامة أوضح جداً من تعليم العهد القديم فيهما، لأن الله أوضح التعاليم الروحية لكنيسته بالتدريج، فلم يوضح لها في طفولتها أسرار ملكوته كما أوضحه لها في بلوغها. ولما كان تعليم القيامة وتعليم الحياة الأبدية متعلقين بقيامة المسيح أخَّر الله إيضاحهما الكامل إلى أن جاء ذلك الشخص المجيد الذي هو القيامة والحياة. غير أن الله أنار لكنيسته في العهد القديم قدر ما لزم من هذا الأمر لإسناد الإيمان وإحياء الرجاء فيها، لأنها كانت حينئذٍ تحت الشريعة والتربية والتهيئة لقبول المسيح في ملء الزمان ولفهم ما أتى به من التعاليم الجديدة السامية المتعلقة بملكوته الأبدي (مت 25: 23 ومر 10: 30 ويو 3: 15 و6: 54 و10: 28 و17: 2 ورو 6: 23 و1كو 15: 53، 54 و2تي 1: 10 وتي 1: 2 وعب 5: 9 و9: 12 و1يو 2: 25 و5: 11).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.