تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » كأس الخلاص – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

كأس الخلاص – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

كأس الخلاص

 

في هذا المساء، نحن في قدس أقداس السماء. لا باعتبار كونه آخر أمسية هذا الاحتفال. ولا باعتبار أنه ختام اجتماعاته. بل باعتبار موضوع “الخلاص” في أمسية الأيام الثلاثة.

لسنا في هذا المساء فوق الجلجثة لنرى “الخلاص” مرفوعاً فوق الصليب ولنرنم هاتفين “في الصليب. في الصليب. راحتي بل فخري”، ولسنا بعد في الطريق “عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعاً” (مز 84 : 6)، قائلين مع المرنم: “إن سرت في وادي ظلِّ الموت، لا أخاف شرًّا. لأنك أنت معي” (مز 23 : 4). بل نحن في أقداس السماء، داخل الحجاب، حيث يسوع كسابقٍ لأجلنا، صائراً على رتبة ملكي صادق، رئيس كهنة إلى الأبد” (عب 6 : 19و20).

في تلك الأقداس. نتمثل رئيس الخلاص. ومعه كأسٌ مكتوبٌ عليها بحروفٍ نورانيةٍ “كأس الخلاص”: ونستطيع، بروح قدسه أن نترسَّم:-

أولا:- ما توحيه “كأس الخلاص” بالنسبة إلى رئيس الخلاص، رب المجد:

                  (1) مرفوعة.                (ب) موضوعة.

ثانيا:- ما تحويه “كأس الخلاص” بالنسبة إلينا نحن شركاء الخلاص، أبناء المجد:

                  (ا) شكراناً.                   (ب) اطمئناناً.                    (ج) فيضاناً.

أولا: ما توحيه “كأس الخلاص” بالنسبة إلى المخلص:

(ا) مرفوعة:

هذه صورة يمكننا أن نستوحيها من النص الوحيد الذي وردت به العبارة “كأس الخلاص” في الكتاب المقدس في قول المرنم: “كأس الخلاص أتناول” (مز 116 : 13). وبخاصةٍ بالرجوع إلى الكلمة الأصلية المترجمة “أتناول” وهي “إسَّا”. وقد تُرجمت “رفع” في قول الرب لقايين “إن أحسنت، أفلا رفعٌ”؟ (تك 4 : 7)، وفي قول أيوب: “إن تبررت، لا أرفع رأسي” (أي 10 : 15).

وإذا أدركنا أيضاً أن الكلمة “ناسا” المترجمة “أتناول”، هنا تُرجمت أيضاً بلفظ “حمل” كما وردت في لغة النبي الإنجيلي قوله: “لكن أحزاننا “حملها”. وأوجاعنا تحمَّلها. وهو “حمل” خطية كثيرين” (إش 53 : 4و12). وكما جاءت بلغة الرسول بطرس في قوله عن المسيح: “الذي “حمل” هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة” (1 بط 2 : 24).

إذا أدركنا ذلك يمكننا أن نتمثل هذا المخلّص العجيب، بل هذا الكاهن الأعظم، وقد دخل إلى أقداس السماء ليظهر أمام وجه الله لأجلنا (عب 9 : 24) حاملاً تلك الكأس، “كأس الخلاص” العجيب رافعاً إياها بيده المباركة. بل يمكننا أن نتذوَّق طعم حلاوة تلك الكأس الخلاصية في ذلك السرور الموضوع أمامه، الذي من أجله احتمل الصليب مستهيناً بالخزي فجلس في يمين عرش الله (عب 12 : 2). إتماماً لذلك الوعد النبويِّ الكريم “إن جعل نفسه ذبيحة إثمٍ، يرى نسلاً تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين. وآثامهم هو يحملها. لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمةً من أجل أنه سكب للموت نفسه وأُحصيَ مع أثمةٍ. وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المُذنبين” (إش 53 : 10 – 12).

كانت “كأس الخلاص” الحلوة هذه، كأساً مُرَّةً في يد الآب، يقدمها لابنه الحبيب ليشربها. يتم فيها القول بلسان الحال “أشبعني مرائر وأرواني أفسنتيناً” (مرا 3 : 15). “لأن في يد الرب كأساً وخمرها مختمرةً. ملآنةً شراباً ممزوجاً. وهو يسكب منها. لكن عكرها يمصه. يشربه كل أشرار الأرض” (مز 75 : 8).

هذه هي الكأس التي قدَّمها الآب لابنه الوحيد الحبيب ليشربها حتى التفل، “كأس خمر سخط  وغضب الله” العظيم “المُعلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم” (رؤ 16 : 19 ، 19 : 15 مع رو 1 : 18) لأنه “كلنا كغنمٍ ضللنا. ملنا كل واحدٍ إلى طريقه. والرب وضع عليه إثم جميعنا” (إش 53 : 6).

في “جثسيماني” ومعناه معصرة زيت، في سفح جبل الزيتون، شعر يسوع بشدة معصرة غضب الله العظيمة لأنه “جعل الذي لم يعرف خطية، خطيةً” (2 كو 5 : 21). بل لأنه “صار لعنةً” (غل 3 : 13). فابتدأ يحزن ويكتئب. وقال: “نفسي حزينةٌ جدًّا حتى الموت” (مت 26 : 37و38)، وإذ كان في جهادٍ، كان يصلِّي بأشدّ لجاجةٍ. وهو يقدم بصراخٍ شديدٍ ودموع طلباتٍ وتضرعاتٍ للقادر أن يخلّصه من الموت. وفي جهاده انعصر جسمه عصراً في داخل تلك المعصرة واختلط فيه ماؤه بدمه حتى صار عرقه كقطرات دمٍ نازلةٍ إلى الأرض (قابل لو 22 : 44 مع عب 5 : 7).

كان يصلِّي أن تجوز عنه هذه الكأس المرّة “كأس خمر سخط وغضب الله” قائلاً: “يا أبتاه! إن أمكن، فلتعبر عني هذه الكأس”، فقد كان شبح تلك الكأس مخيفاً ومرعباً، ولكنه بالرغم من كل ما فيها من خوفٍ ورعبٍ وعلقمٍ وأفسنتينٍ وألمٍ لا يستطاع، قدَّس إرادة أبيه تقديساً تامًّا في كل خشوعٍ وتقوى. وما أجمل ما ختم به لجاجته قائلاً: “يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس، إلا أن أشربها، فلتكن مشيئتك” (مت 26 : 42و44). وهذا عين ما أظهره سابقاً من التقوى الممتازة يوم أتاه اليونانيون ليروه ورأى ذاته حبة حنطةٍ ينبغي أن تقع في الأرض وتموت، لتأتي بثمرٍ كثيرٍ. وإزاء هذا الشبح المخيف، شيح الصليب المرعب، صرخ قائلاً: “الآن نفسي قد اضطربت. وماذا أقول؟ “أيها الآب! نجني من هذه الساعة: ولكن. لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة. أيها الآب مجِّد اسمك” (يو 12 : 20 – 28).

لأجل تقواه هذه سُمع له. وظهر ملاكٌ من السماء يقوِّيه. وتسلَّم الكأس المُرَّة من يد أبيه وشعاره “الكأس التي أعطاني الآب. ألا أشربها”؟ (قابل عب 5 : 7 مع لو 22 : 43 ويو 18 : 11). وبتعبيرٍ آخر، سبق فألقاه على السامعين، قال: “لي صبغةً أصطبغها. وكيف أنحصر، حتى تُكمل” (لو 12 : 50).

وفوق الصليب. كأنه يردد صدى النبوة القديمة، قائلاً: “قد أحاط بي كلابٌ. جماعةٌ من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يديَّ ورجليَّ. أحصيَّ كل عظامي وهم ينظرون ويتفرَّسون فيَّ. يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون. أما أنت يا رب، فلا تبعد. يا قوتي أسرع إلى نصرتي. أنقذ من السيف نفسي. من يد الكلب وحيدتي” (مز 22 : 16 – 20).

وإذ أحاطت به كل قوات الظلمة في ساعات الظلمة وأطبقت عليه أبواب الجحيم واكتوى بنار الغضب الإلهي الجهنمية من أجل فجور الناس وإثمهم، صرخ بصوتٍ عظيمٍ من أرض الظلمة وظلِّ الموت “إلهي إلهي لماذا تركتني”؟ (مز 22 : 1 ومت 27 : 46).

وفي القبر كأن لسان حاله يردد صدى نبوَّةٍ قديمةٍ أخرى “اكتنفتني حبال الموت. أصابتني شدائد الهاوية. كابدت ضيقاً وحزناً. وباسم إلهي دعوت “آه يا رب نجِّ نفسي” (مز 116 : 3و4)، “خلصني يا ألله لأن المياه قد دخلت إلى نفسي. غرقت في حمأةٍ عميقةٍ وليس مقرٌّ. دخلتُ إلى أعماق المياه والسيل غمرني” (مز 69 : 1و2).

على أن الكلمة النبوية قد تحققت وتمَّ القول: “لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيَّك يرى فساداً” (مز 16 : 10). فقد نزل إلى أقسام الأرض االسُّفلى ووصل إلى الأعماق. ولكن الله أقامه ناقضاً أوجاع الموت، إذ لم يكن ممكناً أن يًمسَك منه. وأجلسه عن يمين العظمة في الأعالي. وها هو في الأقداس رافعاً “كأس الخلاص” يردد القول النبوي أيضاً: “ارجعي يا نفس إلى راحتكِ، لأن الرب قد أحسن إليكِ. لأنّك أنقذت نفسي من الموت وعيني من الدمعة ورجليَّ من الزلق… ماذا أرد للرب من أجل كلِّ حسناته لي؟ “كأس الخلاص” أتناول” (مز 116 : 7 – 13). وكأننا به له المجد، رافعاً “كأس الخلاص” يحوِّل نظره نحو ملك الأهوال، قائلاً: “أين أوباؤكَ يا موت؟ أين شوكتكِ يا هاوية”؟ (هو 13 : 14).

هكذا نرى رب الخلاص، في قدس الأقداس، رافعاً “كأس الخلاص”. متمتعاً بالسرور الموضوع أمامه (عب 12 : 2) يقسم بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمةً. بعد أن سكب للموت نفسه وأُحصيَّ مع أثمةٍ. وشرب من يد أبيه كأس سخط وغضب الله المُعلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم (قابل إش 53 : 12 مع رؤ 14 : 10 ، رو 1 : 18 مع يو 18 : 11).

على أن التعبير “كأس الخلاص” الذي لم يرد في أقوال الوحي في غير هذا الموضع، كما ذكرنا، يوحي أيضاً بما توحيه ذات المادة التي تحتويها الكأس وعبر عنها الوحي بالقول: “سكيبٌ من الخمر”. (قابل خر 29 : 40 ، عد 15 : 5و7و10) وقد عُبِّرّ عنه أيضاً “بدم العنب” الذي غسل فيه النسل الملكيِّ ثوبه (تك 49 : 11). مادة رمزية تُشير إلى دم العهد الجديد المسفوك لغفران الخطايا. الذي غسَّل فيه الجمع السموي ثيابهم وبيَّضوها (قابل مت 26 : 27و28 مع رؤ 7 : 9 – 15). دم ذاك الذي “سكب للموت نفسه”. دم الحمل الذي بلا عيب ولا دنس، معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم (قابل إش 53 : 12 ، 1 بط 1 : 19 مع عب 9 : 14).

هذا السكيب كان يلازم المُحرقة الدائمة التي كانت صباحاً ومساءً على مذبح النحاس عند باب خيمة الاجتماع أمام الرب حيث كان يجتمع بالشعب ويكلِّمهم بفم موسى. وكانت تُحرق بتمامها، وقود رائحة سرورٍ للرب، بنارٍ خرجت من عنده تعالى، يغذيها الكهنة بالوقود لتبقى دائمة الاشتعال ويصعد لهيبها إلى العلاء، ولذلك كانت تُسمَّى في الأصل “عولا” (قابل لا 9 : 24 مع ص 1).

إشارة إلى أن ذاك الذي “سكب نفسه للموت” هو هو بذاته قربان المُحرَقة الذي قدّد نفسه لله بلا عيبٍ. إذ أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة رائحة طيبة تنسَّمها الآب بالرِّضى، كما تنسَّم تلك الرائحة الرمزية في محرقات نوح فقال في قلبه: “لا أعود ألعن الأرض” (قابل أف 5 : 2 مع تك 8 : 20و21 ، إش 54 : 7 – 10).

هذه المُحرقة صعد أول لهيبها إلى العلاء بنار السماء، في جنّة عدن لإعداد أقمصة الجلد للكساء. إشارة، لا إلى الدم فحسب، الذي فيه يغسِّلون ثيابهم ويبيِّضونها بل إلى ذات الثياب، ثياب البر التي أعدها حمل الله العظيم على عود الصليب، بعد أن أكمل برّ الناموس وكل برٍّ منادياً لكل من يريد قائلاً: “أشير عليك أن تشتري مني …. ثياباً بيضاً لكي تلبس. فلا يظهر خزي عُريتك” (قابل تك 2 : 25 و 3 : 7و10 ، رؤ 3 : 18 مع مت 3 : 15 ، رو 8 : 1 – 4).

ومن مستلزمات المُحرقة عدا عن السكيب الذي سبق الكلام عنه “قربان تقدمة” من دقيقٍ وزيتٍ ولبانٍ وملحٍ. رمزاً إلى حياة ذاك الذي قدم نفسه لله حملاً بلا عيبٍ ولا دنسٍ مُحرقةً نقيةً طاهرةً كرئيس كهنةٍ قدوسٌ بلا شرٍّ ولا دنسٍ قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات (مت 1 : 18 – 22 ، لو 1 : 34و35 ، عب 7 : 26). خلواً من خمير الشر والخبث ومن عسل اللذات الدنيوية والشهوات الجسدية مُملَّحاً بملح العهد الأبدي، سر الطهارة الداخلية وقوة الإصلاح الإلهية التي تقضي على الدنايا والأقذار وترفع إلى مساكن الأبرار (1 كو 5 : 8 ، 1 بط 2 : 11 ، 2 بط 2 : 3 مع أم 25 :  16و27).

وياله من مجدٍ فائقٍ، جلَّ عن الوصف، مجد صعود هذه التقدمة في لهيب المُحرقة الدائمة. معطَّرةً برائحة اللبان الذكية فيتنسَّم الآب تلك الرائحة العطرية رائحة حياة ابنه النقية فيرضى عن البشرية.

فلا عجب أن يظفر هذا المخلّص العجيب بالموت والهاوية، وبكل قوات الجحيم وسلطان الظلمة ويجتاز السموات ويدخل إلى الأقداس العليا وبيده “كأس الخلاص” مرفوعةً وهو يترنم قائلاً: “ارجعي يا نفسُ إلى راحتكِ”. “كأس الخلاص أتناول”.

(ب) موضوعة: كأس الخلاص موضوعة:-

                 (1) على مائدة.        (2) على مائدة وليمة.           (3) على مائدة وليمة عرس.

(1) على المائدة:

يا للفرح المجيد الذي لا يُنطق به! لقد عاد الابن إلى بيت أبيه. ولسان حال الآب ينطق بنغمة القلب الفرحان لرجوع ابنه إليه بعد غيابٍ طويلٍ. لقد كان ابنه في أرضٍ بعيدةٍ، أرض اللعنة والشقاء. وقد لُعن بلعنتها وشَقِى بشقائها. لقد كان وسط الوحوش المفترسة وبين أقذار الخنازير النَجسة. ولسان حاله يقول.: “ويلي لغربتي في ماشك، لسكني في خيام قيدار. طال على نفسي سكنها مع مبغض السلام” (مز 120 : 5و6).

أما الآن وقد انقضى زمان الغربة وحان للابن أن يعود إلى بيت أبيه، فهوذا صوت الهتاف يصيح “ارفعن أيتها الأرتاج رؤوسكنَّ. وارتفعن أيتها الأبواب الدَّهريات، فيدخل ملك المجد” (مز 24 : 7 – 10).

هوذا السماء ترحّب به. الآب ينادي: “أَخرجوا الحُلة الأولى وألبسوه. واجعلوا خاتماً في يده وحذاءً في رجليه. وقدّموا العجل المُسمَّن واذبحوه، فنأكل ونفرح” (لو 15 : 22و23). وهل نقدر أن نتمثل تلك الحركة الملائكية تهتز بها السماء؟ بل هل يمكننا أن نتصور ذلك الفرح المجيد، يملأ قلوب سكان السماء وهم يقومون بإتمام مسرة قلب الآب؟ وهل ترى العين تلك المائدة وقد مُدَّت وعليها المُسمَّنات توحي بها “كأس الخلاص” موضوعةً فوقها؟ وهل نسمع الابن المبارك يتكلم بلغة لسان الحال؟ قائلاً: “ترتِّب قدامي مائدةً تجاه مضايقيَّ مسحت بالدهن رأسي. كأسي ريَّا” (مز 23 : 5).

وهل نقدر أن نتصور أبواب الجحيم ترفع عيونها وهي في هاوية العذاب وترى هذا المنظر المجيد في السماء فيزداد لهيبها لهيباً؟ بل هل نتمثل “رئيس سلطان الهواء” (أف 2 : 1) “وأجناد الشرّ الروحية في السمويات” (أف 6 : 12) وهم يتطلعون نحو هذه المائدة المرتبة الجميلة، وقد حنقوا بقلوبهم وصرّوا بأسنانهم عليه وهم يتحسرون ندماً. ولسان حالهم يقول: كيف مرّ هذا في وسطنا صاعداً في السحاب؟ بل كيف خرج من بين أنياب الموت وقوات الهاوية؟ وأين كنا نحن عند قيامه وصعوده؟ وهل لم يدروا أن حرّاسهم عند القبر ارتعدوا أو صاروا كأمواتٍ فلم يُبدوا حراكاً؟ (مت 28 : 4). وأنه لم يكن ممكناً أن يُمسك من الموت ولا أن يُحجز في الهاوية. ولا أن يبقى في قبضة تلك الأرواح النجسة الهوائية مهما كثُر عددهم وعظُمت سطوتهم. فقد كسر شوكة الموت وهدّ قوة الهاوية وقام ظافراً. وصعد منتصراً. وها هو الآن في بيت أبيه على مائدةٍ مرتبةٍ و “كاس الخلاص” موضوعةٌ ريَّا تجاه المضايقين (أع 2 : 24 – 36) فليحترقوا غيظاً.

(2) هي وليمة:

هل نستطيع أن ندخل إلى دار جنة قصر الملك أحشويرش ونرى تلك الأنسجة البيضاء والخضراء والأسمانجونية، معلقةً بحبال من بزٍّ وأرجوانٍ، في حلقاتٍ من فضةٍ وأعمدةٍ من رخام وأسرَّةٍ من ذهبٍ وفضةٍ، على مجزَّعٍ من بهتٍ ومرمرٍ ودرٍّ ورخامٍ أسود؟ بل هل نرى آنية السِّقاء الذهبية المختلفة الأشكال؟ والخمر الملكيّ بكثرةٍ حسب كرَم الملك؟ (أس 1 : 5 – 7).

وما هي هذه الدار البهية السنية بالنسبة لجنة الخُلد الأبدية؟ المدينة العظيمة المقدَّسة السموية، ذات الأبواب اللؤلؤية؟ والسوق الذهبية، كزجاجٍ شفافٍ نقية، التي لها الأساسات المزينة بكل أنواع وألوان الحجارة الكريمة البهية؟ (رؤ 21 : 9 – 27) حيث الوليمة السموية و”كأس الخلاص” ريَّا، موضوعةٌ توحي بكرم الآب العظيم نحو ابنه الحبيب الكريم؟

(3) هي وليمة عرس ملكية:

هكذا “يشبه ملكوت السموات. إنساناً ملكاً صنع عُرساً لابنه. وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس: قائلاً .. “هوذا غذائي أعددته. ثيراني ومُسمَّناتي قد ذُبحت. وكل شيءٍ مُعدّ. تعالوا إلى العرس” (مت 22 : 1 – 4). هذا هو عرس العريس الملك ابن الملك المرموز إليه بالملك سليمان في نداء النشيد المقدَّس “اخرجن يا بنات صهيون وانظرن الملك سليمان بالتاج الذي توَّجته به أمه في يوم عرسه وفي يوم فرح قلبه” (نش 3 : 11). هذا هو رئيس السلام الذي رآه إشعياء والرياسة على كتفه لنمو رياسته وللسلام لا نهاية (إش 9 : 5 – 7).

وهل يكون عرسٌ لعريسٍ بدون عروس؟ فأين العروس؟ هي التي أعدها الآب الملك لابنه الملك. وقال فيها الابن: “خرافي تسمع صوتي. وأنا أعرفها فتتبعني. وأنا أعطيها حياةً أبديةً فلن تهلك إلى الأبد. ولا يخطفها أحدٌ من يدي. أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحدٌ أن يخطف من يد أبي” (قابل يو 10 : 27 – 30 ، 17 : 6 – 11). هؤلاء هم “الذين سبق (الآب) فعرفهم فسبق فعيَّنهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكراً بين إخوةٍ كثيرين”. هو أخوهم كما أنه عريسهم فيصح تعبير النشيد، وما أجمله! “أختي العروس جنةٌ مغلقةٌ. عينٌ مقفلةٌ. ينبوعٌ مختومٌ” (نش 4 : 12).

وما أبهى أن نرى الملك ابن الملك في بهائه، عريساً أبرع جمالاً من بني البشر، في قدس أقداس السماء، على مائدة العرس المعدة بكل أنواع الأطعمة الشهية، و “كأس الخلاص” موضوعةٌ فوقها، كأساً ريَّا. تفيض شبعاً وريَّا. وحولها أرواح الأبرار المكمَّلين، في محفل ربوات ملائكةٍ أطهارٍ، في أفراح عُرس الحمل، الذي اتكأ في الليلة الأخيرة من أيام جسده على الأرض، وأكل الفصح مع تلاميذه ورسم عشاءَه المقدس مودِّعاً الكأس، قائلاً: “إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم في ملكوت أبي” (مت 26 : 29)، وهو ذات الملكوت الموصوف بأنه “ملكوت الله” في (مر 14 : 25).

ولكن. هل “ملكوت الله” أكلٌ وشربٌ؟ يقول الرسول: “ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً. بل هو برٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الروح القدس” (رو 14 : 17). فإن “الله روح”. وعبادته “بالروح والحق”. وكلامه “روحٌ وحياة”، ويبقى المؤمنون بعد انطلاقهم من الجسد “أرواح أبرارٍ مكمَّلين” إلى يوم القيامة حين يقوم هذا الجسم الحيواني “جسماً روحانيًّا”. وهذا كلّه يقضي قضاءً مُبرماً على الفكرة اليهودية التي عبّر عنها أحدهم بالقول: “طوبى لمن يأكل خبزاً في ملكوت الله” (قابل يو 4 : 34 ، 6 : 63 ، 1 كو 15 : 14).

فلم يكن “عشاء الرب” عشاءً تذكاريًّا فحسب “اصنعوا … لذكري” أو إخباريًّا فقط “كلما أكلتم … تخبرون” (لو 22 : 19 ، 1 كو 11 : 23 –  26). بل هو أيضاً رمزي. فكما أنه مرموزٌ إليه في عشاء الفصح “لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا” (1 كو 5 : 7). هكذا هو أيضاً مرموزٌ به إلى عشاء عرس الحمل، الذي بدأ، ولا بد، كما تمثلناه في الوليمة العُرسية المشار إليها وعليها “كأس الخلاص” في قدس الأقداس، موضوعةٌ. حتى تكمَّل في قيامة الأبرار في أجسادهم الممجَّدة. يوم النهاية الذي فيه يسلِّم المسيح المُلك لله الآب. متى أبطل كل رياسةٍ وكلّ سلطانٍ وكلّ قوةٍ، يوم يُبطل آخر عدوٍّ أي الموت. وتصدح موسيقى النصرة مدويِّةً. “ابتُلع الموت إلى غلبةٍ. أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتكِ يا هاوية” (1كو 15 : 22 – 28 و 51 – 58).

هذا هو السرّ العجيب، لا في موت المسيح على الصليب، فحسب. بل في طعنة ذلك الجنب المقدَّس بحربة العسكري الروماني وبالحري بيد الآب السمويّ. فإنه كما أوقع الرب الإله سبات النوم على آدم وأخذ واحدةً من أضلاعه وصنعها له امرأةً وأحضرها إليه، فقال فيها: “هذه الآن عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي. هذه تُدعى امرأة لأنها من امرءٍ أُخذت” (تك 2 : 21 – 23). هكذا أيضاً بعد أن أوقع على ابنه الحبيب سُبات الموت فأسلم الروح في يديه. طعنه بحربةٍ في جنبه ليس فقط ليأخذ منه عروساً له، بل أيضاً ليُعدَّ منه لهذه العروس بَزَّها الأبيض النقي البهي ليتم التمثيل. “كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، لكي يقدِّسها مطهراَ إياها بغسل الماء بالكلمة، لكي يحضرها لنفسه كنيسةً مجيدةً، لا دنس فيها ولا غضن أو أي شيءٍ من مثل ذلك، بل تكون مقدَّسةً وبلا عيبٍ .. لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه”. هذا هو الينبوع المفتوح للخطية وللنجاسة. (قابل يو 19 : 30و33 -37 ، أف 5 : 25 – 30 مع زك 12 : 10و13 : 1 مع رؤ 19 : 7 – 9 ، 2 : 2و3).

هذ هي أفراح السماء وأمجادها التي عاد إليها رئيس إيماننا ومكمله يسوع الذي، من أجل السرور الموضوع أمامه، احتمل الصليب مستهيناً بالخزي، فجلس في يمين عرش الله منتظراً بعد ذلك حتى توضع أعداؤه موطئاً لقدميه (قابل عب 10 : 12 – 14 ، 12 : 2 مع إش 53 : 10 – 12).

هذا هو فرح العريس بالعروس التي أعطاه إياها الآب، ولأجلها قدَّس هو ذاته. وهذه الأفراح السموية المُعبَّر عنها بالوليمة العرسية من وحي “كأس الخلاص” بكل ما عبَّرت عنه لغة البشر من سحر بيانٍ وبديع واستعارة ومجاز وتشبيه وتمثيل لتشويق النفس إلى ذلك العرس البهيِّ الذي فيه العريس الآن مع أرواح الأبرار المكمَّلين يتمتع بأفراحه ويُعدُّ لذلك اليوم الفمجيد الذي فيه يأتي ليجمع جميع أبناء الله المتفرقين إلى واحدٍ في مجده الأبدي عروساً مُزينةً بكل تبريرات القديسين، ملكةً بهيةً في ثيابها البيضاء.

وهل تسمع أصوات الغناء الشجية في ترنيمة المحبة العرسية؟ “أنت أبرع جمالاً من بني البشر … كل ثيابك مرٌّ وعودٌ وسليخةٌ. من قصور العاج سرَّتك الأوتار. بنات ملوكٍ بين حظياتك. جُعِلَت الملكة عن يمينك بذهب أوفير .. كلها مجدٌ ابنة الملك في خدرها. منسوجةٌ بذهبٍ ملابسها. بملابس مطرزةٍ تُحضَر إلى الملك. في إثرها عذارى صاحباتها. مقدَّمات إليك. يُحضَرْنَ بفرحٍ وابتهاجٍ. يدخلن إلى قصر الملك” (مز 45 : 2 – 15).

لذلك يوصي العريس الملك تلاميذه قائلاً: “لتكن أحقاؤكم ممنطقةً وسرجكم موقدةً. وأنتم مثل أتاسٍ ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس حتى، إذا جاء وقرع، يفتحون له للوقت. “طوبى لأولئك العبيد، الذين، إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين. الحق أقول لكم إنه يتمنطق ويتكئهم ويتقدم ويخدمهم” (لو 12 : 36و37). وكيف يكونون عبيداً؟ أولئك المتكئين على المائدة العُرسية وعليها “كأس الخلاص” وهم متسربلون بالثياب البيضاء، معيِّدين عيد المظال، عيد الفرح الأبدي، هاتفين: “الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللحمل”. “والحمل الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية ويمسح الله كل دمعةٍ من عيونهم” (رؤ 7 : 9 – 17).

ثانياما تحويه “كأس الخلاص” بالنسبة إلى أبناء الخلاص. تحوي:-

                   أ:  شكراناً .                               ب: اطمئناناً.                                ج: فيضاناً.

أ: شكرانا:

“ماذا أرد للرب؟ “كأس الخلاص أتناول” (مز 16 : 12 – 14).

رأينا المخلِّص العجيب، في قدس أقداس السماء يرفع “كأس الخلاص” إعلاناً لانتصاره الفائق على الموت وأهواله وعلى القبر وأعوانه وعلى الجحيم وأبوابه. بل رأيناه يضع الكأس على مائدةٍ هي وليمة عرسية وهو متكئ مع عروسه كعريسٍ ممجَّدٍ في عرسٍ بهيٍّ وأفراحٍ أبديةٍ. وها نحن نرى الآن العروس متكئةً في وليمة العُرس الدائمة تتناول “كأس الخلاص” إعلاناً للشكر الدائم.

رأينا أيضاً في وحي الكأس بالنسبة للمخلص العظيم، سكيب الخمر، “دم العنب” مسكوباً على قربان تقدمة الحياة النقية تصعد مع لهيب المحرقة الدائم إلى السماء رائحةً عطريةً ذكيةً. أما هنا، في ما تعلنه الكأس من دواعي الشكر الفائق فإننا نرى سكيباً مع قربان تقدمة على “ذبيحة السلامة” (قابل لا 7 : 11 – 13 مع عد 15 : 8 – 10).

هذه الذبيحة تشير إلى السلام الكائن بين الله والأنسان بدم المسيح لأنه هو سلامنا الذي نقض حائط السياج المتوسط بين اليهود والأمم، أي العداوة، “لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً. ويصالح الاثنين في جسد ٍ واحدٍ مع الله بالصليب، قاتلاً العداوة به” (أف 2 : 11 – 16).

فلا عجب إذا رأينا شركة بين الله والإنسان، في ذبيحة السلامة، حيث يقدَّم للرب الشحم الذي يغشي الأحشاء وسائر الشحم الذي على الأحشاء والكليتين والشحم الذي عليهما الذي على الخاصرتين وزيادة الكبد مع الكليتين. أي أن جميع هذه الأجزاء الداخلية تكون من نصيب الرب تصعد إليه لهيباً معطَّراً وقود رائحة سرورٍ له (قابل لا 3 : 3 – 5). إعلاناً للحقيقة الموحى بها من السماء في القول: “السرائر للرب إلهنا” الذي وحده “يدين سرائر الناس” (قابل تث 29 : 29 مع رو 2 : 16).

أما نصيب أسرة الكهنوت التي تمثل جميع الذين ذُبح الحمل واشتراهم لله بدمه من كل قبيلةٍ ولسانٍ وشعبٍ وأمةٍ وجعلهم لإلههم ملوكاً وكهنةً. فهؤلاء كان نصيبهم ساق الرفيعة تُرفع أمام الرب. وصدر الترديد يردَّد لديه تعالى. فالساق أو الذراع وهي الساعد والعضد تشير إلى ما للمؤمن من قوة في تلك اليد الرفيعة والذراع الممدودة للخلاص والعون. أما صدر الترديد فيشير إلى ما يجده من صدرٍ رحبٍ يلجأ إليه فيرحَّب به. ومن قلبٍ ينبض بالمحبة له يستريح في عطفه وحنانه ولطفه (قابل لا 7 : 28 – 34).

هذه الشركة هي صورة مثالية وهيئة رمزية لما عبر عنه الرسول قائلاً: “كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح”؟ مشبراً إلى عشاء الرب الذي وضعه رب المجد في الليلة الأخيرة من أيامه على الأرض مُنهياً به عشاء خروف الفصح قديماً وموجّهاً الأنظار إلى عشاء عرس الحمل الذي يُعبَّر به عن ذلك السرور المجيد والفرح الدائم. الذي هو فرح العريس بالعروس (إش 62 : 5). وهو ما أشار إليه السيد بقوله عن كأس عشاء الفصح: “إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله” (لو 22 : 17و18. اقرأ أيضاً عد 14 – 16)، كما قال لتلاميذه عن كأس عشاء الرب: “إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم، حينما أشربه معكم جديداً في ملكوت أبي” (مت 26 : 27 – 29).

وما أمجد في هذه المناسبة أن تتناول العروس “كأس الخلاص” مترنمةً: “فرحاً أفرح بالرب. تبتهج نفسي بإلهي، لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص، كساني رِداء البر. مثل عريسٍ يتزين بعمامةٍ. ومثل عروسٍ تتزين بحليِّها” (إش 61 : 10)، وتردد قول المرنم بروح الشكر والتعبد والخشوع والتقوى: “ماذا أرد للرب من أجل كل حسناته لي؟ كأس الخلاص أتناول وباسم الرب أدعو. أوفي نذوري للرب مقابل كل شعبه” (مز 116 : 12 – 14).

ب:- اطمئنانا:

“ترتب قدامي مائدةً تجاه مضايقيَّ” (مز 23 : 5) يارب! ما أكثر مصايقيَّ. كثيرون قائمون عليَّ. كثيرون يقولون لنفسي. “ليس له خلاصٌ بإلهه” (مز 3 : 1). هذه حقيقة موقف المؤمن في هذه الحياة “في العالم سيكون لكم ضيقٌ”، “إنه بضيقاتٍ كثيرةٍ ينبغي أن ندخل ملكوت الله” (قابل بو 16 : 33 مع أع 14 : 22). أوَليست الكنيسة عابرة “وادي البكاء”؟ وادي الآلام والدموع؟(مز 84 : 6)، سائرةً في “وادي ظل الموت”؟ (مز 23 : 4)، وادي الخوف والرعب؟ وادي الأسود الكاسرة والوحوش المفترسة؟ ولكن لسان الحال يقول في اطمئنانٍ: “إن سرت في وادي ظل الموت، لا أخاف شرًّا لأنك أنت معي. عصاك وعكازك هما يعزيانني”، وإزاء الموت والهاوية يقول: “جعلت الرب أمامي في كل حينٍ، لأنه عن يميني فلا أتزعزع. لذلك فرِح قلبي وابتهجت روحي. جسدي أيضاً يسكن مطمئناً”. وما أمجد ما يرسمه أمامنا المرنم من صورةٍ بهيةٍ يرى فيها مائدةً معدةً ومرتبةً ترتيباً حسناً ومجهزةً بكل أنواع الأطايب والمشروبات يجدها أمامه الغالب بعد أن يقطع وادي ظل الموت بكل ما فيه من مخاوف وأهوال. بل بعد ما يجتاز الهاوية السحيقة ظافراً بجميع قواتها حيث يتناول “كأس الخلاص” وهو يتغنَّى قائلاً: “تُعرِّفني سبل الحياة. أمامك شيع سرور. في يمينك نِعَمٌ إلى الأبد” (قابل مز 23 : 4و5 مع مز 16 : 9 – 11).

يظهر مجد هذه المائدة، ليس فقط في ما تحويه من تلك الأطايب الفاخرة من غفرانٍ وسلامٍ وتمتعٍ في شركةٍ إلهيةٍ ومحبةٍ أخويةٍ وسعادة الحياة الأبدية. بل يزداد مجدها في ترتيبها تجاه المضايقين. ينظرون إليها بعين الحسرة والندم إن لم يكن بعين الشماتة والألم. هل لم نسمع ذلك الصوت الصارخ من هاوية العذاب؟ صوت ذلك الغنيِّ الذي كان يلبس الأرجوان والبز وهو يتنعم كل يومٍ مترفهاً، غير مبالٍ بذلك المسكين، الذي طُرح عند بابه مضروباً بالقروح ويشتهي أن يشبع من الفتات الساقط من مائدة الغنيّ. بل كانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه؟ مات هذا وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم. وهل تراه؟ كما نتمثل أن رآه الغني، متكئاً مع إبراهيم على تلك المائدة الشهية يتمتع بتلك الشركة السنية؟ وكم يكون تأثير هذا المنظر في ذلك الغني الذي احتقر ذلك المسكين؟ الأمر الذي يعطي هذه المائدة مجداً أعظم وبهاءٍ أسمى.

وكم يكون هذا المجد في أبهى سنائه عند تحقيق تنبوء السيد المجيد في قوله: “إن كثيرين سيأتون من المشارق ومن المغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السموات. وأما بنو الملكوت فبطرحون في الظلمة الخارجية، حيث يكون البكاء وصرير الأسنان”؟ فكم إذا كان هؤلاء المطروحون، هم أولئك المضايقون لهؤلاء المتكئين؟ يرفعون عيونهم ليروهم على مائدة الهناء والإسعاد في ثياب الطهر والأمجاد؟ (قابل لو 16 : 19 – 26 مع مت 8 : 11و12).

وإن كان بنو الملكوت يُطرحون خارجاً. فماذا يكون هذا الملكوت لهم إلا ملكوتاً متزعزعاً؟ هذا هو ملكوت جبل سيناء الذي صوته زعزع الأرض حينئذٍ. ملكوت السموات الذي تأسس على الأرض وأمامه تتزعزع كل ممالك الأرض وتتزلزل عروشها وسياداتها. ولكنه بالرغم مما كان له من قوةٍ ضد ممالك الأرض فقد كان في ذاته ملكوتاً يتزعزع. ملكوت عهدٍ عتيقٍ يشيخ وينزع، لكي يثبت ملكوت العهد الجديد. في نظامه الروحي المجيد بحسب وعده القائل: “إني مرةً أيضاً أزلزل، لا الأرض فقط، بل السماء أيضاً” أي لا ممالك الأرض فحسب، بل أيضاً ملكوت السماء، ملكوت جبل سيناء. “فقوله مرةً أيضاً يدل على تغيير الأشياء المتزعزعة كمصنوعةٍ، لكي تبقى التي لا تتزعزع. لذلك ونحن قابلون ملكوتاً لا يتزعزع (هو ملكوت السموات في نظامه الحاضر، ملكوت النعمة يؤدي إلى ملكوت المجد الأبدي) ليكن عندنا شكرٌ به نخدم الله خدمةً مرضيةً بخشوعٍ وتقوى. لأن إلهنا نارٌ آكلةٌ” (قابل عب 12 : 18 – 29 ، حج 2 : 4 – 8 مع دا 4 : 34و35 و 2 : 44و45 مع عب 10 : 1 – 18).

في هذا الملكوت نتغنى مطمئنين. ونطمئن مغنِّين “قوتي وترنمي الرب. وقد صار لي خلاصاً. صوت ترنمٍ وخلاصٍ في خيام الصدِّيقين. يمين الرب صانعةٌ ببأسٍ. يمين الرب مرتفعةٌ. يمين الرب صانعةٌ ببأسٍ” (مز 118 : 14 – 16).

بكَّر غلام أليشع رجل الله وقام وخرج. وإذا جيشٌ محيطٌ بالمدينة وخيلٌ ومركبات. فقال لسيده: “آه يا سيدي! كيف نعمل”؟ فقال: “لا تخف، لأن الذين معنا أكثر من الذين معهم”، وصلّى أليشع وقال: “يا رب افتح عينيه فيبصر”. ففتح الرب عيني الغلام فأبصر. وإذا الجبل مملوءٌ خيلاً ومركبات نارٍ حول أليشع. (2 مل 6 : 15 – 17) أوَليس وعد الرب صادقاً؟ “أنا يقول الرب. أكون لها سور نارٍ من حولها وأكون مجداً في وسطها” (زك 2 : 5).

هل تتزحزح الأرض؟ هل تنقلب الجبال إلى قلب البحار؟ تعج وتجيش مياهها. تتزعزع الجبال بطموّها؟ هل تعج الأمم. وتتزعزع الممالك؟ كل هذا يجري حول مدينة الله، مقدس مساكن العلي. ولكن الله في وسطها. نهرٌ سواقيه تفرحها. لا يتزعزعون ولا يضطربون يتكئون مطمئنين. يأكلون ويشربون هادئين. وهم لا يشعرون بما يجري حولهم من الاضطرابات أو المضايقات. ولو أحاط جيش أشور بالمدينة المقدسة. فهم فيها يبيتون في سلامٍ واطمئنانٍ. ولا ينبلج الصبح. ولا يستيقظ شعب الله من راحة النوم الهاديء إلا ويكون ذلك العدو قد تبدد. بل هلك وباد ولم يعد له أثر. فإن ملاك الرب قد قتل من ذلك الجيش المضايق 185 ألف في ليلةٍ واحدةٍ. “الرب نوري وخلاصي. ممن أخاف؟ الرب حصن حياتي. ممن أرتعب؟ عندما اقترب إليّ الأشرار ليأكلوا لحمي. مضايقيَّ وأعدائي عثروا وسقطوا. إن نزل عليَ جيشٌ، لا يخاف قلبي، إن قامت عليّ حربٌ، ففي ذلك أنا مطمئن” (مز 27 : 1 – 3).

(ج) فيضانا:

“كأسي ريا” (مز 23 : 5) الكلمة الأصلية المترجمة “ريا” هي “روايا”. وتُرجمت “خصب” في القول “دخلنا في النار والماء. ثم أخرجتنا إلى “الخصب”. (مز 66 : 12) (يقال بالبلد رَوٌّ أي خصب). وهي مادة “روي” عبرياً وعربياً. وتفيد:

(1) الشرب إلى درجة الارتواء بالماء. كما يفيد قكر الأكل إلى درجة الشبع بالطعام. وقد استعيرت للتعبير عن الارتواء بالدسم في القول “يُروَون من دسم بيتك. ومن نعمتك تسقيهم” (مز 36 : 8). أما صيغة الكلمة فهي مؤنث (ريان) باعتبار أنها وصف للكأس التي هي في صيغة التأنيث.

من هذا التعبير نتمثل أمامنا بطريقةٍ بارزةٍ، صورة الاكتفاء المجيدة وجمال ذلك الدرس النافع الذي وصل إليه الرسول بولس وحصل عليه، قائلاً: “إني قد تعلمت أن أكون مكتفياً بما أنا فيه. أعرف أن أتضع. وأعرف أيضاً أن أستفضل. في كل شيء وفي جميع الأشياء، قد تدربت أن أشبع وأن أجوع وأن أستفضل وأن أنقص. أستطيع كل شيءٍ في المسيح الذي يقويني” (في 4 : 11 – 13). فلا عجب إذا أوصى ناصحاً: “لتكن سيرتكم خالية من محبة المال. كونوا مكتفين بما عندكم، لأنه قال قلا أهملك ولا أتركك” (عب 13 : 5).

هذا الاكتفاء هو تلك “القناعة” التي قال فيها أيضاً: “أما التقوى مع القناعة فهي تجارةٌ عظيمةٌ” (1 تي 6 : 6).

هذه القناعة وهي الاكتفاء، هي ذلك الارتواء. بل هي عين الاستغناء الذي شعاره “بركة الرب هي تغني ولا يزيد معها تعباً” (أم 10 : 22).

هذا الارتواء الذي هو القناعة والاكتفاء هو السعادة الحقيقية بلا مراء. فإن “وفر الغنيِّ لا يريحه حتى ينام” (جا 5 : 12). “لأن من يحب الفضة لا يشبع من الفضة ومن يحب الثروة لا يشبع من دخلٍ” (جا 5 : 10) فلا شبع ولا ارتواء ولا قناعة ولا اكتفاء. فلا سعادة ولا هناء. وهل تُرى لا نعرف قصة الرجل الغني الذي أخصبت كورته وفاض دخله. فدبَّر في نفسه أن يهدم مخازنه ويبني أعظم ويجمع هناك جميع غلانه وخيراته؟ هكذا فعل وجمع. وكأننا به يتفرس في مخازنه الملآنة بالأثمار البهجة ووجهه يطفح بالبشر وعيناه تلمعان سروراً فينطق فرحاً: “يا نفسُ لك خيراتٌ كثيرةٌ موضوعةٌ لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي”، ولكن أين الراحة والهناء؟ أين الأكل والشرب والفرح لمن لا حياة له ولا بقاء؟ حيث يسمع القول الرهيب: “يا غبي! هذه الليلة تُطلب نفسك منك. فهذه التي أعددتها لمن تكون”؟ (لو 12 : 16 – 21).

فلا يمكن أن يرنم بحق “كأسي ريا” إلا من يكتفي ويقنع. ونفسه تستغني وتشبع. بل:-

(2) تفيض لتُروى. بالمعنى الذي عبَّر عنه السيد المسيح بقوله الكريم: “إن عطش أحدٌ فليقبل إليَّ ويشرب” معقِّباً عليه بالقول: “من آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماءٍ حيٍّ”. فقد شرب وارتوى وفاض. أو كما قال للسامرية: “من يشرب من الماء الذي أُعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أُعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياةٍ أبديةٍ” (قابل يو 7 : 37و38 مع 4 : 13و14 ، إش 12 : 2 – 4).

شربت المرأة وارتوت ونبعت وفاض الماء الحيُّ من ينبوعها وارتوى كثيرون وآمنوا بسبب كلامها (يو 4 : 28و29و39). وتمَّ فيها قول الوحي قديماً: “يقودك الرب على الدوام. ويُشبع في الجدوب نفسك. ويُنشِّط عظامك. فتصير كجنةٍ ريَّا وكنبع مياهٍ لا تنقطع مياهه. ومنك تُبنى الخرب القديمة. تقيم أساسات دورٍ فدورٍ. فيسمونك مُرمِّم الثغرة، مُرجع المسالك للسكنى” (إش 58 : 11و12).

هذه هي الصورة البهية التي يرى فيها العريس المجيد عروسه الجميلة فيتغنَّى بها قائلاً: “أختي العروس جنةٌ مغلقةٌ، عينٌ مقفلةٌ، ينبوعٌ مختومٌ” (نش 4 : 12). أوَليست هي جنته؟ فردوس سعادته وهناء قلبه؟ التي فيها يتم له القول: “من تعب نفسه يرى ويشبع”؟ (إش 53 : 11). يرى أغراسها “فردوس رمَّان مع أثمارٍ نفيسةٍ. فاغية (نَوْر الحناء. أو نَوْر كل ما له رائحة طيبة). وناردين. ناردين وكركم. قصب الذريرة (بقال أنه نبات هندي للتطبيب والتداوي). وقرفة مع كل عود اللبان. مرٌّ وعودٌ مع كل أَنفَس الأطياب” (نش 4 : 13و14).

وإن كان سليمان قد عمل لنفسه جنَّات وفراديس. وغرس فيها أشجاراً من كل نوع ثمر. وإن كان قد عمل لنفسه برك مياه لتُسقَي بها المغارس المُنبِتة الشجر (جا 2 : 5و6). فهوذا أعظم من سليمان ههنا، الذي يرى عروسه البهية، لا جنةً مغلقةً شهيَّةً فحسب، بل أيضاً يراها عيناً مُقفلةً، ينبوعاً مختوماً. تسقي جميع المغارس التي فيها لتُزهر وتُثمر وتأتي بثمر يدوم ويُشبِع (يو 15 : 16) بل يراها أيضاً “ينبوع جنَّات. بئر مياهٍ حيةٍ وسيولاً من لبنان”. (نش 4 : 15). فقد كان نهرٌ يخرج من عدن ليسقي الجنة. ومن هناك ينقسم إلى أربعة رؤوسٍ: اسم الواحد فيشون، واسم الثاني جيحون. واسم الثالث حدّاقل (الدجلة). والنهر الرابع الفرات. (تك 2 : 10 – 14). وكان ممكناً أن يكون هذا النهر ينبوع جنّات نعيم لو لم تقع الأرض تحت اللعنة ولو لم تُخضَع الخليقة للبُطل بسبب تعدي أبوينا الأولين (قابل تك 3 : 17 – 19 مع رو 8 : 20).

أمّا الآن فإننا مستطيع أن نرى مع الرائي “نهراً صافياً من ماء حياةٍ لامعاً كبلَورٍ، خارجاً، لا من عدن شرقاً بل من عرش الله والخروف” (رؤ 22 : 1). ونستطيع أن نتمثله رمزيًّا في رؤيا حزقيال (47 : 1 – 5). مياهاً تخرج من تحت عتبة البيت. في مسافة ألف ذراعٍ والمياه إلى الكعبين. وألفٌ أخرى والمياه إلى الركبتين. وألفٌ أخرى والمياه إلى الحقوين. وألفٌ أخرى وإذا بالمياه قد طمت، مياه سباحةٍ، نهرٌ لا يُعبر.

هذا إذاً ما تحويه “كأس الخلاص” لأبناء الخلاص:-

(ا) شكراناً:- من وحي الكأس في مادتها، وحي الخمر سكيباً مع قربان تقدمةٍ على ذبيحة السلامة للشكر فوق قربان المحرقة يصعد مع لهيبها شكراناً إلى السماء وقود رائحة سرور للرب – “كأس البركة”.

(ب) اطمئناناً:- من وحي الكأس على مائدة، مرتبة من الله تجاه مضايقينا. وهو، تعالى اسمه، سور نارٍ حولنا.

(ج) فيضاناً:- من وحي الكأس “ريَّا” ينبوع مياهٍ حيةٍ ينبع إلى حياةٍ أبديةٍ وأنهار ماء حي تجري من البطن وتروي وتصيِّر القفر غدير مياه وأرضاً يبساً ينابيع مياه.

فلنترنم: “ماذا أرد للرب من أجل كل حسناته لي، كأس الخلاص أتناول وباسم الرب أدعو. وأوفي نذوري للرب مقابل كل شعبه”.

الفجالة  م. الجميس  25 / 10 / 1965

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.