تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » كان – كون – لم يعرفه – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

كان – كون – لم يعرفه – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

كان – كون – لم يعرفه

 

(يو 1 : 1 – 18)

“كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم”.

علاقاتٌ ثلاث لشخصٍ عجيبٍ مع العالم. “كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم”.

كان في العالم كائناً – كون العالم به مكوَّناً – لم يعرفه العالم مكنوناً خفياً، كان في العالم كائناً، وكان للعالم مكوَّناً، وكان عن العالم مكنوناً مُخفاً. شخصٌ عجيب، كان في العالم كائناً، كان للعالم مكوِّناً، كان عن العالم مكنوناً مخفياً.

من هو هذا الشخص العجيب؟ يخبرنا البشير يوحنا عن من سمَّى له اسمه، يوحنا هو يوحنا المعمدان ابن زكريا وأليصابات، يقول عنه: “كان إنسانٌ مرسلٌ إلى العالم. مرسلٌ من الله … جاء ليشهد للنور لكي يؤمن الكل بواسطته، لم يكن هو النور”، مع أن السيد قال عن يوحنا المعمدان: “السراج الموقد المنير في موضعٍ مظلمٍ”، السراج الموقد في موضعٍ مظلمٍ، ومع أنه كان هو السراج ولكنه “لم يكن هو النور” بل كان سراجاً يتقدم النور شاهداً عنه، “جاء ليشهد للنور لكي يؤمن الكل بواستطه”.

وأين هو النور؟ ومن هو النور المشهود له من الشاهد يوحنا؟. يقول: “كان النور الحقيقي .. آتياً إلى العالم” وهو النور “الذي ينير كل إنسان” كان آتياً إلى العالم، كان في العالم كائناً، كان للعالم مكوناً، كان عن العالم مكنوناً. هل عرفنا هذا النور؟ وهل سواه نورٌ كان في العالم كائناً ولكنه كان آتيا، لم يكن أصلاً في العالم فقد “كانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمةٌ” لا نور، حتى جاء النور وأضاء.

أما الظلمة فتظهر كثيراً في الكتاب المقدس لأنها العمى الذي أتى به ذلك العدو الألد الذي “أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة مجد المسيح”، وفي شدة الضلال وفي وسط الخراب برز النور وأضاء بضوئه الوضاء، والمرنم وهو يتكلم عن هذه النقطة وعن هذا الوضع العجيب ويتكلم عن الأيام السته للخليقة في المزمور المئة والرابع يصف هذا النور وصفاً عجيبا، يقول: “اللابس النور كثوبٍ”، ويشير إليه الرسول بولس في هذه المناسبة قائلاً: “لأن الله الذي قال أن يشرق نورٌ من ظلمةٍ هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح”، هذا هو النور الآتي إلى العالم، كان في العالم كائناً آتياً إليه كائنا فيه، آتياً من مكان النور وسماء النور ليستقر في الأرض، ألم يقل عن نفسه: أنا قد جئت نورا إلى العالم وكل “من يتبعني لا يمشي في الظلمة” بل يسلك في النور، “أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة من يتبعني يسلك في النور”، ألم يقل عن نفسه بعد أن أعلن أنه نور العالم موصياً: “سيروا (في النور) مادام لكم النور لئلا يدرككم الظلام”.

هذا هو النور الحقيقي الآتي إلى العالم والكائن في العالم، وهو الذي يتكلم معنا بكلمة الوحي المقدس التي هي سراجٌ كما قال المرنم: “سراجٌ لرجلي كلامك” ولكن هذه الكلمة وهي إنما لتصل بنا إلى ذلك النور الحقيقي الذي يتلألأ في هذا الوحي المقدس، وهذا ما يقوله الرسول بطرس: “عندنا الكلمة النبوية”، قال هذا القول بعد أن تكلم عن بهائه ومجده النورانيّ على جبل التجلي وقال: رأينا مجده رأينا عظمته وسمعنا الصوت: “هذا هو ابني الحبيب الاذي أنا سررت به” له اسمعوا، وسمعنا الرسول يوحنا يقول: “صار جسداً وحل بيننا” ورأينا مجداً على جبل التجلي “كما لوحيدٍ من الآب”، يقول عنه الرسول بطرس: “عندنا الكلمة النبوية وهي أثبت”، لسنا محتاجين أن نرى أو نقف على جبل التجلي، لسنا محتاجين أن نرى هذا النور في أي مكانٍ آخر، “عندنا الكلمة النبوية…. التي هي سراجٌ منيرٌ في موضعٍ مظلمٍ إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبنا”.

نفتش نبحث إلى أن ينفجر النور ونرى النور الحق عن طريق هذا السراج الذي بين أيدينا، وهذا السراج المنير هو الذي يشهد لذلك النور، كان في العالم كائناً ولا يزال، هل نراه؟ “إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله أما الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا (أبناء) أولاد الله”، أبناء النور، كان في العالم كائناً.

كان للعالم مكوِّناً: هذا النور كان للعالم مكوِّناً، اللابس النور كان للعالم مكوِّناً، “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عند الله، كل شيءٍ به كان (فهو المكون) وبغيره لم يكن شيءٌ مما كان”، وغيره لم يكن مكوناً، هو المكوِّن للعالم “فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس” نور العالم، نور الضمير للناس، “ولكن في الناس روحاً ونسمة القدير تعقلهم”، ومن أين هذا النور الذي يسير به الناس اليوم في طريق الحكمة والاكتشافات العجيبة والوصول إلى مكونات الطبيعة؟ في هذا الذي كان للعالم مكوِّناً، وقد قال عنه الرسول بولس وهو يقابل بينه وبين سلطان الظلمة: مباركٌ الآب، “شاكرين الآب الذي (أعطانا) أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته …. الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة (لأن فيه الكل) فإنه فيه خُلق الكل … ما يُرى وما لا يرى سواء كانت عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خُلق”، المكوِّن للعالم بكلمة قدرته.

وهل نسمعه بصورةٍ خاصةٍ بلسان الحكمة على فم سليمان الحكيم وهو يقول عن الخليقة: “كنت عنده صانعاً”، الكل به كان، كنت عنده صانعاً، إلى أن قال: “ولذاتي مع بني آدم” فأُعطى بني آدم حياةً، “والحياة كانت (نور بني آدم) نور الناس”، مضاءً بالنور، أعطى العقول، أعطى الضمائر، أشرق بالنور من السماء إلى أن أتى بنور الوحي، فقد كان مكوِّناً للعالم في الأيام الستة التي بدأت بالنور وكان هو “اللابس النور كثوبٍ”، يقول كن فيكون إلى أن نفخ في أنف الإنسان نسمة حياةٍ كانت هي نور الحياة “فصار آدم نفساً حيةً” عاقلاً له ضميرٌ حيٌّ، له عقلٌ ناضجٌ، يسير في النور الذي أُعطيَ له، كان في العالم مكوِّناً.

ولكنه كان عن العالم مكنوناً مخفاً فلم يعرفه العالم، أتى إلى العالم نوراً ولكن العالم كان في الظلمة وسلطان الظلمة متسلطٌ والظلمة أعمت عيون الناس فلم يعرفه العالم، عاش بين البشر، صار في الأجيال الماضية بين الناس يتجلى، إلى أن تجسد وصار إنساناً بين الناس، والعالم في تلك الأجيال لم يعرفه، “هلم نقتله”، وماذا يقول الرسول بولس: “نتكلم بحكمة الله في سرٍّ”، وحكمة الله سرٌّ مكنونٌ، ذلك السر المكتوم منذ الدهر “الذي لم يعلمه أحدٌ من عظماء هذا الدهر لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” ولم يعرفه، هل درى أحدٌ من عظماء هذا الدهر “لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد”، هل درى العالم أنه يلطم رب المجد على الخدين، هل درى العالم أنه يتفل على وجه هذا النور البهي، هل درى العالم أن الجلدات المؤلمة كانت تمزق رب المجد، النور الآتي إلى العالم، هل درى؟ “لو عرفوا لما صلبوا رب المجد”، ولكنهم صلبوه وقتلوه وأهانوه وجعلوا مجده عاراً، هنا الجهل المدقع، هنا العمى، لأن “إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين”.

لذلك يليق بنا أن نقول مع المرنم: “اكشف عن عينيَّ فأرى عجائب من شريعتك”، وما هي هذه العجائب؟ هل ندرس تاريخاً عجيباً؟ هل نعرف شريعةً من الشرائع؟ ماذا ندرس ماذا نريد أن نرى؟

“فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياةٌ أبديةٌ وهي التي تشهد لي”، وبالسراج الذي بين أيدينا في هذه الكتب يرينا النور “إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبنا”.

العالم لم يعرفه لأنه كان يسلك في الظلمة ولأن إله هذا الدهر قد أعمى أذهانهم، فليحفظنا الآب القدوس وليشرق على قلوبنا بالنور الذي هو النور الحق، له المجد.

الإبراهيمية – م الأحد   8  / 8 / 1976

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.