تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » كتابات الرسول بولس

كتابات الرسول بولس

الكاتب

الدكتور القس فهيم عزيز 

العميد الأسبق لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة 

 

مقدمة:

     يعتبر الرسول بولس أهم شخصيالمتصلة، تاريخ المسيحية بعد المسيح نفسه . ولقد وضح في خدمته الواسعة المتصلة ، وغيرته المتقدة للعمل الذي يقوم به ، وكتاباته الكثيرة ، إنه الرجل الذي استطاع أن يفهم عمل سيده ويفسره أكثر من أي رجل آخر . وكاتب سفر الأعمال، كما سبق القوخدمته، حوالي نصف كتابه عن نشاطه وإرساليته.

    ولكن مع أهمية هذا الشخص وأهمية خدمته، فليس لدينا معلومات كثيرة مفصلة عن تاريخ حياته، شأنه في ذلك شأن سيده. . فيسوع نفسه مع أالبشارة،انت عنصراً هاما ً وأساسياً في الإنجيل ، إلا أن الرسل الذين كتبوا عنه لم يقصدوا أن يكتبوا تاريخ حياته ، بل كتبوا عنه كإنجيل وبشارة ، ‘نه موضوع الإيمان ، أما بولس الرسول فلم يكن هكذا ، ولم تكن لحياته دخل بالبشارة سوي في تقديم الإنجيل وخدمته وإعلان الحياة المسيحية ، ولهذا فلم يهتم هو ولا الطبيب أن يكتبا كثيراً عن حياته الخاصة . فالمهم عنده كانت البشارة، أو الكير جما التي كان له نصيب وافر جداً في نشرها في العالم.

    تقسم حياة الرسول إلي 3 حقبات :

الحقبة الأولي:

تختص بحياته الأولي إلي وقت تجديده ، ويظ23:يها أنه ولد من أبوين يهوديين عبرانيين  ( أصلا من سكان فلسطين الذين يتكلمون الآرامية ) ، ( 2 كورنثوس 11 : 22 ، رومية 11 : 1 ) وهو من سبط بنيامين ( فيلبي 3 : 5 )

 ولكونه ولد في طرسوس وهي مدية رومانية فقد صارت له الرعوية الرومانية بالولادة وليس بالشراء ( أعمال 16 : 37 ) . وكانت له أخت متزوجة في أورشليم ( أعمال 23 : 16 ) . كان مثقفاً يعرف العبرية والآرامية إلي جانب معرفته باليونانيةالمناقشة.1: 40، 26: 14 ). وعندما وصل شاول إلي سن العشرين أو ما حولها أرسله أبواه إلي أورشليم ، لكي يتعلم عند رجلي غمالائيل معلم الناموس ( أعمال 22 : 3 ) . وتظهر رسائله أنه كان متمكناً جداً من أساليب معلمي اليهود في المناقشة . وتفسير الكتب المقدسة. ولقد تعلم في طرسوس صناعة الخيام ليكتسب منها ، لأنه لم يكن لائقاً بالعلم اليهودي أن يتقاضى خراً عن تعلم ( أعمال 18 : 3 ) . ولكنه كان غيوراً جداً في تقليدات آبائه وعليها ، فلما رأي أن الطريق المسيحي وتعاليم المسيحيين لا تتفق مع الناموس بل تناقضه فقد بدا يضطهد الكنيسة اضطهاداً مراً ، ويصف الرسول ذلك في غلاطية 1 : 13 – 23 ، فيلبي 3 : 4 – 6 واستمر في ذلك إلي أن أخذ رسائل من رؤساء الكهنة غلي دمشق لكي يضطهد المسيحيين هناك ( أعمال 9)  وفي الطريق قابله السيد بنفسه وتغير طريق حياته تغييراً تاماً .

وهنا تبدأ الحقبة في حياته :

    وهي حقبة لا نعرف عنها الكثير سوي أن هذا الغيور على تقليدات آبائه أصبح للرب وصار عبداً ليسوع المسيح ، وبعد أن كان يتقدم عن أترابه في اليهودية أصبح كل ما هو وراء ويمتد إلي قدام في معرفة الرب ( فيلبي 3 : 14 ) . أما الحوادث القليلة في هذه الفترة فتتلخص في أنه قضي بعض الوقت رجع إلي دمشق ( غلاطية 1 : 17 ) وكان يعظ في المجمع . ولكن

 اليهود اضطهدوه ( 2 كورنثوس 11 : 32 و 33 أنظر أعمال 9 : 23 – 25 ) فهرب وذهب إلي أورشليم وكان له 3 سنوات بعد معموديته ( غلاطية 1: 18 و 19 ) وقد قدمه بر نابا إلي الإخوة أورشليم بعد أن كانوا خائفين منه ، ومكث 14 يوماً ثم ذهب إلي بلده طرسوس ( غلاطية 1 : 21 ، أعمال 9 : 26 – 30 ) . وبعد بضالثالثة:لب منه برنابا أن يأتي إلي إنطاكية ليخدم في الكنيسة الأممية القوية المتزايدة في النشاط والخدمة فمكث هناك سنه كان ناجحاً فيها ( أعمال 11 : 25 و 26 ) ثم أرسلتهما الكنيسة معاً إلي أورشليم حاملين عطاياها إلي لأخوة في أورشليم بناء على نبوة أغابوس ( أعمال 11 : 27 – 30 ) هذه الحقبة طويلة نسبياً ومعلوماتنا عنها قليلة ، ولكننا نعتقد أنها كانت هامة جداً وضرورية لخلق كبولس ، ولعل تفكيره المسيحي قد تبلور فيها واحتكاكه باليهود فكرة عميقة عن عمله بين الأمم ولليهود معاً .

الحقبة الثالثة:

تبدأ الحقبة الثالثة بدعوة من الروح القدس لكنيسة إنطاكية أن تفرز له شاول وبر نابا للعمل والخدمة ، فأرسلوهما. وهنا بدأت الرحلات التبشيرية الهامة التي اعتبرها لوقا أنها أهم فترة نشطة ومثمرة في حياة الرسول فكرس لها تقريباً باقي سفر الأعمال :

الرحلة الأولية ( أعمال 13 و 14 ):

   وكانت في الفترة ما بين سنتيسنوات. 49 م . واستمرت ما بين سنتين وثلاث سنوات. وكانت الرحلة مكونة من 3 أشخاص بر نابا وشاول ( وسمي فيها بولس ) ، 4:س كخادم لهما . ولكن هذا الخير لم يكمل الرحلة معهما . وتركما ( أعمال 13 : 4 – 13 ) . وسارت الرحلة هكذا من إنطاكية بحراً إلي قبرص موطن بر نابا ( أعمال 4: 36 ). وهناك تعمد الوالي سرجيوس بولس . ثم ذهبوا إلي أسيا الصغرى . وقدما الإنجيل في برجه بمفيلية ثم إنطاكية بيسيدية ثم إيقونية ، لستره ودربي وكلها في الجزء الجنوبي من مقاطعة غلاطية الرومانية . ثم رجعا من نفس الطريق يشددان أنفس التلاميذ حتي وصلا إلي إنطاكية مرة أخري . في هذه الرحلة نلاحظ عدة أمور :

أولا: كان البرنامج في التبشير هو أن يذهبا إلي اليهود أولا ( أعمال 13: 46 ). ومن خلال الدخلاء أو الأمم خائفي الله كانوا يصلون إلي الأمم وكانت طريقة ناجحة جداً وخصوصاً بين إذ تكونت جماعات كبيرة مسيحية .

ثانياً : نظراً لأن المم الإنجيل بهذه الكيفية على ناموس موسى ، وخافت لئلا يطغي بولس على هيبة الناموس وسلطانه وعزمت على أن ترسل مندوبين إلي الكنائس الأممية حتى تري بماذا بشر بولس وتصححه وتطلب من الأمم أن يؤمنوا ويتمموا ناموس موسى وإلا فلا خلاص . وعندما وصل هؤلاء المندوبون إلي إنطاكية ، ورأت الكنيسة الكارثة المحققة التي سوف تنتج من هذا الموقف أرسلوا بولس وبر نابا مع جماعة أخرى إلي الرسل والمشايخ في أورشليم ، وهناك اجتمع أول مجمع رسولي ( أعمال 15 ، غلاطية 2 : 1 – 10) غالياً سنه 49 م . وقرد هذا المجمع ألا يوضع ثقل على الأمم غير أنهم يجب أن يبعدوا عن المخنوق والدم والزنى وما ذبح للأوثان . وفي هذا المجمع اتفق بولس وبر نابا على أن يكوناهما لخدمة الأمم وباقي الرسل لخدمة اليهود ( غلاطية 2 : 9 ) . ووعدا أن لا تنسي كنائس الأمم كنيسة أورشليم في احتياجاتها المادية. هكذا بدأت الكنيسة في وضع اللبنة الأولي في حرية المم والمسيحية ، ومع أن هذا الأمر تطلب نضالا عنيفاً لوقت طويل بعد ذلك حتى بين الرسل أنفسهم ( غلاطية 2 : 11 – 21 ) .

 الرحلة الثانية :

بدأت سنة 49 أو 50 – انفصل بولس عن بر نابا لرفض الأول أن يصحبا معهما يوحنا مرقس مرة أخري فأخذ بولس معه عضواً من كنيسة أورشليم وهو سيلا ( سلوانس )

( أنظر أعمال 15: 36 – 17: 21 ).

سارت الرحلة هكذا : من طريق برى زاروا المدن التي بشرها بولس وبر نابا أولا ، أي الجزء من غلاطية . وفي مدينة لسترة كسب رفيقاً جديداً محبوباً هو تيموثاوس (أعمال

16 : 1 – 3 ) ثم بعد ذلك سافر إلي الشمال ليعظ في فريجية وغلاطية الغربية . . ويؤخذ من غلاطالمدينة. أنه مرض هناك أو أصيب بنوع من ضعف الجسد ولعله مكث هناك ، وبشر جماعات كثيرة : وعندما أراد أن يكمل رحلته إلي الجنوب منعه الروح وأرسله عن طريق رؤيا ظهر فبها رجل مكدوني يطلب إليه أن يعبر ويعينهم . ويصف (ص 16 ) اختباره في فيلبي حيث عرف السجن والجلد والضيقات ولكنه أسس جماعة قوية في هذه المدينة . ومن هناالثالثة:ي إخائية ثم أثينا حيث عرض إنجيله علي الفلاسفة الرواقيين ولكنهم لم يقبلوه وعندئذ ذهب إلي كورنثوس شمالا وهناك قابل أسرة مسيحية مكرسة ” أكيلا وبريسكلا . وفي كورنثوس كتب رسالتي تسالونيكي . ولما رفض الحاكم طرده بناء علي شكوى يهودية . مكث حوالي سنة ونصف هناك (51 –53 م) ثم ذهب إلي قيصرية ومنها إلي أورشليم ثم أنطاكية .

الرحلة الثالثة:

بدأت حوالي 54 م وبدأها بغلاطية الشمالية ثم فريجية (أعمال 18 : 23 ) ثم ذهب من هناك إلي أفسس حيث مكث فبها 3 سنوات ( أعمال 19 : 8 و 10 ، 22 :31 ) ونجح نجاحاً كبيراً رغم كل الصعوبات التي واجهها ، ويظن بعض الدارسين أن الرسول قد قضي بعضاً منها في السجن مستندين في ذلك علي الشواهد التالية :

في 2 كورنثوس 11 :3 يتكلم عن سجون كثيرة وضع فيها مع أنه لم يكن قد سجن غير مرة واحدة في فيلبي عند كتابة الرسالة بحسب ما جاء في أعمال الرسل . 

في 1 كورنثوس 15 :32يذكر أنه حارب وحوشاً في أفسس ويقول أصحاب هذه النظرية إن الرسول ألقي به فعلا أمام الأسود ولكنه أنقذ منها بمعجزة .

في 2 كورنتوس 1 : 8 يذكر أنه جاز في ضيقة عظيمة في أسيا حتي أنه يئس من الحياة .

في رومية 16 : 3 و 4 يذكر عن وبريسكلا أنهما رضعا عنقيها من أجل حياته ولا بد أن هذا قد حدث في أفسس حيث كانا ساكنين بعد تركهما لمدينة كورنثوس .

  وذلك إلي جانب شواهد أخرى خارجية كشهادة أكليمنصدس الروماني ثم في كتب أبوكريفا العهد الجديد ” أعمال تيطس ” وغير ذلك من الشواهد :

   ولا ينكر دارس أن الرسول قابل متاعب كثيرة في أفسس وأنه رأى

 ضيقات متنوعة ، ولكنالضيقات.أية شهادة جادة تدل على أنه سجن أفسس ولعل لوقا الطبيب ما كان يغفل هذه الحادثة لو أنها حدثت بالفعل . وربما كتب ما كتب من تعبيرات قوية عن محاربة وحوش وغيرها لكي يعبر عن مقدار هذه الضيقات. ويظن أصحاب هذه النظرية أنه كتب بالفعل في سجن أفسس بعض رسائل السجن مثل رسالة فيلبي ، ولكن لا يوجد أي دليل على ذلك .

ترك الرسول أفسس وذهب مكدونية عن طريق ترواس ، ثم إلي اليونان ثم سار إلي فيلبي ، وذهب إلي ميليتس وقابل قسوس الكنيسة هناك ، واستمر في طريقة إلي أورشليم رغم التحذيرات الكثيرة التي واجهته .

   في هذه الرحلة كتب الرسول أربع رسائل : رسالة غلاطية في بدء خدمته أفسس وبعد سماعه عما كان يجري هناك .

 وبعد مدة كتب رسالة كورنثوس الأولي ( كورنثوس 16 : 7 و 8 ) . ويظن بعض الدارسين أنه قام بزيارة قصيرة إلي كورنثوس ثم كتب لهم رسالة مؤلمة ولكنها ليست موجودة بين كتب العهد الجديد الآن . 

   وبعد أن ترك أفسس وذهب إلي مكدونية كتب رسالة كورنثوس الثانية بعد أن جاءه تيطس ببعض الأخبار من هناك .

 وأخيراً وفي نهاية الرحلة تقريباً ربما في أواخر شتاء سنه 58 م كتب رسالة رومية غالياً وهو كورنثوس .

من أورشليم إلي رومية :

ذهب الرسول إلي أورشليم وهناك حدث كما كانوا يحذرونه منه إذ رآه بعض يهود أسيا في الهيكل يقول ببعض مطاليب الناموس إرضاء لجماعة

 متزمتة في كنيسة أورشليم ، حتى هيجوا عليه الشعب ، وكاد اليهود يقتلونه لولا أن أنقذه قائد حرس الهيكل ثم أرسله إلي قيصرية ، هناك بقي في الحبس لمدة سنتين ( 58 – 60 ) وبعد جلسات المحكمة رفع بولس أمره لقيصر كأي مواطن روماني ، فأرسله الوالي ، فذهب إلي رومية بعد رحلة قاسية  صعبة ، هناك بقي في السجن سنتين كاملتين .

   وبحسب الرأي السائد بين الدارسين أن الرسول كتب 4 رسائل في روما تسمي رسائل وهي أفسس وكولوسى وفليمون وفيلبي  .

تنتهي قصة الرسول بحسب سفر الأعمال عنمجموعات:د ، ولكن هناك اتجاه قوي بين العلماء أن هذا السجن لم يكن نهاية حياة الرسول ولا نهاية خدمته ، ويبنون رأيهم النهاية العجيبة لسفر العمال ، إذ لا تكشف عن أي شيء سوي أن الرسول مكث مدة سنتين في السجن يبشر الذين يأتون إليه ، ثم أن هناك رسائل منسوبة إليه هي ما تسمي بالرسائل الرعوية : تيموثاوس الأولي والثانية وتيطس لا تجدلها مكاناً في أية فترة في حياته قبل سجن رومية . وأخيراً التقليد القوي الذي يقول إن الرسول خرج من السجن ثم ذهب إلي أسبانيا ، وبشر هناك ورجع إلي رومية ، وأخيراً قبض عليه في عهد نيرون ثم قتل في أواخر ذلك العهد ، بعد أن انفجر الاضطهاد العنيف ضد المسيحيين الذي أمر به هذا الإمبراطور .

من هنا يتضح أن رسائل تتقسم إلي ثلاث مجموعات:

     1- المجموعات الأولي وهي رسالة.ة التي كتبت أثناء الرحلات وهي – تسالونيكي الأولي والثانية ( الرحلة الثانية ) . غلاطية 1 و 2 كورنثوس ، رومية ( المرحلة الثالثة ) .

     2- المجموعة الثانية رسائل السجن وتتكون من أفسس 2 كولوسى وفليمون وفيلبي .

     3- المجموعة الثالثة المسماة بالرسائل الرعوية وهي 1 و 2 تيموثاوس وتيطس .

ومجموع لكل ثلاث عشرة رسالة. أما مسألة الاختلاف بين الدارسين على عدد الرسائل التي كتبها الرسول بنفسه وعدد الرسائل التي نسبت إليه ، وكذلك بالنسبة لبعض الرسائل التي فقدت فكلها سيجئ ذكرها ودراستها في دراسة الرسائل واحدة واحدة .

رسائل الرحلة الثانية

 ولآن نتكلم عن رسالتي تسالونيكى أولي التي كتبها الرسول في الرحلة الثانية .

الرسالتان إلي كنيسة تسالونيكي :

كما سبقت الإشارة فغن تسالونيكي تعتبر أن من الرسائل الأولي التي كتبها الرسول بولس ؛ ولعل الرسالة الأولي هي أول رسالة زمنية كتبها إلي كنيسة أو إلي أفراد كما نفهم ذلك من العهد الجديد وخاصة أعمال الرسل .

 مدينة تسالونيكي :

 كانت تسالونيكي في تقع في عمق خليج ترمايك Thermaic يحيط بها واد سهل غني ، لهذا كانت المدينة كبيرة ومزدحمة بالسكان وتعتبر الميناء الأول في كل مكدونية . وكان يخترقها الطريق العسكري الشهر من شرقها إعسكرية.ا : بنيت المدينة سنه 315 ق . م بناها صهر الإسكندر الأكبر وسماها باسم زوجته سالو نيكا أخت الإسكندر غير الشقيقة في سنه 168 ق . م  مكدونية رومانية . وقد قسمتها الحكومة إلي أربع مقاطعات ، صارت تسالو نيكي عاصمة واحدة منها ، ولكن في سنه 48 ق . م صارت العاصمة لكل مكدونية ووضعت بها حامية عسكرية كبيرة وفي سنه 42 ق . م عندما

حدثت المعركة الكبرى بين أكتافيوس وأنطوني من جانب وبروتس من جانب آخر – والتي تسمي معركة فيلبي انحازت تسالو نيكي إلي أكتافيوس ولذلك كافأها عندما تولي السلطة فجعلها مدينة حرة . وهذا السبب الذي جعلها تختار قضاتها منها ، وبرلمانها كان يقول بأعمالها العامة ( أعمال 17 : 5 و 8 ) ولكنها كانت شديدة الإخلاص لروما العصمة وللإمبراطور . وفي سنه 44م صارت تسالو نيكي قاعدة للأسطول الروماني . وهذا ساعدها على أن تكون عاصمة تجارية سياسية عسكرية . كان سكانها خليطاً من جنسيات كثيرة وكانت بها جماعات دينية كثيرة من جالية يهودية كبيرة وبها مجمع كبير. وإلي جانب ذلك كانت مركزاً لعبادتين من عبادات الديانات السرية : عبادة ويانسيوس الإله الأسطوري الذي يقولون عنه إنه مات وقام ، وأورفيوس وهي عبادة عن نسخة من الأولي ، وكان الاثنان إلهي الخصب ، ولهذا فقد شاب عبادتهما النجاسات الأممية الكثيرة .

كيف دخلت إليها المسيحية :

بعد أن خرج الرسول من فيلبي ( أعمال 16 : 40 ) ذهب هو وسيلا ومعهما تيموثاوس غرباليهودية،ريق الحربي الكبير الذي يمتد بطول 530 ميلا من الشرق على طول ساحل بحر الأدرياتيك مخترقاً مكدونية إلي ناحية الغرب . ودخلوا أمفيبيوليس ثم أبو لونية ثم وصلوا إلي تسالو نيكي حوالي 49 م . وحالماً وصلوا دخل بولس إلي المجمع ، وكان يحاج اليهود هناك ثلاثة أسابيع كاملة هن لهم من الكتب أمرين في غالية الأهمية : أولا أن المسيح يجب أن يتألم وهذا ضد الرأي اليهودي العام ، وثانياً أن يسوع هو نفسه المسيح المتألم الذي تكلمت عنه الكتب المقدسة ( أعمال 17 : 3 ) . فاقتنع منهم جماعة قليلة ولكن في مقابل ذلك آمن كثير من اليونانيين القريبين من اليهودية، ونساء

 شريفات أرستقراطيات ( أعمال 17 : 4 ) . وهنا لم يستطع اليهود الصبر إذ الهبتهم نار الغيرة ، فأرادوا أن يجروا الرسول ورفقامعه.ي الحكام ، ولما لم يجدوهم أخذوا بدلا منهم رجلا كان يسكن الرسول عنده اسمه ياسون ورفعوا عليهم قضية ، فأخذ الحكام كفالة مالية منه ومن باقي المسيحيين وأطلقوهم . ويؤخذ من 1 تسالو نيكي 1 : 8 – 10 أن التبشير الحقيقي قد حدث في الشوارع والأزقة والسوق حيث ربح المبشرون كثيرين وبنيت كنيسة ضخمة في تسالو نيكي . وبينما هم يعملون كان الرسول يشغل بكل همة في النهار لكي يكسب قوته مع الذي يعلمون معه. ولعل ذلك كان بسبب مجاعة اجتاحت العالم اليوناني فالأمم.لوقت ، ولأنه لم يرد أن يكون مثل أولئك المعلمين الذين كانوا يبيعون الكلام والفلسفة ولا يهتمون غلا باستغلال سامعيهم ( أعمال 13 : 6 – 12 ، 19 : 13 – 20 ) ومع أنه كان يمكنهم أن يأكلوا من الإنجيل كما فعل رسل المسيح ، إلا أن الرسول ورفقاءه رغبوا في أن يستقلوا عن الكنيسة ولا يستغلونها . ( 1 تسالو نيكي 2 : 6 و 7 و 9 ، 4 : 10 ، 2 تسالو نيكي 3 : 7 – 9) . ويؤخذ من فيلبي 4 : 16 أن الكنيسة هناك أرسلت له معونة مرة ومرتين . يلاحظ هنا وجود الفرق في التبشير بين اليهود وبين الأمم. فقد رأينا أن الرسول كان يكرز بالآم المسيح وقيامتتنفع:ود ، وأن يسوع الناصري هو نفسه المسيح . ولكنه كان للأمم أن يرجعوا من عبادة الأصنام التي تنفع : إلي عبادة الله الحي . وفي هذا الأمر اشترك المسيحيون واليهود معاً تبشيرهم . . ولكن المسيحيين زادوا بأن بشروا بيسوع المسيح المخلص الذي أرسله الله للبشر حتى يخلصوا من هذا الجيل الشرير ، ويهربوا غضب الله المعلن من السماء على جميع فجور الناس ( 1 تسالونيكي 1 : 9 و 10 ) وهكذا تكونت كنيسة تسالونيكي الكبرى  .

لماذا كتبت الرسالة :

بعد أن خرج الرسول من تسالونيكي سار إلي بيريه وبشر هناك وكانت بها جالية كبيرة ولكنها كانت أشرف من سكان تسالونيكي من اليهود الذين جاءوا وهيجوا الشعب ضد الرسول فذهب إلي أثينا . ويلوح أنه كان يحاول بكل جهده أن يرجع إلي تسالونيكي عوائق شديدة كانت تقف في جهة ( 1  تسالونيكي 2 : 17 ) . ولذلك أرسل إليهم تيموثاوس الذي ذهب لكي يعظهم ويثبتهم في ضيقاتهم التي سببها لهم اليهود ( 3 : 1 – 5 ) ثم رجع وتقابل مع الرسول في كورنثوس وقدم له تقريراً عن الكنيسة وعلى أساس هذا التقرير كتب الرسول هذه الرسالة فهل يمكن أن نعرف بعضاً من عناصر هذا التقرير الذي بنيت عليه الرسالة ؟ يلوح أنه يتكون من 3 عناصر رئيسية :

      1-تقرير عن حالة الكنيسة وما أصابها من اضطهادات كبه، أهلهم ، كما حدث للكنيسة اليهودية في اضطهاد اليهود ، ومع ذلك فهي كنيسة صامدة وصابرة ( 1 تسالونيكي 2 : 14 ) .

     2-تقرير عن اتهام يوجه للرسول ولإنجيله الذي يبشر به، فقد قال بعضهم إن إنجيله مبني على أخطاء لأنه إنجيل بشري. وليس إلهياً . ولا يمتاز بولس عن جماعة المشعوذين الذين يسيرون شرقاً وغرباً يوزعون كلاماً كث5:ً دون عمل ، ولا يعمهم إلا مصالح أنفسهم . والليل على ذلك أنه هرب ليلا من المدينة ولن يرجع إليها مرة أخري ( 2 : 1 – 13 ) .

     3-أما العنصر الثالث في هذا التقرير الضخم يختص بأفراد مخصوصين م الناس يصفهم في 5: 14 أنهم ” بلا ترتيب. . صغار النفوس وضعفاء “، كان عيب بعضهم أنهم ما زالوا يسلكون في نفس الطريق التي

 كانوا يسلكون فيها من قبل عندما كانوا بعيدين عن المسيح ، في النجاسة والزنا أي الخطايا التي كانت متفشية في تسالونيكي ( 4 : 1 – 8 ) أما البعض الآخر فقد لفهم الزن على جماعة ماتوا بعد تركهم الرسول، وقد كانوا يظنون أن المسيح سوف يأتي سريعاً وسوف يأخذون معه . ولكنهم ماتوا قبل أن يأتي ، ولهذا فلا نصيب لهم في مجد المسيح ، فكانت عقيدة مجيء المسيح الثاني سبباً في حزن هؤلاء (  1 تسالونيكي 4 : 13 – 18 ) .

هذه هي العناصر الرئيسية في تقرير تيموثاوس وهذا دفع الرسول أن يكتب لهم الرسالة  فماذا قال لهم الرسول ؟

مضمون الرسالة :

     1-كان الإحساس بالشكر العميق لله لأجلهم وللأخبار التي حملها له تيموثاوسالعظيمة:اً يملأ الإصحاحات الثلاثة الأولي من الرسالة . هذا الفرح جعله ينظر إلي الوراء أي خدمته بينهم وتأثير الكلمة فيهم وظهورها بقوة في حياتهم فيذكرها الأمور التالية .

     ( أ ) إنه يذكر بلا انقطاع حياتهم بعد الإيمان الذي تميزت بالفضائل المسيحية العظيمة: الإيمان والرجاء والمحبة ( 1: 3). ولكن هذه الفضائل لم تكن كلمات لاهوتيةالمريرة.واقف عملية، فالإيمان له عمل والمحبة لها جهاد. والرجاء مثمر في الصبر رغم كل الضيقات المريرة. هذه الحياة المسيحية هي الدليل على أن الإنجيل الذي قدمه لهم يكن كلاماً ككلام الفلسفة ، ولكنه كان يت1: بقوة الروح القدس ( 1 : 5) ، ولقد تجسم هذا الإنجيل فيهم ، حتى أن كلمة الله قد انتشرت لأن إيمانهم ذاع بين الناس وأخبر به كثيرون ( 1: 9 ) حتى أن الرسول نفسه لم يكن له حاجة أن يعظ ، لأن أخبار

 إيمانهم وحياتهم قد سبقته؛ وعمل الروح القدس بواسطتها. فآمن الكثيرون وقبلوا الإنجيل ورجعوا إلي الإله الحي الحقيقي تاركين الأوثان وانتظروا وابنه السماء ( 1: 9 – 10 ).

      (ب) ثم يذكر الرسول موقفه منهم وعمله بينهم، إنه لم يكن معهما كما أشيع عنه، مثل المعلمين الكذبة الذين كان كل همهم كان منصب على أنفسهم فلا يهتمون بالرعية ( 2: 3 ). لكنه قبل رسالة الإنجيل من الله فهو أمتن لها لأنه أمين الله. وحاول ألا يثقل عليهم بشيء ، ولم يطلب منهم مالا ، وكان يمكنه بل ومن حقه أن يفعل ذلك ( 2 : 6 ) ليس ذلك فقط ولكنه عمل معهم في حنان الأم المرضعة وفي تشجيع وإرشاد لأولاده وهم أيضاً قد استجابوا له وللرسالة فق2:ا كلام الإنجيل ككلمة الله وليس من إنسان ( 2 : 13 ) .

     (جـ) ويذكر ما أصابهم من عير المؤمنين من حولهم وخاصة اليهود ولم يكن جرم اليهود قاصراً عليهم فقط فهم سبقوا فاضطهدوا المسيح نفسه وكنيسة في اليهودية وصاروا معاندين لله مرفوضين قد أدركهم الغضب إلي النهاية ( 2: 14 – 16 ).

ويعتذر الرسول عن عدم مجيئه إليهم: لقد كانوا على قلبه منذ أن تركهم وحاولوا مرتين أن يذهب إليهم ولكن أسباباً قاسية سببها الشيطان منعه من ذلك. وكان هذا فوق ما يحتمله هو ( 2 : 18 – 3 : 1 ) فلم يجد طريقة غير أن يرسل إليهم تيموثاوس مع أنه كان في مسيس الحالة إليه ، ولكنه يقول ” استحسنا أن نترك في أثينا وحدنا ” . فوجود تيموثاوس معه كان ضرورياً ليس للرسول فقط ولكن للعمل أيضاً في أثينا كورنثوس ، ولكن محبة الرسول تسالونيكي وقلقه عليهم جعله يرسله إليهم ( 3 : 2 ) . وهذا

 يبطل قول الذين ادعوا ضده أنه هرب من تسالونيكي ولن يعود إليهم ، لأنه ككل المعلمين الذين ينتشرون وفي هذا البلاد لكي يستغلوا السامعين بكل طريقة ممكنة ثم يتركونهم هكذا وينسونهم ، لأن كل همهم هو نفسهم . إن الرسول ليس من هذا النوع ، لقد كان قلبه ملتهباً عليهم وعلى إيمانتقويهم.سل تيموثاوس للمهمة العظيمة الحبيبة لقلبه هو : حتى يثبتهم ويعظهم ، وليعرف هل أمكن للمجرب أن يزحزح إيمانهم ، وبذلك يكون تعب الرسول ومن معه في تبشيرهم قد ذهب هباء ( 3 : 5) .

ولكن تيموثاوس يأتي حاملا معه البشري العظيمة : إيمانهم ومحبتهم ما زالا قويين ( 30 : 6 ) ، وأن كل ادعاءات وافتراءات الأعداء عليه لم تزحزح محبتهم له ، بل إنهم يحيونه ويذكرونه دائماً ذكراً حسناً ، بل وجدهم تيموثاوس مشتاقين أن يروه . ولهذا فقد فرح فرحاً عظيماً وتعزي رغم كل ضيق وألم ( 3 : 7 – 9) وأنه يطلب من الله أن يزيدهم في المحبة بعضهم لبعض وللجميع ( 3 : 12 ) وأن يستمروا في طهارة وقداسة القلب في كل حين أمام الله إلي أن يأتي المخلص من السماء مع جميع قديسيه ( 3 : 13 ) .                  

     2- وهنا يأتي الجزء الثاني من الرسالة ( ص 4 و 5 ) حيث يعالج الرسول بعض نقصات الإيمان التي تظهر في بعضهم . إن غالبية أعضاء الكنيسة بخير ولكن هناك مجموعة من الأعضاء لا بد من تقويهم.

     ( أ ) هؤلاء الذين لا زالوا يمارسون العادات الأممية التي كانوا غ4:ين فيها من قبل ، وخاصة نجاسة الزنى ؛ يجب أن يعرفوا أن إرضاء الله يتطلب القداسة الخلقية ، لأن هذه هي إرادة الله قداستكم ” ( 4 : 1 – 8 ) . إنه أوصاهم بهذا وعرفهم أن القداسة هي هدف دعوة الله لهم ( 4: 7 ) وهي إرادته في حياتهم، وهي السلوك المسيحي الحقيقي.

     (ب)- أولئك الذين يعيشون عالة الآخرين يجب أن يهتموا بأن يالمسيح.سلكوا بلياقة حتي يراهم الذين هم من الخارج في منظر يليق بمسيحيتهم ، وألا يكون لهم حاجة إلي أحد في وقت يستطيعون فيه أن يعملوا كل ما يقدرون عليه حتي يعيشوا معتمدين على أنفسهم وعلهم ( 4 : 11 – 13 ) .

     (جـ) أولئك الخائفون على موتاهم يجب أن يطمئنوا . إن الرجاء الذي لنا في المسيح مبني على أنه قهر الموت، ولذلك فكل الذين هم له قد غلبوا الموت فعلا فيه، وسوف تعلن تلك الغلبة عند مجيء الرب. فكما قام هو من بين الأموات هكذا سيقوم كل من مات في المسيح. فعندما يأتي الرب ويقابل الأحياء فإنه لا يأخذهم إلا بعد أنه يقم الذين ماتوا فيه. إنهم يقومون أولا أي قبل الاختطاف وهكذا سيكون لكل المؤمنين  سواء الذين رقدوا قبل مجيء الرب أو الذين أو الذين يبقون أحياء مجيئه ، معه في كل حين ، فلا يستطيع الموت أن يحرم المؤمن من بقائه بحسده الممجد مع سيده ولنلاحظ هنا أن كلمة أولا تقابل قيامه الأبرار بقيامة الأشرار لأن لا ذكر للأشرار هنا ، والرسول لا يتكلم عن المجيء الثاني عامة بل إنها تقارن قيامه الأبرار باختطاف المؤمنين، إن القيامة تحدث قبله ( 4 : 13 – 18 ) .

     (د) أما الذين يجلسون ويحسبون الأزمنة والأوقات إن الرب آب اليوم أو غداً فليعلموا أنه لا داعي لذلك لأن يوم الرب كلص وسوف يأتي فجأة وفي مجيئه سيفاجئ المطمئنين الذين يبنون سلامهم على الباطل فلا ينجون منه ومن عقابه لهم . لكنكم أنتم المؤمنين يجب أن تسهروا وتصحوا. لأن الوقت ليس في يد الإنسان بل يجب تحكم الله . فلا يجب أن تنزعج من أي شيء سواء كان مجيء الرب بعيداً أم قريبأكثر،لنكن مستعدين وليأتي الوقت الذين يشاء ويسر أن تأتي فيه ، وبذلك نكون أبناء وليس أبناء ليل ( 5 : 1 – 11 )

وأخيراً يعطي الرسول بعض الوصايا الهامة للمؤمنين وخصوصاً باللذين يدبرونهم. فإن كان الرسول ومن معه قد تعبوا ليل نهار لكي لا عليهم ضيقاً أكثر، فهذا الأمر يجب إلا يكون القاعدة العامة. إنهم الآن لله ويجب أن ” يعرفوا الذين يتعبون بينهم ويدبرونهم في الرب وينذرونهم تعتبروهم كثيراً جداً في المحبة من أجل عملهم ” ( 5: 12 – 13).

الرسالة الثانية :

      هذه الرسالة كتبت بعد الرسالة الأولي ولم يكن قد مضي عليها أكثر شهرين أعني سنه 50 م ويلوح أن الرسول وسلوانس ( سيلا ) وتيموثاوس كانوا في كورنثوس (2 تسالونيكي 1 : 1) ومن يقرأ هذه الرسالة يجد الظروف التي كانت تسود تسالونيكي عن كتابة الرسالة الأولي تتغير كثير فهو مازال يفتخر بهم لأجل صبرهم وإيمانهم رغم استمرار الاضطهادات الكثيرة التي كانت تقع عليهم من العالم ( 1 : 4 ) . وإنه يثق فيهم وأنهم يعملون كلا ما يوصيهم به. نفس ما قاله لهم في الرسالة الأولي ( 2 تسالونيكي 2 : 17 ، 3 : 3 – 5 ) .

لماذا كتبت هذه الرسالة :

      يذكر الرسول أنه سمع أن هالكسالى،ك بلا ترتيب ( 30 : 11 ) ويلوح أن جماعة من الكنيسة ذهبوا إليه في كورنثوس وأعطوه تقريراً عن أشياء جديدة حدثت في لكنيسة سببت أزمة وبعض الاهتزازات فيها فق فهموا كلام الرسول خطأ وأشاعوا أن يوم الرب حضر وأنه قد جاء (2 : 2 ) . وهذه الإشاعة دفعت أولئك الكسالى، الذين كانوا يرفضون العمل ويظنون إن الرب قد جاء، وسوف يظهر في الحال، إي التمادي فأصبحوا أكثر كسلا واستمرار عالة على الناس ( 3: 11 و 12 ) وليس ذلك فقط فقد زادت من ضعف الضعفاء في الإيمان.

 فعندما سمع الرسول هذا التقرير كتب هذه الرسالة الثانية ليحاول علاج هذا الموقف الجديد.

مضمون الرسالة :

 قبل أن يذكر مضمون هذه الرسالة يجب أن نذكر أمرين في غاية الأهمية لفهم الرسالة. الأمر الأول هو أن لم يكتب هذه الرسالة ، بكل ما فيها من عناصر لاهوتية ، كرجل لاهوتي يريد أن يكتب عقائد ، ولكنه كتبها في روح الراعي ويشفق عليها ، ولهذا هذه الأمور اللاهوتية لذاتها لكان أكثر تفضيلا ، ولذكر أموراً يذكرها كما سيظهر لنا في مضمون الرسالة :

   أما الأمر الثاني فهو الأهمية القصوى الت2:عطيها الرسول للتعاليم التي أعطاها لهم ؛ سواء في وعه بينهم . . أو في رسالته . إنه يذكرهم بكل ما قاله لهم وهو عندهم ( 2: 15 ) ثم يأمرهم بالثبات والتمسك بالتعاليم التي تعلموها منه سواء بالكلام أم بالرسالة ( 2: 15 ) أما الأخ الذي لا يطيع هذا التعليم الذي أخذه من الرسول فيجب عليهم أن يتجنبوه ( 3: 6 ). ثم يذكرهم بكل ما أوصاهم به وماالشخص.عنه وغير ذلك، مما يدل على أنه ينبر كثيراً على علمها لهم. حتي أن هذه الرسالة التي يرسلها لهم يجب أن تعتبر من ضمن التعاليم التي يجب أن يطيعوها ، ومن يعصها فليحسب أخا ناشزاً ( 3 : 14 ) . . هذه التعاليم المهمة التي قالها وأرسلها في الرسالة تدل على

 الإحساس بالسلطان الذي لدي الرسول بولس ، هذا الإحساس جعله في رسائل لاحقة يسمي ما يكرز ويبشر به أنه ” إنجيلي ( 2 : 14 أنظر رومية 16 25 ) وأن له دراية واسعة بسر المسيح الذي أعطاه إياه بإعلان ( أفسس 3 : 1 – 4 ) فهو إذاً راع ولكنه راع له السلطان وأن كل ما يقوله هو من صميم الإنجيل الذي أعلنه له السيد نفسه ، فيجب أن يطاع . أن يطاع . لأنه هو اختبار لأمانة ومسيحية الشخص.

وإذ نرجع إلي مضمون هذه الرسالة نجده يقول :

     1- انه لا يزال يشكر الله من أجلهم لأن إيمانهم رغم كل الضيقات بل في فيه.ضيقات ينمو ويزداد، ومحبة كل واحد لأخيه تزداد أيضاً ( 1: 3 و 4 ). وهذه الضيقات تؤهلهم لملكوت ربنا يسوع المسيح ، لأنهم يتألمون لأجله ولأجل حياتهم فيه . أما الذين يضايقونهم فالرب سوف يجازيهم يتألمون لأجله ولأجل حياتهم فيه . أما الذين يضايقونهم فالرب سوف يجازيهم ضيقاً ، أما هم فسيعطيهم الرب نعمه وراحة وذلك عند مجيئه ( 1 : 5 – 7 ) .

     2- وهنا ينتقل الرسول أيضاً ليؤكد لهم ما يزيد من تعزيتهم أن الرب سوف يجئ ومجيئه لا شك فيه : إنه سوف يجئ للدينونة لأنه سيجيء في ملائكة قوته ليعاقب الذين لا يطيعون الإنجيل بهلاك أبدي ( 1 : 8 و9 ) ولكنه في نفس الوقت يتمجد في قديسيه إذ يرفعهم ويمجدهم ويعزيهم ولسوف ينظر الذين يضطهدون المؤمنين إليهم وهو يمجدهم فيتعجبون لذلك بل ويجزون ( 10 و 11 ) .    

     3-ولكن رغم التأكد من مجيء الرب يلوح أن بعضهم لم يستطع أن يفهم ما قاله الرسول لهم بهذا الخصوص. لقد بشرهم بمجيء الرب كحقيقة هامة ينتظرها كل مسيحي محب للرب، ف‘ن ما بدأه السيد لا بد وأن يكلمه، لقد بدأ عمل الخلاص وسوف يكلمه بمجيئه الثاني. هذه حقيقة ثابتة، ولكن الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء الأعضاء هو أنهم لم يأخذوا قول الرسول كله.

     لقد قال لهم أن هناك حوادث سوف تسبق مجيء الرب. إن ارتداداً عظيماً ومرعباً سوف يأتي أولا ، الشيطان لن يسكت ، ذلك الذي(2:ب مجيء السيد الأول بكل ما أوتي خداع ومن فكر لا بد وأن يحارب مجيئه الثاني ، بإيجاد البلبلة في عقل المؤمنين من جهة المجيء كما يحدث الآن في تسالونيكي ، ثم بواسطة الارتداد الفظيع الذي يأتي قبل إن هذا الارتداد يتلخص في ظهور شخصية يسميها الرسول ” إنسان الخطيئة . ابن الهلاك المقاوم والمرتفع على كل ما يدي إلها أو معبوداًعنه. إله ” (2: 3 و 4 ) من هو هذا الإنسان ؟ ماذا يعمل ؟ هل هو بشري أم هو قوة أخرى ؟ إن الرسول لا يكشف في رسالته ذلك لأنه قد قال لهم شيئاً ما عنه. قال لهم . ” أما تذكرون أني وأنا عندكم كنت أقول لكم هذا ” ( 2: 5 ) ؟ لكننا لا نعرف ماذا قال لهم . هم كشف لهم عن هذه الشخصية ؟ هل عرفوا أبعادها ؟ اغلب الظن أنه لم يفصح كثيراً عنها ولهذا فلم يستطيعوا أن السيد. في اعتبارهم عندما كانوا يفكرون في مجيء السيد. 

هناك شيء آخر يذكره الرسول لهم وهو ما يحجر ظهور إنسان الأمم واستعلانه وهو يتلكم عن ذلك بكيفية تكشف عن معرفتهم له ” والآن تعلمون ما يحجز . . ” ( 2: 6 ) من هو الذي يحجز  هل الروح القدس ؟ هل قوة أخرى ؟ لا نعرف . إن أفكاراً كثيرة ذكرت ولكنها اجتهادات لا تستند على برهان قاطع أو رأي حاسم ، لأن الرسول لا يكشف عن الحقيقة في الرسالة كما كان يكشفها لهم في كلامه معهم . فهم كانوا يعرفون ما يقول، وكان هذا شيئاً مفترضاً لدي ولديهم. ولكننا نحن لا نعرف ولهذا فلسنا مطالبين أن نجتهد اجتهادات قد تكون أبعد عن فكر الرسول ، وحتى إذا اجتهدنا فيجب أن نعرف الحدود التي نقف عندما وألا نفتكر أننا قد وصلنا إلي فك الألغاز التي تحيط بهذا.

 ما يريدنا الرسول الآن أنم نعرفه هو أن الرب سيأتي، هذا أمر مؤكد وجزء من إيماننا الأقدس، وأن موجة من الارتداد سوف تحدث. لكن ما نوعها وكيف تكون فلا نستطيع أن نعرف. ولنذكر أن موجات كثيرة من الارتداد قد حدثت في تاريخ المسيحية، وفي كل مرة كان كثيرون يعالآن.أنها الموجة التي تسبق مجيء الرب، ولكن لم يحدث لم يحدث ذلك. وهذا يعطينا درساً واضحاً وهو أن هناك أشياء كثيرة يعرفها الرب نفسه ولم يكشفها لنا إلي الآن.

 إنها رسالة تتكلم لنا كما كانت تتكلم الجماعة تسالو نيكي                                           

رسائل الرحلة الثالثة
 ” رسالة رومية ”

رسالة رومية تعتبر من أهم ما كتب الرسول بولس واضعاً فيها كل خيرته واختباره طيلة سنوات طويلة . ومع أنها تأتي كأول رسالة في ترتيبها في العهد الجديد ، إلا أنها في الحقيقة تعتبر من ضمن الرسائل التي كتبت متأخراً ، ومع أنها أيضاً مملوءة بالنظريات اللاهوتية العميقة إلا أنها رسالة مرسل يكتبها صاحبها وهو  يجرح في الحقول المترامية الأطراف ، ويضع فيها ما يهم الكنيسة والأفراد ، والرسالة قبل أن تكون رسالة لاهوت نظامي هي رسالة لاهوت عمل ، يخاطب فيها الرسول كل المؤمنين من خلال كلامه إلي كنيسة رومية . إن متحوياتها ليس نظريات ولكنه إيمان حي لرجل قد خبر الله وإن كان قد استخدم بعض المنطق لكنه وراء المناقشة نحس الاقتناع الحي من شخصية قد خيرت المسيح وخلاصه ، فآمن أنه يستطيع أن يخلص العالم كله .

متى كتبها الرسول :

عرفنا فيما سبق أن الرسول كتبها في أواخر رحلته الثالثة . فبعد أن انتهي من عمله في أفسس سافر إلي مكدونية ليأخذ منهم العطاء الذي جمعوه لاجل أورشليم (أعمال 20 : 2 مع 2 كورنثوس 8 : 2.1 ) ومن مكدونية إلي هلاس ومن هناك إلي كورنثوس لكي يأخذوا منهم ما جمعوه لأجل القديسين

 (2 كورنثوس 9 :4 ) . ويلوح أنه كتب رسالة رومية في تلك الفترة التي مكثها في كورنثوس ، وقد كانت معه كل العطية (رومية 15 :26 ) ومما يؤيد هذا الرأي أيضاً توصيته بفيبى خادمة كنيسة ” كنخر يا ” وهي مدينة ميناء كورنثوس (رومية 16 : 2.1 ) . وأنه كتب هذه الرسالة من بيت غايس ،ربما الذي عمده الرسول (رومية 16 : 1 و 2 ) وأنه كتب هذه الرسالة من بيت غايس ، ربما الذي عمده الرسول ( رومية 16 : 21 و 22 ، 1 ) كورنثوس 1:14 ) وكان ذلك حوال شتاء 56/57 م .

لماذا كتب الرسول رسالة رومية :

يذكر الرسول نفسه سبباً هاماً جداًلنفسه. رسالته هذه. ( ففي ص 15 : 14 –32 ) يذكر أنه قام بتبشير الجزء الشرقي من العالم الروماني المعروف في ذلك الوقت ، حتى أنه بشر من أورشليم إلي الليريكون ( وهي منطقة علي الساحل الشرقي من بحر الأدرياتيك ) ، ولم يبق له مكان بعد في هذه المناطق ليبشر فبها ، ولكنه لا يريد أن يكتفي بذلك . بل سيذهب إلي الغرب ، إلي أسبانيا . وسيمر بهم ويمكث معهم .

إن الرسول يعذر أنه لم يستطيع أن يأتي إليهم (عدد 22 أنظر 1 : 13 ) ولعل انشغاله الكثير في العمل أعاقه عن الذهاب إليهم ، ولعل عدم رغبته في أن يبني في مكان أسسه آخرون كان عاملا مساعداً في ذهابه إليهم (عدد 20 ) ولكنه مع ذلك يريد أن يتخذ رومه قاعدة ومن هناك يتجه ناحية الغرب ، مثلما اتخذ من إنطاكية ، التي لم ينشر المسيحية فيها أيضاً قاعدة له للتبشير مدة السنوات العشر الماضية في رحلاته . ولذلك فهو يكتب لهم ممهداً الطريق لنفسه.

ولكن بعض العلماء يرون أن هذا التمهيد، خاصة وقد جاء قرب نهاية الرسالة وفي أعداد قليلة نسبياً، ليس هو السبب الوحيد لهذه الرسالة، بل هناك ما هو أعمق من ذلك، ولقد اجتهدوا في استنباط الأسباب فمثلا:

1 ـ قال باور في القكثيرين،ع عشر إن بولس الرسول أراد أن يضرب التهودبين الذين يطلبون أن يدخل الأممي اليهودية ويخضع للناموس قبل أن يصبح مسيحياً وقد ظهروا في رومه ، ولهذا كتب هذه الرسالة ، وشدد بقوة علي عدم نفع الناموس وحتمية الخلاص بالإيمان . ولكن هذا الرأي لم يعد مقبولا من أحد في هذه الأيام لانه أضعف كثيراً من أن يفسر رسالة كهذه ويكشف الغرض منها .

2 ـ قيل إنه أراد أن يضع عناصر الإنجيل الذي يبشر به أمام كنيسة من الكنائس الكبرى ويفسره حتى يصبح عقيدة ثابتة . وهذا رأى مقبول لدى كثيرين ، إلا أنه يواجه الاعتراضات التالية : أولا وجود مسحة شخصية في الرسالة في الإصحاحات 1 : 7 – 15 مما يدل علي أن الرسالة لها طابع شخصي لا يوجد في رسالة عقائدية . ثانياً : غياب بعض العقائد المسيحية الكبرى التي ينبر عليها الرسول في أمكنة أخرى مثل عقيدة الكنيسة والأسخاتولوجي وغيرها ممالا  يمكن أن يحدث إذا كان الغرض منها أن تكون رسالة عقائدية . ثالثاً : وجود الإصحاحات 9 – 11 يضعف هذا الرأي .

3 ـ إن الرسول إذ نجلسالواقع،ي يكتب هذه الرسالة فإنه يضع فيها كل اختباره كمرسل إلي الأمم. إن ما في هذه الرسالة – كما سبق القول – ليس نبذة لاهوتية . ولكنه لاهوت مبني علي الواقع، علي ما رأته عيناه.

واختبره في الحقل، وقد فتح الروح القدس عيني الرسول علي الكثير في خدمته، هذا.له أسراراً متعددة (رومية 11: 25 ، أفسس 3 : 1 – 11 . . . إلخ ) . وهو يريد أن يشارك المؤمنين الذين لم يبشرهم ولم يقابلهم ككنيسة في اختباره هذا. وليس أدل علي ذلك من وجود 9 – 11 ومن اقتباساته الكثيرة من العقائد المشتركة في الكنيسة وشرحها مثل 1: 4.3 ، 3 : 24 –

26 . . إلخ ) . مما يسهل علي القارئ قبول رأمعاً.تمسك به . إنه يريد أن يكشف عن الإيمان المشترك إيمانه وإيمانهم فيتعزيان معاً. (1 : 12 ) .

ومما15:ى هذا الرأي أن الرحلة إلي أورشليم لم تكن شيئاً سهلا ، بل كان الرسول يحس كأن شيئا سوف يحدث له فيقول لكنيسة رومية ” فأطلب إليكم أيها الإخوة بربنا يسوع المسيح وبمحبة الروح أن تجاهدوا معي في الصلوات من أجلي إلي الله لكي أنقذ من الذين هم غير مؤمنين في اليهودية . . ” ( 15 : 30 و31 )فهل كان يخاف لئلا يحدث له أمر ما في أورشليم كأن يقتلونه مثلا ولهذا فإنه يكتب اختباره كمسيحي وكمرسل وكخادم

للمسيح ؟ ” .

4ـ لكن يجب ألا ننسي الواقع التاريخي للكنيسة . فلا بد أن الرسول سالوقت.كيلا وبريسكلاعما هو موجود فيها من مشكلات بين اليهود المسيحيين والأمم المسيحيين (15 : 7 –13 ) وربما كانت هناك مشكلات أخلاقية أيضاً . فأراد أن يعالج هذا أيضاً وخصوصاً في الإصحاحات 12 – 15 وقد فعل ذلك إلي جانب أنه شرح الإنجيل الذي هو أساس الكنيسة والمسيحية إذ يقول عنه ” ليست استحي بإنجيل المسيح الذي هو قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولا ثم لليوناني لأن فيه معلن بر الله من إيمان لإيمان كما هو مكتوب أما البار فبالإيمان يحيا (1 : 16 و 17 ) . وهذا الإنجيل يخلص به اليهودي والأممي فلا فرق الاثنين أمام الله .هذه هي بعض الدوافع التي نلمسها في الرسالة التي دفعت الرسول إلي كتابتها في ذلك الوقت .

كنيسة رومية:

ولكن ماذا يمكن أن نعرف عن كنية رومية ؟ إن أول28:نسمع عن كنيسة رومية في أعمال الرسل 28: 15 إذ يطلق عليهم الرسول لقب

 ” الأخوة “، ثم في رسالة رومية نفسها (1: 13، 15: 22 ). ومن هذه الشواهد نعرف أن الكنيسة كانت هناك قبل كتابة الرسالة نفسها . وفي كتاب ( تاريخ كاوديوس ) يقول سوتينوس 25 : 2 إن كلوديوس طرد اليهود

من روما لأنهم يسببون اضطراباً مع خرستوس المضلل ” ولعل هذالكنيسة.رستوس هو اسم المسيح ، وأن المسيحية انتشرت في روما قبل طرد اليهود منها الذي حدث في سنة 49 م . ويؤيد هذا ما جاء في أعمال 18 : 2 .

ويلوح أن الرومانيين لم يفرقوا بين اليهود والمسيحيين ، فطردهم أجمعين فذهب أكيلا مع زوجته  بريسكلا إلي كورنثوس وهناك تقابلا مع الرسول بولس . فإذا كانت المسيحية ثم الكنيسة قد وجدت في روما قبل سنه 49م فكيف جاءت إليها ؟

    في أعمال 2 : 10 نجد أن اليهود الذين جاءوا إلي العيد كان منهم رومانيون وكانوا يهودا أصلا ودخلاء ، ومن يدري فلعل بعضهم آمن بالرب يسوع وقلبه ثم رجع لكي يبشر بالإيمان الجديد .

  ولعل بعض الذين هربوا الاضطهاد بعد اسطفانوس ، وربما كانوا مثله من يهود الشتات ، قد ذهبوا إلي روما حاملين معهم دفعة للأيمان المسيحي وبشروا المسيحي وبشروا هناك .

  وربما جاءهم الإنجيل عن طريق التجار الذين ذهبوا إلي روما وقد يكون هناك عنصر عسكري في ذلك لن بعض الذين آمنوا كانوا من الجنود والعساكر مثل قائد المئة الذي كان عند الصليب ( لوقا 23 : 47 ) .

ومعنى ذلك انه لم يكن هناك شخص بمفرده ولا حتى رسول مسئول عن تبشير روما كما بناها في دمشق غيرها بواسطة

أناس مجهولين لم نسمع عنهم ، بل رآهم الرب واستخدمهم أما الرأي بان بطرس الرسول هو أول من أقام كنيسة روما فلا يظهر له أثر في العهد الجديد ، لأن بطرس نفسه كان في أورشليم  عند انقاد المجمع الكنسي الأول في أورشليم سنه 50 م ( أعمال 15 : 7 ) وفوق ذلك فإن الرسالة لا تذكر اسم الرسول بطرس بالمرأة وهذا يصعب تفسيره لو كان هو الذين أسسها . نعم تذكر التقاليد أن بطرس وبولس استشهدا في روما . لكن ذلك لا يعني أنهما أو أن أي منهما مسئول عن تأسيس هذه الكنيسة.

تكوين الكنيسة :

انقسم علماء القرن الماضي إلي فريقين ، فبعضهم ومنهم باور وأتباعه كانوا قد اعتقدوا أن غالبية الكنيسة كانت من اليهود المنتصرين الذين قبلوا المسيح ولكنهم كانوا قد أبقوا علي الناموس كعامل مساعد في الخلاص ، أي أنهم كانوا أقرب إلي اليهوديين ، وبذلك كانوا ضد بولس في آرائه .

أما الفريق  الثاني وعلي رأسه Zahn  زهن فإنه يوافق علي رأي باور ولكنه يعارضه في أنهم كانوا علي خلاف شديد مع الرسول بولس .

أما علماء العصر الحاضر فيعتالحقائق:لغالبية كانت من المسيحيين الأمم. أما الرسالة فأنها تظهر هذه الحقائق:

( أ ) كان3: الكنيسة جناحا قوي من أصل يهودي ففي (رومية 2:17 – 8 ). يعلن الرسول أن اليهود أنفسهم مهما عملوا وبرروا أنفسهم  لازالوا خطاة . 

في 3: 21 –31 يظهر الطريق الصحيح للبر وهو الإيمان بالمسيح ويبني على ذلك دفاعه عن نفسه من أنه لا يبطل الناموس بعقيدته هذه ولكنه بالعكس فهي تثبت الناموس ( 3: 31 ). 

في 4: 1 يسمي إبراهيم ” أبونا ” ويضع نفسه مع اليهود في صيغة الجمع.

في 6 : 1 – 7 يحارب المواقف اللاناموسي علي أنه موقف لا مسيحي من ص 9 –11 يدرس بعمق المسألة

اليهودية المستعصية لذلك العصر الأول .

من 14: 1 – 15: 3 يصف حالة بعض المسيحيين الضعفاء، ومن يدقق النظر في هذا الجزء يلاحظ أنه كان

يقصد اليهود المستعصية لذلك العصر الأول.

 من 14: 1 – 15: 3 يصف حالة بعض المسيحيين الضعفاء، ومن يدقق النظر الجزء يلاحظ أنه كان يقصد

اليهود.

أما الدليل الرئيسي على وجود عنصر قوي في كنيسة فهو مضمون الرسالة نفسها إذ يؤكد أن الخلاص ليس

بأعمال الناموس بل ببر الإيمان بالمسيح يسوع .  

     ( ب ) ولكن كان بها أيضاً جناحا أممي قوي وهذا يظهر:

(1 : 5 ، 13 – 15 ) يخاطبهم كأمم وأنه هو رسول الأمم ويؤكد ذلك في 15 : 15 – 19 إذ يقول ” حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لجل الأمم مباشراً لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان الأمم مقبولا مقدساً بالروح القديس ” ( ع 16 أنظر13 ) .

في 6 : 11 – 13 يذكرهم بخطاياهم السالفة وهي الخطايا التي تفشت في الأمم .

في 11 : 11 – 24 : يحذر المم الافتخار على الإسرائيليين والاعتقاد بأنهم أفضل منهم مقبولون في الزيتونة بينما

الإسرائيليون قد قطعوا منها . . إنه يحذرهم بشدة .

هذه كلها تدل على الكنيسة في رومية كانت تنكون من جناحين قويين : الجناح اليهودي والجناح الأممي ، ويلوح أن هناك بعضاً من الجناحين من كان يريد أن يقول بالشقاق في ولكن الرسول يحذره بشدة ويدينه (16 : 17 و 18 ) .

 بعض مشاكل الرسالة :

      هناك بعض الأمور يتساءل عنها العلماء وعادة ما يسمونها مشكلات : من هذه الأسئلة ما يختص بالإصحاحات – 11 وهل كانت  إصلاح الرسالة أم أنها كتبت وحدها ثم أضافها الرسول إلي عندما أرسلها إلي رومية ، ولكن المشكلة الأكثر تعقيداً في هذه الرسالة هو إصحاح 16 وهذه المشكلة تتكون من شقين وهما :

     ( أ )إصحاح 15 ينتهي في ع 33 بنهاية هي في الحقيقة نهاية رسالة.

     (ب)ص 16 مملوء بأسماء يرسل إليهم السلامات والتحيات مع أنه يزر الكنيسة من قبل حتى يعرف كل هذا العدد ، ثم أن معظم هذه الأسماء تظهر في كنيسة أفسس . وعلى فقد قبل إن ص 16 هو رسالة أرسلت إلي أفسس ثم وضعت مع رسالة رومية عندما جمعت رسائل الرسول بولس ولكن الحقيقة غير ذلك : فمن عادة الرسول أنه يكن يرسل تحيات إلي أشخاص في الرسائل التي كان يرسلها ‘لي يرسلها إلي كنائس خدم فيها مثل كورنثوس وغلاطية وغيرها لئلا ينسي واحداً من الأعضاء فتحدث غيرة وانشقاقات .

ثانياً : هناك كثيرون ممن قابلهم الرسول في أفسس كانوا أعضاء في رومية ، ربما قضوا في أفسس بعض الوقت ثم رجعوا إلي كنيستهم قبل أكيل وبريسكلا وغيرهما .

بعض المصطلحات الهامة في الرسالة :

      تتميز رسالة رومية أنها كتبت في ظروف لم يكن فيها الرسول في حالة من الألم الرعوي من أجل كنيسة من الكنائس تجري فيها اضطرابات وانشقاقات كما كان حاله عندما كتب رسائل كورنثوس أو غلاطية . . وغيرها ، ولكنه كان في حالة من الهدوء والراحة والتأمل العميق فيما عمله الرب معه في السنوات العشر الماضية . وإلي جانب ذلك كان يريد أن يضع إنجيل المسيح ، كما أختبره هو في حياته ،وكما رآه في حياة الناس في الحقول التبشيرية ، في رسالة يرسلها إلي كنيسة لم يرها ولم تره من قبل ولذلك فقد جاءت هذه الرسالة أقرب إلي المقالات اللاهوتية في كيفية صياغتها ، منها إلي رسالة شخصية تعتمل بالانفعالات المختلفة . ولقد استخدام فيها مجموعة ضخمة من الاصطلاحات التي وردت منثورة هنا وهناك في رسائله الأخرى ، اصطلاحات أخذها من العهد القديم ومنت اليهودية من الكتابات الهلينية ، ولكنه وضع فيها مفهوماً جديداً من الخبرة المسيحية التي خلقها إنجيل الله في حياة كل من آمن من اليهود أو الأمم . وبذلك أضحت هذه المصطلحات قوالب لمفاهيم أخرى لم نعرفها من قبل . ولهذا يستحسن أنة نعرف شيئاًً عنها في هذه المقدمة لكي تفتح لنا الطريق لنفهم فكر الرسول في رسائله.

وتنقسم هذه المصطلحة إلي ثلاث مجموعات:

الأولي تتعلق بالإنسان وحالته في خطيته قبل الإيمان.

والثانية تتعلق بعمل الله الفدائي في المسيح يسوع .

والثالثة تتعلق بالإنسان المفدى الذي في المسيح يسوع .

أولا ـ ما يتعلق بحالة الإنسان قبل الأيمان :

1 ـ خطية:     

     الخطية في مفهومها هي كسر ناموس الله وقانونه (رومية 2: 12و 23 ) ولذلك فعندما لا يعرف الناس الناموس فإنهم لا يعرفون الخطية لأن بالناموس معرف الخطية (3: 20).

وعندما يوجد الناموس فالناموس يخطئون وتحسب عليهم خطاياهم لأنهم قد عرفوا ذلك عن طريق الناموس (5 : 13 ) . وبحسب رسالة رومية فإن الناموس الذي يكشف الخطية لا يقتصر فقط علي ناموس موسى المكتوب بل يمتد إلي الناموس الأدبي الطبيعي الذي يشير إليه الضمير ،الذي وضعه الرب في قلب الإنسان ليقوم بتوبيخ الإنسان والاحتجاج ضده عندما يكسر هذا الناموس الأبي ( رومية 2 : 14 – 16 ) . فالخطية هي كسر للناموس بهذا المعني الشامل . هذا الكسر ينتج من حالة تمركز الإنسان حول نفسه ووقوفه ضد الله في عصيان وتمرد . أي أنه يضع نفسه في مقابل الله في ثورة ضده وعصيان لأمره (1: 21 – 32 ) وهذا ما يسميه الرسول بكلمة فجور (1: 18، 4: 5 ).

       ويستخدم الرسول مجموعا من الاصطلاحات ليعبر بها عن الخطية. فإلي جانب الكلمة أسيبيا asebeia ومعناها فجور وهي تصف الخطية ضد الله (رومية 1 : 18 ) ، وتظهر الكلمة أديكيا وتترجم ” إثم ” (1 : 18 ) ومعناها الخطية في مظهرها الاجتماعي أي عندما توجه إلي النفس أو إلي الآخرين .

ثم يستخدم الكلمة parsakoe (5 :19 ) ومعناها معصية وهي الخطية إذا وجهت إلي الناموس . وفي وصف خطية آدم سماها paraptooma . وغير ذلك .

2-ناموس Nomos:

    إذا جاءت الكلمة بدون ” الـ” التعريف فإنها قد تعني الناموس في معناه العام (2 : 14 ب) ولكنها إذا جاءت معرفة فإنها بذلك تشير إلي ناموس موسى : بعض الأحيان تعني

التوراة ( 2 : 17 و 18 ) بما يحويه من وصايا وفرائض وطقوس وقد تأتي هذه الكلمة لتعني مبدأ : إما مبدأ مميت وهو مبدأ الخطية ( 7 :23 ) وإما مبدأ محي يؤدى بي إلي العتق والحرية ( 8 : 2 ) ( مبدأ بمعني عامل أو قوة فعالة تؤثر في الإنسان norm ) . ولهذا يجب أن نفرق بين هذه المعاني حتى لا نقع في خطأ

3 – جسد sarx :

      هذه الكلمة لها معان كثيرة في هذه الرسالة ولكن كل معانيها تتجه اتجاهين رئيسيين: المعني الأخلاقي.

أما المعني الطبيعي الذي يشترك فيه الرسول مع كثير من كتاب العهد الجديد فهي:

ـ النسل الطبيعي (1 : 3 ) صار من نسل داود حسب الجسد .

ـ جسم الإنسان (2 :28 ) ( الختان ) في اللحم أي في الجسد .

ـ الإنسان بصفة عامة (3 :20 ) كل ذي جسد لا يتبرر أمام الله بأعمال الناموس .

ـ الضعف الطبيعي للطبيعة البشرية التي لا تحتمل كثيراً (6: 9 ) أتكلم إنسانياً من أجل ضعف جسدكم.

أما المعني الثاني فهو المعني الأخلاقي.

ـ الحالة الشريرة والتي يعيش فيها الإنسان قبل قبوله للمسيح وسكني الروح القدس فيه

(7 : 5 ) إنها نقيض وجود الإنسان في الروح .

ـ الطبيعة البشرية وقد سكنتها الخطية وحولتها إلي بؤرة فساد قاتل ( 7 : 18 ) ” ليس ساكن في جسدي شيء صالح”.

ويظهر هذا المعني في غلاطية 5 : 17 ” لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد وهذان يقاومان أحدهما الآخر حتى تفعلون مالا تريدون ” . 

4 ـ غضب :

    الكلمة اليونانية orgos  معناها هياج شديد مخرب ولكن أنبياء العهد القديم وضعوا فيها مضمونا أخلاقياً إذ جعلوها تعني القضاء الإلهي المقدس الذي ينبغ من طبيعة الله المطلقة ، القدوسة علي كل ما هو شرير وفاسد . ولكن الغضب ليس فكرة نظرية أو لاهوتية، ولكنه موقف نشط عامل لعقاب الشر في العالم الشرير.

      وعندما استعمل الرسول هذا الاصطلاح في هذه الرسالة فإنه نسبه إلي الله ليعني ” غضب الله ” ( 1: 18 ) ” لأن غضب الله معلن من السماء علي جميع فجور الناس وإثمهم. ” وهذا يعني العقاب المستمر المعلن علي جميع فجور الناس، وهذا يتمثل في ترك الله لهم وتسليمهم لذهن مرفوض (ع 24و 26 أنظر 9: 22 ). ثم في 2 : 5 ” وكذلك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضباً في يوم الغضب ” هنا يعطي لهذا الموقف الإلهي مضموناً إسخاتولوجيا بمعني أن لهذا الغضب كمال إذ يصل إلي النهاية، وذلك في يوم الغضب .

وترد هكذا بدون إضافة في 4 : 15 ” لأن الناموس ينشئ غضباً ” ، وفي 5 : 9 ” . . بدمه تخلص به من الغضب “.

   وهكذا نري أنه إذا كان غضب الله هو موقفه ضد الشر فذلك لأن الإنسان هو الذي يزخر لنفسه الغضب بكسره للناموس في هذا الدهر والدهر الآتي :

 ثانياً – ما عمله الله للفداء وكيف يناله الإنسان :

1-نعمه : Charis 

      النعمة : هي المحبة الإلهية المقدسة في حنانها المفادى وهي تتدفق على الخاطئ الذي لا يستحق  . ” متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح ”  ( 3 : 24 ، 5 ).1 ، 6 : 1 ) .ونوال البر بالنعمة هي ضد التبرير بالأعمال أو على سبيل أجرة ( 4: 4 ). والنعمة قد تعني حالة التبرير والسلام التي يعيش فيها المؤمن نتيجة لتبريره بالأيمان (5: 2 ). 

   والنعمة هي نعمة الله ( 5 : 15 ) وهي بيسوع المسيح ( 5 : 15 )  

2- بر dikaiosuune  :

      أهم معني لهذه الكلمة هو تضاف إلي الله فتصبح ” بر الله “. وهو الذي أعلن في الإنجيل ( 1: 17 ) وذلك في مقابل ” غضب الله المعلن من السماء (1: 18 ) وقد ظهر هذا البر بدون أي عمل   من الإنسان أو واسطة ناموسية، مع أن الناموس يشهد له هو والأنبياء ( 3: 21 ) فما هو بر الله هذا ؟ جاءت الكلمة مرة بمعني صلاح الله الطبيعي في ثبات وعده فلا ينقضه ). ( 3: 3 و 4 ) ولكنها أمراً آخر أكثر عمقاً في القديم، يعني اصطلاح ” بر الله ” عمل الله الفدائي لشعبه ونصرته لهم حتى وإن كانوا لا يستحقون

 (أشعياء43 : 22 – 25 ) فهو أكثر من أن يكون صفة . كأن يكون الله عادلا يقيم عدله فيجازي المسيء ويحسن إلي الصالح. إنه يقف في صف شعبه ويخلصه ويفتديه من الشر . وقد أخذ الرسول بولس هذا المعني حركة الله وعلمه للفداء وللخلاص ، ولكن مع فارق واحد وهو : إن كان الله في العهد القديم يفتدى الذي دخل معه في عهد ، فإن بر الله كما يصفه الرسول بولس يعمل أكثر من ذلك إنه ” يبرد الفاجر ” ( 4 : 5 ) وهذا المعني لا يستطيع أي يهودي أن يقبله . فبر الله إذاً ليس شيئاً ميتافيزيقياً ولكنه عمل الله في التاريخ لفداء البشر 

3- تبرير:

      تأتي من الأصل اليوناني للكلمة ” بر ” وهي كلمة قضائية وليست فضيلة أخلاقية ، فالإنسان عندما يتبرر يصبح في علاقة صالحة – علاقة مصالحة – في الموقف الصحيح من الله . ( 5 : 10 ) وقد يحاول الإنسان أن ينال ذلك بواسطة بره وأعماله ، كما فعل بنو إسرائيل ولكنهم فشلوا ( 10 : 2 و 3 )  أما الموقف الصحيح فهو أن الإنسان يناله بالإيمان . . وليس من أجل الإيمان وإلا لأصبح الإيمان عملا ، فبكون التبرير بالأجرة ( 4 : 3 – 5 ، 1 ) .

وإذا استعرنا المثل الذي قاله المسيح عن ” الفريسي والعشار ” ( لوقا 18 : 9 – 14 ) نجد أن الفريسي لم يتبرر بأعماله ولكن العشار في خجله طلب من الله الرحمة لأنه خاطئ ، ونزل هذا الرجل مبرراً إلي بيته .

   فالتبرير لا يعني العصمة من الخطية ولكنه وضع الإنسان في المكان الصحيح من الله. 

4- فداء apolutroosis رومية ( 3: 24 ):

     ومعناه في اليونانية الفك من العبودية أو الأسر. وهولا يعني ذلك فقط. . إن الرسول عندما يستعمل هذه الكلمة فإنه يعني أن شخصاً آخر قد تدخل وأخذ الخطوة الأولي ودفع الفدية لكي يحرر هذا الشخص. والفدية كانت بيسوع المسيح بل هي يسوع المسيح. ( 3 : 24 ) . فالإنسان لا يحرر بمجهوده بل بفداء الله. . بالمسيح يسوع .

5- دم heima  رومية (3 :25 )  :

     ” بالفداء بدمه “، ( 5: 7 ) ” بالجهد يموت “. وقد فسرها بعض العلماء علي أنها تعني ” الحياة ” وذلك لأنهم بنوها علي لاويين 17 : 11 ” لأن نفس الإنسان هي في الدم أعطيتكم إياه علي الذبح للتكفير عن نفوسكم لأن الدم يكفر عن النفس ” ويقولون إن الدم معناه الحياة فإذا كان المسيح قد سفك دمه فهذا تعبير علي أن حياته قد انسابت في حياتنا لتعطينا حياة جديدة ، وهذا ما فعله المسيح – كما يقولون – علي الصليب . فأينما استخدم الدم أو الموت بالنسبة للمسيح ولعمله الفدائي فهو يعني أن حياته أتحدت بحياتنا.

ولكن الرسول بوليس في الحقيقة لا يعني ذلك، إن الدم يعني الإجهاز علي الحياة. . سلبها . فالمسيح لم يحرر

 حياته بل بذلها وضعها إلي الموت لأجلنا .
إن هذا الفعل يقصد به عملا حرفياً ؛ ودم المسيح كفاري بمعني حرثي وليس بمعني تصوفي ، إن حياته تجئ في حياتنا ، نعم ولكن هذا لا يعبر عنه بالدم ، الدم يعني أنه 
مات من أجلي سافكاً دمه .

6- إيمان:

      إن ص 4 هو أعظم تفسير للإيمان في هذه الرسالة. فإيمان إبراهيم هو

 موقف مستمر لإبراهيم من الله . إن موضوع الإيمان ليس مجموعة من العقائد، ولكن الله نفسه: ثقة كاملة فيه واعتماد كلي عليه وذلك كرد علي دعوته ووعده.

بهذه الثقة الكاملة أن الله يستطيع أن يعمل كل شيء، نحن ننال التبرير والخلاص.

أحياناً قد يقوم الإيمان مقام الإنجيل.

7-اختيار:

      ( رومية 8: 18 – 30، 9: 29 – 36 ): هي كلمة تعبر عن الطريقة التي بها يجري الله قصده الأسمى لفداء البشرية. فإذا كانت كل الخليقة تفدى من عبودية الفساد إلي حرية مجد أولاد الله فذلك مبني علي قصد الله في الاختيار. ولكن هناك اختيار في الاختيار . ففي العهد القديم اختيار الله أناساً من الشعب لخدمته : إبراهيم ، موسي ، داود . وفي هذا المعني الخاص فقد اختيرت إسرائيل نفسها لكي تحمد الرب . كورش اختاره الرب وهو لم يكن يعرف الرب ( إشعياء 45 : 4 ) . وبهذه الكيفية يعلن العهد القديم الاختبار الذي يفوق عقولنا .

      والرسول بولس يعرف ذلك . فهو يهودي أصلا شديد التزمت ولكنه صار الآن رسولا للأمم ولا سبب لذلك سوي أن الرب اختاره بل سره أن يختار لهذا العمل ( غلاطية 1 : 15 و 16 ) .

      فالاختيار العام أي للفداء والخلاص أو الخاص أي للخدمة إنما يشير إلي الوراء إلي السر الأزلي لسلطان الله ومعرفته السابقة وتعبين النعمة المتفاضلة

 ولكن الاختبار يشير أيضاً إلي المستقيل إلي مجد الكمال أي إلي الوقت الذي فيه تصبح الكنيسة في صورة ابنه ( رومية 8: 29 ).

   وأخيراً فإنه يشير إلي طرق الله النشطة في العصر الحاضر. إننا نتأكد من عمل الله ومن تدبيره الذي يسود هذا العصر ، ولكن إن حاولنا أن نتفحص هذه الطرق أو ندرك سرها الأكمل فلن نستطيع ، يكفي الفحص وطرقه عن الاستقصاء لأن من عرف فكر الرب أو من مشيراً أو من سبق فأعطاه فيكافأ . لأن منه وبه وله كل الأشياء له إلي الأبد آمين ” ( رومية 11: 23 – 36 ).

  ثالثا – الحالة التي يحيا فيها المفديون :    

     1-قديس:

     في هذه الرسالة وفي كل العهد تعني عضو في الكنيسة ( رومية 1 : 7 ، 1 كورنثوس 1 : 2 . . الخ ) هذا هو معناها الأساسي . إنه إنسان قد أفرز وأصبح لله في جسد المسيح.  

   ولكنها لا تعني وجود أفراد أو جماعة مخصوصة داخل الكنيسة فهي ليست رتبة تمنح ولكنها إفراز من الله للشخص فهو قديس.

   هذا العمل وهذا الوجود في الكنيسة متضمن التقوى والإخلاص والحياة المسيحية الكاملة فالقديس هو الشخص المقدس الذي ظهرت فيه حياة المسيح. 

     2-   الروح pneuma

عندما تستعمل مع ” الـ التعريف ” دائما تعني الروح القدس ما لم يكن

 هناك معني آخر واضح، أو أن يكون هناك مفهوم آخر تتطلبه القرينة. مثل ( رومية 1 : 9 ، 11 : 8 ) .

    والروح القدس قد يسمي روح الله أو روح القداسة ( 1: 4 ) أو روح المسيح ( 8: 9 ) أو روح الحياة ( 8: 2).

   وبحسب الرسول بولس وخصوصاً في رومية 8 يجب أن نفسر عبارة ” يسلك بحسب الروح ” ( ع 1 و 4 ) وعبادة ” يتهم بما للروح أو اهتمام الروح ( ع 5 و 6 ) لا تعني بحسب البشرية أو تعني الاهتمامات الروحية بعكس المادية. كلا ، ولكنها تعني بحسب روح الله أو الروح القدس الذي يسيطر في الإنسان المؤمن الذي قبل المسيح . 

3-المجد:

     كلمة المجد doxa تنسب في الغالب إلي الله نظراً لأن هذا المجد كان يظهر للشعب قديماً في الهيكل أو خيمة الاجتماع أو على جبل سيناء ولهذا يقول الرسول بولس عن الامتيازات التي كانت لإسرائيل ” لهم التبني والمجد … ” ( رومية 9 : 4 ) أي كانوا يرون مجد الله في وسطهم . هذا المجد ظهر بكماله في وجه يسوع المسيح ( 2 كورنثوس 4 : 6 ) . هذا الإشراق في وجه يسوع المسيح يعلنه الإنجيل الذي يسمي ” إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله ” ( 2 كورنثوس 4 : 5 ) لكن رسالة رومية تكشف أن المؤمنين يشار كون هذا المجد أيضاً الذي وإن كانوا يختبرون شيئاً منه الآن ، لكنه هو ما زال رجاء يفتخرون به ” ونفتخر على رجاء مجد الله ” ( 5 : 2 ) لسوف يستعلن في مجيء المسيح ” فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا ” ( 8 : 18 ) . أن هذا المجد يتضمن استعلان المؤمنين على أنهم أولاد الله ( 8 : 19 ) . لا يعرفهم العالم الآن ولكن سوف يستعلنون . يعني

المجد أيضاً فداء الأجساد “وَلَيْسَ هَكَذَا فَقَطْ بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ نَحْنُ أَنْفُسُنَا أيضاً نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا”(8: 23) . هذه هي لمحات من المجد الذي يتمتع به المؤمنون الذين يئنون في العالم الحاضر      فكر الرسول في رسالة رومية :

      يلخص الرسول بولس معنى الإنجيل في رسالة رومية في (1: 16 و 17) إذ يقول “لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ. 17لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ لإِيمَانٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ«أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا».والكلمة “يستحي ” ليست هي الوحيدة التي يستخدمها بهذا المعنى في كتاباته ، فهو يكرر  ذلك أيضاً في كورنثوس وان كان بتعبير مختلف (اكو 1: 18- 2: 5)، انه إذ ينادي بإنجيل يتركز حول شخص أسلمه شعبه للسلطة الرومانية ، متهمين إياه بالضلال فيرفعونه على صليب ويقتلونه كمجرم ، إذ ينادي بذلك يجب عليه أن يخجل في نظر العالم وبحسب مقاييسه ، خاصة وهو يعلن إنجيله هذا في أعظم مدن الأرض وأكثرها ثراء وأبشعها فساداً . ولكن الرسول لا ينظر إلى الإنجيل نظرة أهل العالم، بل نظرة متناقضة، نظرة لا يمكن أن تخطر على بال بشر.

     فبلاً من أن يعتبره خبراً مملوءاً بالأسى عن شخص مات فان الرسول يسميه إنجيلا.. بشارة مفرحة، وفرحها لا يقتصر على إنسان واحد بل هو خبر مفرح للجميع لليهودي ولليوناني.. للكل.

     وبدلاً من أن يعلنه كضعف، يتكلم عنه كقوة الله التي لا يمكن أن تقاوم.

     وبدلاً من أن يملاه بالاتهامات ضد قاتلي سيده يصفه بأنه خلاص للجميع فهذا المصلوب الذي لم ينزل من على الصليب لكي يخلص نفسه ، هو نفسه المخلص العظيم .. مخلص العالم من عبودية الشر والفساد .. مخلصه من الخطية.

     إن العالم الذي ينظر إلى مضمون الإنجيل باستهزاء واستنكار لا يعرفه ولا يفهمه ، أما هو قد اختبره في حياته واختبر قوته فعرف انه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن به .

     هذه المقابلة الجذرية والحاسمة بين مفهوم العالم لحادثة المسيح والتفسير الحقيقي لها، هي الأساس للمقابلات التي تمتلئ بها هذه الرسالة ، فهي بالحق رسالة المقابلات .

     فهناك مقابلة زمنية بين ما يسبق “الآن” وما يتبعها (3: 21).

     وهناك مقابلة بين ادم والمسيح (5: 12- 21).

     وأخرى بين الروح والجسد (8: 1-17).

     ورابعة  بين الإيمان والاعتمال أي التبرير بالإيمان والتبرير بالأعمال (4: 1-5).

     وخامسة بين الناموس والنعمة (5: 20 -21).

     وهكذا تظهر المقابلات الكثيرة التي أوجدها الإنجيل عندما جاء وعندما أعلنه الرسول بولس في هذه الرسالة، فهي مقابلات ترتبط بعضها ببعض وتتركز كلها حول الإنجيل.

الحاجة لهذا الإنجيل (1: 18- 3: 20، 5: 11-21، 7: 7 -25):

     هذا الإنجيل الذي هو عمل الهي عظيم، لم يكن عملاً ترفيهياً ولكنه جاء لحاجة ماسة.. حاجة الإنسان القاسية الأليمة. هذه الحاجة خلقتها الخطية التي تملكت العالم: اليهود والأمم جميعاً خطاة وينظر الرسول حوله ليجد علامات الخطية المروعة ويعددها في كل بشاعتها. أما الأمر المهم في هذه الخطية هي

أنها موجهة ضد الله الذي أعلن نفسه وإرادته للإنسان. لقد أعلن نفسه للأمم ، لأن أموره الغير منظورة أي قدرته السرمدية ولا هوته ، أعلنها منذ خلق العالم في المصنوعات التي خلقها ، ولكتهم مع ذلك لم يمجدوه ولم يشكروه ( 1 : 18 – 21 ) . وإلي جانب ذلك أعلن إرادته لهم إذ كتبها علي قلوبهم ، ووضع في داخلهم الضمير الذي يحتج ويشتكي عندما يكسرون إرادة الله ( 2 : 14 – 16 ) .

      ولكن رغم ذلك فقد أسلموا أنفسهم للشر، وعبدوا الخالق وحطموا كل المقاييس الأخلاقية ( 1: 19 – 32 ).

      وهذا لم يكن حال الأمم فقط بل اليهود أيضاً. الذين أعطاهم الله امتيازات أكثر في إعلاناته : إذ أعلن لهم نفسه وإرادته في الناموس الواضح ، ومع ذلك أخطأوا إليه . حفظوا الناموس ولكنهم لم يفهموه ، ولذلك لم يعملوه . عملوا بحسب حرفه ولكنهم جهلوا روحه ، عملوا ما تقوله الوصايا لا لكي يخضعوا لله . ولكن ليبرهنوا بر أنفسهم ( 2 : 17 – 29 ) إن روح الناموس هو أن يصبح الإنسان لله في طاعة كاملة ومحبة بنوية ولكتهم رغم ذلك أخذوه علي أنه افتخار كاذب . . إنهم لم يخضعوا لبر الله ( 10 : 3.2 )

      إذاً فالأمم واليهود قد أخطأوا ، ليس من يعمل صلاح ليس ولا واحد . الجميع زاغوا وفسدوا معاً ( 3 : 23 ). هذه الحالة لم تكن متفشية فقط في عهد الرسول ، بل كانت منذ البدء ، لأن الخطية دخلت إلي العالم بإنسان واحد الذي هو آدم ، وملك الموت علي البشرية نتيجة لملك الخطية ( 5 : 12 و 13 ) نعم إن الخطية لا يمكن أن تعرف أو تحسب إذا  لم يكن هناك ناموس يكشفها ، ولكن الناموس العام الذي وضعه الله في الإنسان جعله مسئولا . وهناك ما هو أخطر و أعمق من ذلك .

      فالخطية قد ملكت علي العلم نتيجة لخطية آدم لأن البشرية كانت واحدة فيه . هذه الوحدة solidarity  بين البشرية في آدم عنصر هام جداً في مفهوم الرسول بولس فهو يؤكد أن الجميع ، سواء أكان لديهم ناموس ، أو بدون ناموس مكتوب ،قد ملك عليهم الموت نتيجة للخطية لأنهم أخطأوا بخطية آدم . (5 : 12 – 21 ) .

     ولكن كيف تحكمت الخطية في الفرد ؟ لم يقتص الأمر علي الموقف الخاطئ الذي وجد الإنسان نفسه فيه بسب آدم ، فهذا موفق خلق فيه الميل للخطية فصار يخطئ ، وبذلك صار مذنباً . إنه خاطئ من جراء خطية آدم وخطيته ، ولعل نقطة الضعف في الإنسان حيث تمكن الخطية هي ما يسميها الرسول ” ( 7 : 18 و 25 ) أي الطبيعة البشرية في ميولها إبلي العالم . ويصف الرسول بوضوح لا حد له عبودية الإنسان للخطية وعدم جدوى محاولته التخلص مها، إنه أضعف من أن بعمل الصالح الذي يريده؛ بل هو مدفوع لعمل الشر الذي لا يريده، لأنه ” لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة في. فإني أعلم أنه ليس ساكن في أي في جسدي شيء صالح. لأن الإرادة حاضرة عندي أما أن أفعل الحسنى فلست أجد ” (7: 17 و18 ) ما أبشع الدرك الذي نزل فيه الإنسان بسبب الخطية التي استعبدته.

     ولكن أين الناموس ؟ ألم يعط الله البشر الناموس ؟ فلماذا لا يفعلونه لكي يحيوا به ؟ هنا يعطينا الرسول جواباً ، ما كان يخطر علي بال إنسان أن شاول الطرسوسي الغيور علي الناموس ، الذي فاق كل أترابه في حفظه قد تغير رأيه في الناموس تغييراً لا يمكن أن يحدث إلا بمعجزة . . بإعلان سماوي :

     ( أ ) لا ينكر الرسول أن الناموس مقدس وروحي ( 7 : 12 و 14 ) وانه حسن ( 7 : 16 ) . وهو مصدر الفخر والتعليم والتمييز في كل الأمور ( 3: 17 و 18 ) ولكن فوق الكل إنه أقوال الله ( 3: 2 ).

     (ب) ولكن الناموس لم يأت لكي يخلص الإنسان من الخطية : بل جاء لكي تكثر الخطية وكثرة الخطية تحدث في عدة أمور .

     أولا: إظهارها: لأن بالناموس معرفة الخطية ” بل لم أعرف الخطية إلا بالناموس معرفة الخطية ” بل أعرف الخطية إلا بالناموس، فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته ” ( 7: 7 ).

      ثانياً  : الحكم عليها وإعلان أن الإنسان مذنب حقاً ” على أن الخطية لا تحسب أن لم يكن ناموس ” ( 5 : 13 ) وبذلك أدان الناموس الإنسان الخاطئ إلي الموت . ولهذا فقد سمي ناموس الخطية لأنه يظهرها وناموس الموت لأنه يدين الإنسان ( 8 : 1 و 2 ) .

     ثالثاً : إنه يدين فقط ثم يقف ضعيفاً أمام الخطية التي استخدمته لتكثر هي ” ولكن الخطية وهي متخذة فرصة بالوصية أنشأت في كل شهوة ، لأن بدون الناموس الخطية ميتة ، أما أنا فكنت بدون الناموس عائشاً قبلا ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمت أنا ” ( 7 : 8 و 9 ) ولهذا صارت الوصية التي كانت أصلا للحياة سبباً للموت ( 7 : 10 ) ، وماذا عن إنسان كشاول الطرسوسي الذي كان يسير بحسب الناموس ، هل تستطيع الخطية أن تؤذيه ؟ نعم : وهنا يصل الرسول إلي الأعماق القاسية فيما عملته الخطية في الإنسان إذ يقول ” لأن الخطية وهي فرصة بالوصية خدعتي بها وقتلتني ” ( 7 : 11 ) . لقد خدعت اليهودي المتمسك ودفعته لأن يستنفد كل جهده في إتمام  الوصايا ، لا لكي برضي الله ، بل لكي يرضي غروره ويظن أنه قد تمم كل شيء ، وما على الله إلا أن يبرره ، لقد فعل اليهود ذلك لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر المسيح في ( لوقا 18 : 9 – 14 ) .

     هذا هو حال الناموس مع الإنسان الخاطئ . لا يمكن أن يتبرر به ( 3 : 20 ) بل دخل لكي تكثر الخطية ، لكي يدان الإنسان . . فالخطية خاطئة جداً .

كيف ظهر الإنجيل :  ( 3 : 21 – 31 ) .

     إذا كان الأمر هكذا. فهل يترك الله الإنسان ؟ كلا ” وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهوداً له من الناموس والأنبياء بر الله بالإيمان بيسوع المسيح. . . ” ( رومية: 3: 21: 31 ). عرفنا من قبل أن ” بر الله ” لا يعني عمل الله ونشاطه الفدائي للإنسان. هذا العمل ظهر الآن أي في العصر الحاضر ( 3 : 26 ) . ويشدد الرسول على كلمة ” الآن ” لسببين هامين أو لها: أن يظهر أنه جاء بالمسيح يسوع وفيه، وثانيهما أن هذا البر ليس نظرية ولكنه عمل تاريخي قد حدث وظهر. فالرسول يشير بكل صراحة إلي حادثة خاصة ، أعلن الله فيها بره . . سماها من قبل ” إنجيل يسوع المسيح ” (1 : 16 ) .

     ( أ ) هذا البر ظهر في يسوع المسيح في عمل خاص وحادثة محددة وهي حادثة موته. وبموت المسيح حدث الخلاص للجميع . وبعبر الرسول عن ذلك بكلمتين هامتين: الفداء هو اتخاذ الخطوة الأساسية في فك الأسر وإنقاذ الإنسان من عبودية الخطية والموت.والكلمة الثانية هي كلمة كفارة وهي إرضاء قداسة الله9 الكاملة التي لا يمكن أن ترضي بالخطية، ورفع غضب الله المعلن من السماء علي جميع فجور الناس. وقدا اختلف الكثيرون علي معني ” كفارة ” ( 3: 25 ). فقد رأي بعضهم فيها فكرة وثنية وهي محاولة إرضاء الله بواسطة ذبيحة تقدم له فيزول غضبه، وهذا لا يليق باله ربنا يسوع المسيح الذي ” بين محبته لنا إذ ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ( رومية 5: 8 ). ويقول أصحاب هذا الرأي إن كلمة كفارة تعني كرسيا

 الرحمة أو غطاء التابوت الذي كان السيد يحل عليه ومن هناك ينادى بالغفران للكهنة والشعب معاً. من داخل قدس الأقداس في يوم الكفارة العظيم .

     ولكن الحقيقة التي لا يمكن تغافلها هي أن محبة الله محبة مقدسة وقدوسة ، ولا يمكن أن نتساهل في الخطية، ولابد أن تكون هناك كفارة ، وقد أعدها هو . لن ننسي الخطايا الماضية (ع 25 ) ، ولا تتغافل عن الخطايا في العصر الحاضر (ع 26 ) ولهذا فكلمة كفارة يجب أن تبقي بمعناها الأصلي ، ونعرف أن المسيح مات كفارة عن خطايانا  . وخطايا كل العالم أيضاً.

     ( ب ) ولكن كيف ينال الإنسان  هذا الفداء وهذه الكفارة ؟ إن الجواب الوحيد للرسول بولس علي ذلك هو الإيمان .  إنه يكرر هذه الكلمة في هذا الجزء (3  : 21 – 31 ) أكثر من 7 مرات : الإيمان بيسوع المسيح  (ع 22 و26 ) الإيمان بدمه (ع 25 ) ثم يكرر كلمة الإيمان مطلقة ، وذلك لأهميتها القصوى عنده والذي جعله  يشدده هكذا هو جهل اليهود الذين ظلوا يؤكدون علي الأعمال . . وإتمام الفرائض والطقوس لنوال  التبرير .

     ويكشف لنا الرسول مفهومه عن الإيمان في ص 4 حيث يضع أبانا إبراهيم وإيمانه  كمثال لنا . إن الكتاب يقول عنه “فآمن إبراهيم بالله فحسبه له براً ” ( 4: 3 )، هذا الإيمان في جوهره هو تصديق وعد الله ومحبته رغم كل الظروف التي تحيط بالإنسان وتدفعه للشك في هذا الوعد والمحبة.

      هذه الظروف تتخلص في ضعف الإنسان المميت ،سواء أكان هذا الضعف خطية وتمرداً وعصياناً مما يسميه الرسول ” فجراً ” ( 4 و 5 ) أو ضعف جسماني كضعف إبراهيم وسارة (4 : 17 – 21 ) ، إنه كاملة تجعل الإنسان المفلس المائت يرتمي علي الله الغني الكامل في محبته والقادر علي كل شيء (ع 20 و21 ) .

      فالخاطئ مهما كان فجره ، عندما يقف أمام الله مؤمناً وواثقاً في شخصه وقدرته ومحبته ،سوف يبرره الله . فإبراهيم رغم موته الجسماني قد تمم له الله الوعد وأعطاه النسل .

     هذا الإيمان الواثق يتناقض تماماً مع الأعمال التي يظن الإنسان أنه بها ينال ما يرجوه .ٍ إن الإيمان يعتمد علي نعمة الله “متبررين مجاناً ” أما الأعمال فتطالب بالأجرة كأنها دين علي الله ( ع 4 ) وهذا افتراء عليه . بهذا الإيمان يستطيع الإنسان أن ينال التبرير .

     هذا الإيمان موضوعه الله نفسه كما أعلن ذاته محباً وباراً في يسوع المسيح الذي أسلم من أجل خطايانا وأقيم من أجل تبريرنا ” ( 4: 24 و 25 ).

      (جـ) بهذا الإيمان قد تبررنا ، إننا لم نثيرر كأجرة للإيمان ولكن فيه فهو يصف موقفنا أمامك الله . هذا التبرير يسميه الرسول المصالحة . فيموت المسيح قد نلنا المصالحة ، صا5:ا الله لنفسه قاتلا العدالحقيقة.فصلت بيننا ( 5 : 10 أنظر 2 كورنثوس 5 : 18 و 19 ) وخلصنا من الغضب الذي كان لنا بالمرصاد ( 5 : 9 ) .وتغيرت العداوة إلي سلاما مع الله ( 5: 1 ) ودخلنا إلي الحياة الحقيقة. . الحياة الجديدة ( 5: 2 ). هذه الحياة في النعمة ليست عطية حاضرا فقط ولكنها عطية المستقبل أيضاً. . إننا نفتخر على الرجاء فيه يتمجد الله فينا وفي حياتنا ( 5 : 2 ) . وعلى فإننا نفتخر أيضاً في الضيقات التي تحيط بنا ، عالمين أن هذا الضيق لا يؤدي إلي تحطيمنا وكسرنا وانهزامنا بل المجد لأنه ينشئ صبراً والصبر تزكية رجاء والرجاء لا يجزي ، هذا كله يأتي لأن محبة ” الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطي لنا ( ع 3 – 5 ) .

      هذه الحالة المجيدة أعطانا الله لأنه وهب لنا المسيح باذلا إياه عن خطايانا ووهب لنا الروح القدس ساكباً المحبة في قلوبنا.

     هذه هي الحياة التي ينالها المؤمن عندما يتبرر بالإيمان . 

سر الحياة الجديدة (5 : 1 – 11 و 6 و 8 )

     لكن الرسول لا يترك الأمر عند هذا الحد ولكنه يذهب إلي الأعماق فيرينا هذه الحياة المجيدة ، كيف تنساب فينا وكيف تظهر ؟ ما هو مداها وما هو مجدها ؟

     ( أ ) هذه الحياة الجديدة يكشفها عندما يتكلم عن المعمودية في معرض حديثه عن نعمه الله المتكاثرة التي تستوجب الحياة المسيحية الحقيقية. فيقول ” نجن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش فيها، أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع اعتمدنا لموته. . “( 6 : 2 و 3 ) يربط هذه الحياة المجيدة بالعمودية ، ليس لأن المعمودية هي التي الحياة الجديدة أو الولادة الجديدة ، كلا لأن هذه كلها الله قد جهزها كلها في المسيح يسوع ” إنما المعمودية هي الخضوع الكلي بالإيمان لعمل اله في المسيح ” ولهذا فإننا ندفن مع المسيح ونتحد معه بشبه موته ( ع 5 ) .

     وكما أقيم هو مصير متحدين معه بقامته فنسلك في جدة الحياة . يعطي الرسول هنا أهمية كبري للمعمودية ليس كسر ولكن كعمل فيه نسمع بالأيمان كلمة الله : إنه كما أعطانا الحياة الأبدية في المسيح يسوع لغرسنا في جسد المسيح أي في كنيسته ، وبذلك نصبح في المسيح أي متحدين معه في جسده في حياة مجيدة . . أعضاء في الجسد .

     هنا يصلب إنساننا العتيق وبذلك يبطل جسد الخطية فلا نستعبد بعد لها

(ع6) . ويجب أن نغرق هنا بين إنساننا العتيق وجسد الخطية. فالإنسان العتيق ليس هو الجسد ولا هو الطبيعة البشرية الفاسدة التي تتحكم فيها الخطية هذا يسميه الرسول الجسد ، ولكن الإنسان العتيق هو نفسه الأشياء القديمة ( 2 كورنثوس 5 : 17 ) إنها البشرية الموحدة في آدم في مقابل الخليقة الجديدة التي هو جسد المسيح ، فالإنسان العتيق هو صلتنا بآدم ، صلب مع المسيح ، ماتت هذه الصلة القديمة بآدم فأصبحنا في المسيح .. انغرسنا في جسده . . وبهذا يضعف أو يبطل جسد الخطية .. إنه لا يموت ولكنه يبطل أي تنهد قوته ولا نعود بعد مستعبدين تحت الخطية.  

      هذه هي الناحية التي قد نسميها سلبية الحياة المجيدة، إنساننا العتيق يصلب وتنتهي صلتنا بآدم: الإنسان الأول،  ونصبح أحياء وفيه. . أعضاء جسده . وبذلك لا يمكن أن نستعبد للخطية مرة أخرى.

     (ب) ولكن هذه الحياة حياة إيجابية . . إنها حياة الروح ( ص 8 ) . ولعل الرسول يصل هنا إلي المستوي الأسمى في معرفته للحياة المسيحية. لقد أصبحنا في المسيح الآن ، إذاً فلا توجد علينا دينونة ، تبررنا بالإيمان فلنا سلام مع الله ( 5 : 1 ، 8 : 1 ) . هذه ، التبرير والتمتع به والإيقان منه فعل روح الله القدس الذي وهبنا الله إياه ( 8 : 9 ) . وهو أيضاً روح المسيح الذي لنا الذي يؤكد لنا أن المسيح أيضاً وهو فينا ؟( ع – 9 ) ويلاحظ هنا أن الرسول لا يذكر أي نوع من الأعمال التي يجب أن نتركها أو يجب أن نقوم بها ، ولكنه يذكر مبدأ أشمل : ‘ن الذين يسلكون بالروح فيما للروح يهتمون ، مقابل أولئك  الذين يسلكون بحسب الجسد فإنهم يهتمون للجسد ولكن ما هو اهتمام الجسد ؟ عداوة لله أما اهتمام الروح فهو الخضوع لناموس الله وعمل رضاءه (ع 7).إن اهتمام الروح فهو الخضوع لناموس الله وعمل رضاءه (ع7). إن اهتمام الجسد هو موت أما اهتماما الروح فهو حياة وسلام (ع6).

       فإذا كانت الحياة المسيحية هي حياة الروح فماذا يعمل الروح القدس ؟ إنه يؤكد لنا – كما سبق – انتماءنا للمسيح (ع9).

     وهو الذي سيحي أجسادنا وهو الذي يميت أعمال الجسد أي يحارب الجسد معنا ويقاومه حتى لا تهود للاستعباد له مرة أخرى (ع3) غلاطية ( 5 : 16 و 17 ) وهو الذي يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله فيطرح الخوف وروح العبودية إلي خارج ، لكي نتقدم بكل ثقة إليه واثقين أننا أبناء لله وأخوة للمسيح ووارثين معه (ع15 – 17 ) .

     وهو الذي يخلق فينا الرجاء لأنه يعلن لنا الأمجاد التي لنا رغم كل ما يحاصر أنا من آلام وتعب. إنه الباكورة التي تكشف ما هو آت بعد من أمجاد، وبذلك يخلق فينا الرجاء وسط الضيق. وليس فينا فقط بل في كل الخليفة التي تئن متوقعة استعلان أنباء الله . فتحرر هذه الخليقة نفسها من عبودية الفساد إلي حرية مجد أولاد الله

(18 – 25 ) .

      أما ضعفاتنا ضعف صلاتنا فهو الذي يعيننا فيه ، لأنه يكشف لنا قلب الله ويكشف قلوبنا لله ( ع 26 و 27 ) .

      إنه يؤكد لنا محبة الله الذي اختارنا ودعانا بعد أن عيننا . وعرفنا، ولهذا فهو يسيرنا في طريق السمو حتى نصبح مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكراً بين أخوة كثيرين ( 28 – 30).

      ولعل من يقرأ الجزء الأخير في هذا الإصحاح يجد عمق اليقين والرجاء، وهو شيء لا يمكن للعالم أن يتمتع به، ولا أن يعرفه ” فماذا نقول لهذا إن كان الله معنا فمن علينا. . من سيشتكي علي مختاري الله ؟ الله هو الذي يبرر . . من سيفصلنا عن بحبة المسيح . . في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا

 فإني متقين أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة أو مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله في المسيح ربنا ( 31 –  39 ) ما أمجدها من حياة .

بر الله الاختيار التاريخي : ( 9 – 11 ) .

       النظرة السطحية إلي نهاية الإصحاح الثامن وبداية الإصحاح التاسع تكشف أن لا ارتباط بين الاثنين ، ف‘ذ ينهي الرسول وصف اختباره للحياة الروحية الجديدة فعنه يرفع من أعماق حياته أغنية النصرة ، ولكنه فجأة يصرخ من الألم لأن له حزناً عظيماً ووجعاً في قلبه لا ينقطع . . أي صلة بين الاثنين ؟ لطن لدي التأمل العميق يجد الدارس أن الصلة وثيقة وكاملة بل ضرورية. ومكملة. ولو لم يكن هناك ص 9 – 11 لأحسسنا أن سؤالا هاماًَ وجذرياً لم يجب عليه الرسول. . فما هو ؟ وما هي هذه الصلة ؟ ولماذا أن يقول لنا في هذه الإصحاحات ؟

سؤال حتمي:

     أسلوب الرسول في كتاب هذه الرسالة كان أسلوبا الحوار، فالقارئ يجد عدة أسئلة في الإصحاحات السابقة. كأنما يقف واحد نمن اليهود لكي يعارضه ويحاول أن يجد خطاً في مناقشه. ويوجد في الإصحاحات الماضية لا أقل من ثمانية أسئلة: 3: 5 و 9، 4: 1، 6: 1 و 15، 7: 27، 8: 31 و 33 و 34. هذه الأسئلة ولم يذكر بوضوح . ولكن الرسول جلس ليجيب عليه في إصحاحات كاملة هي 9 – 11. ونستطيع أن نستنبط هذا السؤال من خلال مناقشه ، وقد يجري على هذا المنوال : إذا كان الله البار قد أظهر بره في تبرير الإنسان الخاطئ الذي يأتي إليه ، وإذا كان يفي بوعده

 لكل إنسان في أيمان كامل، فهل تعتقد أن الله قد بوعده لإسرائيل ؟ ألم يقل يقبلهم، الله سيبرر شعبه حتى ولو كان خاطئاً ؟ ألم يعدهم بالخلاص ؟ أين يعد يقبلهم، فكيف يمكننا أن نعتمد على بر الله وإمامته في المدى البعيد إذا كان قد ترك هذا الشعب، الذي اختاره، هكذا يهلك ؟

     هذا هو السؤال وهو سؤال حتمي وحاسم تسأله الأمم. وهم ينظرون باحتقار، وفي نفس الوقت، يخوف وشل إلي اليهود الذين رفضوا ابن الله وصلبوه. لقد جاء إليهم ولم يترك أرضهم بل بشرهم وقدم لهم نفسه، ولكنهم لم يقبلوه. وفوق ذلك لم يريدوا أن يصدقوا أنه  ولم يخضعوا لبر الله فيه ، فلماذا هذا التقسي ؟ ولما جاء رسله يبشرون بالإنجيل أرادوا أن يقتلوهم بل قتلوا بعضهم فعلا وشردوا آخرين. فكيف نفسر هذه الظاهرة المحبرة ؟ هل سقطت كلمة اله ووعده ؟ هل رفض شعبه ؟ 

     على هذا السؤال يجيب الرسول في ثلاث نقاط : طبيعة إسرائيل – حاضر إسرائيل – رجاء إسرائيل .

طبيعة إسرائيل :

     يبدأ الرسول بأن يكمل الإجابة على السؤال الذي وضعه في 3 : 1 . إذاً ما هو فضل اليهودي أو ما هو نفع الختان ، فهناك لم يذكر سوي جملة واحدة في ع2 إذ يقول كثير على وجه  : ” أما أولا فلأنهم استؤمنوا على أقوال الله ” ثم لم يكمله ، فلم نجد ثالثاً . . ولكنه يكمل هنا الإجابة ويعدد الامتيازات العظيمة التي كانت لهم ( 9 : 4 و 5 ) ” لهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ، ولهم الآباء منهم المسيح

 حسب الجسد الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلي الأبد آمين ” هذه الامتيازات العظيمة التي أعطاها لم ، منها مواعيده ووعده تدل على أنه لا يمكن أن يترك كلمته هكذا تسقط ، إذاً لماذا تقسي بعضهم بل والأكثرية منهم ؟

       هنا يضعنا الرسول أمام تلك العقيدة القديمة التي أعلنها الروح القدس للأنبياء في العهد القديم ، وأضحت واحداً من أعمدة اللاهوت الكتابي بل جوهر المعاملة الإلهية التي حكمت كل تاريخ شعب بني إسرائيل : وهي عقيدة ” البقية” فهذه العقيدة تحكم هذا الإصحاح الذي أسئ فهمه في غالبية العصور المسيحية وظنه كثير من المفكرين المسيحيين إنه ملخص عقيدة الرسول بولس في الاختيار والقضاء الإلهي ، ولم يعرفوا أن العبارات التي جاءت في هذا الإصحاح التي يبنون عليها رأيهم هذا أوردها الرسول خصيصاً لكي يوضح عقيدة البقية هي الحل المثل للمشكلة اليهودية.

      ويورد الرسول هذه العقيدة بالتدرج الآتي : البقية تبني على الوعد الإلهي وليس على العلاقات البشرية فلان اسحق في علاقته البشرية بإبراهيم ، ولكنه ليس ابن الموعد كإسحق ( 9 : 8 و 9 ) .

      وهي تبني على بر الله وليس على البر البشري كما حدث في قصة يعقوب وعيسو ، فقد اختبر يعقوب وهو لم يولد بعد لا هو ولا عيسو أخوه الذي رفض ، فالدعوة لا تبني على الأعمال بل من الذي يدعو ( 10 – 13 ) .

     وهنا يجاوب الرسول على سؤال شري يبنى على المنطق البشري ولا يلحظ الدور الإلهي الذي يفوق تفكيرنا المحدود وجبلتنا الناقصة: ” هل عند الله ظلم إذ يفعل ذلك ؟ ” إن الرسول يواجه السائل نفسه لأنه فكر في هذا السؤال: لماذا تسال هكذا؟ هل تستطيع الجبة أن تقول لصانعها لماذا خلقتني هكذا؟ .

 إن فرعون نفسه جبروته لا يستطيع أن يقوم هدف الله وغرضه. إن جواب الرسول على السائل لا يقصد به إجابة السؤال بل إسكات السائل وتوبيخه لأنه لم يتأدب في حضر الله ( 9: 14 – 23 ).

ثم يبدأ الرسول قصة البقية بعد أن يهيئ القارئ في ع24 عن دعوة الله لليهود وللأمم . ثم يورد أقوال الأنبياء في هو شع 25 و 26 ثم إشعياء 27 – 29 ، أنظر هو شع 2 : 23 ، 1 : 10 وإشعياء 1 : 9 .  

 وبعد أن يبرهن الرسول ” عن البقية ” من تاريخ الشعب وأقوال الأنبياء يطبقها على الوقت الحاضر في الأمم واليهود. وهنا يدخل الرسول عنصرين جديدين في عقيدة البقية لم يعرفهما العهد القديم العنصر الأول هو عنصر الأمم. لقد كانت البقية قديماً هو يهود أبرار في وسط أمة ضالة. . كلهم من أمة واحدة، ولا دخل للأمم هنا، أما الرسول فقد رأي في البقية يهوداً وأمماً لأن الحاجز بين الاثنين قد انتهي.

أما العنصر الثاني فهو عنصر الإيمان ، وهذا ما أراد الرسول أن يثبته من أو الإصحاح وخاصة في قضية يعقوب وعيسو ، إن الأنبياء قديماً فهموا أن البقية هي الجماعة البارة التي لم تسجد لبعل بل حفظت كل وصايا الله ( 11 : 4 ، إشعياء 1 : 9 ، 10 : 22 ) أما الآن فقد صار الإيمان لا البر الناموسي هو الأساس الكامل للبقية ، وإلا فكيف ينجو الأمم ، وكيف دخلوا إلي حظيرة الرب كما هو واضح في ( 9 : 30 – 23 ) .

  إذاً فإسرائيل الحقيقي ليس هو ابن الجسد ولا هو من يريد أن يبرد نفسه ويعتمد على قدرته،   ولكنه إسرائيل الموعد، إسرائيل الإيمان. . إنه البقية الحقيقية التي نبتت في وسط الضلال، بقية قوامها الإسرائيلي الذي يخضعون

 لبر الله والأمم الذين قبلوا المسيح.. هذه هي طبيعة إسرائيل وعلى هذا الأساس فكلمة الله لم تسقط بل هي باقية ووعده البار كما هو. 

موقف إسرائيل الحاضر :

      إذا كان الوعد للبقية إذاً فما هو موقف اليهود أبناء إبراهيم بالجسد ؟ وماذا يقول عنهم الرسول ؟ يصف الرسول حالهم مستخدماً مجموعة من الألفاظ المؤلمة عنهم ( 10 : 1 – 11 : 10 ) فيقول عنهم :

 جهلاء:

       ولكنه ليبس جهلا عقلياً، فما أكثر علماؤهم. ولكنه جهل دني لا هوتي . لقد جهلوا بر الله فحاولوا أن يثبتوا بر أنفسهم 0 ( 10: 3 ) ظنوا أن البر الذي يطليه الله هو أن يقوموا بإتمام الناموس حرفياً فعلوا ذلك خدعتهم الخطية ووثقوا في أنفسهم ولم يخضعوا لبر الله.

      وقد جهلوا القصد الأسمى من الناموس ، ولم يعرفوا أن ” غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن ( 10 : 3 ) ظنوه أنه هدف في ذاته ولم يريدوا أن يعرفوا أنه مؤدبنا إلي المسيح ، فجعلوا منه صنماً يعبدونه ز لو فتحوا أذهانهم لعرفوا الطريق الصحيح الذي يلخصه الرسول ” لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت ” ( 10 : 9 ) .

      ولكن ألم يكونوا معذورين في هذا الجهل ؟ ألم يأتمنهم الله علي الناموس ؟ ألم يشدد عليهم أنم يعملوه ؟ الجواب كلا .. لقد أرسل لهم الرب كارزين ليبشروهم بالمسيح بر الله لقد دوت في آذانهم كلمات قديماً مشيراً إلي المسيح ” ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات ” ولكنهم رفضوا وتقسوا ولم يريدوا أن يسمعوا . . إن جهلهم صار مطبقاً ( 10 : 14 – 21 ).

وهم قساة :

      ندما جاء الكارز ، قبلته ، وهذا دليل على إن الله لم يرفض شعبه فمعني الرفض عند الرسول هو إنهاء حالة العهد مع الشعب كله ، بكل أفراده وحرمانهم من الفرصة للتوبة ، وإذا كان كذلك فإن قبول البعض منهم للمسيح وخضوعهم لبر الله على أن الله باق على عهده وأنه أبقى لهم بقية . ولعل أهم برهان على ذلك هو الرسول نفسه ، فهو كواحد من اعتي اليهود وأقساهم قد جذبته النعمة وقبل المسيح ( 11 : 1 – 7 ) .

      هذا عن البقية، أما الشعب كافة فقد تقسي. وتمت فيهم النبوات التي قيلت عنهم ” أعطاهم الله روح وعيوناً حتى لا يبصروا وآذانا حتى لا يسمعوا إلي هذا اليوم ( نظر تثنية 29 : 24 ، إشعياء 29 : 10 ، 35 : 1 ) وداود يقول : لتصر مائدتهم فخاً وقنصاً وثرة ومجازاة لهم لتظلم أعينهم كي لا يبصروا ولتحن ظهور هم كل حين ” مزمور 69 : 22 و 23 ) ، ( 7 – 10 ) .

وهم عثرواً :

     يقول الرسول ” فأقول ألعلهم عثروا لكي يسقطوا . . ” ( 11 : 11 ) لقد صار المسيح لهم حجر صدمة عثرة اصطدم به هؤلاء فعثروا ، ويقول الرسول نفسه عن الصليب إنه صار لليونانيين جهالة أما لليهود فقد صار عثرة ( 1 كورنثوس 1 : 23 ) لأنهم طلبوا مسيحاً آخر يحقق لهم ما أرادوه بالجسد ، أما من يخلصهم من خطيتهم ويعلنه لهم بر الله فهذا قد عثروا واصطدموا به . 

رجاء إسرائيل: ( 11: 11 – 35 )

     ولكن هذا كله كان في علم الله وتدبيره السابق فلم يكن نهاية المطاف.

فإن عثرتهم هذه لم تكن للسقوط الأبدي كما عرفنا من قبل ويورد الرسول خطوات الرجاء الباقي لإسرائيل:

      أولا :  استخدم عثرتهم هذه في دخول المم إلي الإيمان إذ ط بزلتهم صار الخلاص للأمم ” ( 11 : 11). ولم يكن هذا القول ” مقولة ” لاهوتية نظرية بل اكتشف الرسول السر في حقل الخدمة فعندما كان يذهب إلي مكان ليبشر فيه كان يدخل إلي اليهود أولا ليقدم لهم الإنجيل، وكانت العادة أن فضوه عن لم يكن كلهم فعلي الأقل أكثرهم. وعندئذ ينفتح الباب للأمم فيذهب إليهم بإنجيله ( انظر أعمال 13 : 46 – 51 ، 14 : 1 – 7  . . الخ ) هذه القساوة فعف المبشرين إلي الأمم . وهكذا بدأت البقية من الأمم . وهكذا تدخل إلي الحظيرة . وهنا الرسول تشبيهاً من الزيتونة ؛ فالزيتونة البرية التي لم تثمر هي زيتونة الأمم قطعت منها أغصانها ثم طعمت في الزيتونة الحقة ، وهي زيتونة الكنيسة بكل ما يتصل بها ، وزيتونة ملكوت الله فصار المم شركاء في أصل الزيتونة ودسمها . . كل هذا جاء نتيجة قساوة اليهود وعدم قبولهم للمسيح . .  إنه باب عظيم للأمم .    

      ولكن هناك أمراً ثانياً، وهو أن قبول الأمم يثير شيئاً آخر وهو ” ‘غارة ” اليهود، أي أنهم يحسون بالغيرة من الأمم فينجذبون إلي الإنجيل. ولهذا السبب يقول الرسول ” فإني أقول لكم المم . بما أتي رسول للأمم أمجد خدمتي لعلي أغير أنسبائى واخلص أناساً منهم ” ( 11 : 13 و 14 ) . فخدمة الرسول للأمم لها هدف بعيد هو إرجاع أخوته وأنسبائه حسب الجسد وان يغير هم فتتم البنوة القديمة ” أنا أغير هم بما ليس أمة بأمة غبية أغيظكم ( 10 : 19 أنظر تثنية 32 : 21 ) . هذه الغيرة تدفعهم لا إلي المحاربة البشعة الجاهلة كما فعلوا في أول الخدمة، ولكن إلي انفتاح الأعين وقبول المسيح

 كما بفعل الأمم ، فيرجعون إلي امتيازاتهم العظيمة . ولعل الرسول كان مهتماً جداً بهذا الأمر ؟. كان يعتقد أنم جمع الأموال من الأمم لليهود لتوزيعها على فقرائهم في أورشليم واليهودية هو عامل فعال في إغارتهم وحثهم على الرجوع.

      وفي هذا المواقف يتجه الرسول إلي الأمم الذين كانوا علي غير وفاق مع اليهود ، وغالباً ما كانوا يحتقرونهم فيقول لهم ” إن كان رفضهم مصالحة العالم فماذا يكون إقتبالهم إلا حياة من الأموات ” ( 11 : 15 ) فرفضهم كان بركة للأمم فيجب ألا يحتقروهم ، بل بالعكس يصلون إلي الله لعلهم يرجعون ، فبركة رجوعهم ستكون أعظم وأمجد . ثم أنه يحذرهم ألا يفتخروا عليهم فيسقطوا في نفس العثرة التي وقع فيها اليهود . إنهم زيتونة برية قد قلمت وطعمت في الزيتونة الحقيقية فإن لم يخافوا ويتموا خلاصهم بخوف ورعدة فما أسهل قطعهم. . ” لأنه أن كان الله لم يشفق علي الأغصان الطبيعية فلعله لا يشفق عليك أيضاً (ع21).

      إن الله قادر أن يطعمهم في زيتونتهم الطبيعية كما فعل لأمم الذين طعمهم في زيتونة مغايرة.

      ولكن الرسول يوجهنا إلي أمر ثالث وأخيراً وهو كشف6 سر لم يعرفه الأمم مفاده أن مفاده أن ” القساوة قد حصلت جزئياً لإسرائيل ، إلي أن يدخل ماؤ الأمم ” أي أن القساوة ليست تامة لا رجعة فيها وكلمة “جزئياً ” قد تعني أنها حصلت لجماعة دون أخري من إسرائيل وهذا القول يؤيده الموقف الذي يصفه الرسول من أن الرب لم يرفض شعبه لأنه قبل جماعة منهم وهو واحد من المقبولين (11 : 1 ) . وقد تعني مده من الزمن وتؤيدها عبارة ”   إلي أن تدخل ملئ الأمم ”  (ع25) . علي كل حال فالكلمة جزئياً قد تعبر عن

 المعنيين معاً أي أن جماعة منهم حتى وإن كانت أغلبيتهم قد تقسوا ،  وأن هذه القساوة سوف تستمر مدة من الزمن وتنتهي .

      أما العبارة الصعبة فهي ” وهكذا يخلص جميع إسرائيل ” (ع26) فماذا يقصد بجميع إسرائيل ؟ هل هم إسرائيل حسب الجسد ؟ أم هم إسرائيل الروحي الذي يتكون من اليهود والأمم الذين يقبلون المسيح ؟ لقد انقسم المفسرون إزاء هذه العبارة الصعبة ، ولكن رغم كل انقسام فإننا نري أن كلمة ” جميع ” ليست مطلقة ، فالرسول لا يقصد كل اليهود الذين تقسوا وماتوا والذين لم يتقسوا ، وفكر الرسول كله يقف ضد هذه العبارة  . . إن الذين يخلصون هم جميع المعينين للحياة الأبدية . . إن رجاء إسرائيل في المستقبل هو الرب .

      وهنا يلخص الرسول كل تفكيره من جهة اليهود وعلاقتهم بالأمم ” من جهة الإنجيل هم أعداء من أجلكم. . وأما من جهة الاختيار فهم أحباء من أجل الآباء ” (ع28). في عصر الإنجيل هذا قد أظهروا عداوتهم له لكي يخلص الأمم. ولكن هذه ليست النهاية فإن وعد الرب لآبائهم لن يسقط أبداً وكلمته لن يغفل عن إقامتها، ولهذا فسوف يغيرهم بالأمم ويعمل بقوة لكي يرجعوا ويقبلوا المسيح. هذا هو الطريق ” فإنكم كما كنتم أنتم مرة لا تطيعون الله ولكن الآن رحمتم بعصيان هؤلاء هكذا هؤلاء أيضاً الآن لم يطيعوا لكي يرحموا هم أيضاً برحمتكم (ع30و31 ) فالله قد أغلق علي الجميع معاً في  العصيان لكي يرحم الجميع ” الطريق الوحيد هو الخلاص المقدم الآن . . هو الإنجيل . . هو الرحمة التي قدمت للأمم وتقدم أيضاً وتقدم أيضاً لليهود لكي يقبلوها كما قبلها الأمم.

     وهنا في رهبة الإعلان ينطق الرسول بمجد حكمة الله ” يا لعمق غني الله وحكمته وعلمه ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء، لأن

 من عرف فكر الرب من صار مشيراً أو من سبق فأعطاه  فيكافأ لأنه منه وله ربه كل الأشياء له المجد وبه كل الأشياء له المجد إلي الأبد آمين ( 33 : 36 ) .

بر الحياة الجديدة :

     هذه الحياة الجديدة – حياة البر تظهر للجميع في أمور عديدة :

     1-الصلة العميقة بالله بأن يقدموا أجسادهم ذبيحة حية مقدسة مرضية وأن يتغيروا عن شكل العالم ليكونوا الله ( 12: 1 – 3 )

     2-الصلة العميقة التي تحكم المؤمنين فهم جسد المسيح وقد قسم الله لكل واحد موهبة فيجب أن يستخدمها في خدمة الآخرين كأعضاء للجسد الواحد ( 12: 4 – 13 ).

     3-صلتهم بالجماعة الخارجين حتى الذين يضطهدونهم\فلا بد أن يصلوا لأجل الجميع ويظهروا بمنظر حسن أمام جميع الناس ( 11: 15 –21 ).

     4-خضوعهم لأصحاح السلطان طالما هم يفعلون كل عمل لأجل خير الجميع وكل كن تحت سلطانهم (131-7) .

     5-المحبة هي الدين الوحيد الذي يجب أن يوفره للجميع ( 13: 8 – 10 ).

     6-الاستعداد الكامل لمواجهة العالم ومجئ الرب ( 13 : 11 – 14 ) .

     7-يجب أن يقبل الأقوياء الضعفاء بما هم فلا يعتر وهم ولا يهتمون بأمور طقسية قد لا تنفع بل تضر . ويلخص الرسول ذلك قوله ” فلنعكف إذاً على ما هو للسلام وما هو للبنيان بعضا لبعض ( 14: 19 ).

      وبعد أن ينبر الرسول على هذه العلاقة الخاصة في كنيسة المسيح.

   وفي ( ص 14، 15: 1 – 14 ) يبين لهم سبب زيارته لهم كما سبق أن عرفنا

في 15 : 14 – 33 ويقدم له التحيات الكثيرة والبركة الرسولية ص16 .

      وإلي هنا تنتهي هذه الرسالة البالغة العمق التي صار لها في كل تاريخ المسيحية سلطان قوي كما وضح في أغسطينوس ولوثر وكارل بارت وغيرهم من عمالقة الإيمان المسيحي .

رسالتا كورنثوس                                     

    رسالتا كورنثوس من أطول الرسائل التي كتبها الرسول بولس . فهما ورسالة رومية أطول رسائله . ولكنهما ليسا كرسالة رومية في أسلوب الكتابة . فبينها تسير رسالة رومية انتظام فكري ملحوظ يسيطر على الرسالتين تنوع غريب في أسلوب الكتابة كما سنري فيما بعد.

مدينة كورنثوس :

     ولكن قبل الدخول في تفاصيل الرسالة علينا أن نعرف شيئاً عن مدينة كورنثوس . هذه المدينة بنيت على أنقاض كورنثوس القديمة الشهيرة في العالم الهلينى ، التي هدمت سنه 146 ق . م وفي سنه 45 ق . م أعاد يوليوس قيصر بناؤها وجعلها مقاطعة رومانية يسكنها الجنود القديمة ، وفي سنه 27 ق . م عندما انعزلت اليونان عن مكدونية لتكون مع أبيروس إقليم أخائية صارت كورنثوس عاصمة هذا الإقليم الكبير وموطن الحاكم الروماني . . ولكن لم تكن هذه المقاطعة تحت إشراف الإمبراطور بل تحت حكم مجلس الشيوخ الروماني.

     أما موقع كورنثوس الجغرافي فقد أعطاها امتيازاً هائلا ، فهي تقع بين بحرين يحدانها من الشرق والغرب وعلى واحد منهما أقيم ميناء ضخم ،

 فالميناء الشرفي اسمه كنخريا والميناء الغربي كاليخيوم . وهذا جعل من كورنثوس مركزاً تجارياً لا يباري في مجده .

     ومما زاد أهميتها مرور الطريق العظيم الذي يربط بين الشرق والغرب بها ، فجعلها أيضاً مركزاً برياً للتجارة إلي جانب أنها مركز بحري عظيم .

    ونظراً لأن السفن كانت الدوران حول الجزء الجنوبي من بلاد اليونان فكانت ترسو على أحد الميناءين وتنقل البضائع بواسطة سفن صغيرة إلي الميناء الآخر شحنها في سفن كبيرة وكانت السفن الصغيرة تحمل على قوارب أرضية تسير على عجل إلي الناحية الأخرى . فصارت كورنثوس من أشهر المدن التجارية .

   لهذا السبب كثرت فيها الجنسيات وتعددت أنواع الناس الذين سكنوها فصارت مدينة عالمية من حيث التجارة وينوع الجنسيات التي تسكنها.

   وكان لهذا التنوع الكبير أثره الواضح، فالمدينة لم تضارع أثينا مثلا في ثقافتها وحضارتها ولكن في غناها واقتصادها كانت مشهورة جداً . وفيها أيضاً النقي آلهة الغرب والشرق فالتقي فيها جوبيتر وأرطاميس وأفرودتس مع آلهة الشرق كإيزيس وسير أبيس وغيرها . ولكن أهو معبد في المدينة هو ما أقيم لأفرودتس علي رابية عالية جداً وهناك كرست أكثر من ألف امرأة أجسادهن لخدمة هذه الآلهة مما جعلها تشابه عشتاروث آلهة الشرق القديمة في شرها وفجورها . لقد أثر ذلك علي سمعة المدينة فأصبحت كورنثوس مرادفة للرذيلة والانحطاط الأخلاقي ولعل الرسول بولس كان يصف الجو الذي كان يسودها في ذلك الوقت عندما كتب عن خطايا الأمم في رسالته إلي رومية (1 : 18 –32 ) . وظهرت فيها أيضاً الفروق الاجتماعية المتطرفة

 فكان فيها الفقر المدقع إلي جانب الغني والترف المبتذل . . فكانت كورنثوس لذلك بلد إفساد مشهورة في أنحاء الإمبراطورية بفسادها وتطرفها في كل شيء .

ومما في شهرة المدينة تلك الألعاب التي كانت تقام سنوياً في أسثيموس Isthmes  التي لا تبعد عنها أكثر من عشرة أميال . وكان الاستعداد لهذه الألعاب يستمر شهوراً حيث تتدفق علي كورنثوس جموع غفيرة من الرياضيين والزوار والتجار وطالبوا المتعة . ولعل الرسول بولس رأى بعض هذه الألعاب في ربيع سنه 51 م فاتخذ منها تشبيهاً للحيلة المسيحية ووصفها وصف من رآها مرآي العين ( 1 كورنثوس 9 : 24 – 27 ) .

كيف تكونت كنيسة كورنثوس :

  سبق أن عرفنا أن الرسول بولس في رحلته الثانية مضي إلي أوربا فذهب فيلي في مكدونية، وبعدها ذهب إلي تسالونيكي ثم إلي بيريه ثم إلي أثينا ، وبعد خطابه المشهور هناك أقلع إلي كورنثوس بعد أن لحق به سيلا وتيموثاوس هنا بدأ الرسول معسكراً للتبشير يعد من أقوي ما فعل في رحلاته التبشيرية .

     تعرف قبل كل شيء علي زوجين أكيلا وبريسكلا وقد كانا يهوديين مسيحيين يعملان في صناعة الخيام في روما، ولكنهما طردا مع اليهود الذين طردهم كلوديوس قيصر من رومة فجاءا إلي كورنثوس ، وتقابل معهما الرسول وأقام معهما ، فكانا له عوناً كبيراً ( أعمال 18 : 1 – 3 ) . ومما ساعد الرسول أيضاً أن كان في المدينة مجمع لليهود كبير ، فركز خدمته فيه ونجح في اجتذاب الكثيرون منهم وعلي رأسهم كريسبس رئيس المجمع وأهل بيته ( أعمال 18 : 8 ) .ولكن لما رفضه اليهود بعد أن ناقشهم في المجمع عدة سبوت وقاوموه بشدة نفض ثيابه وقال لهم” دمكم علي رؤوسكم . أنا

 برئ ، من الآن أذهب إلي المم ” ( 18 : 4 – 6 ) وذهب يوستس رجل متعبد لله بيته يلاصق . المجمع . مكث الرسول سنه ونضف يعظ ويبشر في المدنية بعد أن شجعه الرب في رؤيا في الليل وتكونت كنيسة كبيرة لها وزنها في المجتمع المسيحي.

   وأخيراً أراد أن يطردوه من المدينة ولكنهم فشلوا، لأن الحاكم رفض طلبهم طبهم وطردهم من محضره. . فمكث بعد مدة وذهب هو وأكيلا وبريسكلا إلي أفسس وتركهما هناك وسافر هو إلي قيصرية وإنطاكية .

     ولقد كان زار بولس هذه الكنيسة بعد أن تركها الرسول بولس . وأبوس هذا كان يهودياً إسكندرياً مدرباً تدريباً عالياً في الخطابة ، وله ثقافة واسعة ومعرفة عميقة في الكتب المقدسة ، ولكنه كان لا يعرف إلا معمودية يوحنا . فلما وصل إلي أفسس أولا : أخذه أكيلا وبريسكلا إلي مكانها وهناك شرحا له كل ما يخص بيسوع المسيح بكل وضوح . ثم أراد أن يذهب إلي أخائية فأخذ وصية من الأخوة وذهب إلي كورنثوس وساعد كثيراً بقوة حجته على إفحام اليهود مبيناً من الكتب أن يسوع الناصري هو المسيح . وقد كانت خدمته ناجحة قوية كما الرسول نفسه إلي ذلك ( 1 كورنثوس 3 : 5 – 9 ) . وبهذا العمل الذي فدمه أبلوس تقوت كنيسة وتثبتت كثيراً في طريق الرب . ومع ذلك فقد كانت هناك نتائج أخرى لخدمته ، نتائج لم يسر لها بولس ولا أبولس بل حزنا جداً لها كما سنري فيما بعد ( 1 كورنثوس 16 : 12 ) .

نوعية الكنيسة  :

      ولكن ما نوعية هذه الكنيسة ؟ 

     1-كانت الغالبية العظمي منها من أصل أممي ( 1 كورنثوس 12 : 2 )

 ومع ذلك فقد كان بها عدداً لا  بأس به من اليهود ، يخاطبهم الرسول في 1 كورنثوس 10 : 1 – 11 فيقول عن إسرائيل البرية ” آباؤنا ” . وكانت الغالبية أيضاً من الطبقات الفقيرة التي لم ترتفع إلي مستوي الأرستقراطية التي ظهرت في المدينة. ولهذا يخاطبهم الرسول بقوله ” ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون أقوياء كثيرون شرفاء ” ( 1 كورنثوس 1 : 26 – 31 ) . ومع ذلك فقد كان فيهم أيضاً جماعة من الأغنياء والشرفاء والمتعلمين ( 1 كورنثوس 11 : 21 و 22 ، أعمال 18 : 8 ، رومية 16 : 23 ) وبهذا تكون الكنيسة عبارة عن طبقات اجتماعية متمايزة في الدين والثروة والعلم جمعتهم جميعاً كلمة الله التي نادي بها الرسول .

     2-إلي جانب ذلك حمل كثيرون منهم عاداتهم الوثنية إلي الكنيسة، فظهرت فيها أمور لم تظهر في كنيسة أخرى. فمثلا لم ينسوا تلك العادة القديمة المتفشية وسط المتعلمين حيث ينضوي كل واحد منهم تحت راية معلم من المعلمين ويفاخر الآخرين به ( 1 كورنثوس 2 : 10 – 13 ، 3 : 1 – 11 ) فبعضهم فاخر بالرسول بولس على أنه الرجل الذي أسس الكنيسة ونشر كلمة الله ، وفاخر الآخرون بأبولس الرجل الفصيح بولس مهما أوتي من ذلاقة لسان ، أن يجاريه في العلم والخطابة ، ومن هو بولس هذا ؟ وما هي بشارته ؟ أليست كلمات بسيطة خالية من الحكمة والفلسفة والعلم ( 2 كورنثوس 11 : 6 )  وماذا عمل ؟ أو كان يعرف ؟ أن لنفسه قدراً ولرسالته أهمية لطلب ثمنها أموالا طائلة كما بفعل الفلاسفة . كلا إن أبولس هو الرجل وهو المعلم والفيلسوف . وفاخر بعض ثالث بصفا أي بطرس .ونحن لا ندري أية صلة لبطرس بهذه الكنيسة ؟ هل زارها ؟ يظن البعض ذلك نظراً لأن الرسول يذكر اسمه في الرسالة كشخص معروف جيداً لهم (1

 كورنثوس 1 : 12 ، 9 : 5 ) . ولو افترضنا أنه يزرهم فلا بد أنهم قد سمعوا عنه الكثير . فهو التلميذ المشهور ليسوع المسيح وهذا ما يميزه عن بولس وأبولس . وفاخر البعض الرابع بأنه للمسيح ، ولسنا ندري أي نوع كان هؤلاء ، لعلهم لم يكونوا أحسن حالا من الباقين وإلا لما أدخلوا المسيح نفسه في الانقسامات .

     وحمل بعضهم فكرة الزواج الروحي فيتزوج رجل من عذراء ويبقيان هكذا دون صلات جسدية ( 1 كورنثوس  7 : 3 – 35 – 37 ) وظنوا أن هذا هو النظام المسيحي الحقيقي .

     وظهرت في الكنيسة مجموعة من النساء الموهوبات للقيادة ، اللاتي طالين لهن بحرية أوسع في الكنيسة للكلام ، فكانت الواحدة تنادي زوجها في وسط الاجتماع لتسأله بصوت مرتفع عن أمرها ، وإلي جانب ذلك تركن غطاء الرأس الذي كانت تضعه النساء الشريفات على رؤوسهن بحسب عادة ذلك العصر . ( 1 كورنثوس 11 : 5 – 16 ، 14 : 34 – 36 ) .

     كان لدي بعضهم فكرة أسطورية تقترب من الخوف والسحر بالنسبة للمعمودية ، فكانوا أن يظنون أن الذين يعتمدون لا يمكن أن يخطئوا أو يهلكوا ( 1 كورنثوس 10 : 1 – 5 ) ، بينما جعلوا من فرصة عشاء الرب فرصة اجتماعية للأكل والشرب والتباهي بالغني والثروة ومعايرة الفقراء الذين ليس لهم ( 11 : 17 – 34 ) . كان بعضهم يتمسك بالبشارة التي وعظ بها الرسول وقدمها لهم للخلاص، ولكن البعض الآخر ترك ذلك الإنجيل إلي تفكير آخر، خصوصاً في مسألة القيامة من الأموات حيث قالوا إنه لا قيامة أموات(15).

       بعضهم ظل بتباهي بمعرفته وقوة إيمانه حتى كان يعثر الأخ الفقير ، غير عابئ ولا بضعف معرفته (1 كورنثوس 8 : 1 – 13 ) . هذا هو الخليط العجيب الذي ظهر في هذه الكنيسة وميزها عن غيرها من الكنائس .

صلة الرسول بها بعد تركه إياها :

     لكي نفهم رسالتي كورنثوس يجب أن ندرس تطورات صلة الرسول بولس بهذه الكنيسة ، بعد أن أنهي تبشيره لها في أواخر رحلته الثانية وتركها . ماذا حدث بينهما ؟ وكيف سارت الأمور ؟ إن دارس الرسالة يجد هناك من التنوع الشديد للموضوعات ما يجعله يكفر في نوعية صلة الرسول بهذه الكنيسة الغير عادي . من محتويات الرسالتين يمكن للدارس أن يعرف الأمور التالية

 يبدو أن الرسول قد سمع أن بينهم أناس وقعوا في خطية الزنا  ، وأنهم يسيرون في طريق فاسق شرير ولهذا كتب لهم رسالة أولي كما يظهر في ( 1 كورنثوس 5 : 9 ) حيث يقول ” كتبت إليكم في الرسالة ألا تخالطوا الزناة ” ؟ . ولكن هذه الرسالة قد أساءوا فهمها ، فظنوا أنه يطلب منهم أن يتركوا العالم كله ، لأن الزناة في هذا العالم كثيرون ، وهذا ما لم يطلبه منهم (ع10) . إنه يطلب منهم ألا يخالطوا الزناة من أعضاء الكنيسة، حتى يمكنهم أن يعزلوا الخبيث وتنقوا ( 11 – 13 ). ولكن أين هذه الرسالة التي كتبها إليهم عنها في الرسالة الأولي ؟ يعتقد كثيرين من العلماء أنها ضاعت. أرسلها إليهم أولا ولكنها لم تصل إلينا مع الرسالتين الباقيتين. ولكن هناك رأى قوى جداً بين العلماء مفاده أن جزءاً منها باق في الرسالة الثانية وهو في 2 كورنثوس 6 : 14 –7 :1 “لا تكونوا تحت نير مع غير

 المؤمنين لأنه أية خلطة للبر والإثم وأية شركة للنور مع الظلمة . . الخ ). ويؤكدون ذلك لاعتقادهم أن هذا الجزء يظهر وكأنه محشور في المناقشة : وأن 7 : 2 يأتي بعد6 ؛ 3 بكل سهولة ويكمل المناقشة . هذه نظرية قد يكون لها ما يبررها إذ تفسر هذه الأجزاء التي ذكرت .

     2-بعد أن عرف الرسول أنهم أساءوا تفسير رسالته ، وصلته أخبار غريبة عن انقسامات في الكنيسة وأحزاب متعددة حملتها غليه جماعة اسمها أهل خلوي ” . لعلهم كانوا عبيداً لأسرة مسيحية أسمها بيت خلوي ،(1 كورنثوس 1 : 11 ) . ثم وصلته أيضاً رسالة أرسلتها له الكنيسة بيد ثلاثة ممثلين لهاهم : اسطفانوس وفرتونائيكوس وأخائيكوس ( 1 كورنثوس 16 : 17 ) ومضمونها مجموعه من الأسئلة المشكلان التي تتطلب حلا .

      وعلى أساس هذه المعلومات لها كتب لهم الرسالة الأولي التي بين أيدينا الآن ،وهي رسالة أشبه ما تكون برسالة عمل ، فيها مجموعة متعددة من المواضيع التي تلكم فيها بطريقة منظمة .

     وفي نفس الوقت أرسل إليهم تيموثاوس لكي يذكرهم بكل التي التعاليم التي علمهم إياها ( 1 كورنثوس 4 : 17 ، 16 : 10 و11 ) . . ولكن ، علي قدر ما نستخلص من الرسالتين اللتين بين أيدينا ، أن هذه الزيارة غالباً لم تتم لأنه يرسل سلامه لهم مع تيموثاوس في أول الرسالة الثانية (2 كورنثوس 1:1) .

      الزيارة المؤلمة : يؤكد العلماء أن الرسول قام بزيارة خاطفة إلي كورنثوس في الوقت الذي انقضي بين كتابة الرسالتين . ويستنتجون ذلك من (2 كورنثوس 12: 14 ، 13 : 1 ) حيث يقول لهم إنه سيذهب إليهم

للمرة الثالثة، وهذا معناه أنه قد زارهم مرة ثانية بعد تبشيره إياهم، وبعد كتابة الرسالة الأولي التي بين أيدينا. وعن هذه الزيارة الثانية يقول ” قد سبقت فقلت وأسبق فأقول كما وأنا حاضر المرة الثانية وأنا غائب الآن . . . أني إذا جئت أيضاً لا أشفق ” ( 2 كورنثوس 13 :2 أنظر2 كورنثوس 12 : 20 و 21) . ويبدو أن هذه الزيارة الثانية كانت مؤلمة وسببت لهم حزناً شديداً ، لأجل المرارة التي كانت بينه وبين الكنيسة ( 2 كورنثوس 2 : 1- 4 ) . هذه المرارة لم لها صدي في الرسالة الأولي مما يدل علي أن ذلك حدث بعد أن أرسلها لهم. إنها زيارة مواجهة بينه وبين بعض الأشخاص وجهوا إليه كثيراً من الاتهامات  التي تظهر في الرسالة الثانية . ويبدو أن الرسول لم يبق طويلا هناك بل ترك المدينة مسرعاً .

      ولكن مت حدثت هذه حدثت هذه الزيارة لا نستطيع أن نقرر بالضبط ، ولكن يتفق كثير من العلماء علي أنها حدثت أثناء  إقامته في أفسس وقبل حدوث المظاهرة التي قادها ضده الصائغ ديمتريونس ( أعمال 19 : 21 – 24 ) وبعدها رجع إلي أفسس وهناك عمل شيئاً آخر .

 4- الرسالة المحزنة:

     في 2 كورنثوس 2 : 4 يقول الرسل لهم ” لأني من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة لا لكي تحزنوا بل لكي تعرفوا المحبة التي عندي ولاسيما من نحوكم ” . متى كتب لهم االأولي.كان الرأي السالأولي.لرالأولي.م عن الرسالة الأولي. ولكن هذه الرسالة لا توحي بهذا الضغط العاطفي علي الرسول الذي يظهر في هذا المدة. نعم كان في الرسالة الأولي بعض الأجزاء المؤلمة خصوصاً في الإصحاحين الخامس والسادس، ولكن هذا لا يمكن أن يعبر عن الموفق الذي يصفه هنا. خصوصاً وأنه يؤكد في 2كورنثوس 7 : 8 أن هذه الرسالة المؤلمة التي يفترضها العلماء لم تسبب حزناً لأهل كورنثوس فقط بل جعلت الرسول نفسه يندم علي كتابتها . فأن جزء في الرسالة الأولي يندم عليه الرسول ؟ يبدو أن هذه الرسالة الصعبة التي يشير إليها لا صلة لها بالرسالة الأولي. إذاً أين هي الرسالة ؟ هناك رأيان يتمسك بهما العلماء الفذين يؤكدون نظرية الرسالة المحزنة :

     (أ) الرأي الأول يقول إن هذه الرسالة تتضمن الإصحاحات (10 – 13 ) من الرسالة الثانية ، وأن تيطس أخذ هذه الرسالة إليهم فتألموا جداً وحزنوا وتابوا ، أو علي الأقل تابت الغالبية العظمي منهم ونجوا الذين تألبوا ضد الرسول واتهموه اتهامات كثيرة . وعندما رجع تيطس إليه بهذه النتيجة ، كتب إليهم مرة أخري نادماً علي تلك الرسالة ، وفرحا لأنهم رجعوا إلي  الحالة الطبيعية في علاقة المحبة المتبادلة بينه وبينهم .هذا ما قاله في 2 كورنثوس 7 وخصوصاً ٍ6 – 15 . ويعتقد العلماء أن الرسالة المؤلمة والجزء الأول من الرسالة الثانية ( 1 – 9 ) قد وضعا معاً ولكن بطريقة مختلفة لسبب لا نستطيع أن نعرفه. ولكن ما هي الأسباب التي تجعل العلماء يعتقدون مثل هذا ؟يعطون ثلاثة أسباب :

     الأول هو اختلاف اللهجة في كلا الجزأين من الرسالة.ففي الجزء الأول ( 1 – 9 ) لا نجد الشدة والقسوة والشعور بالمرارة التي نجدها في الجزء الثاني ( 10 – 13 ) هذا الأمر  جعل العلماء يعتقدون أنه من غير المعقول أن يبدأ الرسول بهذه اللهجة ثم يغيرها ويكتب بمثل هذه اللهجة الشديدة ، ومن غير المعقول أن الرسول يخاطب جماعتين في الرسالة الواحدة ، كأن يكتب – كما يقول البعض – الجزء الأول ( 1 – 9 ) إلي الأغلبية تؤيده هو ، أما الجزء الأخير ( 10 – 13 ) يكتبه إلي أقلية تقف ضده . . نقول من غير

 المعقول وإلا لكان يشير إلي ذلك في غضون الخطاب، وخصوصاً عند تغيير اللهجة. وهناك تفسير آخر لتغير لهجة الجزء الأخير في الرسالة ، هو أن الرسول بعد أن كتب الجزء الأول من الرسالة جاءته أخبار من مصادر ثانية أن هذه الجماعة التي تناوئه ارتفع صوتها من جديد ، ولذلك غير الرسول أسلوب كتابته ليواجه هذا الموافق الجديد ، ولكن الرسول لم يشر من قريب أو بعيد إلي أي نوع من المصادر التي استقي منها هذه الأخبار ، وهو الشخص الذي كان دائماً يذكر مصدر معلوماته    وخصوصاً عن هذه الكنيسة ( أنظر 1 كورنثوس 1 : 11 ، 7 ، 2 كورنثوس 7 : 006 ) .

   أما السبب الثاني الذي يعتقد هؤلاء العلماء أن الجزء الثاني من رسالة كورنثوس الثانية هو نفسه الرسالة المحزنة هو الإشارات زيارة الرسول ، فهناك انتظارات في الجزء الثاني ( 10 – 13 ) تتم في الجزء الأول ( 1 – 9 ) مما يدل على أن الثاني كتب قبلا فمثلا :

10: 6 ” ومستعدين أن ننتقم على كل عصيان متى كملت طاعتكم ” هذا تم في:

2 : 9 ” لأني لهذا كتبت لكي اعرف تزكيتكم هل انتم طائعون في كل شيء ” .

13 : 2 ” . . . أكتب للذين أخطأوا من قبل ولجميع الباقين أني إذا جئت أيضاً لا أشفق ” . هذا له صدي في : 1 : 23 ” ولكني إشفاقاً عليكم لم آت إلي كورنثوس ” . فهو لم يذهب في غضبه .

13 : 10 ” لذلك أكتب بهذا وأنا غائب لكي لا أستعمل جزماً وأنا حاضر حسب السلطان الذي أعطاني إياه الرب للبنتان لا للهدم ” . تقارن

 هذه بما جاء في 2: 3 ” وكتبت لكم هذا عينه حتى إذا حتى إذا جئت لا يكون لي حزن من اللذين يجب أن أفرح بهم واثقاً بجميعكم أن فرحي هو فرح جميعكم “.

    هذه الشواهد توضح إن كل انتظاره كان يتم بكيفية ما في الجزء الأول من الرسالة. وهذا معناه أن الجزء الثاني من الرسالة . كتب في زمن يسبق كتابة الجزء الأول ( 1 – 9 ) .

     ويقول أصحاب هذا الرأي أيضاً إن هناك اختلافاً في الموقف الذي استدعي كتابة كل من الإصحاحات 10 – 13 كان حاداً فجاء مملوءاً بالمرارة والألم، وكأنه كان في موقف دفاع عن النفس وبالتالي عن رسالته. وهذا يختلف كثيراً عن الجزء الأول ، ويرجح أنه الرسالة المؤلمة التي يتكلم عنها في مكان آخر ، التي كتبها وأرسلها مع تيطس فكانت سبباً في حزنهم وندمهم . ولما عرف تأثيرها هذا فيهم كتب إليهم الرسالة الأخيرة وتظهر في 1 – 9 لكي يعزيهم على كتابته هذه الرسالة المؤسفة .

     لكن هناك جماعة من العلماء لا يؤيدون هذا الرأي السابق ويوجهون إليه الاعتراضات التالية :

  لو كانت الرسالة الثانية تنقسم إلي جزأين كلمنهما كتب في زمن مختلف وتحت ظروف غير متشابهة، فأين خاتمة الرسالة الأخيرة التي تتضمنها الإصحاحات 1 – 29 ومن الذي وضع الرسالتين معاً دون الاهتمام بالترتيب؟

  وإلي جانب ذلك فالدليل التاريخي على ذلك موجود لأنه لم يعثر لأنه لم يعثر بعد على مخطوطة أو ترجمة أو أي شاهد بشير إلي ذلك

 أما الاختلاف بين الجزأين بالغ فيه أنصار هذه النظرية السابقة فكما أن هناك اختلافاً بينهما هناك أيضاً تشابه. فبمقارنة أللإصحاحين الرابع والسابع من ناحية والحادي عشر والحادي عشر نجدها مملؤين بالافتخار.

  إنهم لا ينكرون إن الرسول كتب رسالة ثالثة قاسية ، ولكنهم ينكرون إنها متضمنة في الإصحاحات (10 -13) من الرسالة الثانية . ويعتقدون أنها ضاعت.

5- الرسالة المعنونة بالثانية :

غالياً ما كانت هذه الرسالة هي آخر ما كتب الرسول إلي كورنثوس من عندهم رسالتها إلى  كنيسة رومية، ولكن لم يكتب لهم شيئاً بعد هذه الرسالة. ولعلاهم ما فيها هو التعبير عن فرحة وابتهاجه ما سمع الأخبار الطبية التي حملها إليه تيطس وأخيرة أن موقف الكنيسة قد تحسن كثيراً من جهته ، وهذا واضح في كل الرسالة وخاصة في الإصحاح السابع . إلي جانب ذلك فقد كانت  هناك بعض الأمور التي أراد أن يشرحها لهم . إنه يطلب منهم أن يظهر اعطف على الأخ المذنب الذي ب ( 2: 1 – 12 ) وهو يريد أن يطلعهم على نوع الحياة المسيحية والخدمة التي أرسله لأجلها الرب يسوع، والقوة التي يعطيها له لإتمام هذه الخدمة رغم ما فيها من أتعاب ومفشلات.

     هذا كله وجود في الإصحاحات السبعة الأولي: ثم يخصص جزءاً كبيراً منها لفكرة الجمع لأجل القديسين في أورشليم، ويحثهم على أن يهتموا كثيراً حتى يمكن أن يأخذ منهم عطاياهم يأتي إليهم في زيارته القادمة.

تاريخ وغرض كتابة الرسائل:

أمر الرسالة الأولي سهل فنحن نقرأ في 1 كورنثوس 16 : 8 و 9 ” ولكني أمكث في أفسس إلي يوم الخمسين لأنه قد انفتح لي باب عظيم فعال ويوجد معاندون كثيرون ” وتحن تعرف أنه مكث في أفسس حوالي 3 سنين ابتداء من 53 م إلي 56م ( أعمال 20 : 31 ) وهذا معناه أن كورنثوس كبتت في السنة الأخيرة من بقائه أفسس إما في سنه 55 أو 56 م .

 وكان غرض كتابة كما سبق القول المعلومات وجود انقسامات في الكنيسة تتلخص في أحزاب أربعة ( 11 و 12) ويعتقد كثير من العلماء أن أهل خلوي أخبروه عن بضعة مشكلات أخري في الكنيسة ، مثل الرجل الذي سقط في الخطية مع زوجة سقط الخطية زوجة أبيه ( 5 : 1 ) أو مقاضاة بعضهم البعض في المحاكم الحكومية ( 6 : 1 – 11 ) وانتشار خطية الزنا بينهم ( 6 : 12 – 20 ) وربما أخبروه عن سخافاتهم كانوا يقترفونها في وقت العبادة ( ص 11 ) .

  وكتب هذه الرسالة أيضاً ليرد على الأسئلة أرسلتها إليه الكنيسة وحملا إليه الأخوة الثلاثة اسطفانوس وفرتوناتوس وأخائيكوس ( 16 : 17 ) وهي التي كان يرد عليها مبتدءاً بالقول ” وأما من جهة الأمور التي كتبهم لي عنها . . ” ( 7 : 1 ) وهي تضم الأسئلة التالية : .

    1- ما ذبح للأوثان الزواج والطلاق ( 7:1 ) قيمة المواهب الزوجية ( 12 – 14 ) عقيدة القيامة (15).

    أما تاريخ وغرض كتابة الرسالة الثانية فهو أمر أكثر تعقيداً لأنه

 يتوقف على الدارس من الرسالة سواء أكان يعترها رسالة واحدة أم رسالتين أم ثلاثة.

فالذين يعتقدون أنها رسالة واحدة فيقول أنها كتبت من مكدونية سنه 57م ، بعد أن سمع أخباراً من تيطس أن الكنيسة قد رجعت إلي صوابها ( 2 كورنثوس 7 : 6 ) ، فكتب لهم مشجعاً ومعزياً : ويقولون إن سبب تغير اللهجة في ص 10 – 13 هو أنه سمع أخباراً بعد أن كتب الجزء الأول فأملي 10 – 13 بلهجة عنيفة قاسية .         

  أما الذين يعتبرون الرسالة مكونة من مجموعة رسائل ، فيقولون أن ص 10 – 13  كتبت بعد أن ذهب إلي ترواس ولم يقابل تيطس بل قابله في مكدونية حاملا معه أخباراً طيبة سنه 57 م مشجعاً إياهم وطالياً منهم أن يهتموا بالجمع يأخذه منهم عند رجوعه إلي أورشليم .

                                       فكر الرسول في رسالتي كورنثوس

كنيسة الله في كورنثوس :

هذه الجملة التي يذكرها الرسول في المقدمة ” بولس . . إلي كنيسة الله التي في كورنثوس ” ( 1 كورنثوس 1 : 2، 2 كو 1 : 1 ) من أروع ما كتب . لها فعل عظيم في المسيحية وحياة المسيحيين فكما سابقاً عن نوعية المدينة التي أصبح اسمها مرادفاً للفساد والحياة المنحلة وصارت مرتعاً للديانات المتعددة والتيارات التي لا صله لها بالأخلاق، في هذا الوسط – شكراً الله – أقام لله كنيسة له. . وهكذا يقول لهم بنفس التعبير . ” لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان . . . وهكذا كان أناس منكم

 لكن اغتسلتم بل تبرد تم بالسم الرب يسوع وبروح إلهنا ” ( 1 كورنثوس 6 : 11).

     إنها جماعة قد دعاها الله ليس لسبب فيها بل في الرب يسوع وقدسهم فيه ، وأطلق عليهم لقب قديسين أي مفروزين من بين العالم ليكونوا له ( كو1 : 21 ) هذه الدعوة في شركة الرب يسوع ويصبحوا جزءاً لا ينفصل م كنيسة الله عامة وعضوا في جسد الرب يسوع في كل هذا العالم ( 1 كو 1 : 9 ) . ولذلك هم بناء لكي يسكن فيه وليصبح مسكناً ، وفلاحته يعمل بكل  قوة لكي يحييها وينميها لكي تأتي بثمر ( 1 كو 3 : 9 ) .

     وقد حباهم بكل علم وكل موهبة ، ليس العلم البشري الإنسان الإنساني بل العلم الإلهي الذي فيه يعرفون محبة الله الرب . وأعطاهم أن يستغنوا ويصبحوا أغنياء في الله وعن العالم . وما فيه ( 1: 7 ). وملأهم بالرجاء فهم  ليسوا كأهل العالم حولهم يعيشون حاضر هم في فساد ودنس إلي أن يأتيهم الموت  ولكنهم ينظرون إلي المستقبل استعلان سيدهم ربنا يسوع المسيح (ع7). ولن يضيعوا أو يخوروا لأن الله سيثبتهم إلي النهاية بلا لوم في يوم ربنا يسوع المسيح ” ( ع 8 ).

     أليس هذا شيئاً مذهلا حين نسمع كل هذا الكلام عن كنيسة امتلأت بالانقسام من كل نوع ؟ انقسام حزبي واجتماعي وديني وعملي وغيره ؟ بل عن كنيسة حدث فيها من خطايا وإفساد وكل ما هو محزن وحملوا معهم كل ما كان موجوداً في العالم كنيسة كهذه ينظر إليها الرسول في ذاتها بل التي يجب أن شهد لعمله فيهم. شكراً لله أنها كنيسة الله رغم العالم ورغم حالتها هي. . . إن الله بعرف كيف يثبت مختاريه .

2-حكمة الله وحكمة الناس :

     بعد المقدمة يدخل الرسول مباشرة في مسألة الأحزاب التي في الكنيسة. أربعة أحزاب ، واحد لبولس والآخر لأبولس والثالث لصفا ( بطرس ) والرابع للمسيح ( 1 : 12 ) هذه الأحزاب سمع عنها ن أهل خلوي . وكان الرسول يتكلم عن أبولس بكل احترام ( 3 : 4 – 7 و 22 ، 4 : 6 ) . ولعلهم سمعوا عن صفا وعن المسيح من معلميهم . هذا الانقسام لم يكن انقساماً أيديولوجيا أو انقسام فكري لجماعة لا تتلاقى أبداً ، ولكنها روح الحزبية التي ملأت الكنيسة فتجعل كل واحد يجذ هذا أو ذاك .

     والرسول بولس لم يحارب رسالة قدمها أبولس أو فكراً يرتبط ببطرس ولكنه يحارب روح التحزب في الكنيسة .

     ولكي نعرف معني هذا التحزب علينا أن ندرس الخلفية وراءه، وهي تكمن في بضعة ألفاظ وعبارات يستخدمها الرسول مثل ” الحكيم ” ، ” الكاتب ” ، ” مباحث هذا الجهر ” ( 1 : 20 ) ” حكمة ” ، شرفاء ” (ع26) وهكذا .

  هذه الألفاظ ترتبط بجماعة السفسطائيين الذين تدربوا على المناقشة والمباحثة ، وكانت لهم المقدرة الفذة في الخطابة وإقناع الغير بأية نظرية يتبنونها . ولم لهؤلاء السفسطائيين مدرسة فلسفية معينة ولكن كان همهم الأول هو إقناع الناس بأي نوع من الفلسفة. وكانوا يحضرون إلي كورنثوس خصوصاً في وقت الألعاب التي كانت تقام في استمايا ، وكانوا يبهرون الناس بخطاباتهم وحججهم وكانوا يسمون أنفسهم الحكماء . ولعل المسيحيين في كورنثوس قد تأثروا بالروح التي كانوا يبثونها ، ولذلك عملوا على إيجاد أحزاب مسيحية إحداها لبولس والثاني لأبولس والثالث لصفا والرابع للمسيح ، هذه هي الروح ، إنها روح إدعاء الحكمة ، فخلطوا بين الإنجيل

 المسيحي والحكمة الهلينية ، المعلمين المسيحيين والسفسطائيين المحترفين ، بين أنفسهم وحكماء هذا العالم . لهذا هو أساس الانقسام الموجود في كورنثوس فكيف عالجه الرسول ؟

إنه يهاجم ، أولا وقبل كل شيء ، وضع الشخصيات البشرية سواء أكان بولس أكان بولس أو صفا في صف واحد مع المسيح ، مع أن المسيح هو الذي يحتوي الجميع. فالكل فيه وهو الذي صلب لأجل الجميع وباسمه يعتمد الناس ليكونوا جسده . أو بولس أما أبلوس فليسا سوي خادمين أهلهما الرب ليكونا رسولين للإنجيل . بولس غرس وأبلوس سقي – ولكن الله هو الذي يعطي الحياة والنماء . . إن هذا التفاخر والتشاحن هو تطاول على المسيح وعلى الله (1 : 10 – 16 ، 3 : 5 – 9 ) .

     ( ب ) أما حكمة العالم فهي جهالة عند الله . إن يسألون آية واليونانيين حكمة ، ولكن الله استحسن أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة (ع21). ولماذا لأن حكمة هذا العالم قد ضلت ولم تستطع أن تعرف طريق الله (ع21-أ) بل على العكس من ذلك ففي حكمتهم البشرية ، رب المجد ، وهذا دليل علي مدي ما وصلت إليه هذه الحكمة البشرية من جهل (2 : 8) ولأجل ذلك فسوف يبيد الله حكمة الحكماء ويرفض فهم الفهماء (1 :19 و 20) . ولكن في مقابل هذه الحكمة البشرية الجاهلة أعلن الله حكمته وكانت دينونة قاسية علي حكمة البشر .إنها الصليب : فالصليب عثرة لليهود وجهالة لليونانيين لأنهم لم يعرفوه ” (2 : 9.8 ) أما الذين عرفوه واختبروه فهو قوة الله وحكمة الله (2 :23 و 24 ) . فالحكمة البشرية هي كلام ومباحثات غبية أما حكمة الله فهي بالروح القدس (2:4) (2: 4). ولأجل ذلك فجهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوي من (1:25 ). هذه الحكمة الإلهية عرفناها

 بإعلان الروح القدس (2 :11) . وكل من عنده روح الله يعرف ويختبر عمل الله وأموره التي يهبها له (2:11 – 13 ).

 (جـ) ويعطي الرسول برهانين قويين علي ما يقول:برهاناً من خدمته هو لقد جاء إليهم ليس بسمو الكلام ولا بالحكمة، بل نادى بشهادة الله ويسوع المسيح مصلوباً بكل ضعف وبساطة وخوف (2:1 – 3 ).ولكن                 مع ذلك الخوف والضعف والرعد . . مع تلك البساطة والجهالة في الكلام  فإن روح الله قد عمل في الكرازة فآمن الكثيرون وجاءوا إلي المسيح .(2:4 ) ولهذا فإنهم ليس بالحكمة البشرية المقنعة ولكن ببرهان روح الله وقوته (ع 4).

      أما البرهان الثاني فهو هم أنفسهم. ومن هم هؤلاء الكورنثيون ؟ يقول لهم الرسول ” فانظروا دعوتكم أيها الأخوة ليس كثيرون حكماء حسب الجسد، ليس كثيرون أقوياء ليس كثيرون شرفاء ” (1:26 ) ولكن هل يعني ذلك                أنهم مرفوضون ؟ كلا ، لقد ” اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء واختار الله ضعفاء العالم ليخزى الأقوياء واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود ” (28) . وهم الذين اختارهم الله هكذا ، وبهذه الطريقة . .  إنه لم يخترهم لشيء فيهم، ولا لحكمة بشرية. أو امتياز إنساني،  لأنهم لا يملكون شيء من ذلك، ولكن ” منه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة وفداء ” (ع30). ولذلك فيجب ألا يفتخروا بشيء بل بالرب الذي اختارهم وأهلهم  ليكونوا أنباء الله  وغرسه (1 :31 ، 3 : 9 ) . هذان هما البرهانان اللذان يقدمهما الرسول علي حكمة الله وقوته التي ظهرت بالصليب وفيه.

(د) ولكن هناك جماعة قليلة في الكنيسة يبدو أنهم كانوا مثقفين

     أو أغنياء أ و شرفاء. هؤلاء كانوا يفتخرون علي الباقين، ويدينون الآخرين، ولهذا فالرسول يوبخهم. يضع أمامهم نفسه وأبلوس مثالا ، إنه لا يشعر بوخز ضمير من جهتهم ، ويريد ألا يحكم فيه أحد ولكنه مع ذلك يشعر أنه ليس مبرراً  (4 : 1- 5) . وهكذا يجب ألا يفتخروا علي الآخرين ألا ينتفخوا (4:6) ولماذا يفتخر الواحد منهم ؟ ما هو امتيازهم ؟ إن ما يميزها لم يكن شيئاً في ذواتهم بل نالوه من الله ، هو عطية منه   ، فكيف يفتخر الواحد كأنه لم يأخذ شيئاً من الله ؟ (4: 7 ) إن كل امتيازهم هو أنهم أخذوا من الله، ما يمتلكونه الآن فليفتخروا بالرب لا بأنفسهم. وهنا يوبخهم الرسول ويسخر منهم مقارناً  إياهم بالرسل ، لأنهم يظنون أنهم أعظم من الرسل (4 : 8 – 14 ) ولكنه في سخريته منهم ومن كبريائهم الذي لا أساس له ، لا يريد أن يخجلهم ، لأنه أبوهم قد قيوده ، فهم أعزاء علي قلبه ، لا يزيد منهم سوى أن يكونوا في المركز الذي وضعهم الله فيه بتواضع ومحبة . وفي ذلك يجب أن يتمثلوا به هو ( 4 : 15 و 16 ) وعندما يأتي إليهم تيموثاوس يجب أن يعاملوه كابنه الذي سيذكرهم بالرسالة التي قدمها لهم ويكرموه . .   أما من أتتفتح . فسوف يأتي هو بنفسه ليختبره إن كان حقاً قوياً أم أنه مملوء فقط بالكلام (4: 17 – 31 ).

3-  التناقضات المؤسفة في الكنيسة :

لم يكن الانقسام الحزبي فقط هو ما سمعه من أهل خلوي عن الكنيسة في كورنثوس ولكنه سمع عن أمرين مؤسفين آخرين وجد الرسول فيهما متناقضات لا يصح أن يظهر في كنيسة المسيح الأمر الأول حالات الفساد وازني المتفشية عند بعض الأعضاء  والثاني المحاكمات التي تجري في المحاكم العالمية وليس في الكنيسة .

     ( أ ) لقد شدد الرسول علي القداسة التي يجب أن تهيمن علي الحياة المسيحية، فيذكر في مقدمة رسالته أنهم قديسون. . ودعوا للقداسة (1: 1 و2) والقداسة هنا إذا كانت بمعني الانفصال عن العالم فلا بد أن يكون لها ثمرها، وعندما يذكر أنهم بناء الله في (3: 9 ) فإنه يقصد أن الله سيسكن فيهم، ولهذا فيجب أن يكونوا مقدسين ( 6: 19 ). وهو ينبر علي ذلك لأنه سمع أن شخصاً عاش مع امرأة أبيه   وهي محرمة عليه وهذا أبشع ما يسمع عنه في الحياة الفاسدة التي تعيشها المدينة، وعلي هذه الحادثة يعلق الرسول تعليقاً مريراً:ً

      فهو يذكرهم بأن هذا الأمر لا يمكن أن يقبله المجتمع الوثني المملوء بالفساد. فهل يمكن أن تقبله الكنيسة ؟ ( 5: 1 ) إن الكنيسة تسمع للعالم بأن يدخل فيها بأقبح وجه له، بكافة المقاييس حتى العالمية نفسها ومع ذلك – وهنا التناقض المرير – تنتفخ الكنيسة وتنقسم ويحس بعض منها أنهم أفضل من الآخرين اجتماعياً ودينياً، نعم كبرياء وتفاخر وهم في الوحل. تظاهر بالصحة ومن الداخل مرض قاتل (5:2 ) لماذا لم ينوحوا ويحزنوا علي ذلك ؟ لماذا لم يحكموا عليه يعزله حتى لا يفسد آخرين أو يشجعهم علي الفساد ؟ من كلام الرسول يظهر أن هذا الرجل كان له شأن في الكنيسة ، ولعله كان يتمتع بتأثيره علي الكثيرين مما يجعله خميرة فاسدة تبعث علي الخوف والانزعاج . ولهذا فالرسول يدفع الكنيسة علي أن تحكم عليه . . إنه هو بروحه والكنيسة كلها مجتمعين مع المسيح يسلمون هذا الإنسان للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع (5: 5.4) . هذا الحكم سرى وغامض علينا  في فهمه ، ولسنا ندرى بالضبط ماذا يعني الرسول ، وغالباً ما كان يقصد أمراً مثلما حدث مع حناننا وسفيره أي يموت ( أعمال 5 : 1 – 11 ) أو ما كان يحدث بين الكورنثيين أنفسهم في إفسادهم للعشاء الرباني ، إذ كان

   فيهم كثيرون مرضيا وكثيرين يرقدون ” (11: 30 و 31 ). ولعل هذا الحكم يحمل معه دفعة قوية للرجل علي التوبة حتى تخلص روحه في يوم الرب يسوع المسيح. هذا الحكم أو البتر هو الطريقة المثلي لإزالة الخميرة التي تفسد العجين كله حتى يمكن أنة يقيد المسيحيون فصحهم الأمجد الوحي بفطير الإخلاص . والحق (5 : 8.7 ) . ويبدو أن عيد الفصح كان علي الأبواب  ولهذا يتذكر الرسول فصحنا المسيح الذي ذبح من أجلنا .  وهنا يسخر منهم الرسول ويسخر من فهمهم لرسالته الأولي ، فقد كتب لهم ألا يخالطوا الزناة ، وهذا يدل علي أنه كان يعرف مجتمعهم وأن هناك بعض الزناة فيه ، ولكن الأمر السخيف هو أنهم  فهموا أنه يجب ألا يخالطوا زناة العالم ومع ذلك فإنهم يغمضون أعينهم عن زناة الكنيسة . . إنها سخرية وسخافة فإنهم يجرون من اللهيب ولكنهم يحتفظون بالنار في أحضانهم . إنه يقصد بالأحرى أن يعزلوا الخبيث . ولما لم يفهموا قوله . . بل لما تعاموا عنه وتجاهلوه تفاقمت المشكلة فحدث بينهم ما لم يحدث بين الأمم (5: 9 – 13 ). 

     (ب)أما التناقض الثاني فهو الذي يختص بشكوى بعضهم البعض عند الظالمين أهل العالم (6: 1 ). وفي هذا الأمر يذكرهم الرسول بمرارة بأمرين الأول هو مركزهم كمؤمنين إنهم سيدينون العالم فكيف يتخلون عن مركزهم هذا ويقلبون الأمر ويحاكمون أخوتهم عند العالم ؟ هل نسوا ذلك ؟

     ولكن الأمر الأكثر هو أنهم سيدينون ملائكة، ولعلها الملائكة الذين سقطت. أي أنهم أعطوا بصيرة روحية لم يستعطها الملائكة أنفسهم، فهل تعمي بصيرتهم عن مشكلات هذا العالم فلا يستطيعون حلها ؟ة (6 : 4.3 ) ؟ والأمر المحزن وادعاؤهم الحكمةادعاؤهم  الحكمة ومع ذلك فليوح أنه لا يوجد حكيم واحد يحكم في وسطهم يا للعار       (3 : 5 – 9 ) .

 وهنا يوبخهم الرسول توبيخاً صارماً يحذرهم بأن ملكوت الله لن تقبل ما يسير في العالم (6: 7 – 11 )

وهنا يضع الرسول :

المبدأ المسيحي في مواجهة  المبدأ الفلسفي الوثني ( 6 : 12 – 20 ، 7 : 1 ، 35 – 40)

     في معرض حديثه عن خطية الزنا وعن الزواج هذه المبادئ وضعت لكي تتعامل مع الفكرة الوثنية عن الجسد . فمن المعروف أن أساس الفلسفة الأفلاطونية هو التفريق بين الجسد والنفس ، وسمو هذه الأخيرة عن الجسد الذي يعتبر سجناً لها ، ترجو دائما أن تتركه وتتحرر منه . ولقد تحولت هذه الفكرة في العصر الهليني إلي اعتبار الجسد شراً لأنه مادة ، والمادة شر . . وزادوا علي ذلك وجعلوه شراً في طبيعته لا يمكن أن يصلح. . لأنه شر فقد وقف الناس منه موقفين متعارضين : الموقف الأول هو ألا يهتموا به فيتركونه يشبع كل احتياجاته أكلا  وشرباً وجنساً وغير ذلك فإنه سوف يموت ولا قيمة له ، أما الموقف الثاني فهو ، لأنه تافه وله مطاليب كثيرة كهذه ، فعلينا أن نكبحه ونحرمه من كل ما يطلبه إلا ما يقيم أوده . ولذلك عاشت الجماعة الأولي حياة إباحية وعاشت الجماعة الثانية عيشة الزهد المتطرف .

     ويلوح أن هذين التيارين كانا موجودين في الكنيسة كما يتضح من وجود الزناة(5) والشرهين في الأكل والشرب ( 10: 6 – 11 ) وغير ذلك. ولهذا يضع الرسول المبدأ المسيحي الإلهي في مقابل ذلك :

      أساس هذا المبدأ هو أن أجساد المؤمنين هي أعضاء للمسيح وهم روح واحد مع الرب (6:15 و17) وأن هذا الجسد هو هيكل الله وروح الله ساكن فيه (6: 19) وأن هذا الجسد هو ليس ملكاً للمؤمنين لأنه قد اشترى بثمن. فالمؤمن كله ملك لله .

والمبدأ الثاني هو أن الرجل والمرأة عندما يتزوجان يكونان جسداً واحداً والعلامة علي هذا الجسد الواحد هي العلاقة الزوجية التي بينهما، فالرجل ليس له تسلط علي جسده وكذلك المرأة فكلاهما معاً واحد ويمتلك أحدهما الآخر. هذه العلاقة الزوجية هي من وضع الله وهي المبدأ المسيحي (7: 3 – 5 ).ومن هذين المبدأين يستنتج الآتي :

أولا: سمو الجسد، بخلاف ما يقوله الوثنيون. فهو ليس شراً في ذاته بل يمكن أن تسكن فيه الخطية فيصبح ضحية لها، ولكن جسد المؤمن الذي حرره المسيح من الخطية هو ملك الله مسكن للروح عضو في جسد المسيح (6: 15، 19 – 20 ).

ثانياً: يجب ألا يزني المؤمن فإنه بذلك يأخذ هذا الجسد ويجعله جسداً واحداًً مع زانية وهذا ما لا يمكن تخيله ( 6: 14 – 16 ).

ثالثاً : إن لهذا الجسد حقاً في أن يصبح واحداً مع شريك له ، لأنه من البدء ذكراً وأنثي خلقهما ، فيجب ألا يسلب الرجل المرأة ولا المرأة الرجل حق كل منهما (7 : 2 – 7) .

رابعاً : من يريد أن يتمتع عن معاشرة عذرائه ، كما كان يحدث في كورنثوس ، إذ كان الزوج والزوجة يمتنعان عن المعاشرة الزوجية لاحتقارهما الجسد ، فليكن هذا الامتناع إلي حين ثم ليكن لهدف الصوم والصلاة ( 7 : 35 – 40 ) . أما غير ذلك فهو ليس مسيحياً .

وهنا يصحح الرسول المبادئ الوثنية بأن يضيف إليها لمبدأ المسيحي وهي :                     

وثني مسيحي
كل الأشياء تحل ليكل الأشياء تجل ليكل الأشياء تحل ليالأطعمة للجوف والجوف للأطعمةوالرب سيبيد هذه وتلك  نعمنعمنعمنعمولكن ليس كل الأشياء توافق ( 6: 12، 10: 23 )لكن لا يتسلط على شيء ( 6: 12 )ولكن ليس كل الأشياء تبني ( 10: 23 ).ولكن ليس كل الأشياء للزنا بل للربوالرب للجسد والله قد أقام الرب وسيقيمناٍ نحن أيضاً بقوته ( 6: 13 و14 ).     

ويلاحظ أن الموجود في 10 : 23 وضعه في معالجته لمشكله أخري وهي الأطعمة التي تباع في الملحمة

الكنيسة تستفهم :

وعندما هذا الحد يبدأ الرسول في الإجابة علي الأسئلة التي أرسلتها إليه الكنيسة. وكان يبدأ إجابته علي كل سؤال بالقول ” وأما من جهة الأمور التي كتبتم لي عنها. . ” . (7 : 1 ) . وكانت هذه الأسئلة تختص بالزواج والطلاق – ما ذبح للأوثان، مركز العبادة في الكنيسة، المواهب الروحية وخصوصاً التكلم بألسنة، قيامة الأموات. 

الزواج والطلاق: (ص 7 )

      ليس لدينا في الرسالة صيغة السؤال ولكننا نعرفه من مضمون الإجابة عليه وقبل أن ندرس إجابته علي قضية الزواج والطلاق علينا أن نستنتج المبادئ التي بني عليها الرسول حكمه:

     أولا: كانت الزيجات في الكنيسة مختلطة فقد يكون أحد الزوجين مسيحياً والثاني لازال وثنياً ولم يقبل المسيح بعد.وكان هناك من كان متزوجاً بأكثر من كان متزوجاً بأكثر من زوجة .

     ثانياً: كانت الكنيسة في ذلك الوقت المبكر تنتظر رجوعا المسيح السريع، لهذا كان الرسول ينبه الكنائس بأن ” الوقت منذ الآن مقصر ” ( 7: 29 ).

    ثالثاً: إن هدف الزواج هو إنجاب الأولاد، وهو العنصر المهم فيه ولهذا لا داعي لطلاق الزوجين إذا قبل أحدهم المسيح ورضي الآخر أن يسكن معه وهو لازال في وثنيته، لأن الأولاد مقدسون بالزواج. ومن يدري فلعل الشريك لمسيحي سبباً شريكه ( 7 : 12 – 16 ) .

     ولهذا كله يدعوا الرسول بولس إلي بقاء الحال كما هو ، لأن الوقت قريب وقصر أما المسيحي الذي لا يستطيع البقاء من غير زواج فليتزوج وأن تزوج فينبغي أفلا يكسر زواجه (أقرا ص 7 كله).

(ب)ما ذبح للأوثان ( ص 8 و 10 : 15 – 33 )

    كان هذا السؤال هاماً جداً في ذلك الوقت حتى وأن لم يكن له ما يبرره في عصرنا الحاضر، ولكن المهم ليس في السؤال بل في الجواب فالرسول يضع مبدأ ينطبق على كل عصر. إن المشكلة تختص بأمرين :

     الأمر الأول: هو أن الوثنيين كانوا يذبحون الذبائح للوثن وكانوا يأكلونها في الهياكل وكانوا يعتقدون أنهم بذلك يشتركون مع الإله. وكان هؤلاء الوثنيون يدعون أصدقاءهم من المسيحيين ليأكلوا معهم في الهيكل (8 : 10 ) وأحياناً كان هذا اللحم الذي ذبح للوثن يباع في الملحمة ليشتريه الناس ويأكلونه في بيوتهم ( 10 : 25 ) ولقد كان في كورنثوس فئتان فئة كانت تأكل اللحم إذا دعوا لأنهم لا يعتقدون بوجود وثن ، والفئة الثانية كانت تؤمن بوجود هذه الآلهة وكان ضميرها ضعيفاً . وقد أرسلت الفئة الأولي التي تأكل ، هذا الاستفهام وغالياً ما كان هكذا . ” نحن نريد أن نسألك بخصوص اللحم الذي يذبح للوثن. ” فكلنا يعلم تماماً أن ليس وثن في العالم وأن ليس إله آخر الواحد. ولكن ليس العلم في الجميع بل أناس بالضمير نحو الوثن إلي الآن يأكلون كأنه مما ذبح لوثن فضميرهم إلي الآن يتنجس ، ولكن الطعام لا يقدمنا إلي الله لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص ( فنحن لا نستطيع أن نخرج من العالم أو أن نرفض دعوة أصدقاءنا لنأكل معهم في موائدهم في الهيكل ، ونحن لا نستطيع أيضاً أن نجد لحماً خارج الملحمة وكلها مما ذبح لوثن فماذا نعمل مع إخوتنا هؤلاء الضعفاء ؟) .

     هذا ملخص خطابهم من واقع رد الرسول عليه ومنه نعرف أنه كان يقتبس من هذا الخطاب ليكتب رسالته وكان رده عليهم كالآتي :

  • العلم لا ينفع بل هو ضار إذا كان وحده ( 8: 1 ). فإنه يدعو

المشكلة خاصة ببعض النساء اللاتي كان لهن نشاط في الكنيسة وفي الخدمة وهي تتلخص في أمرين : أولا هو تغطية المرأة لرأسها عندما نتنبأ أو تصلي (11 : 2 – 16 ) الأمر الثاني هو كلام النساء في الكنائس ( 14 : 34 – 35 ) ولنأخذ المشكلة الثانية :

أولا: ما معني لتصمت نساؤكم الكنائس ؟ ( 14 : 34 ) ألا تعتبر هذه الكلمات متناقضة مع قوله في 11 : 5 ” وأما كل امرأة تصلي أو تتنبأ ورأسها غير مغطي فتشين رأسها ” ؟ إن الأمر لا يمكن إنكاره هو أن المرأة تستطيع تصلي أو تتنبأ في الكنيسة ؟. وهذا يعني أن الأمر بالصمت لا يأتي في نطاق النبوة أو الصلاة ، لأن الروح القدس إذ يرشد المرأة تصلي أو تتنبأ لا يستطيع الرسول أن يأمرها بالصمت . إن الجواب على هذا السؤال غالباً يكمن في 14 : 35 ؟ ولكن إن كن يردن أن يتعلمن شيئاً فليسألن رجالهن في البيت لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم في الكنيسة “. إن الكلام هنا ينصب على الاستفهام عن بعض الأمور التي يقولها الأنبياء وبلوح أن بعض النسوة كن ينادين على أزواجهن ليسألنهم عن بعض الأمور، وبذلك يصبح الاجتماع في حالة تشويش. هذا هو الأمر الذي يمنعهن الرسول منه لكي يجعل الاجتماع في حالة روحية ثم ليحفظ النساء في حالة الخضوع للرجل .

أما الأمر الآخر فهو غطاء الرأس ويبدو أن بعض النسوة خلعن غطاء رؤوسهن ليكن متساويات مع الرجال . ولكن الرسول يمنع ذلك بشدة ، لأنه من ا؟لأليق أن تغطي النساء رؤوسهن . ويعطي الرسول تبريراً لذلك لا على أساس اجتماعي بل لاهوتي: رأس المرأة الرجل المسيح ورأس المسيح الله. وكلمة رأس هنا لا تعني السيادة المطلقة ولكنها تعني الطاعة لمن هو

الرأس فمثلا كابن المسيخ أبنا طائعاً للآب وكانت طاعته كاملة (عبرانيين 5 : 8 ) .

 وهكذا الرجل، يجب أن يظهر الطاعة للمسيح وعلى المرأة أن تطيع الرجل كذلك. المرأة خلقت من الرجل والرجل خلق لأجل المسيح والمسيح جاء لكي يطيع الله ويمجده. . فإذا تنبأت المرأة ، أو صلت بدون تغطية رأسها ، فهذا عار على رأسها ( الرجل ) صلي الرجل ورأسه مغطي عار على رأس (المسيح) وهذا أمر تحتمه الطبيعة نسها ‘ذ خلقت المرأة بشعر طويل والرجل بشعر قصير ، ويورد الرسول شيئاً آخر عن المرأة التي يجب أن تغطي رأسها فيقول من اجل الملائكة أي حراس قانون الله في الكون .

– العشاء الرباني وعدم اللياقة عند إجرائه في كنيسة كورنثوس  ( 10 : 15 – 18 ، 11 : 17 – 34 ) :

     في هذه الرسالة نجد تناقضاً واضحاً بين فهم كثير من أعضاء الكنيسة للفرائض الروحية أي العشاء الرباني والمعمودية وبين كيفية القيام بها وخاصة العشاء الرباني . أما عقيدتهم في هاتين الفريضتين فليوح أنها كانت تقرب من عقيدتهم في السحر ، ويؤخذ من 10 : 1 – 22 أنهم كانوا يظنون أنهم ما داموا قد اعتمدوا وما داموا قد اشتركوا في عشاء الرب فلا بد أنهم سيحفظون من كل شر وخطية ، وخطية ، وفي نفس الوقت لن يهلكوا ، فهي تحميهم من الأضرار الجسدية والروحية . وعلى هذا الأمر يرد عليهم الرسول بشدة مبيناً لهم أولا أن المعمودية ليست بالأمر الذي يظنونه ، فالشيء المهم عنده هو التبشير أولا وقبل كل شيء لأن المسيح ” ألم يرسلني لأعمد بل لأبشر ”  (1 : 17 ) ولهذا فلم بأن يعمد كثيرين بل ترك المعمودية لآخرين لكي يقوموا بها .

      أما الخط الثاني في كلامه عن الفرائض فانه يقتبس ما حدث لإسرائيل منذ القدم فقد اجتازوا في البحر الأحمر مع موسى ومن أجله ، كانوا في وسط البحر وكانت السحابة فوقهم وهذا مثال للمعمودية في المسيحية فقد اعتمدوا لموسى أو في شركة عميقة معه ، ثم أكانوا المن الذي نزل من السماء وشربوا من الصخرة التي تابعتهم وهي المسيح وهذا رمز للعشاء الرباني الذي يمارس في العهد الجديد . ومع ذلك فلم تحفظهم المعمودية ولا العشاء الرباني من السقوط في الخطية وعبادة الأصنام فأكلوا وشربوا وقاموا اللعب (10: 7 )، ولم يحفظهم أيضاً من العقاب الشديد الذي نزل بهم، فأهلكتهم الحيات وسقطوا في القفر بعد أن جربوا الرب. هذا كله مثال لنا وتحذير لنا عندما نسقط في الخطية وعندما نعبد الأصنام، وعندما نأكل مما ذبح للوثن، وفي ضميرنا أننا اشتركنا في المعمودية وعشاء الرب. فلا يظن واحد في الكنيسة أنه محفوظ من كل هذا لأنه اعتمد ويشترك الرب وبذلك يسقط في الخطية. ولماذا يذهبون بعيداً ؟ إنه هو نفسه بشر الكثيرين والذين قدم الإنجيل للكثيرين والذي أسس الرب على يديه كنائس كثيرة. . هو نفسه الذي لم يعتمد ويشترك في عشاء الرب فقط ولكنه اشترك في تجديد الآخرين والكرازة لهم. . هو نفسه يخاف لئلا يكون مرفوضاً ( 9 : 26 و 27 ) . فالمسيحية لا تعني فقط ممارسة للفرائض بطريقة ميكانيكية تضمن للإنسان كل شيء، ولكن المسيحية هي أن يقمع الإنسان جسده ويستعبده، حتى الرسول نفسه.

      ولقد عوقبت كورنثوس نفسها عندما أكلوا الخبز وشربوا الكأس بدون استحقاق يقول لهم الرسول ” من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضي وكثيرون يرقدون لأنه لو كنا حكمنا على أنفسنا لما حكم علينا (11 : 30 و 31 ) . ولكن ماذا فعل الكورنثيون في عشاء الرب ؟ لقد كانوا يصنعون

 عشاء الرب في إطار وليمة حبية يشتركون فيها كلهم، وفي أثناء العشاء أو في نهايته كانوا يمارسون عشاء الرب، ولقد كان كل واحد منهم يحضر عشاؤه معه وينتظر إخوته إلي أن يحضروا ثم يأكلون كلهم. ولكن الأمور تطورت فأضحي الناس يأكلون طعامهم بمجرد أن يذهبوا إلي الكنيسة، وكان الأغنياء ينفردون بما يأتون من أطعمة ولا يتمون بالفقير ( 11: 20 – 22 )، وبهذا العمل كانوا يرجعون إلي عاداتهم الوثنية إذ كانوا يظنون أن الطعام يربطهم بالوثن ويوحدهم معه. ولم يفهموا الفكرة المسيحية فيه، وهو أن هذا العشاء لا يربط الجسد بالرأس فقط ولكنه علامة على ارتباط الجسد نفسه. . ارتباط أعضائه بعضهم بالبعض، وبهذه الكيفية أهانوا جسد الرب، أي لم يستطيعوا أن يميزوه أو يعرفوا مركزه وقيمته (11: 30 ) ويعتقد كثيرون من المفسرين أن جسد الرب هنا تعني الكنيسة ( 10: 17 ). أي أنهم لم يفهموا مركز ومعني الكنيسة وعشاء الرب بالنسبة لها. وغيرهم يعتقد أن جسد الرب تعني جسده الحقيقي الذي رفع على الصليب (10:16 ). ولكن سواء أم ذاك فالاثنان في النهاية يصلان إلي هدف واحد. إن الموقف الصحيح يصفه الرسول في 10:16 و 17 ” كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح ؟ الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح ؟ فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد ” إننا لا نأكل البز ونشرب الخمر لكي نشترك في جسد المسيح فهذا قد حدث من قبل بل لكي نتقوى الرباط المتين بين الآخرين ” .

– المواهب الروحية ( ص 12 و 14 )

     عندما يختبر المؤمن عمل الروح القدس فان المواهب الطبيعة التي يمتلكها تتطور وتتقوى، ولكنه قد يعطي بعض المواهب الخاصة كموهبة النبوة

والألسنة. . وقد اختبرت ذلك كنيسة كورنثوس ، ولكن حدثت هناك عدة مشكلات لم يستطع الأعضاء حلها ولذلك كتبوا للرسول عنها ، ويلوح أن هذه المشكلات كانت تتلخص في الأمور الآنية :    

     1-بعض الأعضاء عندما كانوا يصبحون في حالات حمس شديدة كانوا ينطقون بعبارات غير مسيحية بل عبارات تجديف على يسوع كانوا يقولون ” يسوع أناثيما ” (12 : 3 ) .

     2-الذين تمتعوا بهذه المواهب لم يمارسوها بوجهها الصحيح بل قادتهم هذه المواهب إلي التنافس البغيض والكبرياء. وجميع من كانوا يمتلكون موهبة غير طبيعة، كالشفاء بالسنة وغيرها كانوا ينظرون إلي الآخرين بعين الاحتقار لأن مواهب هؤلاء لم يكن لها المظهر اللامع مثل مواهبهم. ولهذا شك أصحاب المواهب الغير في الآخرين وفي نوالهم عطية الروح القدس.

     3-لهذا السبب السابق انحطت معنويات الأعضاء الذين لم تكن لهم سوي المواهب المختفية أو التي ليس لها الصوت المرتفع، وبدءوا هم يشكون هي أنفسهم، وإنهم تحت سيطرة الروح القدس.

     4-بعضهم لم يكتف بمواهبه واشتهي بحسد أن تكون له المواهب التي للغير. وكان على الرسول أن يجيب على هذه الأسئلة والقضايا.

     1-يبدو يتخلصوا من هذه الحالة كانوا يلعنون الإله الذي كانوا يظنون أن الاتحاد به يسبب لهم هذا الهياج لكي يستريحوا ، وهذه الحالة تحدث مع بعض أعضاء كنيسة كورنثوس فكان الواحد ” يلعن ” يسوع لكي يتخلص من حالة

الهياج. وإلا فلماذا يعرف الكورنثيون أن هذا الكلام كان من الشيطان ؟ولهذا يذكرهم الرسول بأنهم كانوا قبلا وثنيين وهذا ما كانوا يفعلونه عندما كانوا يتهيجون ، ولكن ما دام روح الله هو الذي يسوقهم فلا يمكن لروح الله أن يقول يسوع أناثيما ، بل يعترف أنه رب ( 12 : 1 – 3 ) .

     2-أما الأمر الثاني فهو أنه لا خلاف بين موهبة وأخرى طالما أنها موهبة من الروح القدس وهي موهبة نافعة ، فإن الكنيسة تحتاج إلي خدمات كثيرة ، ” فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل ” ( 12 : 6). كل المواهب والخدم مصدرها الله وهي كلها متساوية في قيمتها وفي أصلها لأنها تأتي من الروح القدس، لا فرق في ذلك بين من يمتلك مواهب غير طبيعة ومن يمتلك المواهب الهادئة الطبيعة ( 12 : 7 – 11 ).

ويضرب الرسول مثلا لذلك بالجسد الذي فيه أعضاء ولكنها تعمل كلها في أتساق وانسجام الخير كله. وهكذا نحن ككنيسة ، ” لأننا جميعاً بروح واحد أيضاً اعتمدنا إلي جسد واحد يهوداً كنا أم يونانيين عبيداً أم أحراراً وجميعنا سقينا روحاً ” ( 12 : 13 ) وعلى هذا فهناك اختلاف في المواهب لأن ” وضع أناساً في الكنيسة أولا رسلا ثانياً أنبياء ثالثاً معلمين ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء أعواناً تدابير وأنواع السنة ” ولكن هذه كلها تعمل للخير وللنفع في الكنيسة التي هي جسد المسيح .       

     3-ولكن ليحذر أي إنسان من أن يفتخر على إخوته بمواهبه الغير عادية ظناً منه أنه أعظم منهم لأنه ” لا تقدر العين أن تقول لليد لا حاجة لي إليك أو الرأس أيضاً للرجلين لا حاجة لي إليكما بل بالأولي أعضاء الجسد

التي تظهر أضعف هي ضرورية ، وأعضاء الجسد التي تحسب أنها بلا كرامة نعطيها كرامة أفضل والأعضاء القبيحة فبنا لها جمال أفضل وأما الجميلة فينا فليس لها احتياج لكن الله مزج الجسد معطياً  الناقص كرامة أفضل لكي لا يكون انشقاق في الجسد بل تهتم الأعضاء اهتماماً واحداً بعضها لبعض ” ( 12 : 21 – 24 ) . وعلى هذا القياس فلا يستطيع أولئك الذين لهم مواهب القوات والشفاء والأسنة أن يفتخروا لأن المواهب التي لا تظهر في مثل حجمها لها الأكثر وخدمتها الأعظم .

     أما أعظم المواهب جميعاً هي موهبة يجب على الجميع أن يسعوا وراءها . وان يمتلكوها، بل يجب أن تتملكهم وهي المحبة. ولهذا فهو لا يسميها موهبة، وإلا لصارت للبعض فقط، ككل المواهب الأخرى، ولكنه يسميها ” طريقاً أفضل ” فهي تمتلك كل الحياة. وكل عضو في جسد المسيح . ويتلكم الرسول عن المحبة بكيفية توحي بأنه كان يتأملها دائماً. . بل يتأمل المحبة المتجسدة في حياة المسيح كما سمع عنها . إن هذا الإصحاح من أغني وأعمق واجل ما كتب الرسول في كل حياته ( ص13).

     في الإصحاح الرابع عشرا يرجع الرسول إلي دراسة المواهب ويضع المبادئ الأساسية التالية:

  أولا : بعد المحبة يضع الرسول موهبة في رأس القائمة والسبب في ذلك لأنها تبني السامع والكنيسة ، فهي أعظم من التكلم بالسنة لأن الذي يتكلم بلسان ” يبني نفسه وأما من يتنبأ فإنه يبني الكنيسة ” (14 : 4) فمن يتنبأ أعظم ممن يتكلم بألسنة .

ثانياً: اللسان بدون ترجمة لا يبني إلا المكلم وقد يكون سبب سخرية

ثالثاً:لسامع الأمم الغير مؤمن (23) ولكن إذا ترجم اللسان فقدا يكون نافعاً للجميع.

ثالثاً : يجب أن يكون هناك نظام وترتيب في التنبؤ وفي التكلم بالسنة لأن إلهنا ليس إله تشويش بل إله سلام .        

5- قيامة الأموات (ص15)

    قبل أن ينتهي الرسول من هذه الرسالة يكتب مطولا عن قيامة الأموات. ويلوح أن جماعة في الكنيسة أنكرت هذه الحقيقة ، وذلك واضح في قول الرسول ” ولكن إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات فكيف يقول قوم بينكم أن ليس قيامة أموات (15 : 12 ) . فما هي طبيعة هذه البدعة ، لا أحد يدري على وجه التحقيق ، ومن دراسة الإصحاح ومناقشة الرسول لأفكارها يستنتج الدارس أنهار بما كانت واحدة من اثنين :

   إما أنها رد على أخرى مفادها أن الجسد سوف يقول كما هو بدون أي تغيير. ويؤخذ هذا من مقاومة الرسول نفسه لهذا البدعة الأخيرة في قوله ” إن لحماً ودماً لا يقدران
أن يرثا ملكوت الله ولا يرث الفساد عدم فساد ” ( 15 : 50 ) .

  وإما كانت مقدمة لبدعة هيمينايس وفيليتس اللذين قالا ” إن القيامة صارت ” (2 تيموثاوس 2 : 18 ) وهم الآن يملكون في ملكوت الله ” ولهذا يرد الرسول نفسه عليهم ساخراً منهم في 4 : 8 ” أنكم قد شبعتم ، قد استغنيتم ملكتم بدوننا وليتكم ملكتم لنملك نحن أيضاً معكم ” .

  أما رد الرسول على هذه الضلالة فكان هكذا :

     1- يضع قيامة المسيح أساساً لكل شيء . وقيامة السيد مؤكدة بحسب

الكتب المقدسة وبحسب ما تسلمه ما تسلمه من الذين عاينوا . وبحسب لجميع التلاميذ ( 15 : 1 – 11 ) . وقيامة الأموات تبني على قيامة المسيح . فإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيماننا وغن كانوا قد شهدوا أن أقام يسوع من الأموات تكون شهادتهم زور ولم يعد لنا رجاء في المسيح إلا في هذا الحياة فقط وما أبأسه من رجاء (12 – 19 ) . ولكن المسيح قد قام ، وهو يملك الآن إلي أن يخضع كل شيء وبذلك تتم أعمال المسيح في الفداء ومصالحة العالم ويسلم الملك لله الآب فبكون الله هو الكل في الكل ( 20 – 28 ) .

     2-إن هذا الرجاء في القيامة هي الذي يدفع الرسول للمخاطرة في التبشير فحياته هي شهادة حية للرجاء الكامل في القيامة. ويأخذ من حياتهم هم مثلا على رجاء القيامة وهو المعمودية من أجل الأموات. ( 26 – 24  ) إن الرسول لا يعني أن يؤيد هذه العقيدة عندما يتخذها مثلا على رجاء القيامة ، ولكنه يوبخ الكورنثيون بأنهم يمارسون أشياء تتنافى مع عقائدهم النظرية ” .

     3-إن القيامة لا بد وأن تكون جسدية، وهذا ما يسميه الرسول بطرس الخلاص المستعد أن يعلن في الزمان الأخير ( 1 بطرس 1: 5 ). ويسميه الرسول بولس ” التبني أي فداء أجسادنا ” ( رومية 8 : 23 ) . ولكن هذا ما يؤيده سيدنا عندما سأله الصدوقيون عن أمر القيامة والزواج فقال لهم ” لأنهم في القيامة لا يزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء ” ( متى 22 : 30 ) . ولكن هذا الجسد الروحاني لا يعني أن الشخصية الفردية قد انتهت فالعلاقة بين الجسد الحالي والجسد المقام هي كالعلاقة بين البذرة وما ينبت منها . إنهما مرتبطان ولكنهما مختلفان . فالإنسان الواحد هو في آدم

 الخليقة القديمة – إنسان مائت ، ولكنه في المسيح – الروح المحي والخليقة الجديدة – إنسان حي ، فكما لبسنا صورة الترابي – آدم سنلبس صورة السماوي الرب يسوع ( 35 – 50 )

     4-ويكشف الرسول عن سر التغيير ، قد لا يكون الموت هو النهاية ولكنذ1 الأمر المؤكد هو التغيير . ولعل الرسول يتلكم هنا من وجهة نظر ما قاله من قبل ” لأن الوقت منذ الآن نقصر ” ( 7: 29 ) أي أنهم كانوا ينتظرون رجوع المسيح السريع. ولكن التغيير يعني أن سلطان الموت قد انتهي وأننا نشارك في الغلبة ليسوع المسيح ( 51  – 58 ) .

     أما قصة الجمع لأجل القديسين التي كتبوا له عنها ( 1 كورنثوس 16 : 1 – 4 ، 2  كورنثوس 9 : 5 ) فلعلها كانت من إيحاء الرسول نفسه كما فعل في سائر كل الكنائس ( 16 : 1 ، رومية 15 : 26 وهكذا ) وذلك وفاء لتعهده للرسل في أورشليم أن يفعل ذلك ( غلاطية 2 : 10 )ولقد فعلت كنيسة إنطاكية نفس الشيء أيضاً ( أعمال 11 : 29 و 30 ) .ولم يقصد الرسول من الجمع إحساناً إلي بقدر ما كان يقصد به أشياء أخرى : 

     1-ألا تنقسم الكنيسة إلي كنيستين يهودية وأممية وتكونان منفصلتين بل أن تنضم كلها كنيسة واحدة في المسيح ، إذا تألم عضو تألمت معه كل الأعضاء لأن القديسين في أورشليم يمجدون الله من أجل الأمم لأنه عمل فيهم وسكنت محبته الفياضة حتى أنهم يقدمون مما لهم ويقول الرسول ” إذ هم باختبار هذه الخدمة يمجدون الله على طاعة اعترافهم لإنجيل المسيح وسخاء التوزيع لهم وللجميع وبدعائهم لأجلكم مشتاقين إليكم من اجل نعمه الله الفائقة لديكم ( 2 كورنثوس 9 : 13 و 14 ) .

     2-إن الأمم مدينون لليهود بالروحيات فليس كثيراً عليهم أن يردوا لهم شيئاً من هذا الذين بالدين بالجسديات . (رومية 15 : 27 ) .

    3-يريد الرسول أن يجعل هذه العطايا عملا من العبادة ، بل هي جزء لا يتجزأ منها فلذلك يطلب منهم أن يضع كل واحد منهم ما يتيسر له في خزانته للعطاء كل يوم أحد ، ولم يكن هذا ترتيباً وتنظيماً وتسهيلا للعمل فقط ، بل كان تذكيراً هم بعطية الرب يسوع ، التي لا يعبر عنها الذي مات وقام من أجل تبريرنا يوم الأحد ( 2 كورنثوس 9 : 15 ) . ولأجل ذلك يصبح هذا العطاء عاملا على زيادة المحبة والشكر لله (2 كورنثوس 9 : 11 ) .

الرسالة الثانية    

      إذا كانت الرسالة الأولي تهدف إلي تقويم الأمور المعوجة في الكنيسة ومحاولة تنوير الأعضاء في أمور اختلط الأمر عليهم فيها ، نظراً لمجيئهم من الوسط الوثني إلي المسيحية وهم لم يكونوا قد تعمقوا في الإيمان بعد ، فإن الرسالة الثانية تحاول أن تقول الصلة التي الرسول نفسه وبين الكنيسة ، فكل الرسالة تقريباً تدور حول أمور في علاقته ، أمور قد أساءوا تفسيرها أو أخذوها ضده أو رآهم في تصورهم أشياء تكن حقيقية . وقبل أن نتقدم إلي دراسة هذه الأمور يستحسن أن بعض الأمور التي تعبر عن قلب الرسول من نحوهم وبعد ندرس موقفهم منه : فهو يعبر عن نفسه أنه أبوهم ( 1 كورنثوس 4 : 15 ) الذي ولدهم في المسيح يسوع بالإنجيل ، وهو كأب فإنه يستخدم الأبوة معهم فقد عليهم ولكنها قسوة الأبوة المحبة وليس لتخجيلهم ( 1 كورنثوس 4 : 14 ) وهو كثيراً ما يمدحهم بقدر الإمكان ( 1 كورنثوس 1 : 4 – 9 ، 11 : 2 ) ومحبته لهم لا تنحصر في جماعة بل تتجه إلي كنيسة كلها ( 1 كورنثوس 16 : 14 ) وهو يخاطبهم

في مرات ( 1 كورنثوس 1 : 10 و 26 ، 2 : 1 ، 3 : 1 – 8 ) وأحباؤه ( 1كورنثوس 10 : 14 ، 15 : 58). وشركاؤه في التعزية والضيقة ( 1 كورنثوس 1 : 7 ) .

     ويقول إن ما يقويه ويجعله يحتمل الموت كل يوم هو افتخاره بهم ( 1 كورنثوس 15 : 31 ) ويعتبر هذه الكنيسة ختم خدمته وعلامة رسوليته ولذلك فهو يتوجه إليهم بتثبيت لهم ( 1كورنثوس 9 : 2 ) . وبهذا الموقف والإحساس من ناحيته جعله يكتب في الرسالة الثانية مدافعاً ومحذراً وشارحاً نوع علاقته بهم.

( أ ) هل بالغ الرسول في تقدير سلطانه :

     يبدو أن الكورنثيين اشتكوا من أن الرسول كان يظن في نفسه أكثر مما ينبغي ، مع أنه لم يكن بارعاً في علم الكلام ولا الخطابة ، وانه أحياناً كان يتصرف كانسان غبر متزن أن مختل . هذا نفهمه من ردوده عليهم ، فهو يسرع لكي يوضح لهم الدوافع التي كانت وراء بعض الأشياء التي بدرت منه وجعلتهم يظنون فيه هكذا ( 2 كورنثوس 1 : 13 و 14 ، 5 13 ، 10 : 8 و 10 ) من جهة عدم براعته في الخطابة والكلام فلعله يرضيهم إذ يرسل لهم أخاً محبوباً مشهوداً ولكفاءته في هذه الأمور ( 8 : 18 ) . ولكنه يعود فيبرر عدم اهتمامه بهذه الناحية لأنه يعرف أن الإنجيل لا يقدم بالحكمة البشرية أو سمو الكلام ، فهذا ليس الأساس الحقيقي له كما يظهر ذلك في الفلسفات البشرية ، ولكن الإنجيل يعتمد أساساً على قوة الله واقتناعه وهو ما يعتمد عليه . ( 2 : 17 ، 4 : 2 ، 13 – 14 ، 5 : 11 ).       

(ب) لماذا يمدح نفسه كثيراً :

     اتهموه أنه كان يمدح نفسه كثيراً وشكوا من الطريقة التي يقترب بها منهم. ولكن الرسول يرد على ذلك بالإنكار فيقول لهم ” أفنبتدئ نمدح أنفسنا أم لعلنا نحتاج كقوم رسائل توصية إليكم أو رسائل توصية منكم ” ( 3 : 1 – 3 ، 5 : 11 و 12 ) . إن الهدف الأساسي في خدمته ليس إعلان نفسه ولكن إعلان ربنا يسوع المسيح . ” بل قد رفضنا خفايا الخزي غير سالكين في مكر ولا غاشين كلمة الله بل بإظهار الحق مادحين أنفسنا لدي ضمير كل إنسان قدام الله . . فإننا لسنا نكرز بأنفسنا بل لمسيح يسوع رباً ولكن بأنفسنا عبيداً لكم من أجل يسوع ” (  4 : 2 و 5) ثم يكرر ذلك بقوة فيقول ” ولسنا نجعل عثرة في شيء لئلا تلام الخدمة ، بل في كل شيء نظهر أنفسنا كخدام الله في صبر كثير في شدائد في ضيقات في ضربات في سجون في اضطرابات في أتعاب في أسهار في أصوام في علم في أناة في لطف في الروح القدس في محبة بلا رياء في كلام الحق قوة الله بسلاح البر لليمين ولليسار ” ( 6 : 3 – 7 ) إنه يريدهم أيضاً أن يكونوا فخره لأنهم ” رسالتنا مكتوبة في قلوبنا معروفة ومقروءة من جميع الناس ظاهرين أنكم رسالة المسيح مخدومة منا مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية ” ( 3 : 2 و 3).

(جـ)  لماذا يغير في خطته لماذا يعدهم أن يزورهم ولا يفعل :

      لقد وعدهم الرسول في الرسالة الأولي أنه سيأتي ‘ليهم عندما يمر بمكدونية وسوف يمكث عندهم طيلة نصل الشتاء ( 1 كورنثوس 16 : 3 – 6 ) . ولكنه مع ذلك يفعل ، ولهذا السبب اتهموه بأنه ليس مستقراً ولا يفي بمواعيده كما يقول لهم ” وبهذه الثقة كنت أشاء آتي إليكم أولا لتكون

 لكم نعمة ثانية وأنم أمر بكم إلي مكدونية وآتي أيضاً مكدونية إليكم وأشيع منكم إلي اليهودية فإذ أنا عازم على هذا ن العلي استعملت الخفة أم أعزم على ما أعزم بحسب الجسد لكي يكون عندي نعم نعم ولا لا ” ( 1 : 15 – 17 ) . ولكنه يرد على ذلك معلناً أنه ليس كذلك ، لأنه في المسيح ويخضع لإرادة الله الذي فيه كل النعم والآمين ، وكان قوله قوياً ” لكن أمين هو الله . أن كلامنا لكم لم يكن نعم ولا. . . ولكن الذي يثبينا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضاً وأعطي عربون الروح في قلوبنا ولكني استشهد الله على نفسي أني إشفاقاً عليكم لم آت إلي كورنثوس ” ( 1 : 18 ، 21 – 23 انظر 4 : 2 ، 10 : 2 – 6 ) إن علامة خدمة الرسول وختم إرساليته هو عدم الغش في الكلام وقوة الله ( 6 : 7 ) . وهكذا فهو لا يتذبذب ولا يخاف ، ولكنه يري الأحسن لمجد الله ولخير هم ولذلك يخضع لإرادته .

(د)  لماذا يسبب آ لاماً لهم ؟ إنهم يشتكونقلوبهم. الجراح التي فجرها في قلوبهم . وتظهر هذه الشكوى في قوله لهم ” لأني إن كنت أحزنكم أنا فمن هو الذي يفر حني إلا الذي أحزنته ” ( 2: 2 ) بل واشتكوا من لهجة رسائله لأنه يقول ” لئلا أظهر كأني أخيفكم بالرسائل ” ( 10: 9 ). لقد كان في كلامه نغمه مرارة تخرج من قلب متألم حزين ، والرسول نفسه شعر بذلك وتألم لأجل رسالته القاسية لهم إذ يقول لهم ” لأني من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثير لا لكي تحزنوا بل لكي تعرفوا المحبة التي عندي ولا سيما من نحوكم ” ( 2 : 4 ) ولم يكب لهم هكذا إلا لأنه أراد أن يجنبهم زيارة قاسية مواجهة لا يستطيعون تحملها (1 : 23 – 2 : 3 ) . ومع ذلك فهذا الخطاب لم يكن بلا فائدة ، ولكنه فعل فيهم بقوة روح الله لكي يقودهم إلي توبة مخلصة ” لأني وإن كنت قد أحزنتكم بالرسالة لست

 أندم مع أني ندمت فإني أري تلك الرسالة أحزنتكم ولو إلي الساعة الآن أنا أفرح لا لأنكم حزنتم بل لأنكم حزنكم للتوبة لأنكم حزنتم بحسب مشيئة الله لكي لا تتخسروا منا في شيء ” (7 : 8 و 9 ) وفي الحقيقة لقد استمر ألمه إلي أن سمع من تيطس الأخبار المفرحة عن توبتهم وعن الحالة الجديدة التي أصبحوا فيها من أتضاع وفرح قلب وتعزية ( 7 : 5 – 7 ) .

(هـ) هل كان الرسول متزمتاً ؟ يؤخذ من القول ” لستم متضايقين فينا بل متضايقين في أحشائكم ” ( 6: 12 ) إن كنيسة تشتكي من التعليهم.ديد الذي يفرضه الرسول عليهم . وإلي جانب ذلك غالياً ما اشتكوا من الإلحاح الكثير في جمع المتقدمات لكنائس اليهودية ( 9: 5 ) فأصبح هذا الجمع ثقلا كبراً عليهم ( 8: 13 ).

     أما بالنسبة للأمر الأول يرد عليهم الرسول قائلا لهم إنه يجب أن ينفصلوا وكان أمره في ذلك مشدداً للخلفية الغير أخلاقية التي تفشت فيما بينهم ، ونظراً لأن الإنجيل يتطلب قداسة في خدمة الله ويرجع مرة أخرى إلي صورة الكنيسة كهيكل الله التي يذكرها لهم في الرسالة الأولي فيقول ” لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين لأنه أية خلطة للبر والإثم وأية شركة للنور وأية الظلمة وأي اتفاق للمسيح مع بليعال وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن موافقة لهيكل الله مع الأوثان فإنكم أنتم هيكل الله الحي كما قال الله إني ساسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً لذلك أحوجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسا فأقبلكم وأكون لكم أباً وأنتم تكونون لي بنين وبنات يقول الرب القادر على كل شيء ” ( 6 : 14 – 18 أنظر 1 كورنثوس 3 : 16 ، 6 : 18 – 20 ) هذه الصورة : صورة هيكل الله على أخرى هي صورة العهد الجديد الذي عمله مع شعبه كما حدث في العهد القديم ( خروج 25 : 8 ، 29 : 45 ، لاويين 26 : 12 ، إرميا 31 : 31 – 34 ) هذه الصورة تتطلب من الإسرائيليين أن يكونوا قديسين ،  وهكذا يتطلب من شعب العهد الجديد أن الله قد أعطاهم المواعيد فيجب أن يكونوا مخلصين في حياتهم ” فإذا لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لتطهير ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله ( 7 : 1 ) وهكذا خلفيتهم وبسبب العهد الذي دخل فيه الله معهم يشدد على نبره القداسة والانفصال عن أعمال الناس .

    أما بخصوص العطاء فإن الرسول يتكلم بتطويل فيه ( ص 8 و 9 ) ويضع قدامهم المكدونيين كمثال كريم يجب أن يحتذيه الجميع في السخاء ( 8 : 1 – 5 ) ومن الجانب الآخر يفتخر بأهل أخائية أمام المكدونيين ( 9 : 1 – 5 ) ، ولقد حث الرسول بكل الطرق الممكنة على هذا العطاء ، فيقول لهم ” لكن كما تزدادون في كل شيء في الإيمان والكلام والعلم وكل اجتهاد ومحبتكم لنا ليتكم تزدادون في هذه النعمة أيضاً ” ( 8 : 7 ) ويقول لهم إنه ينصح ولا يأمر بذلك لأن هذا العمل هو اختبار لمحبتهم ( 8 : 8 ) ويرشدهم لما يجب عمله ( 8 : 10 ) وسيرسل لهم من يعاونوهم في هذه الخدمة المجيدة ( 9 : 5 ) . إن الهدف الأعظم من هذه الخدمة هو تمجيد الله والإحساس بنعمته في المسيح ( 9 : 13 ) . وبهذه الكيفية حول الرسول قضية العطاء من منطقة المقدرة على العطاء والإرادة إلي منطقة الشكر لله على عطية التي لا يعبر عنها ( 9: 15 ) وأنه في عطائنا إنما نرد جميلة العظيم.   

   (و) هل يحتقرهم الرسول ؟ لقد اشكي بعض الأعضاء أنه يحبهم بل يحتقرهم لأنه رفض أن يقبل منهم ما يسد أعوزاه، بينما قبل من كنائس أخرى كثي).( 11: 7 – 11، 12: 13 ) . لقد حاول جهده منذ بدء

 الأزمة أن يعبر لهم عن محبته لهم، حتى الخطاب القاسي الذي أرسله لهم كان هدفه ” لكي تعرفوا المحبة التي عندي ولاسيما من نحوكم ” ( 2: 4 ). ولعل الرسول عندما يتكلم عن إرساليته وبمجدها في 5 : 16 – 6 : 2 فإنه يري أن ثمرها يظهر في علاقته مع كنيسة كورنثوس . وفي محبة جياشة يقول لهم ” فمنا مفتوح إليكم أيها الكورنثيون قلبنا لستم متضايقين فبنا بل متضايقين في أحشائكم فجزاء لذلك أقول كما لأولادي كونوا لأنتم أيضاً متسعين ” ( 6 : 11 – 13 ) ثم يقول وهو يلتمس ويرجو في المحبة ” اقبلونا لم نظلم أحداً لم نطمع في أحد ” ( 7 : 2 ) . أما عن رفضه معونتهم المالية فلأنه لم يرد أن يثقل عليهم . إنه أذل نفسه لكي يرتفعوا هم إذ بشرهم مجانأً بالإنجيل ( 11 : 7 ) ” ولماذا ؟ أ لأني لا أحبكم ؟ الله يعلم ” ( 11: 11 ثم يتحداهم أن يظهروا أي دليل على أنه تركهم في مجته ” لأنه ما هو الذي نقصتم عن سائر الكنائس إلا أني أثقل عليكم ؟ سامحوني بهذا الظلم ” ( 12: 14 ) أنه اتهام باطل.

  ( هل كان الرسول ضعفا تعثرت منه الكنيسة ؟ لقد اتهموه بأنه ضعيف وذلك يظهر في قوله ” ثم أطلب إليكم بوداعة المسيح وحلمه أنا نفسي بولس الذي في الحضرة ذليل بينكم أما في الغيبة فمتجاسر عليكم “

( 10: 1 أنظر 10: 10 ) ويلوح أن التواضع المسيحي الذي أظهره الرسول في حياته ومعاملته لهم لم يكن يروقهم، فحسبوا تواضعه ضعفاً. ولم يستطيعوا أن يفهموا أن هذه الضعفات هي في الحقيقية قوة إرساليته ( 12 : 7 – 10 ) إنها لكي تظهر قوة الله فيه . وأنه ليس أعظم من سيده في ” وداعته وحلمه ” ( 10 : 1 ) ويقول لهم بهذا الخصوص ” إذ أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم في الذي ليس ضعيفاً لكم بل قوي فيكم لأنه وإن كان قد صلب من ضعف لكنه حي بقوة الله ، فنحن أيضاً ضعفاء فيه لكننا سنحيا معه بقوة الله من

 جهتكم ” ( 13: 3 و 4 ) إن هذا الأمر هو المفتاح الحقيقي لمعاملة الرسول معهم، إنه وإن كان قد أظهر جسدياً ولكنه في المسيح قوي ولا يمكن أن يضعف.

                                                       ****

    هذه هي بعض الأمور الرئيسية التي أوردها الرسول في رسالته لكي يدافع عن نفسه ويشرح لهم ما عسر عليهم فهمه ، ولكن السؤال الهام هنا : هل كانت الكنيسة كلها تظهر تجاهه هذا الموقف ؟ طبعاً يمكننا أن نجيب على هذا السؤال بالنفي ، وإلا لما كان هناك حرب يقف بجانبه مع أنه لم يكن يرضي عن هذا الحرب . ومن الواضح من كلامه أنه كان هناك جماعة خاصة محددة تثير هذه المتاعب يسميهم هو ” فائقي الرسل ” ( 11 : 5 ، 12 : 11 ) . ونحن لا نعرف شيئاً عن أصلهم ولا من أين جاءوا، ربما جاءوا برسائل توصية الأمر لم يرض الرسول ولم يفكر فيه أبداً ( 3: 1 ). وما ميزهم أيضاً عنه هو كبرياؤهم وافتخارهم وطلبهم المتواصل للمال ( 11: 7 – 15، 12: 13 – 18 ). سخروا الكنيسة لأغراضهم الخبيثة مما جعل الرسول يتكلم عنهم بشدة وبقسوة إذ يقول ” ولكن ما أفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة لكي يوجدوا كما نحن أيضاً في يفتخرون به لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون شكلهم إلي شبه رسل المسيح ” ( 11 : 12 و 13 ) . أما الرسول الحقيقي فهو عكس ذلك تماماً لأنهم ” حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدناً لأننا نحن الأحياء نسلم دائماً للموت من أجل يسوع لكي تظهر حياة أيضاً في جسدنا المائت ” ( 4 : 10 و 11 ) إنهم مثل سيدهم أقوياء في الضعف ويفتخرون به ( 2 : 14 – 16 ، 4 : 7 – 12 ، 6 ، 4 – 10 ، 11 :

 23 – 29 ) . إن الرسول يشكو أن الكورنثيين قد عجزوا أن يروا هذا الفرق الواضح فسببوا حرجاً للرسول فيقول ” قد صرت غبياً وأنا أفتخر أنتم ألزمتموني لأنه كان ينبغي أن أمدح منكم إذ لم أنقص شيئاً عن فائقي الرسل وإن كنت لست شيئاً . إن علامات الرسول صنعت بينكم في كل صبر بآيات وعجائب وقوات ” ( 12 : 11 و 12 ) إن هذا الأمر هو سبب المتاعب كلها في كنيسة كورنثوس إنها تستطع أن تميز بين المجد الحقيقي الداخلي الذي يظهر في إطار الألم الجسدي وبين المظاهر الخارجية التي لا أساس لها إلا الافتخار البشري الكاذب . ما أبهى مجد المسيح ومجد رسله الذين هم سفراء عنه يطلبون من الناس أن تصالحوا مع الله .  

                                                ” رسالة غلاطية ”  

  تعتبر رسالة غلاطية وثيقة الرسول بولس في استقلاله عن الناس واعتماده على الله واهم من ذلك وثيقة الإيمان المسيحي الذي لا ينبع من أي سلطان بشري أو طقس أو ناموس بل مما فعله الله في يسوع المسيح لفداء البشر ، الذي يعطي المؤمن المفتاح الحقيقي للاقتراب إلي الله .

   ولكن قبل أن نتكلم عما تعنيه هذه الرسالة ومحتوياتها ينبغي أن نعرف خلفيتها حتى نفهمها على حقيقتها.

غلاطية  :          

       يدعو الرسول الذين أرسل لهم هذه الرسالة ” الغلاطيون ” ( 3 : 1 )  وهم جماعة من ” كنائس غلاطية ” ( 1 : 2 ) فما هي منطقة غلاطية هذه ومن هم سكانها ؟

   يطلق اسم غلاطية علة منطقيين تكونتا في مرحلتين متتاليتين : فالاسم غلاطية في معناه الضيق تطلق على الجزء الأوسط من أسيا الصغرى ، حيث كان يسكنها قبائل سلتيه ، كانوا أصلا في غالة حول الدانوب ، ولكنهم طردوا من هناك في النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد ، فجاءوا إلي أسيا الصغرى وفي 240 ق . م هزمهم أتالس ملك إتامس وجعلهم يتجمعون في هذه المنطقة حول الثلاث انقيرا Anvyra  التي هي أنقرا حديثاً وبسينوس Pessinus  تفيوم Tavium  .

   ولكن هذا الاسم أطلق على منطقة وسعها الرومان الذين أخذوا المملكة من آخر ملوكها سنه 25 ق. م ، وأضافوا عليها بعض المقاطعات في الجنوب

 مثل بيسيدية أسوريا وفريجية وليكاؤنية . وجعلوا هذه كلها مقاطعة رومانية يتخذ الروماني أنقيرا عاصمة له .

  ومن هنا يلاحظ أن غلاطية لم تكن بلداً واحداً ولم تكن بها كنيسة واحدة ، ولهذا كتبت الرسالة إلي كنائس ” غلاطية ” ( 1 : 2 ) في صيغة الجمع ، والظرف الذي لأجله كتبت هذه الرسالة لم يكن لكنيسة واحدة بل لكنائس هذه المنطقة وعلى هذا الأساس تواجه الدارس بعض المشكلات في دراسة الرسالة هذه الرسالة ؟ هل لكنائس المنطقة كلها، شمالا وجنوباً التي بشرها في رحلته الثانية، أم لكنائس الجزء الجنوبي التي بشرها الرحلة الأولي ؟ ويبني على ذلك مشكلة تاريخ كتابة ثم المكان الذي كتبت فيه ولعل السبب في هذه المشكلات هو صعوبة البت في التوفيق بين ما ذكره لوقا في سفر الأعمال عن زيارتي الرسول لأورشليم ( في أعمال 11 : 29 و 30 وفي 15 ) وبين ما كتبه هو عن زيارته إلي أورشليم في ( غلاطية 2 : 1 – 10 ) ، هل هذه الزيارة المذكورة في غلاطية هي التي حدثت في أعمال 11 : أم 15 . والأمر الآخر الذي بنيت عليه المشكلة هو المكان الذي كان يقصده لوقا والرسول عندما كانوا يتكلموا عن غلاطية ، هل هو اسم يدل على منطقة سياسية فيحوي الجزء الجنوبي أم يقتصر على جنسية السكان فيقتصر على الجزء الشمالي الذي كان يسكنه السلتيون قبل 25 ق . م وقبل أن يضيف إليه الرومانيون المقاطعة الجنوبية ؟

 سنمر سريعاً على هذه المشكلات لقصد الدراسة فقط لأن الجواب على هذه الأسئلة مهما كان لا يغير من طبيعة الرسالة ولا من الهدف والمعني الموجود فيها .

صلة الرسول بهذه المنطقة ( أعمال 13 و 14 ) :

  كما عرفنا سابقاً كان الجزء الجنوبي الذي أضافه الرومانيون على غلاطية الأصلية هو حقل الرسول التبشيري في رحلته الأولي حيث تكون مجموعة من الكنائس خاصة في دربة ولسترة وأيقونية وغيرها من المدن والمناطق ، وفي طريق العودة مر الرسول مع برنابا مرة أخرى على هذه الكنائس ” يشددان أنفس التلاميذ ويعظانهم أن يثبتوا في الإيمان . .وانتخبا لهم قسوساً في كل كنيسة “( أعمال 14 : 22 و 23 ) .

   أما في الرحلة التبشيرية الثانية فقد ذهب إليهم الرسول بولس مع سيلا وزكانا يجتازان في كل المدن ليسلماهم القضايا التي حكم فيها مجمع أورشليم ولقد أرادا أن يقدما الإنجيل في آسيا في الجنوب الغربي ولكن الروح منعهما ( أعمال 16 : 6 ) فحاولا أن يذهبا إلي بيثنية في الشمال الغربي ولكن الروح أيضاً منعهما ( أعمال 16 : 7 ) ويذهب كثيرون من العلماء على أن العبارة ” اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية التي توجد في أوائل الرحلة الثانية ( أعمال 16 : 6 ) وفي أوائل الرحلة الثالثة ( أعمال 18 : 23 ) تعني أن الرسولين أسسا هناك في هذه المنطقة الشمالية المسماة ” بكورة غلاطية ” كنائس كثيرة .

 لمن كتب الرسول رسالته ؟:

   هل لغلاطية الشمالية التي تسمي كورة غلاطية قبل أن يوسع الرومان تخومها ؟ أم إلي الجزء الجنوبي من غلاطية التي بشرها الرسول في الرحلة الأولي له ؟

    كان الرأي السائد غلي أوائل القرن التاسع عشر هو أن الرسول كتب هذه الرسالة إلي غلاطية الشمالية. ولكن بدأ بعض بدأ بعض العلماء يشكون في ذلك

 ويقولون إن الرسول كتبها إلي غلاطية الجنوبية التي بشرها في رحلته التبشيرية الأولي .

  أما مؤيدو النظرية الأولي الذين يعتبرون أن الرسالة وجهت إلي غلاطية الشمالية فيثبون رأيهم بما عرفوه عن لوقا كاتب سفر الأعمال من أنه عندما يذكر اسم ” غلاطية ” أو كورة غلاطية فإنه يقصد غلاطية الشمالية ، أما إذا كان يريد أن يتكلم عن غلاطية  الجنوبية فلا يسميها هكذا ، بل يذكر مقاطعاتها بأسمائها مثل بمفيلية ، بيسيديه . . وغيرها . وفي سفر الأعمال لم يشر الكاتب إلي غلاطية بالاسم إلا في ابتداء الرحلة الثانية( أعمال 16 : 6 ) وابتداء الرحلة الثالثة ( 16 : 6 ) أما قبل ذلك فلم يذكرها أبداً . وعلى هذا الأساس نستطيع أن تجزم أن الرسول بولس كان يقصد غلاطية الشمالية بهذه الرسالة لأنه يذكرها بالاسم .

    ويجيب أصحاب هذه النظرية على التساؤل عما إذا كان الرسول قد أسس في غلاطية الشمالية أية كنائس ؟ بأن الرسول قد أسس مجموعة من لكنائس في بدء رحلته الثانية بعدما منعه الروح من العمال في الجنوب ، فسار شمالا وبشر الناس في حلته وليس من الضروري أن يذكر لوقا ذلك في سفر الأعمال .

   أما مؤيدو نظرية غلاطية الجنوبية فيردون على بأن الرسول بولس كان يسمي المناطق لا بحسب موقعها الجغرافي بل بحسب موقعها السياسي . وعندما كتب الرسالة كان اسم غلاطية يطلق على كل المنطقة شمالا وجنوباً وهذا ما فعلته السلطة الرومانية . فالرسالة أرسلت أصلا إلي الجزء الجنوبي من غلاطية الذي بشره الرسول في حلته الأولي .

       ومما يؤيد ذلك أن المنطقة الجنوبية امتازت بالجالية اليهودية الضخمة التي

كان لها التأثير الكبير ( أعمال 13 : 14 ، 43 – 46 : 1 – 7 و 19 بعكس غلاطية الشمالية التي سكنها السليتون واحتفظوا بعوائد هم وتقاليده مدة طويلة : ونظراً لأن الرسالة موجهة إلي جماعة اليهودية ، فلا بد أن وجهتها كانت إلي الجنوب لا إلي الشمال .

    على كل حال لا يمكن القطع برأي حاسم له.ذا الأمر لأن كل نظرية لها ما يؤيدها من الشواهد والبراهين ، وضدها ما ينفيا من شواه وبراهين أيضاً .وكل دارس يرجح ما يجده أكثر إقناعاً له. وإن كنا هنا نرجح نظرية غلاطية الجنوبية .

تاريخ كتابة الرسالة:

      يتوقف البت في تاريخ كتابة الرسالة على عدة أمور :

    الأول : إلي أي قسم كتب الرسول الرسالة : فإذا كان قد كتبها إلي غلاطية كلها فهذا دليل على أنها كتبت متأخراً على الأقل أثناء رحلته التبشيرية الثالثة . أما إذا كان قد كتبها إلي غلاطية الجنوبية فيحوز أن يكون كتبها مبكراً بما قبل الرحلة الثانية أو بعد ذلك بقليل . وحيث أننا هنا نرجح الموقف الثاني فإننا نرجح أنه كتبها مبكراً ، ولكن هذا لا يمنع أنه كتبها متأخراً فهل من دليل آخر لترجيح كتابتها مبكراً ؟

    الأمر الثاني :   التوفيق بين غلاطية 2 : 1 أي الرحلة بعد 14 سنه وبين سفر الأعمال الذي يذكر رحلتين الأولي في أعمال 11 : 30 عندما ذهب شاول وبر نابا حاملين العطايا إلي كنيسة أورشليم ، والثانية في أعمال 15 : 1 و 2 عندما ذهب مع بر نابا وأناس آخرين ليحسموا الوقف مع قادة الكنيسة بخصوص المعلمين الذين ذهبوا وراء شاول بولس وبر نابا ليحارباهما في صحة الإنجيل الذي كانا يبشران به بين الأمم .

     الأرجح جداً أن الرحلة التي يشير إليها الرسول في غلاطية هي نفس الرحلة التي يذكرها البشير لوقا في أعمال 15 . وأن الرسول ذهب إلي أورشليم من أجل الإنجيل وحصل على حكم الكنيسة في أورشليم ورجع إلي الكنائس التي بشر فيها الاضطراب هذا الحكم ، ولكن بعد ذلك حدث الاضطراب بشدة كنيسة غلاطية ولذلك كتب لهم الرسول هذه الرسالة .

      ومما يؤيد ذلك قوله لهم ” إني أتعجب أنكم تتثقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم . . . ” ( غلاطية 1 : 6 ) . الكلمة سريعاً تصف المدة القصيرة التي انقضت بين سماعهم للحكم الذي جاء من كنيسة أورشليم وبين انقلابهم ضد الإنجيل. ومع أن الرسول لم يشر في رسالته إلي هذا الحكم، لكن هذه كانت عادته. . وإلا لماذا لم يشر إليه عندما كتب رسالة كورنثوس 2 أنه كان يفضل أن يشير إلي المبادئ المسيحية دون أن يشير إلي أحكام كنسية هذا الأمر يجعلنا نرجح أنها كتبت مبكراً .

ماذا حدث في كنيسة غلاطية :

      ولكن ما الذي حدث في هذه الكنائس والذي دفع الرسول إلي أن يكتب هذا الخطاب إليهم ؟.

يبدو أن الرسول بشر في غلاطية على الأقل مرتين ( 4 : 13 ) ولقد كان في المرأة الأولي منهكاً وضعيفاً في جسده ، ولكن الغلاطيين قبلوه كملاك الله ورحبوا به وأحبوه ، ولم يجدوا شيئاً يمكن أن يقدموه له ولم يفعلوه . ( 4 : 12 – 15 ) وكانت الكنيسة تتكون من جماعة من اليهود الذين قبلوا المسيح ( أعمال 13 : 14 ) ، ولكن غالبية أعضاء هذه الكنائس كانوا من أصل

 أممي ( أعمال 14 : 27 ) الذين كانت ديانتهم السابقة تحتوي على تقديس أيام وشهور وسنين وذبائح وهي ما يسميه الرسول ” عبودية ” ( غلاطية 4 : 8 – 10 ) . ولكن الرسول بشرهم بالحرية وطلب منهم أن يتعلموا كيف يستخدموا الحرية الجديدة ويثبتوا فيها ( 5 : 1 ) . وكان الرسول أيضاً يرسم لهم صورة المسيح المصلوب في كل عظاته ( 3 : 1 ) وقد تجاوب الغلاطيون مع هذه البشارة بالأيمان فأخذوا موهبة الروح القدس ( 3 : 2 – 5 ، 5 : 16 ) وبذلك صاروا خليقة وأعضاء في جسد المسيح وصار لهم الختان تماماً كالغرلة لا ينفع شيئاً ( 3 : 27 – 29 ، 6 : 15 ) ولقد فرح بهم الرسول واعتقد أنهم بدءوا بداية حسنة لأنهم أظهروا استعداداً للسعي واللم من اجل المسيح ( 5 : 7 ) هذا الأمر جعله يندهش بشدة ويتعجب أنهم ينقلون هكذا سريعاً عن الإنجيل إلي تعليم آخر ليس هو بإنجيل بل ضد المسيح ( 1 : 6 و 7 ، 3 : 1) . فما الذي حدث إذاً ؟

       لقد بدأت جماعة من الوعاظ الآخرين يبشرون بإنجيل آخر أو تعليم آخر يتلخص في أن هذا الإيمان الذي ينادي به الرسول ليس كافياً للدخول في ملكوت الله ، ولكن هناك تكملة له ، وهو أن يقول الإنسان بعمل الناموس وحفظة ، فإلي جانب المسيح يجب أن يكون موسي ، وهذا يتطلب منهم أن يمتنعوا من أن يخالطوا الأمم الذين لا يلتزمون بذلك ( 2 : 11 – 14 ) وهكذا بعد أن نبر الرسول بشدة على أنه إما موسى أو المسيح فإن هؤلاء جاءوا لينبروا على موسى والمسيح معاً ، النعمة والناموس الإيمان والختان ( 5 : 2 – 6 ) .

  ولكنهم لم يكتفوا بأن يشككوا في كفاية عمل المسيح للخلاص بل عملوا كل جهدهم للتشكيل في الرسول بولس ومؤهلاته كرسول للمسيح : فهو

 لم يكن واحداً من الرسل الأوائل الذين كانوا مع المسيح، ولذلك فوعظه يختلف عن وعظهم بل ويختلف عن وعظ يسوع نفسه ورسالته الذي يعتمد كثيراً على العهد القديم موسى والناموس. فقالوا إن قصد بولس من ذلك هو أن يرضي الناس لا الله ( 1 : 10 ) . ولو اتبع الناس تعاليمه لاعتقدوا أنه لا داعي لأن يعملوا شيئاً سوي أن يتعمدوا ثم يستمروا في خطاياهم، ويظنون أن الحرية التي أعطاها لهم المسيح تكمن في حرية الجسد، وبذلك يجعلها الرسول المسيح خادماً للخطية ( 2: 17 ). إن العلاج الصحيح هو حفظ الناموس إلي جانب الإيمان بالمسيح .

    ولم تقتصر كنيسة غلاطية على جماعة واحدة بل كان هناك جماعة أخرى ، تنادي بعقيدة تناقض عقيدة الجماعة الأولي ويهاجمون الرسول في قوله نصلب الجسد مع الشهوات ، لأن هذا القول هو عبودية جديدة للناموس ، ( 2 : 19 ، 20 ، 5 : 14 و 22 – 24 ) . اتهموه بأنه ما زال يبشر بالختان والديانة الطقسية ( 2 : 18 ، 5 : 11 ) . إن الديانة الحقيقة عند هؤلاء تفوق وتعلو عن الأخلاق ولا صلة لها بالآداب العامة ولهذا فلا داعي للعهد ولا لأوامر جديدة . . إنها الحرية التي حررنا المسيح بها.

   وبهذه الكيفية كان الرسول يهاجم في غلاطية من جماعتين مختلفتين متناقضتين ، أما هو فقد ارتفع التفكير الناموسي والتفكير الطقسي ، وكان مدفوعاً بالمحبة والرجاء فاختلف إيمانه اختلافاً جذرياً عن هؤلاء وأولئك ، وارتفع إلي مستوي حياة الروح في المسيح يسوع . وكانت المناقشة حامية قاسية بين الجماعتين : المحافظين والأحرار حتى أنه حذرهم لئلا ينهشوا بعضهم البعض . وأما هي فكتب إليهم رسالته الحادة هذه.

 محتويات الرسالة :

  تتقسم الرسالة أقسام ثلاثة : الدفاع عن رسوليته 1 و 2 ثم الإنجيل والناموس 3 و 4 الحرية والعبودية 5 و 6 .

     (أ) الرسول وإرساليته:

الإصحاحان الأول والثاني من هذه الرسالة إجابة على التحدي المرير لرسولية الرسول . وتتسم إجابته فيهما بالغضب وفي نفس الوقت الخوف ، لأن الكنيسة كانت على شفا السقوط في براثن هذه الجماعات المتطاحنة ، وخصوصاً جماعة التهوديين الذين هاجموا الرسالة والرسول في نفس الوقت . وكان رده في هذين الإصحاحين يتلخص في الأمور التالية :

     1-إن إرسالية الرسول لم تكن من الناس ولا على أساس سلطة إنسان ، يضيفه ، بل أرسله يسوع المسيح ، والله الآب الذي أقامه من الأموات ( 1 : 1 و 2 ) إن الله وحده هو الذي ، في مسرته ، أفرزه من بطن أمه ودعاه بنعمته ( 1 : 15 ) . وهو بذلك يضع إرساليته في مصاف إرسالية الأنبياء في العهد القديم، وخصوصاً ارميا 1: 5 ). وإن كان الله هو الذي اختاره لرسالة . ودعاه فلا يمكن أن تكون إرساليته من إنسان ولا من كنيسة خاصة. إنه لم يرسل من إنطاكية لأن الروح القدس هو الذي أرسله، وهو الذي طلب من الكنيسة أن تفرزه مع بر نابا ( أعمال 13: 2 و 4 ). ولم يأخذ سلطانه من الرسل أنفسهم لأنه لم ير واحداً منهم إلا بعد مقابلته للرب بثلاث سنوات. لقد قضي هذه المدة كلها فر صحراء العربية ودمشق يبشر بالرب وبالإنجيل دون أن يعرف واحداً من الرسل وبعد السنوات الثلاث صعد إلي أورشليم وهناك لم يقال سوي يعقوب أخي الرب وبطرس ( 1 : 18 ) وهذا يعني أن سلطان تبشيره وخدمته لم تنبع من أي واحد من الرسل . بل

 والأكثر من ذلك إلي أورشليم بعد تجديده بأربع عشرة سنه لكي يدرس مع الأعمدة في أورشليم مشكلة الأخوة الذين خلسة لكي يتجسسوا حريتنا ( 2 : 1 – 10 ) ، هناك واجههم ولم يخضع لهم أبداً خصوصاً في مسالة ختان تيطس ( 2 : 5 ) . إنه لا يتهم بالناس ولا بوجوههم . نعم لقد أعطاه الرسل يمين الشركة ، ولكن بعد أن عرفوا إنجيله لا قبله وعرفوا أن الرب قد ائتمنه على إنجيل الغرلة أي التبشير بين الأمم ( 2 : 7 – 9 ) إنهم لم يشيروا عليه بشيء ولا طلبوا منه أي أمر سوي أن يتذكر الفقراء فيجمع لهم من المم وهذا ما أراد أن يفعله من قبل أن يقولوا له ( 2 : 10 ).

بل رد على ذلك أنه عندما رأي بطرس يرائي مع بقية اليهود فيرجع إلي عزل نفسه عن الأمم – بعدما كان يأكل معهم – قاومه مواجهة لأنه كان ملوماً ( 2 : 11 – 21 ) . فالذي يفعل ذلك لا يظهر أنه أخذ سلطانه من إنسان بل من الله ، حتى يستطيع أن يوبخ شخصاً مثل بطرس . ويعلم أيضاً أن ما ينادي به هو الحق بعينه، وإلا فكيف يسلك بطرس قبلا كأممي ثم يرجع لكي يسلك سلوك اليهودي ؟ هل نعتبر نحن لا الذين نقول الناموس بل نؤمن بالمسيح فقط لأجل الخلاص فيكون المسيح خادماً للخطية ( 2 : 17 ) إن من يفعل ذلك فهو متعد ، لأنه يهدم عمله المسيح . وهنا يعلن الرسول الأساس الكامل لإرساليته في قوله ” مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان ابن الله الذين أحبني وأسلم نفسه لأجلى ” ( 2 : 20 )       

     2- إن الإنجيل الذي يبشر به لم يأخذه من إنسان ولا علمه . ( 2 : 11 و 12 ) ، لا ينكر أحد أن الرسول بولس بعد تجديده مباشرة سمع شيئاً كثيراً عن المسيح وعن خدمته ، ولا أنه سمع عن حياة يسوع الناصري خصوصاً

 من الرسول بطرس عندما زاره بعد ثلاث سنوات من تجديده، ولكن هذا لا يعني أنه ـخذ إنجيله من إنسان. لقد أخذه بإعلان يسوع المسيح (1 : 12 ) وحتى ذهابه إلي الرسل في أورشليم ليعرض عليهم الإنجيل ذهب ” بإعلان ” ( 2 : 2 ) وعندما يتكلم الرسول عن إعلان فإنه يقصد الإرشاد الملموس من الرب، إنه يقصد مقابلته له على طريق دمشق ، وفتح ذهنه لكي يفهم الأمور على حقيقتها ويعرف أن يسوع الذي يضطهده هذا هو يسوع الحي ، فليس هو الرجل المضل الملعون كما يقول الناموس ويؤكد ، ولكنه الرب المقام الذي مات لأجل خطايانا وقام لأجل تبر يرنا ( رومية 4 : 15 ) .

هذا الإنجيل لم يجد فيه هؤلاء المعتبرون الذين في أورشليم شيئاً يشينه بل هو إنجيل ربنا يسوع المسيح. ففي تبشيره لا يمكن أن يرضي إنسان أو يستعطف بشراً لأنه عبد للمسيح وأخذ إنجيله منه ( 1 : 10 ) ولأجل ذلك فهو يحذر الغلاطيين تحذيراً شديداً قاسياً ” أني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلي إنجيل آخر ، ليس هو آخر غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح ، ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن أناثيما ، كما سبق فقلنا أقول الآن أيضاً عن كان أحد يبشركم بغير ما قلبتم فليكن أناثيما ” ( 1 : 6 – 9 ) إن إرساليته ورسالتيه هما من الله الآب والرب يسوع المسيح .

(ب)الإنجيل والناموس ( 3، 4 ): 

     وفي القسم الثاني يتكلم الرسول عن الإنجيل والناموس . وفي هذا المجال يقابلهما الرسول ويضع صورة كاملة أمام الغلاطيين عن كمال الإنجيل ويبنيها على الأمور التالية : 

      1-خيرتهم الحديثة بعد أن قبلوا الإنجيل ، ولعل أهم عنصر في هذه

 الخيرة هي نوالهم الروح القدس. ويقول . لهم الرسول في هذا الأمر ” أريد أن أتعلم منكم هذا فقد أبأعمال الناموس أخذتم الروح أم بخبر الإيمان. . فالذي يمنحكم الروح ويعمل قوات فيكم أبأعمال الناموس أم بخبر الإيمان ” ( 3 : 2 و 5 ) . إن العلامة التي عرفتهم أمجاد الإٌنجيل هو الروح القدس علامة العهد الجديد كله ( أعمال 2 : 17 – 21 ، رومية 8 : 23 ) . ويعرفون عمل الروح بالقوات التي عملت فيهم ( 3 : 5 ) . . ” والرسول يقصد إما المعجزات اللاتي عملت بينهم أو يقصد الحياة الجديدة التي أحسوها وغيرتهم عن حياتهم الماضية. . هذه المعجزات هي العلامة الظاهرة للروح القدس الذي أخذوه بالإيمان”.

وهناك عنصر آخر في اختيارهم يبني على العنصر الأول وهو عنصر الحرية المسيحية ” لكنكم كنتم لا تعرفون الله استعبدتم للذين ليسوا بالطبيعة آلهة وأما الآن إذ عرفتم الله بل بالحري عرفتم من الله فكيف ترجعون أيضاً إلي الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تستعبدوا لها ” ( 4 : 8 – 10 ) إنهم تحرروا بالمسيح لأنه هو الذي حررهم من العبودية ( 5 : 1 ) وهذه الحرية اختبروها في فك أسرهم من الناموس وأعمال الناموس ، ومن الخطية وأعمال الجسد . فخبرتهم هذه تبين لهم مقدار الفرق بين الإنجيل والناموس .     

2- الوعد لإبراهيم :

وكان ” الوعد لإبراهيم ونسله ” هو الورقة التي يلعب بها هؤلاء التهوديون ، ويقولون للأمم إنه لا يمكن أن ينالوا الوعد ما لم يكونوا كإبراهيم ويختتنوا ، ودون ذلك وبغيره لا يمكن للإنسان أن ينال هذا الخلاص . ولكن الرسول يرد عليهم بثلاثة أمور :

الأمر الأول :  هو أن هذه المواعيد قيلت لإبراهيم المؤمن وليس لإبراهيم المختون ، إن الوعد أخذه إبراهيم قبل أن يختتن فلم يكن للختان فضل في ذلك ، وأكثر من ذلك فلم يكن الناموس قد أعطي بعد ، فلا فضل للناموس ولا للختان في الموعد ، إن الفضل كله يرجع إلي الإيمان ، ولهذا ” . . إن الذين هم مكن الإيمان أولئك هم أبناء إبراهيم ( 3 : 7 ) إذاً ” الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن ( 3 : 9 ) أما الناموس فإنه يجلب اللعنة والغضب لأنه لم يثبت إنسان ما في الناموس ولا يمكن أن يتبرر به ( 3 : 10 و 11 ) أما المؤمن فقد افقدي من هذه اللعنة بواسطة المسيح الذي صار لعنة لأجلنا ، ” لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح ( 3 : 13 و 14 ) ” .

    الأمر الثاني :   هو أن المواعيد قيلت في إبراهيم ونسله الذي هو المسيح ( 3 : 15 و 16 ) وهذا النسل الذي هو المسيح لا يقصد به الرسول المسيح كفرد ولكن كرأس الخليقة الجديدة المفدية . . الخليقة المؤمنة. ولهذا فالمواعيد التي وجهت للمسيح والكنيسة لا يمكن أن ينسخها الناموس لأن عهد الرب لا ينسخ. فالمواعيد ليست لأبناء الجسد ولكن لأبناء الإيمان النسل الذي في المسيح يسوع ( 3 : 17 و 18 ) .

    الأمر الثالث :   الأخير هو كشف الوظيفة الحقيقية للناموس إنه لم يعط للإنسان لكي يتبرر به ولكن يعرف الإنسان أنه خاطئ ( 3 : 19 ) إنه جاء ليكشف خطية الإنسان لكي يجعله ينظر إلي مصدر البر الحقيقي . إنه ضعيف لا يبرر ( 3 : 21 ) ولهذا فقد أعطي عن طريق وسيط قيمته ليست عظيمة ( 3 : 19 و 20 ) ، الأعظم هو الآتي الذي يشير الناموس إليه . . هو المسيح الذي يبرر كل من يأتي إليه بالإيمان ( 3 : 22 – 24 ) وفي هذه الحالة

 يسمي الرسول ” مؤدب ” ( 3 : 24 ) وهو الإنسان أو العبد الذي يهتم بالصبي إلي أن رشده ويسميه وصياً ( 4 : 1 – 7 ) ، ولكن الله افتدانا من هذه العبودية وجعلنا أبناء نصرخ يا أبا الآب .

   إذاً فكيف يرتد الغلاطيون إلي هذه الأركان الضعيفة ؟ هل يخضعون لهؤلاء الذين يريدون أن يفتخروا بواسطتهم ؟ أن هؤلاء سينالون دينونة أعظم لأن غير تهم ليست حسب الخير بل حسب الشر .   

(جـ) الحرية والعبودية:

     في الإصحاحين الأخيرين 5 و 6 يتكلم الرسول عن الحرية المسيحية . وقد بدأ هذا الأمر في 4 : 21 – 31 إذ أعلن لهم عن الرمز سارة وهاجر إن المؤمن هو من أبناء سارة الحرة وليس من هاجر العبدة . هذه الحرية من أعمال الناس ويقول الرسول لهم ” هاأنا بولس أقول لكم إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئاً لكن أشهد أيضاً لكل إنسان مختتن أنه ملتزم أن يعمل بكل الناموس قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تثيرون بالناموس سقطتم من النعمة ” ( 5 : 2 – 4 ) المسيح حررنا من الالتزام الناموسي الذي يستعبد له كل من يعتقد أنه مجبر أن يعمل كل الناموس . في المسيح لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة . إذا كان المسيحي اليهودي يقول بعمل ما يطلبه الناموس لا شيء عليه ولا ضده لأن الناموس لا ينفعه ولا يضره ، ولكن أن يجبر المؤمن الأممي أن يعمل الناموس فهذه هي العبودية كلها .

    ولكن كيف تظهر هذه الحرية المسيحية ؟

      1-إنها ليست حرية للجسد كما يفعل الفريق المضاد للفريق التهودي إذ يجعل من الحرية دافعاً لأن يعمل ما يريد ، إنه يظن أن الجسد شيء تافه لا قيمة

 له ، فليفعل ما يريد لأن هذا لا يقدم ولا يؤخر طالما أن الإنسان في المسيح وقد تحرر ( 5 : 13 ) ويظهر الرسول هذه الأعمال الجسدانية التي لا يمكن أن يتحلى بها المؤمن لأنها فاسدة بطالة يعيش فيها الأمم ( 5 : 19 – 21 ) .

2- الحرية هي الخضوع لروح المسيح :

الروح الذي وهبنا الحرية لنقرب إلي الآب ونصرخ يا أبا5:آب ( 4 : 6 – 8 ) وحررهم من أركان العالم الضعيفة من حفظ أيا وشهور وسنين ( 4 : 10 ) هذا الروح هو الذي سيثمر أيضاً فينا ثمراً حقيقياً ” وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان وداعة تعفف ” ( 5 : 22 و 23 ) وهو الذي يقاوم الجسد ويحررنا منه ومن أعماله الشريرة . لهذا ” فإن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضاً بالروح ” ( 5 : 25 ) .

3- الحرية هي المحبة الكاملة، فهي التي تكمل الناموس وتتممه ( 5: 14 ):  

وهذه المحبة تظهر في الخدمة بعضهم لبعض ( 5 : 13 ) . وتظهر في تحمل ضعفات ( 6 : 1 و 2 ) وتظهر في المشاركة في الخيرات وسيما للمعلمين ويقول الرسول ” فإذا حسبما لنا فرصة فلنعمل الخير ولاسيما لأهل الإيمان ” (6 : 10 ) .

  ويختم الرسول رسالته برجاء يقدمه إليهم ألا يتعبوه مرة أخرى ثم يطلب منهم ألا يهتموا بالختان كعلامة الجسد ، لأن العلامة الحقيقية التي يتمتع بها الرسول هي ” سمات الرب يسوع ” ( 6 : 17 ) فهي أسمي من الختان ومن كل شيء لأنها علامة الإيمان المحب . وهنا يقول بلغة النصرة ” وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صلب العالم لي وأنا للعالم. . ” .

رسائل السجن

إذا أحصينا عدد الرسائل التي يذكر العهد الجديد أن الرسول كتبها في فإننا تجدها خمس رسائل. ويمكن أن ترتب على النحو التالي:

أفسس         : أفسس 3 : 1 ، 4 : 1

فيلبي          : فيلبي 1 : 7 و 13

كولوسي       : كولوسي 4 : 3 و 10 و 18

2تيموثاوس   : 2 تيموثاوس 1 : 8 ، 4 : 6 – 8

فليمون: فليمون 1 و 10 و 13 و 22 و 23

    وبحسب إجماع الآراء فإن تيموثاوس الثانية تختلف في الزمان كثيراً عن بقية الرسائل الأربع . وعلى ذلك فتبقي أربع رسائل .

    ولكن لدي التأمل العميق يتضح للدارس أن الرسائل الثلاث أفسس وكولوسي وفليمون لها صلة عميقة بعضها ببعض جعلت كثيراً من العلماء يقولون إنها كتبت في وقت واحد ، هذه الثلاثة تختلف عن الرابعة وهي فيلبي في الاتجاه والمزاج حتى أن الدارسين يظنون أن وقتاً طويلا مضي بين كتابتها وكتابة الرسائل الثلاث الأخرى .

    أما الصلة بين الرسائل الثلاث الأخرى فهي محل دراسة واسعة ، ورأي السائد هو أن هو أن الرسول كتبها في وقت واحد من سجن رومية لكي ترسل مع تيخيكس إلي كولوسي في صحبة أنسيموس العبد الذي هرب من سيده فليمون ( كولوسي 4 : 7 – 9 ، أفسس 6 : 21 و 22 ، فليمون 10 و 12 ) . إلي جانب ذلك فإن رسالة كولوسي ترتبط برسالتي أفسس وفليمون برباط يختلف في كل حالة ، فهي ترتبط بفليمون في ظهور الأسماء المشركة في كل منهما مثل أرخبس وتيخيكس وأنسيموس وأبفراس وأرسترخس ولوقا وديماس . . الخ. مما يقطع بأن الرسالتين كتبتا في وقت واحد . 

وترتبط مع رسالة أفسس في المضمون الكلي لهما . وبحساب الأرقام فالدارس يجد حوالي 25% من محتويات أفسس متضمنة في كولوسي أي حوالي 37 عدداً من 155 عدداً هي كل رسالة أفسس . ومن الناحية الأخرى فإن 33 % من الكلمات الموجودة في كولوسي تظهر في أفسس .

     أما التشابه في الاصطلاحات بينهما فهو عجيب خصوصاً في مصطلحات مثل الجسد والرأس والملء والسر وفي الأفكار أيضاً : فالكنيسة هي جسد المسيح وهو رأسها ( أفسس 1 : 22 و23، 4 : 15 و 16 مع كولوسي 1 : 18 و 24 ) والرياسات والسلاطين والقوات وانتصار المسيح عليها أفسس 1 : 21 و 22 (1) مع كولوسي 2 : 15 ، وعمل السلام بدم المسيح ( أفسس 1 : 7 ، 2 : 13 – 16 مع كولوسي 1 : 19 – 22 ، 2 : 14 ) وفكرة الإنسان الجديد ( أفسس 1 : 15  (ب) ، 4 : 22 – 24 مع كولوسي 3 : 9 – 11 ) .

    وإذا تقدمنا خطوة أبعد فنجد أن هناك تشابهاً كبيراً في كثير من العقائد التي تظهر في كل منهما : ففي كولوسي تظهر أهمية المسيح الفريدة في الخليقة والخلاص ( 1 : 14 – 22 ، 2 9 – 15 ) وفي أفسس يظهر المسيح

 الفريد الذي لا شريك له في عمله في الفداء وجمع كل شيء فيه ( 1: 10 – 12، 20 – 23، 2: 21 و 25، 3: 5 ) وإذا قارنا الرسالتين من الناحية العملية فنجد تشابهاً كبيراً بينهماً.

    ومن الناحية الأخرى نجد هناك اختلافاً واضحاً فحوالي 30 % من رسالة كولوسي لا نظير له  في أفسس مثل ” مجد المسيح ” ( 1 : 15 – 20 ) ثم محاربة المعلمين المضلين ( 2 : 1 – 9 ، 16 – 23 ) ثم النظر إلي ما هو فوق ( 3 : 1 – 4 ) وكثير من التحيات والوصايا ( 4 : 9 – 18 ) . ومن الناحية الأخرى نكتشف أنه حوالي 50% من رسالة أفسس تنفرد به ولا نظير له في كولوسي مثل ترنيمة الشكر ( 1 : 3 – 14 ) والحياة الجديدة ( 2 : 1 – 10 ) الصلاة حتى يعرفوا سر المسيح ( 3 : 14 – 21 ) دعوة للوحدة ( 4 : 1 – 16 ) السير في النور ( 5 : 8 – 14 ) زواج الكنيسة السري بالمسيح ( 5 : 23 – 32 ) السلاح الروحي ( 6 : 10 – 17 ) .

    بل هناك ما هو أبعد ذلك ، فمثلا قد تستخدم كلمة واحدة الرسالتين ولكنها تؤدي معني مختلفاً في كل رسالة ، فكلمة ” سر ” في أفسس تشير إلي الربط بين اليهود والأمم ( 3 : 1 – 6 ) وفي كولوسي تشير إلي المسيح وصلته بالمؤمن . ولفظ ” تدبير ” تظهر في أفسس لتعني قصد الله ( 3 : 2 ) وفي كولوسي لتعني عملا موكلا لا إلي شخص ليقوم به ( 1 : 25 ) .

  هذا الموقف جعل العلماء ينقسمون في تفسيره إلي فرق ثلاث :

      ( أ ) الرأي الأول الذي تتمسك به الكنيسة هو أن الرسول كتب الاثنتين في زمن متقارب إن لم يكن في وقت واحد لكي يرسلهما مع رسالة فليمون مع شخص واحد يذهب إلي نفس المكان. أما سبب التشابه بين

\

 الرسالتين أفسس وكولوسي فهو الاتجاه العقلي للرسول في الوقت ، أما سبب الاختلاف فهو اختلاف الموقف الذي أرسلت له كل رسالة ، فبينما كتبت كولوسي لتحارب بدعة ما – كما سنعرف فيما بعد ، كتبت أفسس كرسالة عامة لتظهر قصد الله في المسيح يسوع ، أي أنها كتبت إلي الكنيسة عامة في حين أن كولوسي كتبت إلي كنيسة بعينها في موقف خاص ولهدف يتعلق بتلك الكنيسة.

      ( ب ) أما الرأي الثاني فيقول إن رسالة كولوسي كتبها الرسول بولس إلي الكنيسة في كولوسي أما رسالة أفسس فقد كتبها شخص من أتباعه وتلاميذه معتمداً في كتابته على رسالة كولوسي .

     (حـ) الرأي الثالث يقول إن كلا الرسالتين كتبهما اثنان من أتباع الرسول بعد موته معتمدين على تفكيره وكتاباته وذلك لأنهما يعكسان حالة في الكنيسة متأخرة عن وقت الرسول وسوف ندرس ذلك في كل رسالة على حدة.

رسالة كولوسي

مدينة كولوسي :

      تقع مدينة كولوسي في وادي نهر ليكس Lucus  وهو أحد روافد نهر الميناندر في مقاطعة فريجية يأسيا الصغرى وهي إحدى ثلاث مدن هذه  المنطقة ، الاثنتان الأخرويتان هما لاودكية وتبعد عنها بحوالي 20 كيلو متر وهيرابوليس وتبعد عنها حوالي 22 كيلو متراً وتبعد كولوسي حوالي 170 كيلو متر إلي الشرق من مدينة أفسس . وتاريخ هذه المدينة ينقسم إلي فترتين : الأولي كانت قبل ظهور ” الإسكندر الأكبر وانتشار الثقافة الهلينية ، وكانت

 على الطريق العظيم الذي يصل الشرق بالغرب وهو الطريق الذي سلكه إرتحشتا إلي ساردس سنه 481 ق.م ثم كورش الصغير سنه 401 ق.م وفي ذلك العصر يصفها هيرودتس بأنها ” مدينة كبري في فريجية ” . وذلك لأنها كانت أهم مدينة في مقاطعة في وادي ليكس . أما الفترة الثانية ففيها بدأت تفقد أهميتها وأخذت تتضاءل نسبة إلي التنافس الذي حدث بينها وبين جارتيها لاودكية وهيرابوليس . ولعل السبب في ضعفها عن المنافسة هو انتقال الطريق التجاري منها ( كولوسي 4 : 13 ) . . وكانت كولوسي تشتهر بصناعة المنسوجات وخاصة غزل الصوف ونسجه . . ولقد انتهت مدينة كولوسي في القرن الثامن الميلادي واقتلعت أحجارها لتبني بها مدينة صغيرة مجاورة اسمها ” خوتي ” وهي التي تدعي ناز في العصر الحديث في تركيا .

 المسيحية في كولوسي :

 من المؤكد – كما تقول الرسالة نفسها – إن الرسول بولس لم يؤسس الكنيسة في هذه المدينة ولم يكن قد زارها من قبل . وفي هذا يقول ” إذ سمعنا إيمانكم بالمسيح يسوع ومحبتكم لجميع القديسين ( 1 : 4 ) ويؤكد ذلك في 2 : 1 ” فإني أريد أن تعلموا أي جهاد لي لأجلكم ولأجل الذين في لاودكية وجميع الذين لم يروا وجهي في الجسد ” وهذا يعني أنه لم يؤسس أيضاً كنيستي لاودكية وهيرابوليس . ومع ذلك فهو يعتبر مسئولا مسئولية غير مباشرة في ظهور الجماعات المسيحية في تلك المنطقة ، نعم إنه لم يستطع أن يذهب إلي الجنوب الغربي من مقاطعة فريجية حيث تقع المدن الثلاث ولكنه أرسل رجلا آخر غالباً من مدينة كولوسي ( 4 : 12 ) اسمه أبيفراس ربما تقابل معه في مدينة أفسس ، ويتضح ذلك من العبارة ” لأجلنا ” Huper hemoon أي

 أنه كان يبشر في هذه المدن بحسب ما كان يسمع من الرسول وصار حلقة الوصل بينه وبين الكنائس الثلاث وكان يخبره بمحبتهم في الروح ( 1 : 8 ) . وكانت الكنائس تتكون من المم غالباً ( كولوسي 1 : 21 و 27 ، 2 : 13 ) ولكن هذا لا ينفي أن جزءاً مهماً منها كان من اليهود الذين قبلوا المسيح خاصة وان الجاليات اليهودية كانت تنتشر في تلك المناطق .

ظروف الرسالة :

    يذكر الرسول في فليمون 13 أن أبيفراس مأسور معه ، ولا نستطيع أن نعرف بالضبط ماذا كان نوع هذا السر: هل كان اختياراً بمعني أنه ذهب إلي الرسول في رومية ومكث معه . أم كان موضوعاً في الحبس لأجل مسيحيته ، مع أن غالبية العلماء تميل إلي الرأي الأول . وعلى ذلك فإنه ذهب إلي الرسول لكي يسأله النصيحة في معضلة واجهته وكانت قاسية وصعبة ، هذه المشكلة تتلخص في أن بدعة ظهرت بين الكولوسيين يروج لها جماعة لها تأثيرها وثقافتها الواسعة ولم يستطع هو – أبيفراس – أن يصدها أو أن يجاوب عليها . وفي سفره إلي الرسول رومية ترك الكنيسة تحت رعاية أرخبس ( كولوسي 4 : 17 ).

      ولكن ما هو هذا الانحراف وما هي عناصره ؟ من الأمور الصعبة أن يحاول المرء دراسته دراسة عميقة ، لأن الرسول لم يصفه في رسالته إلا من خلال رده عليه وتفنيده له ، لأنه كان يكتب إلي جماعة يعرفونه ولم يكن من داع لو صف هذا الضلال وصفاً مفصلا ، ولهذا فكل معرفتنا به تعتمد على هذه الفقرات الصغيرة التي يذكرها الرسول رداً على جماعة المنحرفين .

   ولعل العلامة المميزة لهذا الانحراف وكل انحرافات القرن الأول الميلادي هو ما يسمي ” المزجية ” syncretism وهي عبارة عن ربط آلهة وطقوس وعقائد وتفاسير متعلقة بشعوب مختلفة بعضها مع بعض ثم استخراج مذهب جديد منها. ولقد غير كثيرون عاشوا في ذلك العصر معتقداتهم الدينية بتبني بعضاً من عقائد وطقوس ديانات أخرى مجاورة لهم، أو واردة عليهم، من أمكنة أخرى، وكان ذلك يحدث خاصة في أعقاب التغييرات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. ولقد كانت المسيحية في نظر البعض عبارة عن ديانة أخرى ظهرت ضمن الديانات الجديدة ، وعلى ذلك فيمكن تطعيمها وإثراؤها بنظريات وعقائد وعبارات أخرى من الثقافة الهلينية والطقوس اليهودية والعقائد التي سبقت الغنوسية وأدت إليها ، وقد جري ذلك في مدينة كولوسي وكنيستها . ويمكن أن نستخرج بعضاً من عناصر هذا الانحراف في الأمور التالية :

1- شخصية المسيح : 

      أبرز عناصر هذه الضلالة كان ينصب على شخص المسيح نفسه ويبدو أن المعلمين الكذبة ذكروا عنه أنه لم سوي واحد من القوات أو العناصر الإلهية ، وأنه محدود في قوته ولا يمكن أن يتغلب على كل قوات الشر ، ولذلك فقد التجأوا إلي الملائكة ( 2 : 18 ) ، ولربما كان هذا الاتجاه مؤدياً إلي غنوسية القرن الثاني وكان هذا هو سبب تنبير الرسول بشدة على مجد المسيح ورفعته فوق الجميع كما سنري (1 : 15 – 19 ، 2 : 9 – 11 ) .  

2- العناصر اليهودية في 2: 11:

     يفسر الرسول الختان على أنه ختان القلب لا الجسد. وفي 2 : 8

 يذكر عبارة ” تقليد الناس ” وهي غالباً تعكس عادة يهود ذلك العصر في تعظيم شأن التقاليد واعتبارها أكثر من كلمة الله نفسها. وفي 2 : 16 نجد إشارة واضحة عن الفرائض والطقسيات مثل الأكل والشرب والعيد والهلال والسبت وكلها تعكس الأعياد اليهودية . كل هذه الإشارات تدل علي أن هناك عنصراً ضخماً هذا الانحراف من اليهودية . 

3- عبادة الملائكة:

وهذا العنصر الثالث قد يكون مأخوذاً من عناصر يهودية متطرفة إذ صار للملائكة مركز وشأن ضخم بعد أن أوجد التفكير اليهودي ، في فترة ما بين العهدين ، فجوة ضخمة بين الله والناس ، فصار الملاك هو الوسيط الذي ساعد في إعطاء الناموس نفسه ( غلاطية 3 : 19 ، أعمال 7 : 30 و 35 ) ومع أن اليهودي المتحفظ لا يمكن أن يعبد الملائكة ؛ إلا أن التطرف قد أدى ببعض اليهود إلي ذلك الموقف . ومن الناحية الأخرى قد يكون هذا العنصر مأخوذاً الديانات والتفكير الهليني ، فقد كان هناك عبادة لبعض العناصر الفوق طبيعة بين الشعوب اليونانية .  

4- العناصر اليونانية :

وكانت تظهر العناصر اليونانية الخالصة الأمور التي تكشفا عنها المصطلحات الآنية:

     – الفلسفة ويذكرها الرسول في العبارة ” انظروا ألا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل ” ( 2: 8 ) وكلمة يسبي كلمة قوية بمعني يغريهم بطريقة مخادعة براقة وقوية ليأخذهم تحت سلطانه وربما كان هذا خطر

 المعلمين الكذبة إذ بهروا الناس بكلامهم ثم بتظاهر بأنهم يعطونهم مسيحية غنية أكثر ثرواً في الفكر وغناء في العبادة عن المسيحية العادية ويذكر الرسول بعضاً من اصطلاحات هذه الفلسفة مثل الملء (1 : 19 ) معرفة ( 2 : 3 ) قهر الجسد ( 2 : 23 ) وهذا يدل على أن المنبع الذي بدأت منه الغنوسية بدأ مظهر ويتضح .

     – أركان العالم ( 2 : 20 ) والكلمة اليونانية التي تترجم أركان العالم قد يكون لها واحد معان أربعة : أول الحروف الهجائية الأولي ( عبرانيين 1 : 5 ) ( بداءة ) وفي هذا قد تعني المعرفة الأولية . وقد يكون المعني الثاني وهو العناصر الأولي يتركب منها الشيء أو العالم كالماء والهواء والتراب والنار ، وقد يعني النجوم والكواكب وتحكمها في مصائر الناس وقد تعني أخيراً الأرواح التي تتحكم في هذا اتفق العلماء على تفضيل المعني الثاني والرابع ولكنهم لم يتفقوا على ما هو المعني المقصود هنا . ولعل دراسة المعني الذي عبر عنه الاصطلاح في كولوسي 2 : 8 و 20 ، غلاطية 4 : 3 ) يرجح كفة المعني الثاني أي أنها تعني العناصر الأولية التي يتكون منها هذا العالم أنظر 2 بطرس 2 : 10 عناصر .

هذه هي ملامح الانحراف الذي ظهر في كنيسة كولوسي وقد اعتقد بعض العلماء أن هذا الانحراف قد ظهر جماعة الايسنيين الذين كانوا يتمسكوا بشدة بتقاليد الآباء مع نوع من التصوف الشديد وإلي جانب ذلك تمسكوا بخليط من الأفكار الغربية لكن هذا الرأي لم تؤيده الاكتشافات الحديثة التي أكدت أن هذه الجماعة لم تعبد الطبيعة ولا الشمس كما ظن يوسيفوس من قبل ولم تظهر أية شواهد تدل على أنهم كانوا يعبدون الملائكة ومع ذلك فيمكن القول بأن هذا الانحراف هو أقرب إلي انحراف إيسينى منه إلي انحراف غنوسى في القرن الثاني الميلادي .

كيف واجه الرسول هذا الانحراف :

     يبدو أن أبيفراس – كما سبق القول – عجز عن مقاومة هذا التيار الشديد فلجأ إلي معلمه في رومية لكي يساعده وينقذ الكنيسة من هذا الخطر ( 1 : 7 ، 4 : 12 ) وعليه فقد كتب الرسول هذه الرسالة ليواجه مشكلتين حادتين في الكنيسة : المشكلة العقائدية ثم المشكلة السلوكية وهذا يقودنا إلي الرسالة لنعرف فكر الرسول من خلالها .

مقدمة الرسالة :

       بعد أن يذكر الرسول عنوان الرسالة يتقدم لكتابة المقدمة وبضمتها أمرين : وصف الاختبار المسيحي الذي يتمتع به أهل كولوسي ويتلخص هذا في الإيمان والمحبة والرجاء ، ولم يكن الرسول هو أول من وصف هذه الاختبارات ولكنه كان أول من ربطها بعضها ببعض كتغيير بنوع من التفصيل : إيمان بالمسيح يسوع ، ومحبة لجمع القديسين ورجاء مع إنهم يختبرونه الآن ولكنه في السماء . إنه ليس مبنياً على أمور أرضية ولكنه مبني على أمور سماوية . والرسول لا يفاضل بينها هنا كما فعل في 1 كورنثوس 13 : 13 فجعل المحبة أعظمها لأنها أكبر من كل المواهب وابقي .

  أما الأمر الثاني في المقدمة فهو صلاة لكي يمتلئوا من معرفة مشيئته في كل حكمة وفهم روحي ، وكأنه يوبخ أهل كولوسي لأنهم لم يهتموا كثيراً بالنمو في معرفة مشيئة الله ، هذه المعرفة المتزايدة هي الأساس في نمو الاختبار المسيحي كاختبار حي يظهر في السلوك كما يحق للرب ويثمرون فيه . لا حظ هنا الفرق بين معرفة مشيئة الله ومعرفة الرب نفسه ( 1: 3 – 11 ).

مجد المسيحية في مقابل التعاليم الفاسدة :

    ولكن على أي شيء يبني الرسول مجد المسيحية والإيمان المسيحي وعظمتها اللامتناهي في وجه هذا الضلال ؟ لقد ظن هؤلاء المضلون أنهم يثرون المسيحية ويعطونها مظهراً أسمي وأضخم بما أضافوه إليها ، فهل هذا صحيح ؟

    بعد أن يعبر الرسول من المقدمة إلي هذا الغرض في قوله ” شاكرين الله الآب الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلي ملكوت ابن محبيه ” ( 1 : 12 و 13 ) فيجعل المسيحي في النور . وعندما يضع الأسباب الثلاثة التي تجمل المسيحية مجيدة وعظيمة: الأول: المسيح نفسه ( 1: 15 – 22 ) الثاني: الرسول نفسه وهو يكشف لهم عن المسيح الأعظم ( 1: 23 – 2: 7 )ثم اختبارهم في المسيح ( 2: 8 – 15 ) ويلاحظ أن هذه الأسباب الثلاثة ليست متصلة ولكنها تدور كلها حول شخص المسيح.

مجد المسيح : ( 1 : 15 – 22 ) :

    ويظهر هذا المجد في ناحيتين متكاملتين : الناحية الأولي هي مجده كخالق ( 15 – 17 ) ويوازي لها مجده كفادي ( 18 – 22 ) أما مجده كخالق فيذكر عنه الرسول أنه صورة الله غير المنظور . وقد فسر لايتفوت Lightfoot كلمة صورة بمعنيين أنه ممثل لله ثم إعلان الله وإذا كان كذلك فهو بالطبع من طبيعة الله أما . صلته بالخليقة فهو :

     1-واسطة خلقها جميعاً ، ليس فقط الأرض والإنسان بل جميع الكائنات وكل الكون ما يري وما لا يري .

     2-مالكها فالكل له وبه قد خلق وهو المعتني بها فهو قبل كل شيء وفيه

 يقول الكل . ونلاحظ هنا أمرين في غاية الأهمية الأول أن الرسول يتكلم في هذه الرسالة عن المسيح ” الكوني “Cosmic Christ  فمجده لا يقتصر فقط على الكائنات ولكن على الخليقة مثله في ذلك ما قاله البشير يوحنا في مقدمة إنجيله ( يوحنا 1 : 1 – 10 ) الأمر الثاني هو معني كلمة ” بكر ” ( ع 15 ) فهي تعني الرياسة والسبق : إنها ترتبط بالوقت ولكن البكر لا يجعله سبقه في الوقت فقط بكراً ولكن الرئاسة والمجد ، فقد أصبح يعقوب بكراً وهو بعد عيسو زمنياً ، وأصبح إسرائيل بكراً وهو أصغر جميع الشعوب ( هو شع ). 

ويظهر مجد المسيح أيضاً كفادي أي ارتباطا ثبته بالكنيسة ، إذ هو رأسها ويلاحظ أن الكنيسة ليست كجسد ولكنها الجسد ، ود صار المسيح كذلك لأنه انتصر على الموت وقام من الأموات بكراً وهو عمل الصلح بدم صليبه .

    ويلاحظ هنا في (ع19 ) ” لأنه فيه سر أن يحل كل الملء ” وفي 2 : 9 ” فإنه فيه يحل ملء اللاهوت جسدياً ” ، إن كلمة الملء نفسرها في ضوء تعليم هؤلاء المعلمين الكذبة . فعندهم أن الله لا يستطيع أن يصل إلي الكائنات لأنه أرفع من أن يتصل بأي شيء مخلوق أو مادي، ولكنه يفعل ذلك عن طريق سلسلة متدرجة من الكائنات الروحية تنزل إلي أن تصل إلي الأرض. هذه كلها مع الله نفسه تكون ما يسمونه الملء : ملء الإلوهية . ولكن الرسول هنا يقول إن المسيح وحده هو الذي حل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً. فملء الله بمجده وكمالاته فيه وحده لا شريك له . ولا يمكن أن يكون فرداً من جماعة أو حلقة في سلسلة إنه وحدة.   

     2- وينتقل الرسول إلي الأمر الثاني فهو يتكلم عن نفسه كمقدم للإنجيل وحامل للرسالة إلي المم ( 1 : 23 – 2 : 7 ) ويستخدم الرسول هنا ثلاث كلمات هامة وهي كلمة ” تدبير” ( 1 : 25 ) وكلمة سر ( 1 : 26 ) وكلمة ” آلام أو شدائد ( 1 : 24 ) وكلمة تدبير هنا تعني عملا موكولا إلي شخص ليقوم به – وهي بذلك تختلف عن معناها في أفسس ، كما سبق القول . كأنه يقول إنه هو الذي وكل إليه الله أن يبشرهم وأن يقدم لهم هذا الإنجيل .

    أما الكلمة الثانية فهي كلمة سر وتتكرر مرتين في هذا الجزء ومعناها قصد وتدبير إلهي كشفه الله لقديسيه ، وينصب السر هنا على شركة الأمم في المسيح الذي يسكن فيهم ويكون معهم أساساً للرجاء الكامل .

   أما التعبير عن الألم والتعب والشدائد فالرسول يعلن على أنها ليست عبثاً ولا هي آلام عادية ولكنها جزء من تدبير الله بواسطتها ينتشر الإنجيل ويقبل الجميع إلي الله ( فيلبي 1: 13 و 14 ) وهي بهذا المعني مكملة لآلام المسيح نفسه ( 1: 24 ). إن آلام المسيح ليست ناقصة وإلا صارت سبباً وأساساً لفدائنا ولكنها الأساس الكامل الذي عليه ، وفي اتجاهه يبني كل البناء إن آلام الرسول امتداداً لآلام وبناء عليها يتألم لامتداد الإنجيل هذا هو مجد المسيحية الثاني ، إن الذين الإنجيل لا يعملون ذلك من كبرياء هو ومحاولة سبي الناس بالكلام الملق ولكن بالتضحية والألم وباكتشاف سر الله وإعلانه .     

      3-أما المجد الثالث فهو الاختبار المسيحي نفسه ( 2 : 8 – 15 ) وهذا الاختبار يبني أيضاً على المسيح الذي يجسد كل كمالات الله ويعبر عن الاختبار المسيحي بكلمتين ” الختان ” وهو الختان الروحي مصنوع يبد ، ختان القلب الذي انتظره القديم ( حزقيال ) .

      ثم المعمودية حيث يتصل المؤمن ويتحد بالمسيح في موته وقيامته فالاختبار المسيحي ليس شيئاً عقلياً أو تفكيراً نظرياً صلة له بالحياة ولكنه اختار حياة يظهر ثمره في السلوك والحياة والمسيحية الحقيقية. هذا كله مبني على ختان المسيح وهذه كلمة قد تعني ثلاثة أمور: إما ختانه اليهودي كطفل وهذا مستبعد وإما الروحي بالصليب وإما ختانه الذي هو مصدره أي يساعدنا على خلع جسم الخطايا وربما كان هذا المعني الثالث هو المقصود بذلك.

    إن المسيح لكي يقول بذلك انتصر على كل قوات الشر على الرياسات والسلاطين فهو أقوي من الجميع وأعظم منهم وصانع الخلاص العظيم .

 نتيجة ذلك:

   إن الذين للمسيح أحرار لا يستطيع أن يحكم عليهم في طقوس أو تقاليد ولا أن يخضعوا لأحد غير سيدهم. لقد ماتوا مع سيدهم عن العالم وقاموا معه . فهم يحيون معه وحياتهم مستترة في المسيح يسوع في السماوات ( 2: 19 – 3: 4 ).

السلوك المسيحي:

    بعد ذلك يذكرهم الرسول بالسلوك المسيحي الذي يجب أن يكونوا فيه وهو يذكر ذلك في 3: 5 – 17 وهذا الجزء ينقسم إلي قسمين: الأول سلبي أو نهي إذ يطلب منهم ألا يسلكوا كما سلكوا قبلا في نجاسة النفس والجسد معاً ( 5 – 11 ) والسبب في ذلك “. . إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذي يتحدد للمعرفة حسب صورة خالقه ” ( 9 و 10 ) هذا الإنسان العتيق ثم الجديد لا يمسان الطبيعة البشرية الإنسان ولكنهما يعنيان موقفين مختلفين: كانوا قبلا بين أبناء المعصية وسلكوا في كل هذه

 الخطايا (ع6) في ذلك الوقت كانوا في الإنسان العتيق. .  كانوا يلبسون آدم . . في آدم . . في الخليقة القديمة . . أما فهم في المسيح خلعوا آدم بكل أعماله ولبسوا المسيح فصاروا إنساناً جديداً. إنه لا يتكلم عن فرد بل عن وحدة الخليقة في المسيح يسوع ( أفسس 2 : 15 ) . 

     ثم هناك الوجهة الإيجابية في السلوك المسيحي ( 12 – 17 ) وهي مبنية على حياتهم كمختاري الله القديسين المحبوبين .

    بعد ذلك يطلب الرسول من الأسرة أن تتماسك: النساء والرجال، الأولاد والآباء العبيد والسادة. هل كان الرسول ينبر هنا على موقف خاص أوجده هؤلاء المعلمون الكذبة إذ جدوا انقسامات حادة في الكنيسة بين كل هؤلاء ؟ أم أنه يذكر كنصائح عامة ؟ أعتقد أن الأمر الأول أقرب إلي الموقف من أجل البلبلة التي سببتها هذه الضلالة.

  ثم يختم الرسول بأن يرسل تحياته وسلامه إليهم ويصحب معه في السلام مجموعة من الأحباء.

رسالة أفسس

تعتبر رسالة أفسس واحدة من أهم رسائل العهد الجديد ، وفي دراستها سنجد أنها في القمة من حيث تفكيرها ولاهوتها واتجاهها ؛ ومع ذلك فقد أثارت هذه الرسالة جدلا واسعاً في نقطتين ، هامتين هما : هل فعلا كتبها الرسول بولس ؟ وهل فعلا كتبها أفسس ؟ حول هذين السؤالين كتبت كتب عديدة وقيلت آراء كثيرة . . ولكن قبل أن نتعرض لشيء من هذا التفكير هنا يذكر شيئاً هذه المدينة أفسس وعن الكنيسة التي فيها .

أفسس :

  تعتبر مدينة أفسس مدينة ذات أهمية عظمي في آسيا الصغرى تقع على البر الشرقي لبحر إيجة تقريباً ، في مواجهة أثينا . وهي مقاطعة يونانية جذبت إليها كثيرين من جنسيات متعددة. . لأنها تقع على طريق رئيسي يربط بين الشرق والغرب . وكان فيها جالية يهودية كبيرة وقوية ( أعمال 18 : 19 ، 19 : 8 و 9 و 13 ) . وكانت هذه المدينة تشتهر بأمرين :

    الأمر الأول : أنها مركز عبادة أرطاميس التي يقول أتباعها إن صورتها نزلت من السماء ، وقد بني لها فيها معبد كان يعتبر من عجائب الدنيا السبع .

   أما الأمر الثاني فكان مسرحها الضخم الذي كان يتسع لخمسين ألف متفرج ، وكانت تقام به ألوان من الأنشطة الرياضية أهمها مصارعة الوحوش ولهذا فقد كانت المدينة مركزاً للحضارة القديمة وملتقى حضارتي الشرق والغرب.

الرسول بولس وأفسس :

    كان الرسول بولس هو الذي أسس هذه الكنيسة الضخمة ، ويبدو أنه مكث في أفسس أطول مدة تبشيرية مكثها في مدينة أخري . زارها لأول مرة مع أكيلا وبريسكلا ، ومكث فيها مدة قصيرة وذلك في أواخر رحلته التبشيرية الثانية وهو في طريقة إلي أورشليم ( أعمال 18 : 17 : – 21 ). ولا بد أن هذين الزوجين – أكيلا وبريسكلا قد عملا على تقديم الإنجيل بعد أن تركهما الرسول هناك الرسول هناك ، وقد كان لهما الفضل في شرح رسالة الإنجيل لعامل من عمال المسيح العظام وهو أبلوس ، ‘ذ كان يعرف معمودية يوحنا فقط ( أعمال 18 : 24 – 26 ) .

    وجاء الرسول بولس إلي أفسس في رحلته التبشيرية الثالثة ، وقابله هناك جماعة من تلاميذ يوحنا ، فكلمهم عن المسيح وقلبوه وحل عليهم الروح القدس ( أعمال 19 : 1 – 7 ) . ثم دخل مجمع اليهود ومكث يحاجهم لمدة 3 شهور ، ولكنهم تقسوا ولم يعودوا يسمحون له باستخدام مجمعهم ، فاستأجر مدرسة إنسان اسمه تيرانس ( أعمال 19 : 8 و 9 ) . واستمر يعظ فيها مدة سنتين : ولن أفسس كانت مركزاً للقادمين والذاهبين فقد سمع كلمة الله منه ومن الذين تجددوا على يديه من البلاد الأخرى ، كل الساكنين في آسيا الصغرى . ونجحت كلمة الله حتى أن السحرة الذين آمنوا حرقوا كل كتبهم التي كانت تساوي خمسين ألفاً من الفضة ( أعمال 19 : 13 – 20 ) . ولكن لما رأي الصياغ أن تجارتهم التي تتمركز حول عيادة أرطاميس كادت تفلس قاموا بمظاهرة شديدة تحت زعامة شخص منهم اسمه ديمتريوس ، وكادوا يفتكون بالرسول ثم حملوه إلي الحاكم الذي طلب منهم أن يسيروا بحسب الطرق القانونية ( أعمال 19 : 21 – 41 ) . وعندئذ ، لما وجد الرسول أن تكونت هناك كنيسة قوية أضحت مركزاً عظيماً للتبشير بل لعل إنجيل يوحنا وسفر الرؤيا كتبا فيها .

  لنستعرض الآن أهم مشكلتين تواجهان الدارس هذه الرسالة:

1-من هو كاتب الرسالة :

القراءة السريعة لهذه الرسالة تعطي الجواب على هذا السؤال بأن الرسول بولس هو كاتبها . فالرسالة نفسها تشهد بذلك ( أفسس 3 : 1 ، 4 : 1 ، 6 : 20 و 21) وهي تمتلئ بعبارات واصطلاحات الرسول نفسه ، وفوق الكل فإن شهادة الآباء والكنيسة كلها تؤيد هذا الأمر . ولكن منذ 1829 بدأ العالم دي ويت يتشكك في ذلك الأمر ، وبدأ جناح قوي من الدارسين في

 السنوات التالية في ذلك، ويمكن تلخيصا الأدلة التي يبنون عليها رائيهم في الأمور التالية:

( أ ) اللغة الأسلوب :

      هناك اختلاف واضح بين الألفاظ التي تظهر في هذه الرسالة وبين ما يستخدمه الرسول في الرسائل الأخرى ، وبالعكس يظهر تقارب عجيب بينها وبين كتابات لوقا البشير ورسالة بطرس الأولي والعبر وأكليمندس وكل هذه – كما يقولون كتبت في عصر متأخر عن عصر الرسول بولس ، مما يدل على أنها كتبت في زمن كتابة هذه الكتب ، أما عن الأسلوب فيقولون عن يختلف عن أسلوب الرسول ، فالرسالة مملوءة بالحشو الزائد بحمل كثيرة مثل ” حسب مسرة مشيئته ( 1 : 11 ) ، ” حسب شدة قوته ” ( 1 : 19 ) . . الخ . بينما نجد الرسول في كتاباته يختار الكلمة لتؤدى المعني الذي يقصده ، ويوجد كذلك أشياء أخرى كالجمل الطويلة التي تتخللها الجمل الاعتراضية ثم السماء المتعددة التي ترتبط بالإضافة أو حروف الجر ( 25 : 14 و 15 ،  4 : 13 ) وغير ذلك مما لا يتفق مع أسلوب الرسول .

     (ب) الصلة الخاصة بين هذه الرسالة  ورسالة كولوسي – كما سبق الذكر – من تشابه واختلاف أخذها معتنقو  هذه النظرية على إنها  دليل على عدم صحة نسبة هذه الرسالة إي الرسول بولس.

     (اختلاف لاهوت هذه الرسالة عن لاهوت الرسول كما يظهر في رسائله العظمى مثل رومية وغلاطية وكورنثوس وتظهر هذه الاختلافات في الأمور التالية :

1- شخصية المسيح: 

      هناك أعمال ينسبها الرسول بولس إي الله بينما تنسب في هذه الرسالة إي المسيح مثل\ك اختيار الرسول والأنبياء (أفسس  4: 11مع 1كورنثوس 12: 18) ثم المصالحة (2كورنثوس5: 18و 19 ،كولوسي 1: 20 مع أفسس 2: 16) .

     هناك شيء آخر وهو إن رسالة أفسس لا تظهر موت المسيح ولا تعطي له الأهمية العظمى التي تعطى له في رسائل الرسول بولس ، فمثلا في (أفسس 1: 15 -2: 10)  حيث يذكر عمل الله الفدائي لا يذكر موت المسيح مطلقا بينما تذكر القيامة مرتين. هذا بالمقارنة بما يذكره الرسول في رومية 3 :21 -31 ، 4: 6- 11، 1كورنثوس 1: 18 و23 .. الخ). شيء ثالث وهي في أفسس تذكر “نزول المسيح إي أقسام الأرض السفلى” (4: 9) وهذا لا يعكس تفكير الرسول بولس بل بالأحرى تفكير رسالة بطرس الأولى (1بطرس 3: 18 -20) والألفاظ اللاهوتية “في المسيح”  (1: 15) لا يمكن في هذه الرسالة أن تعطي نفس العمق الذي لها في كتابات الرسول بولس”.

      أما مجيء المسيح الثاني فلا ذكر له في هذه الرسالة ، بعكس رسائل الرسول بولس مما يدل على إنها – كما يقولون – كتبت في عصر متأخر عن عصره،

2- الكنيسة:

      الكنيسة عند الرسول تعبر عن اجتماع محلي أو مجموعة من الكنائس أما في أفسس فالكنيسة هي الكنيسة الجامعة (1: 2 ، 3: 10 و21، 5 : 23 – 25  و27 و 29 و 32) .

      رسالة أفسس تصف الرسل والأنبياء بأنهم قديسون (2: 20) وهذا لم يذكره الرسول في مكان أخر ، وتصفهم على إنهم أسس الكنيسة (2 :20) ما يتناقض مع قول الرسول في 1كورنثوس 3: 11 على إن المسيح هو الأساس .

     هذا يعكس تفكيرا متأخرا عن زمن الرسول بولس . فالكنيسة قد أصبحت جامعة عالمية ، فيها الأمم واليهود قد اتحدوا معا، بل قد تغلب فيها العنصر الأممي، مما يدل على إنها كتبت بعد عام 70م بعد إن مات الرسول بولس.

      هذه هي الأسس التي يبنى عليها منكرو نسبة الرسالة إي الرسول بولس رأيهم . ولكن هذه الأسس لا يمكن أن تقبل للأسباب الآتية:

     1- الشهادة الخارجية على نسبتها للرسول قوية جداً ، فاسمه ظهر في العنوان في عصر مبكر جداً، وكل شهادات الآباء تؤيد ذلك ، ووجدت في قائمة مارسيون الهرطوقي تحت اسم لاودكية  – 140 م ثم في قائمة الموراتوري 180 م ، ثم في الترجمات اللاتينية والسريانية

     2- بناء الرسالة نفسها يؤيد نسبتها إليه، ففيها يظهر طريقته في الكتابة المقدمة، الشكر ، الشروح اللاهوتية والحث الأخلاقي والسلام الختامي والبركة .  .ومع إن هذه كانت طريقة العصر العامة في الكتابة ، لكن من يقارن هذه الرسالة برسائل أخرى نسبت إي الرسول كرسالة كورنثوس الثالثة يجد الفرق واضحا بين الاثنين.

      3- أما اللغة والاصطلاحات والأسلوب الأدبي فالرسالة اقرب إي كتابات الرسول منها إي أي كتابات أخرى في العهد الجديد، ففيها التقابل الذي يشتهر به الرسول(6: 15 و2 0) “سفير وسلاسل” وفيها الاقتباس

الحر – الذي من الذاكرة – من العهد القديم (6: 8- 11، رومية 10: 6-8 ) واقتباس لغة العهد القديم (1: 22، 2: 13 و 17، 4: 25، 5: 2، 6: 1-3).

     4- أما المشكلة اللاهوتية والاعتقاد بان فيها ما يخالف لاهوت الرسول بولس فان القارئ المتعمق يرى خلاف ذلك . نعم هناك عقائد درسها الرسول بعمق مثل عقيدة الكنيسة الجامعة ، وهي عقيدة تظهر في رسالة كولوسي أيضاً _كولوسي 1: 18) فهو في سجنه في رومية يرى انه قد أتم تبشيره في الشرق كله من الليريكون إي أورشليم (رومية 15: 19) وهو ينظر إي هذا كله نظرة كلية وليست مفككة ، إنها كلها كنيسة المسيح وجسده حتى وان كانت تتكون من مجموعات من الكنائس . فالنظرة الجامعة إي الكنيسة عي نظرة الذي رأى الروح الواحد يعمل في كنيسة واحد. والى جانب ذلك فكل عقيدة واضحة في هذه الرسالة كما في الرسائل الأخرى: عقيدته في إلهه (1: 17 و19- 22). والارتباط السري بالمسيح (1: 3 و10 و 11) وفكرة المصالحة على الصليب (2: 13-22) . ثم عمل ورسالة الروح القدس 2: 18، 3 :5 ، 4: 1-4 و30 ، 5 : 18). ثم عقيدته في قصد الله والاختيار (1: 5-14).

     كل هذه البراهين مع ما تعلنه الرسالة نفسها عن نسبتها للرسول ووصف الرسول نفسه بأنه أسير الرب (3: 1، 4: 1) وانه اختير بواسطة الرب (3: 4) ودعوته للقراء إلا يحزنوا كثيرا لشدائده (3: 13)، وانه يصلي ن اجلهم (3: 14- 17) ، وغير ذلك تؤيد تأييدا تاما إن كاتبها هو الرسول بولس نفسه.

لمن كتبت هذه الرسالة:    

     هذا السؤال يجاوب لأول وهلة فعنوان الرسالة “إي أفسس” والمقدمة ” . . إي القديسين الذين في أفسس . . ” يجيبان عليه. ولكن الأمر ليس بهذه السهولة . فمنذ بدأ المصلح البروتستانتي بيزا يتشكك في ذلك بدا كثير من العلماء يدللون على إن الرسالة لم تكتب لكنيسة أفسس . وهذه هي الشواهد على ذلك:

     1- العنوان لم يظهر على والرسالة إلا في نهاية القرن الثاني ، والمقدمة لم تظهر فيها كلمة أفسس إلا في القرن الرابع . وفوق ذلك فالعنوان لا يظهر في أعظم المخطوطات وهي الفاتيكانية (مضافا في الهامش) والسينائية والبردية 46 وبعض المخطوطات الأقل شأناً . وشهادة الآباء غير واضحة وغير متفقة في ذلك. وبنفس الشيء ينطبق على المقدمة فهي لا تظهر في المخطوطات القديمة نفسها السينائية S والفاتيكانية B  وغيرها، ولم تظهر كلمة “في أفسس” إلا في منتصف القرن الرابع في كتاب تفسير ألفه احد العلماء أما فيما عدا ذلك فقد كانت تقرا فيما سبق ” … إي القديسون والمؤمنون في المسيح يسوع”.

     ويستند هؤلاء العلماء في رأيهم على الشهادة الداخلية للرسالة ، فهي تخلوا من أي شواهد تبين انه كانت هناك صلات شخصية بين الكاتب والمكتوب إليهم ، وهذا أمر غريب على الرسول بولس الذي قضى في أفسس ما يقرب من ثلاث سنوات يبشر فيها. بل على العكس من ذلك فان الكاتب يظهر انه لا يعرف المكتوب إليهم معرفة شخصية ، فهو قد سمع عنهم فقط (1: 15) وهو يتساءل عما إذا كانوا قد عرفوا بتدبير الله المعلن له  (3: 2)   وهو يتساءل عما تعلموه عن المسيح وعرفوه عن عمله لهم وفيهم (4: 21) . أما المكتوبتان إليهم فيصفهم الكاتب على إنهم أمم (2: 11 – 22، 3: 1-8)

والوصايا التي يكتبها لهم والتحذيرات التي يوجهها إليهم كلها تنطبق على الأمم فقط (4: 17 -21، 5: 3-14 ). وهذا لا يتفق كثيرا على ما نقرا في سفر الأعمال عن كنيسة أفسس من إنها تحتوي على عنصر يهودي قوي (أعمال 19: 1 -20، 20: 21) .

     والى جانب ذلك لا توجد تحيات من رفقاء الرسول إي المكتوب إليهم ، مع إن تيموثاوس وأرسترخس كانا معروفين جيدا في لكنيسة أفسس (أعمال 19: 22و 29، 1كورنثوس 4: 17).

     وعلى هذا فهم يؤكدون إن الرسالة لم تكتب أصلا إي كنيسة أفسس . وهذه هي شهادة لا يستهان وخاصة الشهادة الداخلية، فإذا كان الأمر كذلك فلمن كتبت هذه الرسالة؟

لمن كتبت الرسالة والغرض منها:

هناك نظريات كثيرة ولكن يمكن جمعها كلها تحت رأيين : رأي من ينكر نسبتها إي الرسول بولس ثم رأي من يعتقد إن الرسول بولس نفسه هو الذي كتبها.

     أما أراء الفريق الأول فتتلخص في النظريات التالية:

    1- بعد موت الرسول بولس نسيه الناس ولكن عندما انتشر كتاب سفر الأعمال بدا ذكره يرجع إي الأذهان وهذا شجع احد تلاميذ الرسول على جمع رسائله بعضها مع بعض ثم كتب لها مقدمة طويلة هذه المقدمة هي نفسها الرسالة إي أفسس . هذه النظرية نادي بها جودسبيد Godspeed  

     2- إنها رسالة كتبت في القرن الثاني لتحارب الغنوسية وتحذر الناس

منها، ومع إن لاهوت الرسالة يشابه لاهوت الرسول بولس إلا إنها أكثر تعقيدا وتطوراً يقول بهذه النظرية Kummel كيميل.

     3- هناك نظرية ثالثة وهي إن كاتبها كان من تلاميذ الرسول كتبها كمقالة لاهوتية لينشر فيها لاهوت الرسول وذلك بعد موته. وهذه نظرية W. Bear و بير.

      ولكن هذه النظريات ضعيفة وتقف في وجهها عقبات كثيرة أهمها عقبة “تيخيكس ” . فالرسول يذكر القصة في رسالة كولوسي 4: 7 و8 وتظهر هذه القصة في أفسس 6: 21 و22 فلماذا يقتبسها كاتب أفسس هكذا من رسالة كولوسي وهي لا داعي لها . ولكن لو قلنا إن الرسول كتب الاثنين معا وأرسلها كلها في وقت واحد مع شخص واحد لكان هذا المنطق معتدلا صحيحاً.

     أما الذين يتمسكون بنسبتها إي الرسول فإنهم يذكرون مجموعة من النظريات أيضاً أهمها:

     1- إنها رسالة إي اللاودكيين ، فمارسيون يذكر إنها كتبت إي لاودكية ثم إن هارنيك يعتقد إنها كتبت إليها بناء على ما جاء في كولوسي 4: 16 وقد وضع بدلا من لاودكية اسم أفسس نظراً لان اسم لاودكية قد صار رديئاً (رؤ3: 4). ولكن الصعوبة في هذه النظرية هي انه لا توجد أي مخطوطة أو ترجمة قديمة أو حديثة كتبت فيها لاودكية بجلا من أفسس.

      2- هناك نظرية أخرى مفادها إن الرسول كتبها رسالة عامة وليست لكنيسة محددة لكي يضع فيها كل اختباره عندما عرف إن نهايته قد قربت

في السجن .ولكن هذه الرسالة لا تظهر بما فيها من بعض الأمور الشخصية إنها كتبت إي الكنيسة عامة.

     3- النظرية الأخيرة إنها عبارة عن منشور أرسله إي مجموعة من الكنائس في نفس الوقت الذي أرسله فيه رسالتي كولوسي وفيلمون . وقد ترك الرسول فراغا لملء اسم الكنيسة التي تأخذ نسخة من هذه الرسالة. هذا الرأي يفسر تقارب رسالتي أفسس وكولوسي ثم يفسر قصة تيخيكس فهو الشخص الذي أرسله بيد هذه الرسائل.

     إن هذه النظرية اقرب إي الصحة من النظريات الأخرى ولا تثير كثيرا من المشاكل التي تثيرها النظريات المختلفة.

إذاً فرسالة أفسس كتبها الرسول كمنشور عام لمجموعة من الكنائس في لغة عامة وأرسلت بيد تيخيكس عندما اخذ معه رسالتي فليمون وكولوسي.

محتويات الرسالة:

     التحيات 1: 1و 2

    (أ) سر الإنجيل – إرادة الآب 1: 3-14

مقدمة             3       

الاختيار           4

التبني           5 و6

الفداء             7 و 8 أ

التنوير            8 أ – 10

الميراث 11 و 12

الختم    13 و 14

     (ب) قوة الإنجيل – عمل الابن 1: 15 -2 : 10

          عمل قوة الله في المسيح 1: 15 -23

          عمل قوة الله في المسيحي 2: 1- 10

          الحالي التعيسة السابقة 2: 1- 3

          عمل الله لأجلنا في المسيح 4 و 6

          نعمة الله وعملها 7 – 10

    (جـ) هدف الإنجيل – الحياة في الروح 2: 11 -3: 21

  • المصالحة معا في بيت الله 2: 11 -22

          الحالة السابقة بعيد عن المسيح 11 و 12

          المركز الجديد في المسيح 13 – 22

  • إعلان حكمة الله 3: 1 -21

          لبولس السفير 1 -13 ويتضمن :

          سر  المسيح 1- 7 ثم وظيفة الرسول بالنسبة لهذا السر 8 -13

          للكنيسة 1- 19

          تمجيد 20 – 25

(د) آداب الإنجيل – السلوك المسيحي 4: 1 -6: 20

    – موقع السلوك (الكنيسة المسيحية ) 4: 1- 16

– المميزات الأخلاقية 4: 17 -6: 9

    القديم والجديد 4: 17 -24

   خطايا محددة بين الأمم 4 :25 – 5 : 14

   طريق التواضع المسيحي 5: 15 – 6: 9 ويتضمن

          المبدأ العام 5: 15 -20

          مثال الزوج والزوجة 5: 21 – 33 مثال الأبناء والوالدين 6: 1 – 4 مثال السادة والعبيد 6: 5 -9

  – كيفيات السلوك المسيحي 6: 10 – 20

          (سلاح الله الكامل )

      التحيات الختامية 6: 21 – 24

مضمون الرسالة:

     من أهم ما تمتاز به الرسالة خصوصا الجزء الأول منها (ص1 -3 )، وهو ما يسمى عادة بالقسم اللاهوتي أو الحقيقة Indicative ، وهو إنها رسالة تعبدية تأملية وليست جدلية ؛ ففيها نجد الترنيمة العظيمة التي يمكن أن نطلق عليها  ترنيمة الخلاص (1: 3 -14) ثم المرات التي فيها يصلي (1: 16، 3: 14 ) . وهذا يفسر سمو الأسلوب التي كتبت به هذه الرسالة وعمق أفكارها. إنها ليست رسالة جدلية يجابه فيها الرسول بدعا و هرطقات أو انقسامات كنسية فينتقل من موضوع إي موضوع ، ومن مواجهة إي أخرى ، ولكنه يذكر كل ما يعتمل في قلبه من أفكار وتأملات في شركته مع الله. انه يذكر في مكان أخر انه يعرف إنسانا اختطف إي الفردوس

وسمع كلمات لا ينطق بها و يسوغ لإنسان أن يتكلم بها (2كو 12: 1- 4) ولكننا نعتقد تنه هنا في هذه الرسالة يشارك الآخرين في هذه المعرفة السماوية ، التي جاءته في تلك الساعة المجيدة . . انه يكتب هذه الرسالة وهو جاث على ركبتيه .

     هذه الرسالة التعبدية المجيدة ما مضمونها وما هو فكر الرسول الذي يضمنه فيها، سوف نذكر كلمة بسيطة عن أهم الموضوعات التي تظهر في هذه الرسالة.

     1- يلاحظ القارئ إن الرسول يكرر كلمة سر في موضوعين: الأول في ترنيمة الخلاص (1: 9) ” إذ عرفنا بسر مشيئته “، والموضوع الثاني في 3: 3 و 4 و 9 “. . تقدرون إن تفهموا درايتي بسر المسيح ” ، ثم “وأنير الجميع في ما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور .. ” . ومع إن معنى السر واحد في الموضعين إلا إن مضمون السر يتميز احدهما عن الأخر : فمضمون السر في 1: 9 “هو تدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السموات وما على الأرض في ذلك” (ع10) أما في الموضوع الثاني فمضمونه “إن الأمم شركاء في الميراث وفي الجسد ونوال موعده في المسيح بالإنجيل” . ومع إن الاثنين متمايزان إلا إنهما مرتبطان تماما، بل لعل الرسول خرج من كشف وإعلان السر الثاني أي السر الخاص بالأمم إي السر الأول وهو جمع كل شيء في المسيح وتفسير ذلك كما يلي:

     رأى الرسول بولس ، وهو الشخص الذي افرز من اجل الأمم ، إن هؤلاء الأمم يقبلون إي ينبوع الخلاص والى قبلوا المسيح مخلصا ، أي إنهم قد صاروا شركاء في المسيح ، وفي موعد الروح القدس ، وفي الميراث ، وفي الكنيسة، أي جسد المسيح . هذا سر عندما كشف أذهل أهل الختان واستغربوا

(اعمال10 :45 )، بل لعلهم رفضوه أولا (11: 2) ولكن الرسول بولس رأى سر الله يتكشف ويعلن في هذه الحقيقة الواقعة المذهلة . وعندما آمن الأمم لم يكونوا كنيسة لوحدهم مستقلة بعيدة عن اليهود، ولكنهم مثل اليهود تماما أصبحوا جسد المسيح الواحد، أو كما يقول الرسول عن المسيح “لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الِاثْنَيْنِ (أي اليهود والأمم) وَاحِداً، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلاً بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَاناً وَاحِداً جَدِيداً، صَانِعاً سَلاَماً، 16وَيُصَالِحَ الِاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ (2: 14 -16). إذا فقد صار الاثنان جسد المسيح . لا فرق . رعية واحدة .  .بناء مركبا معا وينمو هيكلا مقدسا للرب . . مسكن لله في الروح (2: 19 -22).

     هذا يعني إن هذا السر أعلن في واقع تاريخي رآه الجميع ولمسه العالم ولا يمكن إن ينكره أي إنسان.

    2- ولكن هذا السر الذي صار واقعاً تاريخيا يشير إي السر الآخر الذي أعلن للرسول فوضعه في ترنيمة الخلاص المجيدة (1: 3 -14) هذه الترنيمة التي تتوازى وتتساوى مع ترنيمة المحبة في (1كو 13) تنقسم إي 3 مقاطع كبيرة بعد المقدمة في (ع 3) .

     المقطع الأول: 4 -6 وتظهر فيه البركتان الروحيتان الاختيار والتعيين.

     المقطع الثاني: 7: 10 وفيه أيضاً بركتا الفداء (غفران الخطايا ) والاستنارة

     المقطع الثالث: 10 ب – 14 وفيه بركتا الميراث وختم الروح.

هذه البركات ، التي تتمتع بها الكنيسة، التي هي الواقع التاريخي للسر المقدس ، هي بركات الإنجيل وهذا الإنجيل نبع من مسرة مشيئة الله.

     ولنلاحظ هنا المرات العديدة التي وردت فيها الكلمة “حسب” (ع5 و 7 و 9 و 11). هذا يكشف إن كل عمل يعمل وكل تدبير يجرى وكل بركة تعطى وراءها إرادة الله ومسرته؛ فإرادته هي أساس كل شيء. وإرادته القدوسة تقود كل شيء إي قصد عظيم يذكره في عدد 10 بقوله “لتدبر ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السموات وما على الأرض في ذلك” إذاً  قصد  الله السامي لا يقتصر على الإنسان فقط بل على كل شيء مما في السماء وما على الأرض، كله يجمع في المسيح يسوع ليصبح هو رأساً لكل شيء وسيداً عليه (انظر فيلبي 2: 9-11) .

     هذا إذاً تدير الله وهو هناك في الأزلية ثم في الواقع التاريخي ثم إي الأبد. لقد دبر الآب كل شيء فاختار القديسين ودعاهم في واقعنا التاريخي وهم سيكونون الواسطة في جميع كل شيء في المسيح يسوع رأس كل شيء.

     3-  على هذا نرى إن عنصراً أساسيا وهاما يتخلل هذه الرسالة هو التنبير على الوحدة : وحدة قصد الله ، إذ سوف يجمع كل شيء في المسيح ، ووحدة الكنيسة إذ وحد وربط الأمم واليهود معا ليكونوا واحداً في المسيح، هذه الوحدة لا تعني صب كل شيء في قال بواحد ، فيكون الكل متطابقين ، ولكنها وحدة في تنوع؛ فكل أعضاء الكنيسة من يهود ومن أمم لم يشكلوا من جديد ولكم أصبح فيهم التوافق المسيحي الكامل. وهكذا كل شيء . إنها وحدة في تنوع . هذه الوحدة والجمع له مركز واحد . سواء أكان في الواقع التاريخي أم في الأبدية فهو مركز باق. وهو المسيح فكل شيء يجمع في المسيح (1: 10، 2: 14 – 22).

     4- إذا كان المسيح هو مركزا الوحدة وأساسها فكيف يتممها ؟ لقد بدا في إتمامها بنفسه هو إذ صار جسداً، وفي موته أباد كلالله.ت التي تسبب الانقسام والعداوة . وبفكر الرسول هنا في الناموس الذي كان حاجزا فاصلاً بين شعب الله . فعلى الصليب هدم المسيح هذا الحائط أو السياج المتوسط، وادخل حياة جديدة في مبادئ جديدة، مبادئ التوافق والمحبة، فصار الاثنان إنسانا واحداً يفوق كل تنوع واختلاف. ويتكلم الرسول هنا عن الكنيسة ويسميها جسد المسيح ليس عن طريق الاستعارة أو التشبيه ولكنها هي جسده فعلا (1: 23، 3: 12 و 16، 5 : 23 و 30) “فكما انه اتخذ جسداً لحياته الأرضية هكذا الآن أضحى في تجسد أوسع واكبر ، فالكنيسة جسد المسيح يحيا ويتقوى بحياته ، لأنه هو الرأس ” في هذا الجسد ظهر نوع أخر من البشرية : إنسان جديد يفوق كل اختلاف وجنس . انه ارتباكا بين الأمم واليهود.

      وهناك طريقة يستخدمها السيد في تمكين وإنماء هذا الجسد العظيم: وهي المواهب الروحية “وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ…”(اقرأ 4: 1- 16) . إنها مواهب مختلفة في أناس مختلفين ، ولكنهم أصبحوا إنسانا واحداً. جسداً واحداً للمسيح . هذه الوحدة الكنسية هي البداية . فالمسيح بكنيسته سوف يكمل هذا الجمع العظيم كما يقول “9وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. 10لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ، 11حَسَبَ قَصْدِ الدُّهُورِ الَّذِي صَنَعَهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا (3: 9-11). ففي الكنيسة يصبح المسيح مركزاً لكل شيء فيتغلب على كل انقسام واختلاف إي أن يصبح كل شيء في توافق

تام فيه. وعلى هذا تصبح الكنيسة جسد المسيح ملء الذي يملئ الكل في الكل . فإذا كان المسيح يملا الكون كله بقوته إذ كل شيء له وبه قد خلق، فالكنيسة هي ملؤه بمعنى إنها جسده ، وحياته تنتشر في هذه الكنيسة ، فإذا كان الرأس يحوي كل الكمالات فان الجسد هو الذي يعلن هذه الكمالات والواسطة لإظهارها للجميع.

     5- هذه الإسرار العميقة المجيدة كيف عرفها الرسول؟ هو نفسه يقول “4الَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ الْمَسِيحِ (3: 4) . إن الرسول قد وصل إي أسرار عميقة ومعرفة لم يعلن عنها في أي رسالة أخرى سابقة، ولقد  قال المفسرون إن كان موضوع الرسول في الرسائل السابقة هو الإيمان فان موضوعه في هذه الرسالة هو المعرفة، ولكن هذه المعرفة ليست لذاتها كما يظن الغنوسيون . إنهم يطلبون المعرفة لذات المعرفة بل يظنون إن خلاصهم يجيء عن طريق هذه المعرفة هنا واسطة لشيء أعمق واسمي يطلبه المسيحي ، إنها الحياة المسيحية ، حياة الشركة مع المسيح ، فهي المعرفة الحقيقة السائدة ، ولهذا فهو يقول ” كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ، مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِه (1: 17 -19) ثم يقول ” .. حتى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، 19وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إي كُلِّ مِلْءِ اللهِ (3: 18 و 19). فالمعرفة المسيحية هي الشركة الحبية مع المسيح . . ه معرفة النمو الروحي في المسيح يسوع.

     6- تعتبر هذه الرسالة أيضاً من أهم الرسائل التي كتبها الرسول حيث إنها تحتوي على الأساس الذي عليه بنيت العقيدة المسيحية السامية عقيدة التثليث. وتظهر فيها بكيفيات متنوعة ، واهم فقرة هي التي يقول فيها ” 4جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أيضاً فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. 5رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، 6إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ. (4 : 4- 6) وهناك فقرات متفرقة متصلة بالآب أو الابن أو الروح أما منفصلين أو في ثنائيات أو ثلاثيات (1: 2 و 3 و 13 و 17 ، 2: 22) .. الخ . وكما يقول يؤمن” هذه الرسالة وحدها من دون الرسائل الباقية تكشف عن المجهود الأول لربط طبيعة الله المثلث الأقانيم بالإنجيل المسيحي وتظهر العمل الخاص الذي يعمله كل أقنوم في تدبير الإنجيل وتنفيذه ، نعم إن هذه الرسالة مثل كل الرسائل الأخرى تكشف إن الرسول لم يكن يحاول إن يتكلم عن طبيعة الله ، فهو إنسان يعرف حدوده ، ويعرف إن الله يعرف من خلال إعلانه لنفسه في أعماله الفدائية العظيمة فقط، ولكن لا يسمح بالكشف عن طبيعته وجوهره الإلهي لأنه أعظم من الطبيعة ومن الإنسان نفسه . وفي الإصحاحات الثلاثة الأولى ثلاثة أقسام، في كل قسم منها ينبر الرسول على عمل واحد من الأقانيم الثلاثة، ( 1: 3- 14 ) عمل الآب (1: 15 – 2: 10) عمل الابن (2: 11 – 3: 21) ثم  عمل الروح القدس. ونلاحظ إن الرسول لا يفصل بين الثلاثة، ففي كل قسم يظهر الثلاثة معاً كاله واحد ولكنه ينبر فقط على عمل كل شخص بعينه في اللاهوت. وبهذه الكيفية يحذر الرسول القارئ من إن يظن إن هناك آلهة بينهم اتفاق في العمل، انه يتكلم عن الله الآب أبو ربنا يسوع المسيح وعن الله : اله ربنا يسوع المسيح الذي بروحه لنا كلينا قدوما إي عرشه المقدس.

      إن هذا القول ليس ميتافيزيقيا ولكنه وصف لعمل الهي في التاريخ وفي المؤمنين وفي الجسد.

 7- القسم العملي:

      لم يكن قصد الرسول إن يتوقف إي حد الدراسات اللاهوتية لكنه وضعها لكي تكون أساسا لحياة مسيحية حقيقة.وفي القسم العملي هذا . .أو القسم السلوكي يظهر عدة أمور:

     ( أ ) إن هذه الدعوة السماوية العظيمة دعوة للجميع ليكونوا واحدا في المسيح، ويجب إن تظهر في ارتباط كامل. . ارتباط تغذية الكنيسة بكل طاقتها وإمكانياتها، بكل المواهب التي أعطاها لها الرب حتى يمكن إن يبني المؤمنون وتبنى الكنيسة، حتى تتقدم إي الثبات والاستقرار. . إي أن يصلوا إي قياس قامة ملء المسيح.

     (ب) هذا أيضاً يتطلب السلوك اليومي المسيحي وذلك على النقيض مما كانوا قبلا يسلكون مثل سائر الأمم ، لقد عاشوا في الإنسان العتيق أي الحالة القديمة وهم في آدم بعيدون عن المسيح ، أما ألان فيجب إن يعيشوا حياة ايجابية كلها صدق ومحبة ..وكما أحبنا المسيح يجب أن يحب بعضنا البعض.

     (جـ) هناك في الأسرة تظهر الحياة الحقيقة المسيحية، فالرباط المسيحي بين الزوج والزوجة يشابه الرباط بين المسيح والكنيسة وعلى هذا فكما أحب المسيح الكنيسة يجب إن يحبوا بعضهم البعض.

     وكذلك الأبناء والوالدين – العبيد والسادة حتى تكون الأسرة مسيحية حقيقية.

      ( د ) عليهم أن يحاربوا ولاة العالم. . الرؤساء والسلاطين. . أجناد الشر الروحي. . إن يلبسوا سلاحا الله الكامل. . إن يصلوا لأجل الجميع ولأجله لكي تعطى له قوة ليعلم جهاراً بسر الإنجيل.

                                                رسالة فليمون

     تعتبر الرسالة إي  فليمون واحدة  من اقصر رسائل العهد الجديد . وهي اقصر رسالة كتبها بولس الرسول. وغالبا لم تكن هي الوحيدة التي كتبها لأفراد ، مع إنها الوحيدة التي بقيت من هذا النوع من الرسائل ولا تثير هذه الرسالة آية مشاكل بخصوص نسبتها إي الرسول ، فكل ألفاظها والمشاعر التي فيها التي تعبر عنها، وطريقة الكتابة تشير إي الرسول بولس وتؤكد انه هو الذي كتبها . ولم ينكر ذلك إلا أفراد متطرفون جداً من مدرسة توبنجن . ولكن الآن لا يوجد عالم واحد ينكر هذا الأمر.

من هو فليمون؟

     يعتقد دارسو الكتاب المقدس إن فليمون كان واحداً من سكان واد ليكوس وكان رجلا غنياً ولعله كان يعمل بالتجارة وفي سفراته تقابل مع الرسول وقبل الإيمان وأصبح مسيحياً ويعتقد إن ابيفية هي زوجته وارخبس هو ابنه (ع2 ) وكان قد فتح بيته لاجتماعات الكنيسة في المدينة التي هو فيها.

     ولكن يختلف الدارسون على البلد التي كان يسكن فيها ، هل هي كولوسي أم لاودكية . فالذين يظنون إنها كولوسي يبنون رأيهم على ما جاء في كولوسي 4: 9 حيث يذكر اسم انسيموس ، وهو الذي كتب الرسالة بسببه ، على انه من سكان كولوسي ؛ فيكون بالحري سيده فليمون من سكان

هذه المدينة. ولكن الذين يرون انه من سكان لاودكية فيبنون كلامهم على ما ورد في كولوسي 4: 17 ” انظر إي الخدمة التي قبلتها من الرب لكي تتممها ” وقبل ذلك بقليل يطلب إن نقرا الرسالة التي كتبت إي لاودكية ؛ ويظن هؤلاء إن الأمرين مرتبطين معاً مما يدل على إن أرخبس وهو ابن فليمون من سكان لاودكية ولكن الأرجح إن فليمون كان من سكان كولوسي.

من أين كتبت الرسالة:

     من دون شك كتبت  الرسالة من احد السجون وقد ذكرنا في مقدمة رسائل السجن مشكلة مكان السجن الذي كتبت منه هذه الرسائل هل هو أفسس أم رومية بعد إن استبعدنا سجن فيلبي وقيصرية. ومع ذلك فهذه الرسالة تظهر المشكلة بشكل حاد فهي تشير إي مدينة أفسس كمكان للسجن الذي كان فيه الرسول. ومع إن أفسس لم تظهر لا في سفر الأعمال أو في الرسائل إن الرسول سجن فيها إلا إن الشواهد التي ذكرت من قبل توحي بذلك.

     أما الأمران الذين يشيران إي أفسس كمكان للسجن فهما إن انسيموس العبد الهارب لا يعقل إن يذهب إي روما وهي البلد البعيد والمتسع جداً الذي فيه يصعب إن يتعامل مع الرسول بولس . إن أفسس هي المدينة الأقرب إي المنطق .

      أما الأمر الثاني: فان الرسول يقول لفيلمون “ومع هذا اعدد لي أيضاً منزلاً لأني أرجو بصلواتكم سأوهب لكم “(ع22) مع انه في رومية (15: 23 و 24) يذكر انه يريد إن يتجه إي الغرب إي اسبانيا وليس إي

الشرق. ولكن مع ذلك فالمرجح إن رومية هي المدينة التي كتب منها الرسول ولابد إن انسيموس سمع من سيده عن الرسول وسجنه فذهب إي روما مباشرة”

سبب كتابة الرسالة:

     من الواضح إن الرسول كتب هذه الرسالة بخصوص انسيموس وهو عبد فليمون [1] وقد كان شريرا ولم تكن خدمته نافعة ، وقد هرب انسيموس إي روما ويلوح انه قد سرق بعض المال من سيده فليمون (ع18) ولقد تجدد انسيموس على يد الرسول (ع10) وأصبح يقدم للرسول كل خدمة ممكنة ونافعة (ع11) . ولعل الرسول ناقش طويلا أمر رجوع أنسيموس إي سيده وبعد تردد من الطرفين وخصوصا من الرسول لأنه كان يخدمه (ع13) عزم على إن يرسله إي سيده، وأرسل معه هذه الرسالة . ولكن ما هو الهدف من كتابة هذه الرسالة ؟ إن الرأي التقليدي يقول إن الرسول كتبها لكي يطلب من فليمون إن يقبل أنسيموس رغم انه أساء التصرف معه، ولم يكن طيباً قبل هروبه، وان يسامحه على هذا الهروب وحتى إن كان يستحق بحسب القانون الروماني الموت، وقد تعهد الرسول إن يدفع لفليمون كل الأموال التي سرقها هذا العبد ، وفوق ذلك فقد طلب منه إن يعامله الآن – وفيما بعد- لا كعبد بل كأخ في المسيح . هذا هو مضمون الرسالة . ولكن عند التدقيق في الرسالة نجد إن هناك بعض العبارات التي تحتاج إي تفسير

خاص، أو إي قراءة ما بين السطور: مثلا في عدد 11 “ولكنه ألان نافع لك ولي “(ع13 و 14) “الَّذِي كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ أُمْسِكَهُ عِنْدِي لِكَيْ يَخْدِمَنِي عِوَضاً عَنْكَ فِي قُيُودِ الإِنْجِيلِ – 14وَلَكِنْ بِدُونِ رَأْيِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئاً، لِكَيْ لاَ يَكُونَ خَيْرُكَ كَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الاضْطِرَارِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الاخْتِيَارِ”. وهكذا في عدد 15 إن أنسيموس سيخدم الرسول نيابة عن فليمون، إن المعنى الذي يستفاد من هذه الكلمات . هو إن الرسول كتب هذا الخطاب لكي يطلب من فليمون إن يرد إليه أنسيموس مرة أخرى لكي يخدمه في سجنه، انه لا يرده إي سيده الأول فحسب بل يطلب منه ولكن على استحياء إن يرجعه مرة أخرى  له – أي للرسول – لكي يكون عنده، معينا إياه في خدمة الإنجيل . هذه الخدمة التي كان يجب إن يقوم بها فليمون ليقيم بها عبده أنسيموس بدلا منه (13) ، ولأجل هذا لم يشر الرسول في رسالته إي توبة أنسيموس والى ندمه ولا إي أي شيء يشبه ذلك كما فعل بليني Pliny   ، وهو احد مشاهير خطباء الرومان في موقف يشابه موقف الرسول ، إذ كتب إي سيد العبد الهارب يظهر له ندم ذلك العبد وحزنه وتوبته ثم يرجوه إن يقبله. هذا لم يفعله الرسول وعلى هذا فقد كان خطاب الرسول أعمق من مجرد خطاب رجاء لإعادة عبد، وطلب الغفران له من سيده. ولا يوجد اعتراض على هذا الرأي وربما كان اقرب إي منطوق الرسالة وفحواها.

     وعندما نقرأ رسالة أغناطيوس إي أفسس ، بعد نصف قرن من كتابة رسالة فليمون ، نسمع عن شخص اسمه أنسيموس كان أسقفا لافسس ولعله كان هو نفس أنسيموس العبد، ومن يردي فربما رجع أنسيموس إي الرسول مرة أخرى وكان خادما له ثم أصبح واحداً من رجال الكنيسة المحبوبين المتقدمين في الخدمة.

مضمون الرسالة:

     لا نجد في الرسالة أي بحث و رأي لاهوتي فهي ابعد ما يكون عن هذا الأمر. إنها خطاب شخصي بالغ المحبة.  معبر عن الصداقة الإنسانية فالرسول هنا يكشف عن عمق مشاعره ونراه في صلته الشخصية بعيداً عن المشكلات الكنسية الحادة، التي تظهر في كثير من رسائله التي أرسلت إي الكنائس. ومع ذلك فأننا نرى في هذه الرسالة موقفا من اشد المواقف حساسية وأهمية. هو موقف الرسول من  مسالة العبودية . وإذا أردنا إن نعرف رأي الرسول فيجب إن نرجع إي رسائله المبكرة حتى نعرف التطور الذي حدث لهذا الرأي. ففي 1كو 7: 20 -24 يقول “20اَلدَّعْوَةُ الَّتِي دُعِيَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ فَلْيَلْبَثْ فِيهَا. 21دُعِيتَ وَأَنْتَ عَبْدٌ فَلاَ يَهُمَّكَ. بَلْ وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصِيرَ حُرّاً فَاسْتَعْمِلْهَا بِالْحَرِيِّ. 22لأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّ. كَذَلِكَ أيضاً الْحُرُّ الْمَدْعُوُّ هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ. 23قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ فَلاَ تَصِيرُوا عَبِيداً لِلنَّاسِ. 24مَا دُعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلْيَلْبَثْ فِي ذَلِكَ مَعَ اللهِ”.

     وفي كولوسي 3: 22 – 4: 1 “أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أطيعوا فِي كُلِّ شَيْءٍ سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ، لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ بِبَسَاطَةِ الْقَلْبِ، خَائِفِينَ الرَّبَّ. 23وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ، كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ، 24عَالِمِينَ إنكم مِنَ الرَّبِّ سَتَأْخُذُونَ جَزَاءَ الْمِيرَاثِ، لأَنَّكُمْ تَخْدِمُونَ الرَّبَّ الْمَسِيحَ. 25وَأَمَّا الظَّالِمُ فَسَينَالُ مَا ظَلَمَ بِهِ، ولَيْسَ مُحَابَاةٌ.1أَيُّهَا السَّادَةُ، قَدِّمُوا لِلْعَبِيدِ الْعَدْلَ وَالْمُسَاوَاةَ، عَالِمِينَ إن لَكُمْ انْتُمْ أيضاً سَيِّداً فِي السَّمَاوَاتِ”.

      الرسالة إي كورنثوس كتبت سنة 55 م أما الرسالة إي كولوسي فقد كتبت في سنوات متأخرة عن ذلك. وراية في تسالونيكي يدل على إن الرسول

اخذ هذا النظام، نظام العبودية بكل جدية، ولم يقف بلا مبالاة أمام هذا الأمر الذي لا يتفق مع الإرادة الحقيقة للرب. وتفكيره كان يتطور ويتعمق في هذه المشكلة، انه لا يستطيع بجرة قلم إن يدين نظام قائم عليه المجتمع لأنه لا يستطيع إن يفعل شيئا، ولو استطاع لتقوض المجتمع الروماني وحدثت كارثة اجتماعية مروعة. في كورنثوس كان يقول للعبيد “دعيت وأنت عبد فليكن هكذا ، إذا واتتك الفرصة لتكزن حراً فاغتنم هذه الفرصة، عالماً انك أنت عتيق للرب . . كما أن الحر هو عبد للمسيح. فالاثنان يتساويان أمام الرب.

     أما في كولوسي فانه يتعامل مع نظام العبودية بتفاصيل أكثر من وصاياه لأهل البيت (أهل البيت 42 كلمة ع 18 -21 أما عن علاقة العبيد بالسادة 74 كلمة 3: 22 -4: 1) . هذا يدل على انه كان في ذلك الوقت مشغولاً بهذه العلاقة وترجح إن كولوسي كتبت في وقت كتابة فليمون . في هذه الفقرة انه يوصي العبيد والسادة أيضاً، ويقارن السادة الأرضيين بالسيد على الجميع يسوع المسيح. ويقول للعبيد انك تخدم ليس لأنك عبد لبشري ولكن لأنك مسيحي وعبد ليسوع المسيح. إنكم تخدمون يسوع المسيح. أما السادة الأرضيون الظالمون فسيدينهم الرب لأجل ظلمهم للعبيد ، وهذا مفهوم لا يخطر لروماني على بال. هذا السيد الذي سوف يعطيهم المجازاة والميراث سوف يعاقب الظالم . ثم يأمر السادة الأرضيين إن يقدموا العدل والمساواة ليس رحمة بهم كأنهم ملكهم ولكن لان هناك سيداً عليهم أيضاً هو نفس سيد هؤلاء العبيد وسيجازي الكل.

     في هذا المناخ وبهذه الكيفية يكلم الرسول فليمون . وهنا يضع المبدأ العميق: انه هنا لا يكلم عبداً مؤمنا و سيدا ظالماً، ولكنه يكلم اثنين من المؤمنين احدهما عبد في نظر الناس والآخر سيد في نظر الناس

ولكن الاثنين في نظر الله أخان وعبدان له. هما ليس فقط متساويين ولكنهما مرتبطان فيه كل في دعوته وخدمته.إن الرسول لا يرفع قدر الإنسان فحسب بل انه يرفع من قدر العمل مهما إن نوعه.

                                                          رسالة فليبي

     مع إن رسالة فليبي تعتبر من رسائل السجن إلا إنها تختلف كثيرا عن الرسائل الأخرى اعني كولوسي وفليمون وأفسس، ولعلها كتبت في زمن مبكر أو متأخر عنهم. وخاصة إنها أرسلت بيد شخص أخر هو ابفردوتس . ومناخ الرسالة يختلف عن الرسائل الأخرى ولا نجد فيها أي إشارة إي المواضيع التي أثيرت في الثلاثة الأخرى. ولا نستطيع أن نعرف مقدار الصلة بينهما جميعاً سوى إنها إحدى الرسائل التي كتبت في السجن كما سبق التنبير على ذلك.

مدينة فيلبي :

لم تكن مدينة فيلبي كبيرة في الحجم مع انه كانت عظيمة الشأن ، وقد سميت باسم فيلبي باسم فليب المقدوني أبو الاسكدنر الأكبر وقد اشتهرت هذه المدينة بموقعها الاستراتيجي وغناها العظيم وتجارتها الواسعة. فحولها كانت توجد مناجم الذهب والفضة مما ساعد الإسكندر المقدوني أن يقوم بفتوحاته العظيمة. ومع إنها لم تكن تقع على البحر ، وكان ميناؤها مدينة صغيرة اسمها مينابوليس إلا إنها كانت مركزا تجاريا ضخماً . وكان يمر بها طريق عسكري ضخم جداً كان يعتبر من أهم الطرق العسكرية الرومانية وكان يمر ومباشرة في سوق المدينة.

أما شهرتها العسكرية فقد بدأت عندما حدث عندها معركة شهيرة بين الرومانيين ، اشتبك فيها جيش اوكتافيوس وانطوني ضد جيش بروتس

 وكاشيوس سنة 42ق. م بعد أن اغتيل يوليوس قيصر. وانتصر اوكتافيوس وانطوني وانتقما ليوليوس قيصر ، ثم تولى اوكتافيوس حكومة الدولة الرومانية باسم أوغسطس قيصر، وقد بنى فيلبي من جديد واسكن فيها عساكره المتقاعدين ، وأصبحت مستعمرة عسكرية رومانية ، وأعطيت لها امتيازات كبيرة عن بقية المدن ، ثم ارتبطت بروما بهذا الطريق العسكري الضخم. وكانت هذه المدينة مرآة للحضارة الرومانية بكل ما فيها من عادات وتقاليد . وربما لم تكن هناك مدينة في الإمبراطورية تشعر بعظمتها وأهميتها بعيداً عن روما مثل هذه المدينة فيلبي.

المسيحية في فيلبي:

      في رحلته الثانية يقول سفر الأعمال عن الرسول بولس إن الروح القدس منعه من الذهاب إي بثينية (اع16: 7) . وفي ترواس ظهرت رؤيا له رجل مكدوني يطلب إليه قائلا ” اعبر إلينا وأعنا” (ع9) فذهب عن طريق ساموتراكي ثم نيابوليس ودخلوا إي فيلبي ، وهناك وعظ الرسول لأول مرة في أوربا، وكان ذلك في اجتماع على البحر ، وربما كان هذا الأمر هو الذي جعل لفيلبي مكاناً خاصاً في قلبه ، فهي كما يقول “بداءة الإنجيل” (فيلبي 4: 15). وهناك في الاجتماع اليهودي عند النهر أمنت امرأة اسمها ليدية كانت تتاجر في الأرجوان التي تشتهر به فيلبي . وكانت هذه السيدة أممية أعجبتها الديانة اليهودية فكانت تتعبد معهم. هذه قبلت الإنجيل وفتحت بيتها للرسل . وربما مكث الرسول هناك عدة أسابيع، ومع قصر المدة فقد تكونت كنيسة قوية، وجاءت نهاية هذه الزيارة فجأة., بعد أن اخرج الرسول روح العرافة من فتاة كانت تتبعه وتقول عنهم إنهم عبيد الله الحي، فهاج مواليها واشتكوا الرسول وكانت التهمة من شقين، إنهم يهيجون المدينة

ثم ينادون بعوائد وعبادات جديدة لا يجوز لهم أن يقبلوها أو يعملوا بها لأنهم رومانيون (أعمال 16: 11) وقد كانت العادة والمألوف أن يعبد الإنسان إلهة ويقوم بممارسة ديانته بشرط إلا يتعارض مع العوائد الرومانية . فكانت التهمة أن هذه العبادة تتعارض مع عوائدهم كرومانيين. ولعل هذه التهمة نفسها تعطينا الإحساس إن الرسول لم يقتصر في تبشيره على الاجتماع الذي على النهر ، أو في بيت ليديا وإلا لما استطاع الناس أن يوجهوا إليهم اتهاما ظالماً كهذا، إن الأرجح إنهم كانوا يتكلمون علناً في الشوارع ولهذا استطاعوا أن يحاكموهم في السجن.

     وهناك بعد الصلاة تزلزل السجن وفتحت الأبواب . . وبعدها تجدد السجان (أع 16:16 – 40). لقد كان كل يهودي موضع شك في الإمبراطورية ولهذا فقد خرج بولس من فيلبي رغم إن القضاة هم الذين طلبوا منهم برجاء أن يخرجوا منها، ولكن الكنيسة كانت كنيسة قوية وعاملة وسخية وكانت تمتاز بأمرين : الأمر الأول إن الجالية اليهودية فيها كانت قليلة وهذا يعني إن الكنيسة كانت أساسا كنيسة أممية . أما الأمر الثاني فكانت اقرب الكنائس إي قلب الرسول بولس فمنها وحدها قبل المعونة المالية مرتين  (فيلبي 4: 15 و 16) وهي الكنيسة التي اهتمت به شخصياً .

     والقصة توحي بان الكنيسة لم تكن تتكون إلا من ليديا وأهل بيتها والسجان وأهل بيته والفتاة التي بها روح عرافة ولكن الدراسة العميقة تظهر إن الكنيسة كانت اكبر كثيراً من هذا العدد حتى إن الرسول ترك لوقا فيها لكي يهتم بها. وبقول بعض العلماء إن الرسول تقابل مع لوقا البشير هنا ولعله كان من أهل ف فيلبي أو من أهل منطقة مجاورة والدليل على ذلك إن ضمير المتكلم الجمع يبدأ من هنا (نحن) دليل على بدء مرافقة لوقا للرسول بولس ÷أعمال 16 :17) .

     ومن المؤكد إن الرسول زار فيلبي بعد ذلك مرتين : الأولى ذكرت في أعمال 20: 1-6 ، 2كو 2: 12 و 13 ، 7: 5 و 6 أي قبل سجنه في أورشليم وقيصرية روما . والثانية مذكورة في فيلبي 1: 26، 2: 24. أما بعد موت الرسول لم نعد نسمع عن الكنيسة شيئا. غالباً لان المسيحية وحركتها تركزت في المدن العظيمة إنطاكيا والإسكندرية وأفسس وروما ، ولم تعد هذه الكنائس التي تكونت في مدن صغيرة  لها الأهمية التي كانت لها في العهد الجديد . ولكننا نسمع عنها –  أي عن فيلبي- في خطاب كتبه إليها بوليكاربوس من روما، رداً على خطاب أعضاءها الذي أرسلوا إليه بخصوص أغناطيوس ، الذي مر بهم وهو في طريقه إي روما للاستشهاد. وفي هذا الخطاب كانوا يذكرون بكل افتخار ومحبة مؤسس كنيستهم العظيم الرسول بولس ، كان ذلك بعد موت الرسول بحوالي “ستين سنة” .

لماذا كتب الرسول الرسالة:

     كما سبق القول إن هذه الرسالة أكثر من أية رسالة أخرى امتلأت بالعواطف والمحبة ، فكانت رسالة شخصية بين الرسول وكنيسته المحبوبة ، وقد كتبها بمناسبة رجوع ابيفرودتس إليهم. وكان ابيفرودتس  هذا عضوا من كنيسة فيلبي  أرسلته الكنيسة إليه في روما في سجنه لكي يحمل إليه عطاياه ومعونته  (4: 18) بل لقد طلبت الكنيسة منه أن يمكث مع الرسول لكي يخدمه، ولكنه مرض مرضاً قاصياً وكان بين الحياة والموت ، قد سمع أهل فليبي بمرضه وحزنوا حزناً عظيماً واهتموا كثيراً بالرسول، ولكن الرب رحم أبفردوتس وشفاه ولهذا أرسله سريعأً إليهم لكي يطمئنهم علية ولكي يشكرهم على جميع العطايا التي أرسلوها إليه (فيلبي 25:2 -30). ولكن الحقيقة لم تكن العطية عي السبب الأول والأساسي الذي دفعه ليكتب

هذه الرسالة، والدليل على ذلك أنه يذكر هذه العطية في أواخر الرسالة، وفى لغته كثير من الاستحياء، وفوق ذلك فإنه يؤكد لهم أن العطية ليست هي كل ما يطلبه (4: 11- 13). ويعتقد بعض العلماء أن الرسول قد حصل على مبلغ كبير من المال من مصدر خاص ربما كان ميراثاً من أحد أقربائه الأغنياء ويظهر ذلك من محاولة فيلكس أن يأخذ رشوة منه لكي يطلقه (أعمال 24: 26) ومن غير المعقول أن يطلب حاكم فاسد رشوة من سجين فقير معدم كما كان بولس في أوائل خدمته. ثم يعد فيلمون أن يدفع له كل ما سرقه أنسيموس العبد منه (فيلمون 18و19) وأستطاع أن يعيش في روما في بيت أستأجره لنفسه (أعمال 28: 30) فلم يكن الشكر لأجل هذه العطية هو السبب الأساسي لكتابة الرسالة، وإن كان ذلك الأمر واحداً من الدوافع لكتابتها.

2- هناك سبب آخر من أجله يكتب الرسول هذه الرسالة وهو أن الفيليبيين كانوا متألمين وقلقين عليه وعلى خدمته، فالحالة قد تغيرت بالنسبة له؛ وهو الآن في السجن ولا يعرف أحد ماذا سيحدث له فإن أي حكم يصدر عليه فلن يكون له نقض ولا إبرام فإما أن يطلق سراحه وأما أن يموت وهذا أمر مؤلم بالنسبة لهم (1: 12- 26).

          ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك بل إنه هو نفسه مهتم بهم لأنهم أيضاً يجوزون في آلام كثيرة واضطهادات مريرة وأن أعداءهم يقفون ضدهم بكل قسوة (1: 27- 30).

          3- يبدو أيضاً أن بعض اليهود الذين كانوا يحيطون بهم كانوا يعيرونهم بأنهم جماعة يتبعون إنساناً قد حكم عليه بالموت، وهذه خسارة كبيرة ولا يستحق الإنسان أن يضحوا من أجله كثيراً (3: 1- 16).

          4- وهناك أشياء كثيرة أخرى تحدث في الكنيسة سببت بعض الضيق للرسول بولس ولهم أيضاً، فهناك جماعة يحسون في أنفسهم أنهم كاملون وأنهم أعظم وأحسن من غيرهم. ومن كل أعضاء الكنيسة (2: 1- 5). وهناك أيضاً بعض الانقسامات التي سببتها بعض السيدات في الكنيسة وقد كان لهن مركز ممتاز فيها. وكان هناك اثنتان هما افودية وسنتيخى كان التنافس بينهما شديداً وسببتا بعض التعب للكنيسة.

          هذه هي أهم الأسباب التي من أجلها يكتب هذه الرسالة فماذا يقول فيها؟

          1- من الأمور الهامة التي يلاحظها القارئ أن الرسول لم يحاول أن يدافع عن رسوليته كما يفعل في معظم الرسائل الأخرى، إنه يذكر أنه هو تيموثاوس “عبدا يسوع المسيح” (ع1)، وذلك لأنه ليس محتاجاً أن يثبت لأهل فيلبى أنه رسول يسوع المسيح، فهم يقبلونه ويحبونه ولا يشكون دقيقة واحدة في ذلك. وعندما يرسل الرسالة فإنه يفتتحها ليس فقط بذكر الكنيسة ككل، ولكنه يذكر قادة الكنيسة “أساقفة وشمامسة”، ولعله يفعل ذلك لأنهم الجماعة الذين أخذوا على عاتقه مسئولية الجمع لأجل القديسين في أورشليم، ولأجل الإنجيل الذي يخدمه هو (ع5). وهو هنا يفعل ما لم يفعله بل يترفع على أن يفعله في كنائس أخرى. فبينما هو يشكرهم على مشاركتهم في الإنجيل يقول لكنيسة كورنثوس “سلبت كنائس أخرى آخذاً أجرة لأجل خدمتكم وإذ كنت حاضراً عندكم واحتجت لم أثقل على أحد لأن احتياجي سده الإخوة الذين أتوا من مقدونية، وفى كل شيء حفظت نفسي غير ثقيل عليكم وسأحفظها” (2كورنثوس 11: 8و 9). وكمما سبقت الإشارة فإنه يذكر تلك العطية التي أرسلوها له في رومية في (فيلبى 4: 8- 20) بكل فرح وبهجة مع إنه لا يريد أن يثقل عليهم كثيراً، إذ أنه قبل الكثير منهم

وأمتلئ، فهذه العطية لا تعبر فقط عن نفسها ولكنها هي ذبيحتهم التي يقدمونها بشكر أمام الله للمساعدة في تقديم الإنجيل إي العالم.

     2- أما قلقهم عليه فيجب أن يختفي لأن هذه الساعة الحرجة التي يجوز فيها يجب أن يتعظم الله فيها . ولماذا يحزنون؟ إن آلامه الكثيرة قد آلت أكثر إي تقدم الإنجيل، لقد عرف عنه الناس كثيرَا وسمعوا عنه ثم جاءوا إليه ليسمعوه ولذلك انتشر الإنجيل حتى في بيت قيصر نفسه أي بين عساكره وخدامه الذين يعملون في خدمته (22:4) . بل أن الإخوة الذين يعرفون أنه مسجون لأجل الإنجيل يجترئون أكثر على الخدمة ، إنهم يتكلمون بلا خوف (1: 13و14) ولهذا، فكلمة الرب تنتشر . وحتى أولئك الذين ينادون بالمسيح عن حسد وعن خصام ، ولعله في ذلك يقصد جماعة التهوديين الذين ذهبوا وراءه في خدماته وإرسالياته ليتكلموا ضده ، فهما عملوا ومها كانت نيتهم وقصدهم فإنهم يكرزون بالمسيح . وهذا ما يجعل الرسول يفرح لأن كل ما هو موضوع لأجله هم تقديم الإنجيل إي المحتاجين وهكذا يفعل أصدقاؤه لكي يساعدوه وكذلك أعداؤه ظانين أنهم يضيفون على وثقه وثقَا (1: 13-19) .

      ثم لماذا يقلقون عليه ؟ هل ستقترب الساعة ويموت بعد أن يحكم عليه بالإعدام ؟ وهل هذا يؤلمهم ؟ إن المسيح وحده هو الذي يتعظم في موته وفى حياته إنه مشتاق أن يكون مع المسيح ويبقى معه هناك ؟ ولكن إن لم يحكموا عليه فلسوف يبقى من أجلهم يخدمهم ويقويهم ويعظمهم، وكلا الأمرين عزيز عليه ومحبوب لقلبه، وجوده معهم في الخدمة أو انطلاقه إي المسيح والبقاء معه. إنه يطلب منهم أن يصلوا لأجله، وليفعل السيد ما يريد لأن هذا هو الخير أن نخضع لإرادته الكاملة(1: 19-26) . إن ما يفرح قلبه

 ألا يهتموا بشيء بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر لتعلم طلباتكم لدى الله. وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع(4: 6و7).

      3- وبالمثل فإنه يطلب منهم أيضاً ألا يخافوا أو يضطربوا في وجه كل الضيقات التي يواجهونها بل يجب أن يثبتوا(1: 27-30) وفى هذا الجزء يذكر الفيليبيين العسكري بماضيهم المجيد، ولقد انتصر فيليب المكدونى على كل بلاد اليونان وانتصر ابنه اسكندر الأكبر على كل القوى بواسطة أبطالهم العظماء. فهكذا يجب أن يفعلوا هم كمسيحيين، إن قائدهم هو الرب نفسه ولابد إن ينتصروا. ومن كلامه في 3: 20و21 يظهر أن عبادة الإمبراطور كان لها شأنها في فيلبى. نعم إن الوقت لم يكن قد جاء بعد حين أضخت عبادة الإمبراطور هي الديانة الوحيدة التي يجب أن يمارسها كل روماني، ولكن فيلبى كمدينة رومانية قد عرفت ذلك معرفة واضحة ، وتفشت فيها عبادة الإمبراطور ، وكان الإمبراطور يدعى المخلص ، ولذلك فالرسول يذكر أعضاء كنيسة فيلبى بأنهم جماعة لها رعوية سماوية . نعم إنهم في الأرض وفى الدولة الرومانية ولهم الرعوية الرومانية، ولكن دعوتهم الحقيقية هي في السماء وسوف يأتي منها المخلص العظيم الذي ينتظرونه. فيجب ألا يفتكروا في الأرضيات كما فعل قوم كذلك أصبحوا بذلك أعداء صليب المسيح. إن كلمة رعوية تعنى أصلاَ جالية أو مجتمع يعيش في اكتفاء ذاتي وحكم ذاتي وسط المدن الكبرى ، كما كان يفعل اليهود ، وهكذا يجب أن يكونوا كمسيحيين. إنهم وسط العالم ولكن لهم اهتمامهم الروحي ومخلصهم السماوي وحياتهم المجيدة التي يشهد لها الجميع.

     4- ولعل من أهم الأمور التي تضايقهم هم اليهود وتعييراتهم لهم. وهذا

يظهر مما يذكره الرسول في 3: 1-16 وفى هذا الجزء نجد أمرين ثار حولهما جدل كثير. الأمر الأول هو نوع اليهود الذين يضايقونهم ويقيدونهم ؛ هل هم جماعة التهوديين أي جماعة المسيحيين الذين جاءوا من أصل يهودي وظلوا يدققون في التمسك بالناموس حتى بعد إيمانهم بالمسيح، والذين أثاروا القلاقل الكثيرة في كنائس غلاطية وكورنثوس، أم هم اليهود أنفسهم؟ وأغلب الظن هم اليهود أنفسهم، لأننا نجد التنبير الشديد على أنواع من الأطعمة والختان كما كان يفعل عندما يجابه التهوديين، إنها تعييرات اليهود لهم بأن سيدهم مات وصلب(3: 10 ). أما الأمر الثاني فهو التغيير الفجائي الذي يظهر في هذا الإصحاح بين عددي ( 1و2). فإن القارئ يجد تحولاَ سريعَا جدَا في عدد 2. وقد ظن بعض العلماء أن هذا التحول يعنى في الحقيقة أن الرسول قد كتب أكثر من رسالة إي أهل فيلبى وأن هذا الجزء أي من 3: 2-16 هو جزء من رسالة أخرى لعلها سابقة على هذه الرسالة التي نحن بصددها الآن، وإنها كتبها عندما كانت زوبعة التهوديين في أوج شدتها، وأن هذه الزوبعة قد وصلت إي فيلبى نفسها أو إنها كانت على وشك إن تصل إليها ، ولهذا كتب الرسول إي فيلبى لكي يحذرهم منها.

واحتفظت الكنيسة بالرسالتين ثم أضافها أحدهم ليكون الاثنين من قلم الرسول نفسه. ويقول أصحاب هذه النظرية إن الرسول كتب إي كنائس كثيرة عدة رسائل بعضها فقد وبعضها أضيف بعضه إي بعض مثل رسالته الثانية إي كورنثوس فإنها كما يذكرون تتكون من رسالتين على الأٌقل دمجتا معَا( 2 كورنثوس 13:1) كما مر بنا ذكره.

       ومع إن هذه النظرية لها وجاهتها وما يبررها لكن ليس من الضروري كما سبق ذكره ، أن يكون هذا الجزء موجهَا ضد التهوديين ، بل لعله يكون

أكثر معقولية وقبولاَ إذا قلنا لأنه موجه ضد اليهود أنفسهم الذين كانوا يضايقون ويضطهدون كنيسة ومسيحيين فيلبى. أما التحول الفجائي في نبرة الرسالة فلعل دافعه كان مرور فترة قصيرة من الزمن بين كتابة الجزء الأول من الرسالة( 1: 1-3: 1). والجزء الأخير منها يحس القارئ منه أن هناك تحولاَ فجائيَا يحتاج إي التفسير.

ولكن الأمر المهم هنا سواء أكان من يكتب عنهم وضدهم هم اليهود أنفسهم أم التهوديين، هو انه في كلا الحالتين يعطى نفسه كمثال واقعي حي وكقدوة للجميع. لقد كان هو نفسه يهوديَا أصيلاَ من نسل إبراهيم من سبط بنيامين الذي خرج منه أول ملك لإسرائيل وسمى باسمه” شاول ” ، وهو يتكلم الآرامية ، أي أنه ينتمي إي يهود فلسطين (عبراني من العبرانيين) من جماعة الفريسيين بل انه كان متحمسا شديد التحمس للناموس واليهود، ولهذا اضطهد الكنيسة بكل قسوة ومرارة ، وهذا ما لا يستطيع أي يهودي عادي إن يفتخر به ، لان قليلين جداً قد وصلوا إي هذا الحد في اليهودية، ولابد انه كان مثار الإعجاب بل والفخر للجميع. كان يمكنه إن يفتخر بذلك ولكنه عندما عرف المسيح أحس إن كل افتخاره بكل هذه الألقاب افتخارا باطلاً لا قيمة له. انه نفاية لو قورن باختباره في المسيح. هل مات المسيح نعم ولكنه قام، وموته نفسه هو اختبار عميق للمؤمن لا يعرفه اليهود ولا يستطيعون إن يتعلموه، انه يقول عن سيده “لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته (3: 10). وهذا الاختبار مجيد وعظيما ونام، فالرسول إذ ينسى ما هو وراء.. ينسى كل تلك الامتيازات الجسدية فانه يمتد إي ما هو قدام . . إن دعوة الله له لها جزائها ومجدها فانه يتطلع إي ذلك المجد العظيم عندما يعرف سيده معرفة كاملة.

وهكذا يقدم الرسول نفسه مثالاً لليهود والأمم على السواء، أو للذين يظنون إنهم ينالون بعيدا عن المسيح كل افتخار. . إنها افتخارات باطلة والمسيح وحده هو فخره ومجده.

     5- ومع إن الكنيسة في فيلبي كانت مصدر سرور وبهجة حتى انه يسميهم إخوة (1: 12 ، 3 :1) أحباء (2 :12) ثم يقول في غمرة حب واشتياق “إذا يا إخوتي الأحباء والمشتاق إليهم يا سروري وإكليلي اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحباء (4 :11) هذه الكلمات التي لم يفعلها إلا لكنيسة فيلبي ، إلا انه كان يجد هناك بعض المنغصات فيها، هناك بعض الأشياء التي تعكر صفو الكنيسة بعض الشيء، والرسول يلمس هذه الأشياء بكل لطف ولكن بحزم أيضاً، إنها المحبة العظيمة التي تدفعه لذلك .

    فهناك جماعة يحسون إنهم متميزون عن الآخرين يحسون بعجب وكبرياء، فلأي سبب يا ترى ؟ هم يحسون أنهم أحق بالقيادة في الكنيسة من غيرهم؟ هل حاولوا أن يقسموا الكنيسة إي أحزاب ؟ إن أهم مثل لذلك هم سنتخي وافودية اللتان كانتا تخدمان في الكنيسة ، وكان هناك ما يشبه التنافس الشديد بينهما، ولعلهما هما اللتان حاولتا خلق الأحزاب ، ربما الأمور لم يكن لها دراية بها، ربما لأنهما كانت تفعلان بدون معرفة وتحتاجان إي مساعدة خارجية لتعرفا نوع العمل الذي تعملانه . إي هؤلاء يكتب الرسول بكل حساسية ومحبة أبوية ، انه يوجه أنظار هؤلاء الجماعة إي المسيح ، وهنا يضع الرسول تلك الترنيمة السامية عن السيد التي فيها يسمو بعقيدته عن المسيح (Christology) “الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. 7لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. 8وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. 9لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أيضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ 10لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، 11وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ

هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ” (2: 6-11). ومع إن لاهوت الرسول هنا يصل إي قمة بعيدة في السمو. ولكنه لم يكن يفلسف أو يتكلم عن نظريات . انه يصف حقيقة قد حدثت كشفت عن هذا اللاهوت السامي . انه لاهوتا عملي. فهو يصف عمل السيد قبل أن يكون في قصده أن يصف طبيعته، وان شئت فقل أن عمله قد فتح لنا كوة بسيطة لتعرف تلك الصلة الأبدية التي بين المسيح وبين الله . إن السيد لم يتمسك بهذه المساواة مع انه له وهو يمتلكها. ولكنه أخلى نفسه منها لكي يقوم بالخدمة العظمى . لعل الرسول كان يضع أمامه أيضاً ادم. وماذا عمل إذا كان يحاول أن يكون كالله وهو ابعد ما يكون عن ذلك.. أراد أن يسرق ويستلب هذه المساواة وهو يجهل الفخ الذي وعه الشيطان له فسقط فيه، وكان سببا فيما نراه ونختبره من خطية وموت. أما فكر المسيح المستمر الذي كان ويكون وسوف يستمر فيه، هو أن يخلي نفسه ويأخذ صورة عبد من اجل خدمة الفداء. .ومع الناس لم ترى بعينها ذلك التنازل العجيب، إلا إنها اختبرت الرفعة المجيدة التي أضحت له بعد إن قام بالخدمةالمقدسة.. فقد أقامه الله ورفعه وأعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو له كل ركبة ويعترف كل لسان بأنه رب المجد الله الآب” (2 :6-11)     

     هذه هي طريقة الارتفاع والتمجيد وليس التنافس والغيرة والعجب ومحاولة تكوين التحزب والأحزاب. إن الخدمة وحدها هي التي ترفع صاحبها. . إن التواضع الحقيقي الأصيل هو أساس التمجيد الذي يناله المؤمن كما أخذه سيده من قبل.

    ولعل سنتيخي وافودية كانتا في حاجة إي هذا الدرس يشرحه لهما احد القادة البارزين . لعله راعي الكنيسة – لكي يعرفا الطريق الصحيح الذي يضعهما في الإطار المسيحي والخدمة المضحية التي تقود إي مجد المسيح.

                                             الرسائل الرعوية

     هذا الاسم “الرسائل الرعوية” ينطبق على ثلاث رسائل عليها اسم الرسول بولس : رسالتان إي تيموثاوس الأولى والثانية واحدة إي تيطس. وأول من أطلق عليها  هذا الاسم هو توماس أكويناس ثم تبنته احد علماء القرن الثامن عشر من الألمان واسمه أنطون وجعله شائعا بين المسيحيين فإذا ما قيل الرسائل الرعوية فان الجميع يعرفون مباشرة ماذا يقصد بهذا الاسم . وهذه التسمية لها ما يبررها فهي تكشف لنا قلب الرسول المحب لمن هم له واهتمامه بالتنظيم الكنسي مثلما كان اهتمامه بالكرازة والتعليم في رسائله الأخرى.

     ولكننا إذ نطلق عليها هذه التسمية يجب أن نعرف إن هناك بعض المميزات في كل رسالة تجعلها متميزة عن الأخرى بل ورسالة قائمة بذاتها وليست صورة مطابقة للرسائل الأخرى . ومع إنها مكتوبة إي أفراد وليست إي كنائس ولكن فيها من التعليم ما يجعلها أكثر رسمية من رسالة فليمون مثلا الذي كتبت لشخص بعينه مملوء بالأمور والعلاقات الشخصية التي يكتبها الرسول إي تلميذيه تيموثاوس وتيطس، وخصوصا تيموثاوس . ولكن قبل أن ندرس التفاصيل الخاصة بها والمشكلة الحادة الخاصة بنسبتها إي الرسول بولس، لندرس شيئا عن الشخصيتين اللتين كتبت إليهما هذه الرسائل: تيموثاوس وتيطس . وماذا كانا يعملان في ذلك الوقت.

                                             1- تيموثاوس

     من أحب الشباب إي الرسول بولس ، تعرف عليه في رحلته التبشيرية الثانية في لسترة. وكان أبوه يونانياً وأمه مسيحية من أصل يهودي (اع16: 1-3) . وعندما تعرف عليه الرسول كان قد قبل الإيمان عن طريق أمه وجدته وكان مشهود له من جميع الإخوة في لسترة. ولا يستبعد إن تيموثاوس قد تأثر بالرسول عندما كان يعظ في مدينتهم في رحلته التبشيرية الأولى . ولما رأى الرسول فيه صبيا نافعاً ويبشر بمستقبل طيب أخذه معه ليكون تلميذا له وختنه من اجل اليهود الذين كانوا يعرفون إن أمه أصلا يهودية. ومن ذلك الوقت أصبح رفيق الرسول الذي لا يفارقه ، يشترك معه في كتابة الرسائل(1و 2 تسالونيكي، 2كورنثوس ، فيلبي، كولوسي ، فليمون) ويضع عليه مسئوليات هامة لكي يقوم بها فينجح في عمله نجاحا فياضاً . إذ أرسله إي كورنثوس (1كو4 :17) ثم إي تسالونيكي (1تسالونيكي ) . ولذلك أطلق عليه الرسول ألقابا كبيرة: فهو “العامل معي “(رو16: 21) ” الذي هو ابني الحبيب والأمين في الرب ” (1كو4: 17) . وعندما سافر الرسول في رحلته الأخيرة إي روما كان يصطحب معه تيموثاوس (اع20: 4) وبقي معه هناك في كل مدة سجنه . وقد كتب إي كنيسة فيلبي يصف حضوره معه وكم من التعزيات ينالها من وراء ذلك ، وقد فكر في أن يرسله في رحلة إي كنيسة فيلبي نفسها (في2: 19-24) . ولن مع ذلك كان الرسول يشعر إن هناك نقطة ضعيفة في تيموثاوس وهي الخجل ، ولذلك فهو يقول لكنيسة كورنثوس في موقفها منه”فلا يحتقره احد بل شيعوه بسلام ليأتي إي ” (1كو16: 11). ولا يتردد في أن يكتب ليه هو “12لاَ يَسْتَهِنْ أَحَدٌ بِحَدَاثَتِكَ، بَلْ كُنْ قُدْوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْكَلاَمِ، فِي التَّصَرُّفِ، فِي الْمَحَبَّةِ، فِي الرُّوحِ، فِي الإِيمَانِ، فِي

 الطَّهَارَةِ” (1تي 4: 12) . ويذكره في الرسالة الثانية لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ. 8فَلاَ تَخْجَلْ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا، وَلاَ بِي أَنَا أَسِيرَهُ، بَلِ اشْتَرِكْ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ “(2تي1 :7و8) .

     أما معرفتنا بتيطس فلا ترقى إي معرفتنا بتيموثاوس، ولعله قبل الإيمان على يدي الرسول بولس ، وان الرسول أعجب به ووثق بشخصيته كثيراً . كان تيطس من أبويين أمميين ولذلك عندما صاحب الرسول في رحلته إي أورشليم في المرة الثانية حاول بعض التهوديين بكل قوة أن يجعلوه يختتن ولن الرسول رفض ذلك رفضا باتا حي لا يتعارض مع اقتناعه بان الأمم غير مطالبين بالمرة بالختان (غلا2: 1-5). ولقد أرسله الرسول إي كورنثوس أبان أزمة هذه الكنيسة ، وكانت الصلة بينه وبينها على وشك الانهيار، وقد حمل تيطس خطابه الشديد اللهجة إليها، ولكن يغلب على الظن إن تيطس نجح في تخفيف حدة التوتر بل ونجح أيضاً في إزالة سوء الفهم ورجعت طاعة الكورنثييون للرسول مرة أخرى كسابق العهد . وبعد أن اخبر تيطس الرسول بذلك يلوح انه أرسله مرة أخرى بالرسالة الثانية طالباً منه أن يهتم بالجمع للقديسين (2كو7: 6-16، 8: 6، 12: 17و 18). هذه هي خطوط الصورة العامة للشخصين إذا استقيناها من سر الأعمال والرسائل الأخرى من غير الرسائل الرعوية.

     أما إذا درسنا الرسائل الرعوية فإننا نجد أن الاثنين الآن  صارا مبعوثين من قبل الرسول: تيطس في كريت وتيموثاوس في أفسس. ويبدو أيضاً ن تيموثاوس كان لا يزال صغيرا في السن (1تي 4: 12، 2 تي2: 22) ربما في العقد الرابع من عمره، رجلا حساسا يحتاج

إي التشجيع ورفع روحه المعنوية دائماً . وكان بحسب الرسالة الأولى رئيسا لكنائس أفسس التي تركه فيها الرسول واعدا إياه أن يزوره مرة أخرى قريباً . وكان سبب وجوده في أفسس إن حركة تعليم غريبة بعيدة عن الإنجيل يصفها في كلمتين “خرافات وانساب” كانت تسبب مباحثات غبية وطويلة (1تي 1: 3 و4 ، 3: 14-16) وفي نطاق محاربة هذه البدع كان عليه أن يرتب الخدمة الكنسية وإرساليتها، ويضع تخطيطا للحياة اليومية على الأساس الصحيح اللائق.

     أما تيطس فيتضح من الرسالة إليه انه قام مع الرسول بخدمة تبشيرية في كريت ولكن الرسول تركه هناك وذهب  إي اليونان (تيطس1: 5) . وقد طلب منه الرسول أن ينظم الخدمة في الكنائس ويرتب الأمور الناقصة فيقيم شيوخا في كل مدينة ثم يحار بالتيارات التعليمية الخاطئة والمنحرفة. وقد طلب منه الرسول أيضاً أن يذهب إليه في نيكابوليس عندما يرسل إليه رسولاً وهذا يعني إن إرساليته في كريت لم تكن طويلة المدى (3: 12).

كاتب الرسالة:

     ن هو كاتب هذه الرسائل الثلاث؟ لو اعتمدنا على الرسائل نفسها لما كان هناك شك في إن الرسول بولس هو الذي كتبها إي تلميذيه  تيموثاوس وتيطس. وهذا ما اعتمدته  لكنيسة طوال القرون حتى القرن التاسع عشر حينما انفجرت المناقشات حول صحة نسبتها إي الرسول، والى الآن لم ننته بعد ، فهناك جناح قوي جداً يرفض أن ينسبها كلها إليه وهناك جناح أخر يرفض أن ينسبها إي غيره، وهناك مجموعة من العلماء تشعر إن الرسائل تحوي أجزاء كتبها الرسول ولكنها كما هي الآن خرجت من يد معلم كان من إتباع

الرسول أو المعجبين به . وبين الفرق الثلاثة تدور رحى المناقشات التي لم يدر مثلها حول رسالة أخرى من رسائل الرسول بولس.

1- شهادة الكنيسة الأولى للرسول بولس:

     ماذا تقول الكنيسة الأول في التقليد المتوارث عنها؟ إن هذه الرسالة بحسب هذه الشهادة عرفت منذ القدم ، والتقليد الذي يستند نسبتها إي الرسول بولس يعتبر اقوي من أي تقليد خاص من أي رسالة أخرى فيما عدا روميو وكورنثوس الأولى:

      ففي كتابات اكليمندس الروماني في أواخر القرن الأول الميلادي تود عبارات “ملك الدهور” “مستعدا لكل عمل صالح” التي تتكرر في هذه الرسائل ولا تظهر في غيرها من كتب العهد الجديد ، وهناك عبارات أخرى مثل “اخدمه بضمير صالح” وغيره، تدل على انه كان يعرف هذه الرسائل الرعوية.

     أما بوليكاربوس (107 -17) فيقتبس في رسالته إي فيلبي ثلاث عبارات هي (1تي6: 10 ، 2 تي 4: 6، 1 تي 2: 1و 2)  وهذه موجودة في رسالته (4: 1 ، 9: 2 ، 12: 3 ) ورسائل أغناطيوس تحتوي على الكثير من العبارات التي تظهر في هذه الرسائل الرعوية .

     ويقول جيروم في مقدمته لرسالة تيطس إن تاتيان صاحب “الدياتسرون” كان يعترف بان الرسول بولس هو الذي كتب هذه الرسائل . مع انه كان يرفض تيموثاوس الثانية. وهكذا نجد الأمر مع جاستين  مارتر وغيره. ولعل ما كتبه مؤلف الموارتورين Muratorian Canon  (170- 180)

يستحق الاقتباس هنا إذ كتب يقول “إي فليمون رسالة والى تيطس رسالة والى تيموثاوس رسالتان كتبها الرسول بولس في محبة وعاطفة ولكنها مع ذلك اعتبرت مقدسة وقبلتها الكنيسة في العالم كله لكي تخذ منها النظام الصحيح في الكنيسة” وقد كانت كتابات بوليكاربوس الذي من سميرنا (55+ ) تشابه هذه الرسالة حتى إن الدارسين ظنوا انه هو الذي كتبها.

     هذه شهادة قوية رغم الجانب الأخر لهذه القضية : فعلى الجانب الأخر ند إن  مارسيون يرفضها وذلك لأنه لم يعرفها أو لان فيها تعاليم ضد الهرطقة الذين اعتبر هو واحد منهم. أما ما يهم حقا في هذا الحقل هو إن بردية تشسر بيتي  Chaster Beaty  (46) p. لا تحتويها ولم يوجد هناك فسير سوى انه ربما كانت هذه الرسالة محشورة في 7 ورقات ضائعة من هذه المخطوطة.

2- أسباب إنكار نسبتها للرسول:

      ومع ذل فقد تمست لكنيسة كلها بوجودها المبكر أو قبل انتهاء القرن الأول وبأنها من كتابات الرسول بولس نفسه إي أن جاء القرن التاسع عشر وظهر علم فد النصوص وبدأت الشكوك تحوم حول نسبة هذه الرسائل إي الرسول بولس، وكانت حجة هؤلاء الرافضين تبنى على الأسباب التالية:

      (أ) إن أسلوب ومفردات هذه الرسالة يختلف كثيراً عن المفردات التي يستخدمها الرسول في رسائله وعن الأسلوب الذي تعودناه منه . فعدد كلمات هذه الرسائل الثلاثة 848 كلمة بخلاف 54 اسم علم . منها 306 كلمة لا تجدها في الرسائل الأخرى ، 127 كلمة في تيموثاوس الأولى، 81 في  تيموثاوس الثانية ، 450  في تيطس، كل هذه لا تستخدم إلا مرة واحدة . هناك

كلمات استخدمت مرتين في هذه الرسائل وحدها وعددها 44 كلمة، وبعضها استخدم 3 مرات وعددها 9 كلمات.

      ولكن هذه الشهادة لا يمكن أن تكون قاطعة لان رسالة رومية التي لا يشك إنسانا ما في صحة نسبتها إي الرسول بولس ند فيها 261 كلمة (من مجموع كلماتها الـ 993 كلمة) لا توجد إلا في رومية فتعداد الكلمات لا يمكن أن يؤثر في نسبة الرسائل إي الرسول بولس.

      ومن الناحية الأخرى يقولون أن هناك اصطلاحات وعبارات خاصة بالرسول بولس فقط دون كتاب العهد الجديد لكنها لا تظهر في هذه الرسائل مثل كلمة العهد. بر الله، جسد المسيح، اله وأبو ربنا يسوع المسيح… وهكذا.

      أما الأسلوب الذي كتبت به هذه الرسائل فهو يختلف في بعض جوانبه عن الأسلوب المعهود من الرسول بولس . فليس هناك المخارج المتعددة التي نجدها عند الرسول حينما يكتب عن فكرة معينة،  فهو يترك الفكرة الرئيسية قبل إن ينتهي منها ليدخل في فكرة أخرى لها علاقة بها ثم يرجع إي الفكرة الرئيسية وهكذا دواليك. أما في هذه الرسائل فالكاتب لا يترك الفكرة إلى أية أفكار جانبية حتى ينتهي من توضيحها  تماما وبعد ذلك ينتقل منها إي غيرها.

     هذا إلى جانب استعمال الحروف وأدوات الربط التي يشتهر بها الرسول والتي يجب أن تظهر في كتابة الأمور الشخصية لا تظهر كثيراً في هذه الرسائل.

      على كل حال لا يستطيع إنسان  أن ينكر الاختلاف الواضح بين أسلوب كتابة هذه الرسائل وغيرها من رسائل الرسول بولس ، ولكن هذا كله

لا يستطيع أن ينفي نسبة هذه الرسائل الرعوية إليه لأنها جميعا يمكن تفسيرها على أساس اختلاف اعرض والموقف والذين كتبت إليهم. ولقد تبنى كثير من دارسي العهد الجديد في العصر الحديث الرأي القائل إن الرسول بولس نظرا لظروف السجن القاسي وقت كتابة الرسائل ، قد استخدم احد معاونيه كلوقا أو أي احد آخر ، أن يكتبها له ويعبر عن أفكاره التي أملاها له ، وهذا الأمر يفسر هذا الاختلاف الواضح في هذا الأسلوب ، مع إن الآخرين ممن يعتقدون إن الرسول هو الذي كتبها يرفضون هذا الرأي لأنه لا داعي له .

     (ب) هناك برهان آخر يقدمونه لرفضهم نسبة هذه الرسائل إي الرسول بولس هو إن مسيحية هذه الرسائل تختلف عما تظهر عليه في رسائل الرسول بولس. فهذه الرسائل تظهر مسيحية العقيدة السليمة والأعمال الصالحة . هذا لا يعني إن هناك عدة نسخ من المسيحية ، ولكن تعني إن التنبير في هذه الرسائل يقع على أشياء غير التي ينبر عليها الرسول قي رسائله.

     وهذا صحيح لان هناك عبارات كثيرة تؤكد هذه الأمور مثل التعليم الصحيح (1تي 1: 10، 2 تي 4: 3 ، تيطس 1: 9 انظر  1 تيموثاوس 6: 3 ، 2 تيموثاوس 1: 13 ، تيطس 2: 8 ) “أصحاء في الإيمان ” تيطس 1: 13، 2 :2) “صادقة هي الكلمة ” (1 تيموثاوس 3: 1) ” الارتداد عن الإيمان ” (1 تيموثاوس4: 1 و 6، 6 : 21) وغير ذلك . ولكن هذا نجده أيضاً في الرسائل الأخرى للرسول بولس (1كو 11: 2و 23 ، 15: 3 ، 2تس 2: 15، 3: 6، رومية 6: 17) . ويجب أن نعرف إن الرسائل الرعوية قد كتبت لكي تحارب حركات انحراف حدثت في قلب الكنيسة المسيحية، وتجابهها بالتنبير

على  العقائد والتعاليم المستقيمة الصحيحة . فالهرطقة هي مرض يضعف جسد المسيح وينهشه أما التعليم الصحيح فهو الحالة الصحية الصالحة. ولكي يوضح هذا كله كان الرسول يقتبس كثيراً من الترانيم الروحية وقوانين الإيمان التي نبتت في الكنيسة. وهذه لا يمكن أن تكون متقدمة عن تلك الموجودة في الرسائل الأخرى التي كتبها الرسول حتى نقول إنها كتبت بعد عصره (تيطس 2: 5و6و8، ا تي 6: 13-16) .

      أما الأمر الثاني الذي تنبر عليه هذه الرسائل هو الأعمال الصالحة (1 تيموثاوس 2: 10، 5: 10، 6: 18 ، 2 تيموثاوس 21، 3: 17 ، تيطس 2 :17). ولكن هل هذا يعني أنها كتبت بعد عصر الرسول بولس ؟ الم يشر الرسول في رسائله الأخرى إي هذه الأعمال الصالحة؟ (رومية 2: 7 ، 13: 3، 2 كورنثوس 9: 8، 2 تسالونيكي 2: 17، أفسس 2: 10، كولوسي 1: 10) إن الرسائل الرعوية تظهر مثل كل الرسائل الأخرى ، إن الأعمال الصالحة هي ثمار قوة الحياة الجديدة التي تعطى للمؤمن (2 تيموثاوس3: 17) . وعندما تقول في تيطس 3: 5 “لا بأعمال في بر عملناها بل بمقتضى رحمته خلصنا …” فإنما تعكس إنجيل الرسول بولس وتظهر مقابلته في الأعمال والنعمة (انظر 2 تيموثاوس 1: 9). وهل هناك فرق بين قوله في تيطس 2: 14 “14الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْباً خَاصّاً غَيُوراً فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ” وبين قوله في غلاطية 5: 22 حيث يذكر ثمر الروح الذي يسكن فينا بالإيمان ؟ إن بالأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان كما تظهر في (114الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْباً خَاصّاً غَيُوراً فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ 6: 18) لها نظيرها في الرسائل  الأخرى في غلاطية 6: 9، رومية 2: 6 و7.

     (جـ) أما الاعتراض الثالث ضد نسبة هذه الرسائل إي الرسول بولس

هو التنظيم الكنسي المتطور الذي يظهر فيها الذي لا يمكن أن يكون قد ظهر في أيام الرسول بولس، وخاصة وظيفة الأسقف والتي يسميها أيضاً الشيخ (تيطس 1: 5و7) ووظيفة الشماس والأرامل وغاليا الشماسات (1 تيموثاوس 3: 11) . ويتضح في الرسائل إن وظيفة الأسقف هي أن يحكم أي يدبر (1 تيموثاوس 5: 17) وان يعتني بكنيسة الله (1 تيموثاوس5: 17) وقد كونوا من أنفسهم مجمع خاصا (1 تيموثاوس 4: 14) لكي لا يوجد دليل على إن هناك واحد منهم يقوم مقام الرئاسة في هذا المجمع فالفردية التي يذكرها في 1 تيموثاوس 3: 2 يقابلها التعدد الذي يظهر في العدد السابق له.

     ولكن هذا التنظيم لم يكن جديداً بل كان في عهد الرسول بولس ، فالأسقفية وظيفة عرفت مبكراً ، وكذلك الشموسية وكلاهما يذكر إن في فيلبي 1: 1 . وفي أعمال 20 :17 يستدعي الرسول قساوسة الكنيسة في أفسس ، ويذكرهم في خطاه الوداعي لهم إن الروح القدس قد أقامهم أساقفة  لكي يدبروا كنيسة الله . (ع28) . . وفي الرسائل الأخرى يظهر الرسول بولس إن  هناك مديرين للكنائس وجهات كنسية أي قادة في مجتمعاتهم وكنائسهم (رومية12: 8، 1كورنثوس 16: 16 و17 ،1تسالنيكي 5: 12) نعم إن الوظيفة النسائية في الكنيسة “الأرامل” ظهرت أول ما ظهرت في 1 تيموثاوس 5: 3-16 لكن هناك في الرسائل الأخرى نجد سيدات لهن مكانة الصدارة في الكنيسة وكن يقدن المجتمعات مثل فيلبي (رومية16: 1) وبريسكلا (ع3) . وافودية وسنتخي (فيلبي 4: 2و 3). نعم قد يكون هناك بعض التطور في الرسائل الرعوية، ولكن من دراسة الرسائل نجد انه تطور حديث ويحتاج إي العناية المتابعة والعناية التامة.

     هناك نقطة آخرة تجدر الإشارة إليها وهي إن الرسائل لا تشير إي الخدام أصحاب الكارزما مثل النبي والمبشر  والرسول وغيرهم ويظن الدارسون الذين يظنون إنها رسائل متأخرة ، إن هذه الأعمال قد حل محلها الوظائف التنظيمية مثل الأسقف والشيخ وغير ذلك. ولكن المدقق يجد إن هناك إشارات في الرسائل نستنج منها إن هذه الشخصيات كانت لا زالت موجودة ولها عملها، فعندما يمنع الرسول أن تتكلم النساء في الكنائس (1 تيموثاوس2: 12)هذا يظهر إن الرجال يتكلمون ، ويظهر إن هناك أناس آخرون بجانب الأساقفة يعلمون (1 تيموثاوس5: 17) . إن الرسائل الرعوية كانت تهدف أساسا إي تنظيم الكنيسة وعلى الناحية الإدارية فيها. وحتى في كنيسة كورنثوس رغم العدد الكثير الذي كان يتمتع بموهبة ما ، فإنهم لم يستطيعوا أن يقوموا بأعمال الأسقف أو الشيخ والشماس ، فهؤلاء لهم قوانينهم التي لا تنطبق على أصحاب المواهب (1كونثوس 14: 26 -36).

     ( د ) أما الأمر الرابع الذي يستند عليه الذين ينكرون نسبة هذه الرسائل إي الرسول هي نوعية البدع التي تحاربها هذه الرسائل، فهي بدع متطورة لم تظهر في عهد الرسول . وقد اعتقد باور احد علماء القرن التاسع  إن هذه البدع هي التي ظهرت في القرن الثاني الميلادي وهي الغنوسية وخصوصا بدعة مارسيون ، الذي كتب كتاب المتناقضات . وقد بنى مارسيون راية على ما جاء في 1 تيموثاوس 6: 20 “مخالفات – متناقضات – العلم الكاذب الاسم. ولكن هذه النظرية لم يعد يتمسك بها احد ويلاحظ هنا إن نوع البدع التي تذكرها الرسائل لا تنطبق على وقت محدد بالذات: المنع من         

الزواج ومن أكل أطعمة خاصة (1 تيموثاوس 4: 3) والانشغال بأنساب وأساطير (1تي1: 3و 4، تيطس 1: 14 و 15) محاولة تفسير القوانين تفسيراً روحياً (2 تيموثاوس2: 18) ، هذه كلها ظهرت في أوقات كثيرة . ويبدو أنها بدع يهودية. ففي الأمكنة التي يظهر فيها المعلمين الكذبة(1 تيموثاوس1: 3-11، 4: 1-10 ، 6: 3-5 ، 20 و21، 2 تيموثاوس 2: 14 -23 ، 3: 1-9 و 13 ، 4: 3و 4، تيطس 1: 10 -16 ، 3: 9-11) لا يراودنا شك في أنهم معلمون يهود (تيطس 1: 14 و15) وكل بدعهم كانت تختص بوصايا وتعاليم التطهير والأنساب وغيرها وهذه كلها ظهرت أيام الرسول بولس.

     أما ما يذكره في 1 تيموثاوس 4: 3و 2 تيموثاوس2: 18) من ثنائية غريبة على اليهودية الأصلية فهي تتصل بالغنوسية التي ظهرت حتى في أيام الرسول والتي حاربها في كولوسي (2: 16).

     ( هـ) أما السند الأخير الذي يستند عليه هؤلاء هو إن المواقف التي تظهر في هذه الرسائل لا يمكن أن تتفق مع ما نجده في سفر الأعمال وفي الرسائل الأخرى. . ولكن هذه القضية سنبحثها حالا لنعرف أي مواقف تعكس هذه الرسائل.

     مما تقدم نستطيع أن نقول إن الإنكار القاطع بان الرسول بولس هو الذي كتب هذه الرسائل لا يستطيع أن يقوم على أساس ثابت ، والشواهد التالية يتبناها أصحاب هذا الرأي كلها مشكوك في ارتقائها إي مستوى البرهان الحاسم

     3- أما النظرية الثالثة فتقول إن الرسائل تبدو مترابطة كتبها شخص واحد ، وهو غير الرسول بولس ومتأخرة في الزمان عنه – قد وجد في يده بعض النتف من خطابات حقيقية  أرسلها الرسول بولس من قبل إي تيموثاوس  وتيطس . فاخذ هذه القصاصات الباقية من هذه الرسائل ووضعها في الرسائل التي كتبها وهو سماها باسم الرسول. معنى هذا إن هذه الرسائل لا تحوي إلا شذرات شخصية كتبها الرسول بنفسه وقد ضاعت الرسائل الكاملة ولم يبق منها إلا هذه الشذرات فوضعها في الكتاب ضمن الرسائل الحالية. وقد حاول أصحاب هذه النظرة أن يستخرجوا هذه الشذرات من بين الرسائل فقالوا (تيطس 3: 12-15) وهو – كما يقولون – بقية خطاب أرسله الرسول من مكدونية إي تيطس بعد عدة شهور من إرسال الخطاب الشديد اللهجة إي كورنثوس (2كورنثوس 10-13) وقبل أن يرسله بالرسالة الثانية المتضمنة في (2كو 9).

     4- (2 تيموثاوس   4: 9-15 ، 20، 21، 22) ويقولون إن الرسول كتبها في نيكابوليس بعد إن تركها في تيطس.

    5 – (2 تيموثاوس   1: 16-18 ، 3: 10، 11، 4: 1، 2 ، 5-8، 11-19) وهي جزء من خطاب بولس الأخير الذي كتبه من روما إي تيموثاوس   بعد إن سمع الحكم عليه سنة 62م . هذه هي بعض أراء الذين يتمسكون بهذه النظرية مع إنهم يختلفون كثيراً في الأجزاء التي يستخرجونها ظانين إنها من قلم الرسول بولس سابقاً .

      ولكن لماذا يتمسكون بهذه النظرية ؟ إنهم ينكرون أيضاً إن الرسول هو الذي كتب هذه الرسائل ويستندون على الشواهد الخمسة التي ذكرناها سابقاً . ولكنهم في الجوابهم، يرون أشياء شخصية لا يمكن أن يكتبها غير الرسول بولس ولا يستطيع واحد آخر أن يقلده فيها، فكيف يوفقون بين إنكارهم السابق وبين ما يجدونه في الرسائل؟ وكان هذا هو جوابهم، الكاتب الحقيقي وجد أجزاء من خطابات سابقة كتبها الرسول إي تيموثاوس   وتيطس فاحتواها في رسائله هذه .

      ولكن هذه النظرية تثير من المشكلات أكثر مما تحل، ولم يجد الدارسون لها مثيل في الكتابات القديمة. ولنا أن نتساءل إذا كان هذا النتف هي أجزاء من خطابات سابقة معروفة إنها للرسول فكيف يضعها هذا الكاتب في خطاباته دون أن يخجل أمام الكنيسة؟

     وكيف تحفظ هذه الأشياء الشخصية فقط؟ ولماذا يوزعها الكاتب هكذا في أجزاء مختلفة من الرسائل ؟ وهل هناك فرق يذكر في أسلوب هذا النتف وما يحيط بها من هذه الرسائل إن النظرية لا تبنى على أساس يستطيع أن يوحى بالثقة واليقين على إنها نظرية صحيحة.

     4- بعد هذا العرض للنظريات المختلفة لم يبق أمامنا سوى إن الرسول بولس هو الذي كتب هذه الرسائل اتفاقا مع الشهادة القوية التي يحملها التقليد الكنسي ومع رأي الكنيسة  كلها هذه القرون الطويلة ، واتفاقا مع إعلان الرسائل نفسها . ولكن رغم ذلك فهناك سؤال هام جداً يجب أن نواجهه وهو: هل نستطيع أن نوفق بين ما جاء في هذه الرسائل من مواقف وبين المواقف التي نجدها في سفر الأعمال والرسائل الأخرى؟ هل يمكن أن نضع هذه الرسائل في موقف معين معروف؟ إن الجواب الحقيقي هو إن هناك اتفاقا عاما بين الدارسين إن هذه الرسائل لا يمكن أن توضع في أي مكان أو زمان أو موقف سواء أكان ذلك في سفر الأعمال أو في الرسائل الأخرى التي كتبها الرسول. إنها تختلف اختلافا كبيراً مع أي موقف معروف فكيف تكون الإجابة إذا على هذا السؤال؟

     ( أ ) في 1 تيموثاوس  1: 3 نجد عبارة نستطيع أن نبني عليها دراستنا

عندما يقول الرسول لتيموثاوس “3كَمَا طَلَبْتُ إِلَيْكَ أَنْ تَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ، إِذْ كُنْتُ أَنَا ذَاهِباً إي مَكِدُونِيَّةَ، لِكَيْ تُوصِيَ قَوْماً أَنْ لاَ يُعَلِّمُوا تَعْلِيماً آخَرَ” . من هذه الكلمات نستطيع أن نستنج إن الرسول نفسه كان موجودا مع تيموثاوس في أفسس ثم تركها في مكدونية تاركاً تيموثاوس هناك لهذه المهمة الشاقة. هذا الموقف لا يمكن أن يتفق مع أعمال 19 لأننا لم نسمع عن تحركات كهذه عملها الرسول، ولا عن حركات انحراف مثل هذا حدثت في أفسس . ولا يمكن أن تتفق مع أعمال 20: 1 لان وجهة الرسول كانت مكدونية ثم كورنثوي ومنها إي أورشليم. وكذلك لم نسمع انه أبقى تيموثاوس هناك بل أرسله إي مكدونية قدامه، حيث كان سيمر هو في طريقه إي أورشليم (أعمال 19: 21و22) . وكذلك لم تكن أفسس قد بلغت رشدها بعد وقامت فيها  مثل هذه الانحرافات الفكرية السلوكية .

     وهذه الصعوبات نجدها أيضاً في الرسالة إي تيطس فيها يقول له الرسول انه تركه في كريت لكي يكمل ترتيب الأمور الناقصة (1: 5) . ولسنا نقرا عن زيارة الرسول لكريت في أعمال الرسل سوى في (ص27 ) عندما جاءوا إي هذه الجزيرة في رحلته الأخيرة إي روما ، ونسبة لهياج الجو والبحر مكثوا مدة في مدينة الموانئ الحسنة Fair Haven، ولم يكن له فرصة للتبشير هناك ، وبعد ذلك قضى الشتاء في مالطة وليس في نيكابوليس كما يقول في تيطس 3: 12 انظر أعمال 28: 1 . ولا نستطيع أن نجد أي مكان في سفر الأعمال يصلح لان يكون هناك احتمال ذهاب الرسول إي كريت.

     فإذا كانت مواقف الرسائل لا تتوافق مع سفر الأعمال وغيره فمتى كتب الرسول هذه الرسائل؟

     من 2 تيموثاوس 1: 17 نتأكد انه كان في روما. ثم في 4: 6 و 18 نعرف إن الحكم قد صدر أن يموت ، ولهذا فهو يطلب من تيموثاوس أن يأتي آخذا معه مرقس (4: 9-11) ، ولئلا يظن بعض الناس إن هذا السجن هو كان في وقت أخر غير ذلك المذكور في سفر أعمال الرسل (كولوسي1: 1، 4: 10، فليمون 24) . وهكذا بمكن أن نفحص تفاصيل هذا الموقف والمواقف التي نعرفها في سفر الأعمال، ونجدها مختلفة. فهل هذه مواقف مختلفة ؟ كلا ومن الذي يخترعها هكذا؟ إن الحقيقة إن الرسائل الرعوية يمكن أن تكشف عن فترة أخرى في حياة الرسول لم تذكر في سفر الأعمال وحدثت بعد (اعمال28: 31) .وهذا معناه إن الرسول لم يستشهد في المرة الأولى التي سجن فيها في روما، وهذا أمر اقرب إي المنطق والحقيقة، فالحبس الخفيف الذي يشابه ما نسميه في العصر الحديث “تحديد إقامة” ، ونوع الاتهامات التي أثيرت ضده ، واقتناع فستس الوالي ببراءته (أع 26: 31 و32) ، والتقرير الذي أرسله إي رومية بل وانتظار الرسول أن يرى أصدقاءه حالا (فيلبي 1: 25 و 26 ، 2: 24) ، فليمون 22) ، هذا كله يجعل أمر استشهاده في تلك المرة بعيد عن التصديق . فلابد إذاً من الاعتقاد بأنه ترك سجنه وذهب إي عمله مرة أخرى في أسيا الصغرى والبحر الأبيض حتى قبض عليه  مرة أخرى ، وسجن ، وهناك استشهد على يد نيرون الطاغية في الفترة ما بين 63-4 – 67م.

     هذا الاستنتاج له ما يسنده من شهادة الكنيسة الأولى فهذا ما يؤكده يوسابيوس المؤرخ المسيحي ومن قبله اكليمندس الروماني في 1اكليمندس 5: 7 وبعده في قائمة الموراتوري . وهذا كله وغيره

لا يمكن أن تبنى على تخمين لا أساس له أو استنتاج تفسيري لبعض الأعداد والأقوال التي ذكرها الرسول مثل (رومية 15: 24 و 28). إنها حقيقة اقرب إي المنطق والواقع

 مضمون الرسائل الرعوية ورسالتها:

      هذه الرسائل الثلاث كتبها الرسول بعد أن بدأت المسيحية تمتد في كل العالم وبعد أن بدا كثير من المعلمين الكذبة ينتشرون في الكنائس ويشوهون الإنجيل الذي بشر به مع جيش المؤمنين، الذين شاركوا في الكرازة. ويلوح إن هؤلاء المعلمين الكذبة هم جماعة من الغنوسيين اليهود الذين دخلوا إي المسيحية ، ولكنهم في تعليمهم جمعوا عناصر عقائدهم وتعاليمهم من الأساطير والفلسفة واليهودية المسيحية. ولقد كانوا منحرفين ليس في تعليمهم فقط بل في سلوكهم وحياتهم أيضاً.

     ولأجل ذلك كان على الرسول أن ينبه في هذه الرسائل وينبر بشدة على صفات الخادم في الكنيسة ، دون أن يشير بوضوح إي عملهم ، لان المشكلة التي أمامه كانت تتمثل في حياتهم ، ثم نبر أكثر على عمومية الخلاص الذي عمله الله في المسيح يسوع . ولهذا فنرى هذه الرسائل تحتوي على هذه المواضيع الثلاثة: الخدمة الكنسية – الحياة الصالحة – الإيمان المسيحي.

1- الخدمة الكنسية:

     كانت الكنيسة في ذلك الوقت الذي تتجه فيه إي التثبت والاتساع

الجغرافي والعددي تحتاج إي قيادة قوية وصالحة، وكلما مرت السنون على الكنيسة كانت حاجتها إليهم واضحة أكثر حتى من خدام الموهبة Charismaties ولهذا يكشف الرسول هنا عن ثلاثة أنواع من الخدم الكنسية: الأسقف أو الشيخ ثم الشماس وأخيرا الأرملة. وكما سبق القول فان الرسائل تظهر قليلاً من مظاهر خدمتهم ولكنها ركزت على صفاتهم والأخلاق التي يجب أن يتحلوا بها. ولعل الرسول كان يخاطب تيموثاوس وتيطس على إنهما الخادمان البارزان في المنطقة التي يعمل كل واحد منهما فيها، ولذلك يجب أن تكون حياتهما هي البارزة والواضحة المعالم والسلوك المسيحي الحقيق (2 تيموثاوس 1: 8 و13 و14 ، 2: 1و 2 و22 -25 ، 4: 2 ، تيطس 2: 1) الخ . فحياة الخدام ومظهرها يتجلى في نصائح الرسول لهما كما يظهر أيضاً في النصائح المباشرة التي يقدمها لهؤلاء الخدام. والخادم المسيحي المقام في كنيسة الله يتميز بالأمور التالية.

     أولا: انه خادم صاحب سلطان كبير، فقد اؤتمن على إنجيل المسيح فهو الذي يستطيع أن يكرز ، واؤتمن أيضاً على التعاليم المسيحية أي الإيمان ولهذا فانه يستطيع أن يوبخ ويعظ بكل أناة وتعليم ويستطيع أن ينتهر أيضاً (2 تيموثاوس 4: 2) ، ولكن في هذا يجب أن يكون لطيفا حتى يمكن أن يرجع الضالين إلى المسيح (2 تيموثاوس 2: 25)، يجب ألا يكون محابيًا بل يحكم بالعدل (1 تيموثاوس 5: 19-22) ، فسلطانه الذي أعطي له يجب ألا يشوهه ويستخدمه في أغراض شخصية ولكنه لكي يحمي الإيمان ، والتعاليم الصحيحة (1 تيموثاوس 4: 6-12، 6: 14، 2) تيموثاوس 1: 13، 2 : 14-16 ، تيطس 2: 1) ، ويجاهد جهاد الإيمان الحسن ثم يودع هذا الإيمان لأناس أكفاء مزكين قادرين أن يقوموا  بالخدمة  المقدسة (2 تيموثاوس2 :1).

ثانيا: انه أقيم لكي يعظ بالكلمة في وقت مناسب وغير مناسب ولأجل ذلك يجب أن يكون عارفا بالكتب المقدسة وان يستمر فيما تعلمه بل يتقدم أكثر (ا تيموثاوس 4: 12- 16) . ويجب أن يتحذر من المعلمين الكذبة المدعين (ا تيموثاوس 4: 1-3)، إنهم يضللون الناس ولكن عليه هو أن يكون عاملا مزكى مفصلاً كلمة الحق باستقامة (2 تيموثاوس 2: 15) .

    ثالثًا: يجب أن يعرف الخادم أنه مرتسم وأن يد المشيخة قد وضعت عليه ، وقد أصبحت هذه الخدمة موهبة أعطاها له الله واؤتمن عليها (1 تيموثاوس 4: 14)، ولأجل ذلك يجب ألا يهمل هذه الموهبة بل يجب أن يضرمها ، ولعل هذه الكلمة يضرم تعني إن هذه الموهبة هي عطية الروح فهي موهبة روحية إي جانب مركز إداري . فهذه الموهبة الإدارية يجب أن تبقى مشتعلة وخدمته تستمر قوية، حتى يقوم بالرسالة التي وضعت عليه (2 تيموثاوس 1: 6 و7).

رابعا” : أن يتحفظ لحياته في المحبة والإيمان ” تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني في الإيمان والمحبة التي في المسيح يسوع ” (2 اتيموثاوس1: 13) . يجب أن يكون له الضمير الصالح “ولك إيمان وضمير صالح الذي إذ رفضه قوم انكسرت بهم السفينة من جهة الإيمان أيضاً (1 اتيموثاوس1: 19)، يتعلم إلا يخضع لأي من الشهوات ، وأما الشهوات الشبابية فاهرب منها واتبع البر والإيمان والمحبة مع الذين يدعون الرب من كل قلب نقي” … وعبد الرب لا يحب أن يخاصم بل يكون مترفقا بالجميع صالحاً للتعليم صبوراً على المشقات مؤدب بالوداعة المقاومين عسى أن يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق. (2 تيموثاوس  2: 22-25) .إن الحياة الطاهرة نجعل صاحبها محترما من الجميع “لا يستهن احد بحداثتك بل كن قدوة للمؤمنين في الكلام في التصرف في المحبة في الروح في الإيمان في الطهارة” (1تيموثاوس4: 12) .

     خامساً: يجب أن يتحمل المشقات والآلام من اجل الإنجيل أي مع إرساليته ” 8فَلاَ تَخْجَلْ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا، وَلاَ بِي أَنَا أَسِيرَهُ، بَلِ اشْتَرِكْ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ بِحَسَبِ قُوَّةِ اللهِ،”( 2 تيموثاوس 1: 8) ثم “3فَاشْتَرِكْ أَنْتَ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَأَيْضاً أن كَانَ أَحَدٌ يُجَاهِدُ لاَ يُكَلَّلُ إِنْ لَمْ يُجَاهِدْ قَانُونِيّاً.(2 تيموثاوس2: 3و5).

     هذه هي أسس الخدمة الكنسية في العصر الأول المسيحي وفي كل عصر مسيحي:

    هذه الخدمة رأيناها في تيطس و تيموثاوس والتي يقودهم الرسل فيها وبنصحهم أن يستمروا سالكين فيها هي الخدمة المثالية للخادم المثالي ، ولكن إي جانب خدمتهم هم ينصحهم بان يقيموا مساعدين أو خداما آخرين : أساقفة وشمامسة وأرامل (تيطس 1: 5) وإذا رأينا الصفات التي يجب أن يكونها كل منهم نجدها تختلف بعض الشيء عما يطلبه الرسول من تيطس و تيموثاوس . فالأسقف يجب إلا يكون أبا أو زوجا غير مسيحي في حياته بل يكون بلا لوم كوكيل الله، يدبر بيته حسناً ويعيش حياة التقوى (1 تيموثاوس 3: 1-13 ، تيطس 1: 6-10) . ونظرا للظروف التي تمر بها الكنيسة وخصوصا من الداخل حيث يوجد المعلمون الكذبة الضالون يجب أن يكون التعامل في الكنيسة سواء أكان شيخاً (أسقفا) أو شماساً أو أرملة في استعداد للخدمة، في قوة الشخصية.في حياة التقوى.

2- الحياة الكنسية:

هذا أيضاً يعطي الرسول نصائحه وفي عقله أولئك المعلمون الكذبة الذين يسببون إتعابا كثيرة للكنيسة ، ولذلك ينصح الكنيسة بحياة مقدسة تليق بالخدمة الكنسية .

      فهو ينبر بشدة على الصلاة  “فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال (1تي 2: 8) . هذه الصلاة يجب أن تكون من اجل الجميع وخصوصا من اجل الذين هم في منصب ” 1فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ أَنْ تُقَامَ طِلْبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ، 2لأَجْلِ الْمُلُوكِ وَجَمِيعِ الَّذِينَ هُمْ فِي مَنْصِبٍ، لِكَيْ نَقْضِيَ حَيَاةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً فِي كُلِّ تَقْوَى وَوَقَارٍ. (1 تيموثاوس 2: 1و2). وليس فقط لنقضي حياة هادئة ، ولكن لان هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله ” (ع3). ولكن، كما كانت عادة ذلك العصر فان الرسول يطلب إن النساء لا يشتركن في قيادة العبادة في الكنيسة، ولهذا فالأفضل لهن أن ينتبهن إي تزين أنفسهن بلباس الحشمة والوقار (2 تيموثاوس 2: 9-12). ومع إن الرسول يذكر هذه الإشارات لكنه لا يتكلم كثيراً عن حياة العبادة في الكنيسة.

     ثم يلفت الرسول النظر إي مشكلة أخرى في الكنيسة كان لها تأثيرها من بدء نشأة الكنيسة وهي مشكلة الأرامل (انظر أعمال 6: 1). هؤلاء كن في الكنيسة ولازالت حاجتهن واضحة وهو يحتاجون إي المعونة. ولكن الرسول يضع مبدأ هاماً : وهو إن الأرملة التي ليس لها من يعولها فلتعمل الكنيسة على معونتها في ظروفها الصعبة ، إنها حقاً أرملة ، أما تلك التي لها أولاد وحفدة وقادرون على أن يعولها فلا يجوز أن تنفق عليها الكنيسة من أموال المحتاجين، لان الذين هم لها يجب أن يوفوا حقوق والديهم  عليهم (1 تيموثاوس5: 3-5) ويشترط الرسول في أن من تنال معونة الكنيسة يجب أن تكون مؤمنة تقية لا تقل عن الستين سنة مشهودا لها في أعمال صالحة وأمومة مسئولة ربت بنيها في خوف الله، أما غير ذلك فلا (6: 16)

     أما العبيد فيجب أن يكونوا مسيحيي في حياتهم حتى يمكن أن يتمجد الله بسببهم ويقتنع سادتهم المسيحيين الذين يعاملونهم كإخوة فلا يلتزمون بعملهم بل يجب أن يخدموهم أكثر لان الذين يتشاركون في الفائدة هم مؤمنون ومحبوبون (1 تيموثاوس 6: 1و2) والكلمة يتشاركون كلمة هامة تضع الأساس لزوال نظام الرق ، لان العبد الذي لم يكن له أي حق ، حتى حق الحياة لأنها ملك لسيده ، أصبح الآن يعمل لدى سيده لأنه شريكه في الفائدة وما ابعد الشقة بين هذا القول وذلك النظام.

     ثم يضع الرسول مجموعة من النصائح والتحذيرات القوية لمن يحاولون أن يستغلوا موهبتهم كمعلمين لكي يضروا بالأعضاء ويضللوهم ، إن هذه الفئة تسبب الخصام والانقسام في الكنيسة وجوعهم إي المال والسلطة يجعلهم يقعون فريسة الأوجاع الكثيرة (1 تيموثاوس 6: 3-10). ليس هكذا إنسان الله بل يجب أن يكون منتبهاً للإخطار التي تحيط به فيهرب من هذه كلها ويجاهد الجهاد الحسن ويتمسك بالحياة الأبدية التي دعي إليها، فلا يبيعها من اجل أشياء هذا العالم. يجب عليه “أن يحفظ الوديعة بلا دنس ولا لوم إي ظهور ربنا يسوع المسيح (ع14).

     هذه الوصايا تنطبق على كنيسة الله في كل زمانا ومكان.

3- إيمان الكنيسة:

     هذه الرسائل تعطي صورة واضحة للعقيدة المسيحية وكان يجب على الرسول أن يفعل ذلك نسبة لانتشار المعلمين الكذبة في ذلك الوقت. ومن عناصر هذه العقيدة:

( أ ) الله:

     وحدت (1 تيموثاوس 1: 17، 2: 5) وهو وحده الذي له عدم الموت (1 تيموثاوس 6: 15 و16) ولابد أن الرسول كان يحارب الغنوسية التي تمسكت بآلهة كثيرة . انه الملك، ملك الملوك ورب الأرباب ساكن في نور لا يدنى منه، قوي. انه الصادق الحق الذي لا يكذب (تيطس 1: 2) . خالق كل شيء صالح (1 تيموثاوس 4: 4) يعطي الحياة لكل المخلوقات (1 تيموثاوس 6: 13) . وهناك عبارة خاصة بهذه الرسائل “الله مخلصنا” (1 تيموثاوس 1: 1) وتأتي 6 مرات في الرسالتين، أما في (2 تيموثاوس 1: 8و 9 )          فيقول “لأجل الإنجيل بحسب قوة الله الذي خلصنا ، ودعانا دعوة مقدسة” هذه الكلمة “مخلص” كلمة لا تأتي كثيراً في العهد الجديد ، ولعل أكثر المرات ظهوراً هو في هذه الرسائل . ولعل الرسول يضعها في مقابل ذلك التيار الذي بدأ يشتد في عهد نيرون وهو عبادة الإمبراطور واعتباره المخلص الذي يخلص الناس . . بدلا من ذلك “الله هو مخلصنا” .

(ب) يسوع المسيح:

     دائما يشار إليه بالاسم “المسيح يسوع” ولم يشر إليه باسم واحد: أي يسوع أو المسيح. ونادراً ما سمي يسوع المسيح. وهذا يشير إي أن الرسول يتكلم عنه في مجده. وهنا ينبر الرسول على بشرية السيد ضد الغنوسيين : فهو الإنسان (1 تيموثاوس 2: 5 انظر 3: 16 ، 2) تيموثاوس 2: 8) ولكنه سابق الوجود (2 تيموثاوس 1: 9) ، وتجسده سمي “ظهوره” (2 تيموثاوس1: 10 انظر 1 تيموثاوس3: 16) ، وهو مات (1 تيموثاوس 2: 6 ، تيطس 2: 14)، وهو الوسيط الوحيد وهذا ضد ما يقوله الغنوسيون الذين ينادون بكثرة الوسطاء (1 تيموثاوس2: 5).

(جـ) الروح القدس

     ذكر في الرسائل مرتين (1 تيموثاوس 4:1 ، تيطس 2: 5) وهو الذي يعمل في حياة الإنسان ويجددها.

( د ) الإنجيل:

      ذكر أربع مرات (1 تيموثاوس1: 11، 2 تيموثاوس 1: 8 و10، 2: 8) وكما هي عادة الرسول فانه يذكر إن الإنجيل كان سراً ولكنه أعلن في المسيح يسوع (1 تيموثاوس2: 6 انظر 3: 16 ، 2 تيموثاوس1: 9 و10 تيطس 1: 2 و3) ففي الإنجيل أعلن قصد الله الأبدي.

هذا الإنجيل هو لكل الناس (1 تيموثاوس4: 10).

(هـ) الخلاص:

     وعندما يتكلم عن الخلاص فانه يذكر انه ليس من الأعمال بل هي نعمة الله في المسيح منذ الأزل (2 تيموثاوس1: 9) أو كما يقول ، ولأننا كلنا نحن أيضاً قبلاً أغبياء غير طائعين . .لكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه  لا بأعمال   في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (2تيطس 3 :3-7) . ولعل الرسول هنا يشير إي عملية الروح القدس في المعمودية عندما يعطينا ثمار ما عمله المسيح من اجلنا ويقبلنا في جسده أي كنيسته. أما عملية الخلاص فهي بالصليب حيث نموت مع المسيح لنقوم ونحيا معه (2 تيموثاوس 2: 11) ويشير إي المسيح المقام (2: 8).

(و) الحياة:

     إن وعد الحياة لنا هو في المسيح يسوع (2 تيموثاوس1: 1) وكذلك في (تيطس 1: 2) بقول ” على رجاء الحياة الأبدية التي وعد بها الله المنزه عن الكذب  قبل الأزمنة الأزلية ”  انه ميراث لان قد أصبحنا مبررين بنعمة الله (تيطس 3: 7) . هنا نجد أن الحياة الأبدية هي الحياة التي سوف نتمتع بها عند ظهور ربنا. أي انه عندما يتكلم القديس يوحنا عن مظهر الحياة الأبدية في العصر الحاضر فان الرسول هنا يتكلم عن مظهرها الآتي المجيد عند مجيء مخلصنا.

     هناك عناصر لاهوتية أخرى في الإيمان المسيحي ولكنه يلمسها و يمر عليها . ولكن العناصر السابقة هي ما نبر عليها في مواجهة المعلمين الكذبة الذين جاءوا من اليهود واليونانيين وانحرفوا عن الحق.

[1] يعتقد جون نكس في كتابه “فليمون من بين رسائل بولس” أن فليمون ليس هو سيد انسيموس بل هو أرخبس . وهو شخص لا يعرفه الرسول بولس والدليل على ذلك هو ما يقوله الرسول لارخبس “قولوا لارخبس انظر إي الخدمة التي قبلتها في الرب لكي تتمها” (كولوسي4: 17) ومعنى الخدمة هي إرجاع انسيموس إي الرسول لكي يخدمه في الرب” والرسالة كتبت ليس لفليمون وحده بل إي الكنيسة التي في بيته لتكون شاهدة على هبة أرخبس للرسول بولس” هذه أفكار لا تقوم على دليل ق

 

نبذة عن الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.