تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » كتابات يوحنا

كتابات يوحنا

الكاتب

الدكتور القس فهيم عزيز 

العميد الأسبق لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة 

 

      نأتي الأن إلى مدرسة أخرى ف يالتعبير عن اأختبار المسيحي وهي مدرسة يوحنا. وتحت إسم يوحنا يقابنا في العهد الجديد خمسة كتب : إنجيل يوحنا ثلاث رسائل . سفر الؤيا . ولعل أهم سؤال يواجهنا في هذه المجموعة، هل الكاتب شخص واحد؟ سندرس هذه المجموعة من الكتب التي دخلت إلى الأعماق- وخاصة الإنجيل، في تفسير معنى المسيح في الأختيار المسيحي.

      ونظراً لتقارب بالإنحيل والرسائل فسوف ندرسها جيمعأً معاً ثم ندرس بعدها سفر الرؤيا . .

الفصل الأول

الإنجيل والرسائل

مقدمة الإنجيل

كاتب الإنجيل:

ولكن من هو الذي كتب إنجيل يوحنا هذا السؤال صعب والجواب عليه يتطلب دراسة واسعه غالباً ما تنتهي بعبارة “لا يعلم إلا الله وحده من الذي كتب هذا الإنجيل. فالرأي قد انقسم على وجه العموم إلى قسمين”

القسم الأول: يقول إن يوحنا الرسول كان تلميذاً للمسيح مع أخيه يعقوب إبن زبدي هو الذي كتب هذا الإنجيل.

القسم الثاني: هو أن يوحنا لم يكتب هذا الكتاب لابد أن يكون شخص أخر غيره وهو الذي كتبه. ولكل من هذين الفريقين من العلماء حججه وبراهينه مما لا يتسع المقام من سرد كل شيء ما لهم وما عليهم، ولكننا سنوجز رأي كل فريق منهم.

يوحنا الرسول :

يقول بعض العلما إن الذي كتب هذا الكتاب هو يوحنا الرسول. وقد استمر هذا الرأي مده طويلة من القرون الأولى للكنيسة إلى نهاية القرن التاسع عشر حيث كثرت الشكوك حوله. ولقد ارتكز هذا الرأي على دعامتين : الشهادة الخارجية والشهادة الداخلية.

الشهادة الخارجية:

      فاول مصدر لها هو ايرناوس 180 م الذي يقول انه اخذ من بوليكاربوس بعض المعلومات عن كاتب هذا الإنجيل . وبوليكاربوس هذا الذي عاش في القرن الاول واوائل القرن الثاني الميلادي الثاني الميلادي قد عاصر يوحنا الرسول وكان تلميذاً له. ومن ذلك الوقت وكل الآباء تذكر ان يوحنا التلميذ هو الذي هذا الإنجيل . أما قبل ذلك فلم يعترف بنسبة الإنجيل إلى يوحنا الرسول سوى فالنتيوس الغنوسي الهرطوقي لانه كان يظن ان الإنجيل يصادق على تعاليمهم الهرطوقية . ورداً عن ذلك فقد انكرت جماعة مسيحية هذا الإنجيل واعتبرته مع الرؤيا كتباً غنوسية هرطوقية ولكن هذا الانكار لم تقبله الكنيسة بل بالعكس فقد قبل كل الاباء بعد ذلك صحة قول ايريناوس . ووجدنا ذلك في القائمة المسماة الموراتوري وكذلك اكليمندس السكندري واوريجانوس وغيرهم.

     وانظر Gulthre (مقدمات العهد الجديد جزء 3 انجيل يوحنا) . وعلى هذا الاساس تكون نسبة الإنجيل إلى يوحنا كانت منتشرة في الكنيسة قبل ايريناوس حتى وان لم يشر بوليكاربوس إليه او لم يقتبس منه.

الشهادة الداخلية:

     وقد لخص وستكوت تلخسصا وافياً قي هذه العناصر :

     اولاً: ان الكاتب كان يهودياً وذلك يتضحمن معرفته الوثيقة بالاعياد اليهودية والمواسم السنوية لهم كما يتضح من حوادث كثيرة نذكر منها القليل: انه يعرف عوائد الافراح والزواج عند وصفه لعرس قانا الجليل (2: 1-10) يعرف ان اليوم الاخير في اسبوع عيد المظال اسمه اليوم العظيم الذي فيه يذهبون ليستقوا بالماء (7: 37) . ويعرف ان هناك عيدا هاما قد نشا في فترة

ما بين العهدين اسمه عيد التجديد (10: 12) . وإن اليهود يذهبون إلى أورشليم قبل عيد الفصح بعدة أيام حتى يتطهروا قبل العيد (11: 25) ويعرف عوائدهم في الجنازات كما يذكر ذلك في موت لعازر (11: 19 ، 31- 33) وغير ذلك من العوائد والمواسم اليهودية.

      ثانياً : من فلسطين : وذلك لأنه يعرف جغرافية الارض : فيعرف أن في عين نون مياه كثيرة حيث كالن يوحنا يعمد (3: 23)ن وأن يسوع كان يمر على السامرة في ذهابه من اليهودية إلى الجيليل (4: 4-6). ويعرف أن بركة بيت حسدا عند باب الضأن في أورشليم (5: 1-2). وأ، بيت عنيا قريبة من أورشليم بحوالي 10 غلوة (18: 11)، وأن بحر الجليل هو بحيرة طبرية (6: 1) وهكذا

     ثالثاً : وغالباً أنه كان من سكان أورشليم أو أنه له اورشليم صداقات كثيرة فهو معروف في بيت رئيس الكهنة
(18: 15) وكان يعرف تلاميذ يسوع الذين كانوا من سكان اليهودية وغالبيتهم من  أورشليم مثل نيقوديموس (3: 1) ويوسف الذي من الرامة الذي وهب قبره للمسيح (19: 38).

رابعأً : وكان الكاتب شاهد عيان لأنه يصف الأمور والحوادث وصفاً دقيقاً : كأن يقول أن التلميذين اللذين تبعا يسوع فعلأ ذلك في الساعة العاشرة (1: 39). وهو يعرف بالتدقيق الحادثة الحوادث التي صاحبت إشباع الجموع (6: 5-10)، وأن يسوع عندما ذهب إلى العيد ذهب في الخفاء وليس علناً (7: 10-12)، وقصة اليونانيين الذي جائوا ليروا يسوع وقصة سقوط الذين جاءوا للقبض عليه إلى الوراء 018: 6-9)، إنه بنفسه يقول ذلك (21: 24).

     خامساً: با كان تلميذاً للمسيح وهو يوحنا بن زبدي: ويظهر ذلك من وصفه بأنه التلميذ الذي كان يسوع يحبه (13: 23)، وأنه يذكر أشياء لم يذكرها الأناجيل الأخرى مثل غسل أرجل التلاميذ (13: 1-11) ثم إتصاله الوثيق ببطرس (13: 23، 20: 4، 21: 7 ، 20: 24)، وأخذ مريم أم يسوع إلى خاصته (19: 25-27) وهذه الحادثه الأخيرة تؤكد تماماً أن يوحنا هو يوحنا بن زبدي.

الأعتراض على نسبته إلى يوحنا:

      الأعتراض على نسبة هذا الإنجيل إلى التلميذ يوحنا بن زبدي بدأت – كما سبق القول ، في نهاية القرن التاسع عشر بشكل واسع وقد اعترض كثيرون على الشهادتين الخارجية والداخلية. فمن جهة الشهادة الخارجية التي ترتكز أصلاً على إيريانوس، لم يثق فيها العلماء لأن المصدر الوحيد الذي يمكن أن يكون قد أخذ عنه هو بوليكاربوس، الذي كتب رسالته إلى فيلبي ولكنه لم يشر إلى هذا الإنجيل، ولم يقتبس منه، فهل يعني هذا أنه لم يكن يعرفه؟ إن عدم الإقتباس أو الإشارة. أي شهادة الصمت لا يمكن أن تكون قاطعه.

     ويقولون إن هناك جماعة أنكرت نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الرسول واسمها ALOGO1 أي الذين ينكرون الكلمة (ضد الكلمة9 ولكن هذه الجماعة المعارضة التي اعتبرتها الكنيسة من الهراطقة قد كتب ضدهم هيبوليتس مدافعاً عن الإنجيل وعن نسبته إلى الرسول.

نعم إن الشهادة الخارجية لا نستطيع أن نتتبعها قبل إيريانوس – ولكن هذا أيضاً لا يمكن أن يكون قاطعاً ، لأن الأناجيل الأخرى لا نجد بالنسبة لها

 إلا شهادة قليلة جداً، ولكن وضع إنجيل يوحنا مع الأناجيل الثلاثة الأخرى تدل على أن الكنيسة قد أخذته من الأول بعين الأعتبار على أنه من وحي روح الله.

أما عن الشهادة الداخلية فالامر اكثر تعقيداً 

     ( أ ) فمثلا تلك الشواهد التي تبين ان الذي كتب الإنجيل كان شاهدا عيان وحاضرا مع السيد نفسه ، وانه يضع نفسه بين الشهود : فيقول: ” والكلمة صار جساً .  .وحل بيننا … ورأينا ” (1 :14) ثم يقول “والذي عاين وشهد وشهادته حق وهو يعلم انه يقول الحق لتؤمنوا انتم (19: 35 انظر 21: 24). هذه الشواهد وغيرها قد تؤخذ على ان يوحنا هو الذي كتب الإنجيل، وقد تؤخذ على العكس ، خصوصاً اذا وضعنا في الاعتبار ان يوحنا بن زبدي لم يذكر ابداً في الإنجيل ، مع ان يوحنا المعمدان قد ذكر ولم يذكر الكاتب لقبه “أي يوحنا فقط دونالمعمدان” ، وكان يجب ان يذكر اللقب او اراد الكاتب ان يميزه عن نفسه. ولقد اعترض البعض على ان يوحنا كان لابد وان يذكر نفسه بلقب الرسول مثل كل الرسل، وليس “التلميذ الي كان يسوع يحبه” . وهذا اللقب، كما يقولون ، يجب ان ينسب إلى العيازر وليس إلى يوحنا . (11: 3 و11 و 36) فهل هو اليعازر الذي كتب الإنجيل؟

     (ب) وهناك برهان اخر ضد نسبة الإنجيل إلى القديس يوحنا تلميذ المسيح وهو انه لا يستطيع ان يكتب مثل هذاالكتاب لانه بحسب اعمال 6: 13 عامي، والكتاب مملوء بالاصطلاحات الهلينية تجعل هناك تشابهاً كبيراً بينه وبين فيلو الفيلسوف الاسكندري مثل “الكلمة ، الحق ، النور، الحياة الابدية” وغير ذلك .  .ولكن هذا البرهان  ليس قاطعاً فان مخطوطات

الكمران تحمل تشابهاً للثقافة الهلينية ، ومن يقرأ أجزاء منها يشعر كان الكاتب يقتبس من الفلاسفة الهلينيين غاية ما في الأمر إن هذه الاصطلاحات صارت تراثا مشاعً معروفاً عند كل الناس في كل الأمم المعروفة، ولابد إن كثيرين قد استعملوها. نعم إن الأسلوب القوي الواضح الذي يتميز به الكتاب قد يقف عقبة ضد كتابة يوحنا له، ولكن قد يرد بان احد تلاميذه قد كتبه وهو الذي أملاه له.

      (جـ) أما أقوى برهان ضد كتابة الرسول يوحنا للإنجيل هو بطء الكنيسة في قبول الإنجيل ، فالعلماء لم يستطيعوا أن يعتمدوا على ايريناوس في شهادته فجاستن مارتر وقد كتب في منتصف القرن الثاني الميلادي لم يذكر ولم يشر إلى الإنجيل . وعندما يتكلم عن يوحنا الرسول فانه لا يشير إلى الإنجيل نفسه مع انه ينسب إليه سفر الرؤية. فيوحنا الرسول هو يوحنا المذكور في رؤيا4: 1و 9 ولكنه ليس يوحنا الإنجيلي . كذلك في سنة 165 يقتبس فيلو من ساردس (عن الآم المسيح) من الإنجيل في  عظاته ولكنه لا يشير إلى كاتبه. وحتى قائمة المورتوري لا تعطي تأكيدا قاطعا على إن الرسول يوحنا هو الذي كتبه . أما بابياس الذي يقتبس يوسابيوس منه انه “كان يسال كل من سمعوا المشايخ اندراوس وبطرس ومتى وفيلبس وتوما ويعقوب ويوحنا ..” ثم يقول “وكذلك ماذا يقول ارستيون ويوحنا الشيخ تلميذ الرب” .. ثم يقول يوسابيوس  “الواضح إن ب”.اس يذكر اثنين اسمهما يوحنا : الأول الرسول وقد مات والثاني الشيخ وهو حي . ويلوح انه هو الذي كتب الإنجيل ” .من هذا كله وغيره يظن العلماء إن يوحنا الرسول لا صلة له بالإنجيل.

     هذا هو الموقف باختصار كامل ويمكننا ان نلخصه في الامور التالية :

    ( أ ) لا يمكننا باي حال من الاحوال ان نفصل بين يوحنا الرسول وبين  

هذا الكتاب. ولو شئت ألا تذكر اسم يوحنا، فاننا نقول إن مصدر الكتاب كان حقا شاهد عيان. ففي صفحات الكتاب شهادة تلو الشهادة على ان هذا المصدر قد راى وسمع ولمس. وحيث ان الشهادة الخارجية مع ضعفها تربط هذا الكتاب باسم يوحنا الرسول، فعلى الأرجح يكون هو الشخص الذي جاءت منه المعلومات هذه.

      (ب) ولكن مع ذلك لايمكن ان نزيل بجرة قلم تلك الإعتراضات القائمة التي جعلت اكثرية العلماء في العصر الحاضر ترفض ان الكاتب الفعلي للغنجيل هو يوحنا بن زبدي. وعلى ذلك فيمكن ان نذكر عدة احتمالات قد تلقي بعض النور.

      الأمر الأول: هو ان الرسول يوحنا قد كتب هذا الكتاب بمعونة احد تلاميذه الذين كانوا معه وهذا التلميذ لم يذكر اسمه وتحت ضغط الرسول لم يضع اسم الرسول واضحا في طيات الكتاب

      أما الأمر الثاني: فهو ان واحدا من تلاميذ يوحنا قد استخدم المذكرات او المواعظ التي سمعها من استاذه وكتب هذا الكتاب

 أما الامر الأخير وهو الذي قد يكتسب انصارا كثيرين ان هناك مدرسة اسمها مدرسة يوحنا انتشرت فيها الأفكار والمواعظ وذكريات الرسول عن سيده وان هذه المدرسة هي المسؤلة ليس فقط عن انجيل يوحنا بل عن الرسائل ايضا كما سياتي ذكره فيما بعد.

      وقبل ان نترك هذا الموضوع يجدر بنا ان نذكر ما قاله سيرادون هوسكنر عن هذا الكاتب في كتابه عن انجيل يوحنا ص5 “انه قد أحرق نفسه حتى اننا لا نعرف عنه أي شيء في التاريخ المقدس . وفي نهاية دراستنا

لا نستطيع ان نعرف عنه الا صوت شاهد لمجد الله. لقد ترك كتابه بدون اسمه حتى لانجد فيه غير اسم يسوع ابن الله . انه محى نفسه بل هو الذي انقص نفسه وضحى بها لكي يعرف الحق وينتشر وان يتمتع المؤمنون بالحياة الابدية “.

      بقي هناك سؤال ” اذن من هو التلميذ الذي كان يسوع يحبه الذي نسب إليه هذا الإنجيل ؟ ذكر هذا التلميذ في اربعة مواضع:

  • في العشاء الاخير كان متكئاً على صدر يسوع (13: 32).
  • عند الصليب عندما طلب منه السيد ان ياخذ امه عنده وتصبح له اماً (19: 26و27).
  • عندما سمع من مريم المجدلية عن القبر الفارغ والقيامة فذهب يجرى مع بطرس إلى القبر وراى وآمن (20: 2-10).
  • وفي الظهور الاخير عند بحيرة طبرية (21: 7و20-21) .

     والى جانب هذا نجد ان هناك اشارة اخرى إلى تلميذ لا يذكر اسمه من ضمن تلميذي يوحنا

اللذين تبعا يسوع: اندراوس وهو يوحنا (1: 40). ومن سمي بالتلميذ الاخر الذي كان  معروفا في بيت رئيس الكهنة (18: 15و16) والذي شاهد الجندي وهو يطعن جنب يسوع بالحربة على الصليب (19: 35) ويلوح ان هذا الاخير هو نفسه الذي كان يسوع يحبه لانه هو الذي عاين وشهد وشهادته حق (19: 35 مع 21: 24). ومع ذلك فلا نعرف على وجه التحديد ما هي صلة التلميذ الذي كان يسوع يحبه بالتلميذين الاخرين في (1: 40 ، 18: 15 و 16).

     ومن هذه الشواهد يرى العلماء امرين : الاول هو ان هذا التلميذ ظهر بهذه

التسمية في وقت العشاء الاخير، فلماذا ؟ والثاني هو غالبا ما يظهر مقترناً ببطرس. فهل يمكن ان نستنج شيئاً من هذه الشواهد كلها؟ يمكن ان نستخلص هذه الامور:

  • انه هو الشخص الذي شهد بهذا وكتب هذا وهذه شهادة الإنجيل نفسه كما سبق القول.

     2-  قد يكون هو يوحنا بن زبدي ولكن هناك صعوبات جمة امام هذا الراي اهمها انه انسان من اورشليم وليس من الجليل كيوحنا بن زبدي ، والدليل على ذلك انه كان معروفاً لدى بيت رئيس الكهنة اذا كان هو نفسه “التلميذ الاخر” (18: 15)، ولابد ان كان يمتلك بيتاً اخذ إليه هذا التلميذ العذراء في اورشليم في وقت الصلب وبقيت معه (19: 26 و27).

     3- قد يكون شابا صغيراً من اورشليم ضم نفسه إلى جماعة التلاميذ وكان محبوبا ونشيطاً ، وهذا يظهر من ظهوره المتاخر في الإنجيل (13: 23) وانه كان صغيراً في السن اذ استطاع ان يسبق بطرس في الجري إلى القبر الخالي (20: 40) ، ولكن من هو؟ لا احد يعرف.

     4- نظراً لهذا الغموض فقد ظهرت نظرية تقول ان التلميذ الذي كان يسوع يحبه هو التلميذ المثالي الذي كان يمثل التلمذة الحقيقة ولكن لم يكن له وجود حقيقي بين التلاميذ. وسنرجع إلى هذه اتلنظرية في الصفحات المقبلة.

هدف الإنجيل:

     ان كان الكاتب قد اخفى نفسه وشخصه لكي يظهر مجد المسيح فما هو الهدف الذي من اجله كتب انجيله؟ . في هذا الامر يتشابه القديس يوحنا والقديس لوقا في ان كلا منهما يذكر الهدف الذي الذي لاجله يكتب انجيله. مع

فارق واحد وهو بينما يضع القديس لوقا هذا الهدف واضحاً في بدء انجيله ، يؤجل القديس يوحنا ذكر هذا الهدف إلى الصفحات الاخيرة في كتابه فبقول في 20: 30و31 “30وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. 31وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” . . في هذه الايات تتضح لنا عدة امور :

( أ ) ان الكاتب لم يقصد ان يكتب حياة كاملة ليسوع المسيح . . وذلك يظهر في انه ترك عدداً ضخما من الايات التي صنعها يسوع ولم يدونها في كتابه . ويلاحظ القارئ ايضا ان المادة التي يدونا الكاتب هي مادة منتقاة من  بين كمية كبيرة من المعلومات التي كانت تحت يده . ويرجع سبب انتقاءه لها لا لانها اكثر صحة من غيرها ، ولكن لانها تؤدي إلى الهدف الخاص الذي كان يضعه نصب عينيه ، لكي يبرهنه ويقوده الناس إليه. وان كل المعلومات التي كانت لديه صحيحة ولكنه كان يهدف إلى شيء خاص به.

(ب) انه كان يكتب كتابه ووضع نصب عينيه ايضا اعضاء الكنيسة الذين يحتاجون إلى تثبيت ايمانهم . ان الذين يكتب اليهم هم جماعة من المسيحيين الذين قبلوا الايمان واضحوا اعضاء في جسد المسيح ، ولكنهم مع ذلك كانوا في مسيس الحاجة إلى هذا التعليم الذي يهبهم النظرة الثاقبة في تفهم شخصية المسيح.  .انه المسيح . . “ابن الله” ، او بحسب قراءة اخرى “ان يسوع المسيح هو ابن الله (20: 30) . فهو كتاب تعليمي بالدرجة الاولى ويظهر ذلك بكل وضوح في نوعية المعجزات التي جاءت فيه وخطابات السيد المطولة لليهود، ففي كل معجزة او اية نجد اعلانات جديدة وتعاليم يذكرها الرب.

(جـ) ولكنه مع ذلك لا يعتب ركتابا نظرياً يذكر الحقائق المجردة وكفى، لكنه كتاب الحق الكتجسد . كتاب عماي ، والحقائق التي تذكر فيه هي

حقائق فعالة والحق المعلن حق ديناميكي . انه ليس حقا يحفظ عن ظهر قلب او يحدد بمعلومات نظرية ، ولكنه حق يعطي حياة ، بل وحياة ممتلئة بكل ما هو مبارك ، اذ يقول السيد جئت لتكون لهم حياة وليكن لهم افضل” كل من يؤمن به يعطيه سلطانا ان يصير ابن اً لله.

     هذا هو الهدف الذي يذكره الكاتب ، وكان يجب ان نقف إلى هذا الحد لولا ان العلماء في دراستهم استطاعوا ان يكتشفوا اشياء اخرى مهمة ملازمة لهذا الهدف الأولي، نذكرا منها ثلاثة شعروا انها اهداف اخرى تظهر في طيات هذا الكتاب:

     1- الهدف الاول استنتجه اكليمندس الاسكندري يعبر عنه بقوله ” ان البشير يوحنا ليكون هو الروح في مقابل الاناجيل الثلاثة الاولى التي هي الجسد. وهو يعني بذلك انه بينما تذكر الاناجيل الاخرى الحقائق والوقائع الملموسة في حياة الرب ، فان انجيل يوحنا يظهر روح السيد ، ويعلن شخصيته ، مع ان بعض العلماء ظنوا ان الجانب الروحي معناه اجانب الالهي ، او الجانب الغنوسي، أي المعرفة الالهية العميقة المتضمنة في قول السيد “ليعرفوك انت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي ارسلته” (يو17 :5).

     2- أما الهدف الثاني الذي يراه العلماء في كتابة الإنجيل فهو هدف دفاعي فقد راو ان القديس يوحنا يهاجم جماعتين:

     الجماعة الاولى هي جماعة اليهود ، هذا الامر نجده ايضا في الاناجيل الثلاثة الاولى ، ولكنه يظهر بكل وضوح في انجيل يوحنا . فقد يظهر ان اليهود هم الاعداء الحقيقيون للمسيح، لانهم ينكرون انه المسيح ابن الله الذي اتى من السماء(5: 18، 8 : 40-49)، ولانهم يدبرون المؤمرات

لكي يتخلصوا منه ويقتلوه (10: 31-39، 11: 8-50) . بل انهم يحرمون جميع الذين يعترفون به مسيحاً من المجمع (9: 22،12: 42)، واكثر من ذلك انهم كانوا يعتقدون ان من يقتل تلاميذه فانه يؤدي خدمة لله (16: 2)، وعلى هذا الاساس فان كلمة “يهود” في هذا الإنجيل تعني دائما اليهوديغير المؤمن (2: 18، 20و24 ، 5: 10و16، 18: 6و41 -52. .الخ) وقد امتلا الإنجيل بالمقابلة بل والمجابهو مع اليهودية. فالناموس بموسى اعطي أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا (1: 17)، ومجيء المسيح معناه نهاية الطقسية اليهودية (2: 1-10)، ونهاية الهيكل والعبادة فيه (2: 13-22، 4 :21 -23)، وما ابعد الفرق بين المسيح وموسى ، فموسى لم يستطيع ان يعطيهم الخبز الحقيقي ، ولكن الاب اعطاهم في ابنه الضي ارسله من السماء هذا الخبز (6: 23). واليهود انفسهم ليسوا ابناء ابراهيم حقيقة بل هم ابناء الشيطان (8: 39-44)، ولا يستطيعون ان يذهبوا إلى موسى لانه سيدينهم (5 :45) . ولكنهم مع ذلك لو اخلصوا لكتبهم وفتشوا فيها بكل حكمة لوجدوا فيها الحياة الحقيقة ، لانهم سيكتشفون انها تشهد له وبذلك يعرفون من هو ولكن هل يفعلون؟ (5: 39).

     أما الجماعة الثانية التي يواجهها الإنجيل فهي تلاميذ يوحنا المعمدان. وهذه الجماعة كان لها مركزها الكبير وغالبا ما كان لها تاثيرها في افسس ، وذلك بشهادة سفر الاعمال (أعمال 19: 1-8). ويذكر التاريخ الكنسي انهم استمروا حتى القرن الثالث الميلادي . ويلوح ان هذه الجماعة كانت تعتبر يوحنا المعمدان الشخص الاتي وانه اعظم من المسيح نفسه لسببين: الاول انه جاء قبله، والثاني انه عمده ولذلك فهو اعظم منه. ولكن القديس يوحنا يذكر وعظ يوحنا ورسالته ولكنه يترك منها الجزء الخاص بالتوبة وغفران الخطايا ، ويركز على تاكيده القوي على انه ليس المسيح ولا النبي.ولكنه

للاتي الذي هو اعظم منه ، وقد كان قبله وهو الذي يعمد بالروح القدس. انه ليس النور بل جاء ليشهد للنور  (1: 6-8). انه ليس العريس بل صديقه الذي يفرح لفرحه (2: 28-30) وان عظمة يوحنا تكمن في انه عرف المسيح الذي هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم (1: 29).

     وهكذا يظهر القديس يوحنا لهذه الجماعة ان يوحنا المعمدان ههو الشخص الذي يتادي امام الملك ويعلن عن ظهوره ومجيئه بالنور والحياة الابدية.

     أما الجماعة الثالثة الذي يشهد التقليد عنها ان القديس يوحنا حاربها هي جماعة الغنوسية . وقيل انه حارب شخصاً خاصاً اسمه سيرنتوس Cerinthus وقد ذكر الآباء هذا لانهم  كانوا يؤكدون ان الإنجيل والرسائل كتبها شخص واحد . وهم في الحقيقة اتجاه واحد ومدرسة واحدة ، كما سياتي فيما بعد ، ويذكر العلماء ان الرسالة هي هجوم شديد ضد الغنوسيين . والهرطقة التي يحاربها هي التي تنكر ان يسوع هو المسيح (1يوحنا 2: 22و23). ان المسيا لا يمكن فصله عن ابن الله واذا فصل المفهومان فهذا انكار للتجسد (يوحنا1 :1) . ان يسوع قد جاء في الجسد . والكلمة صار جسداً وحل بيننا (يوحنا 1: 14و15) . انه ابن الله صار بشراً حقيقياً، ولم يسكن مؤقتاً في الانسان يسوع المسيح كما تقول هذه الهرطقة.

     هذه هي الضلالة التي يجابهها الكتاب المقدس . وقد ظهرت هذه المجابهة بكل قوة في الرسالة الاولى والثانية، أما الإنجيل فانه يركز على الجانب البشري في حياة يسوع والامه ، ففيه يظهر المسيح احياناً متعباً وعطشاناً (4: 6و7) ، بل ويبكي على قبر اليعازر (11 :35) ، وهو في اشد حالات العطش على الصليب (19: 28)، وانه بموت كأي انسان موتا

 

حقيقياً وينزل من جنبه بعد طعنه دم وماء (19: 34). وانه كان انساناً كاملاً وجسده جسد جقيقي بكل ما تحمله من معنى.

     هذه هي اهم الجماعاتالتي يجابهها انجيل يوحنا ويرد عليها.

    3- أما الهدف الثالث فيختص ببناء الكنيسة نفسها. وهذا البناء يتطلب عدة امور تتجاوب مع الظروف والعصر الذي كتبت فيه الإنجيل.

    الامر الاول: هو ان الإنجيلي اراد ان يفسر الإنجيل في لغة هلينية . وهذا راي تمسكت به الكنيسة على مدى عصور طويلة . وقد عبلا عن هذا الراي بكل وضوح العالم تشارلز دور في كتابه “تفسي رالانجيل الرابع The Interpretation of the Fourth Gospel” فبراز التشابهو ولتوازي الفكري بين هذا الإنجيل وكتابات الهلينيين مثل هرمس والغنوسين وفيلو الاسكندري. ولكن هذا لا يعني ان الإنجيل قد اقتبس اقوال هؤلاء الكتاب اواخذ افكارهم، فاذا قارنا استعمال الإنجيل للاصطلاح “الكلمة” نجد ان الإنجيل يستخدم الاصطلاح ولكن في معنى يختلف كثيراً. ولعل ذلك يتمثل في قول يوحنا “والكلمة صار جسداً” (1 :14) فهذا لا يمكن ان يتصوره او يتخيله أي مفكر هليني اذ لا يعقل ان الروح الهليني يصير بشراً او مادة. ومع وجود هذا الاختلاف ، لكن البشير اخذ هذه القوالب لكي يصيغ منها المفهوم الجديد الذي اعلن في التاريخ البشري ، مفهوم الإنجيل ومجيء ابن الله لكي يطلب ويخلص ما قد هلك، ولكي يهب الحياة الابدية لمن يؤمن به. وبذلك يستطيع ان يخاطب العقل الهليني. هذا بالضبط ما فعله الرسول بولس وكاتب الرسالة إلى العبرانيين عندما فسر الإنجيل بالمفاهيم الروحية كالكفارة والفصح ورئيس الكهنة وغير ذلك . وعلى هذا الاساس فكل من يظن ان الإنجيل هو

عبارة عن مفاهيم هلينية ربطها الإنجيل ربطاً بحياة يسوع دون أن تكون لها الصلة العضوية الأصيلة ، فقد أخطا فهم هذا الإنجيل وهدف كاتبه.

     أما الأمر الثاني: الذي يراه كثير من العلماء في الإنجيل هو إن القديس يوحنا قد كتبه واضعاً نصب عينيه أن يصحح فكرة كانت قد تغلغلت في الكنيسة مفادها إن المسيح سيرجع سريعا مرة أخرى في مجد أبيه ويعلن ملكوت الله بقوة. وهذا ما يسمى في الدراسات الكتابية بالاسخاتولوجي . وهذا سوف نرجع إليه مرة أخرى في دراسة الفكر اللاهوتي في الإنجيل.

     هذه هي لمحة سريعة تبين لنا الهدف أو الأهداف الأساسية التي كتب من اجلها هذا الكتاب السامي.

تاريخ ومكان الكتابة:

     تتأرجح أراء العلماء بالنسبة لتاريخ كتابة الإنجيل ما بين قبل 70م إلى ما بعد 160 أو 175 م ولكن هذين التاريخين – المبكر جداً والمتأخر جداً – لا يقبلهما كثير من علماء العصر . ويبني جماعة التاريخ المبكر رأيهم على الترتيب الذي يجدونه في خطابات السيد والأمور الدقيقة المذكورة فيها. ويقولون انه لابد أن واحداً من الذين سمعوا خطابات المسيح دونها مبكراً. وقد فرق هؤلاء العلماء ما بين هذه التعاليم التي كتبها يوحنا الرسول وما بين كتابة الإنجيل نفسه. ولا يقتصر الجزء المبكر على خطابات المسيح دونها مبكراً. وقد فرق هؤلاء العلماء ما بين هذه التعاليم التي كتبها يوحنا الرسول وما بين كتابة الإنجيل نفسه. ولا يقتصر الجزء المبكر على خطابات السيد فقط بل يمتد أيضا إلى العقائد واللاهوت الموجود في الكتاب حيث إن هذه العقائد والتعاليم المشابهة للتفكير الهليني وجدت مبكراً عند جماعات ظهرت قبل المسيحية مثل جماعة الكمران الذين كانوا في حالة من القلق والاضطراب والبلبلة الشديدة تحت ظل الحرب القاتلة التي ضاعت فيها أورشليم والهيكل سنة 70م.

لكن هذه النظرية بأشكالها المختلفة لم تلق ترحيباً عند الغالبية العظمى من العلماء ولم يأخذوا بها لان الشهادات الخارجية التي تشير إلى الإنجيل تنفي هذا التاريخ المبكر.

     أما الذين ينادون بالتاريخ المتأخر جداً لكتابة الإنجيل أي في الربع الأخير من القرن الثاني الميلادي فهم أتباع مدرسة توينجن التي كان يقودها بور Bour الذي بنى رأيه على نظرية  الصراع الذي كان موجودا في الكنيسة الأولى ، ما بين التهوديين والرسول بولس، واستمر هذا النزاع تبعا لنظرية هيجل في التاريخ إلى أن تكون منها عنصر جديد وهو الكنيسة الكاثوليكية التي بدأت في كتابة إنجيل  يوحنا في أواخر القرن الثاني.

     ولكن هذا الرأي لم يعد مقبولا في العصر الحاضر أيضا نظراً لشهادة بعض الآباء مثل ايريناوس وبوليكاربوس وغيرها واقتباساتهم من الإنجيل في عصر مبكر من هذا التاريخ المذكور. أما الضربة القاضية لهذا الرأي فقد جاءت من بردية 52 p.52 من مجموعة Rylands Papyrus التي وجد منها 5 أعداد من إنجيل يوحنا (يو18: 31 -33 ، 37 و38). وقد وجدت في مصر في الفيوم وقد قدر تاريخ كتابتها في سنة 130م. وهذا يعني أن الإنجيل قد كتب قبل ذلك التاريخ.

     وعلى هذا فقد قدر العلماء إن الإنجيل قد كتب في أواخر القرن الأول أو أوائل القرن الثاني إلى ما بين 90 -115م

     أما مكان كتابة الإنجيل فقد ارتبط دائماً بأفسس وذلك لان التقليد يقول إن يوحنا الرسول عاش في أفسس، وان هناك كانت جماعة يوحنا المعمدان بتأثيرها القوي. وهناك أيضا بدأت الأفكار التي تبلورت بعد ذلك العصر إلى

الغنوسية، هذا إلى جانب أقوال الآباء الذين  ذكروا إن الرسول كتب الكتاب في أفسس.

     ولكن هناك من لم يقتنع بهذا الرأي، وبدا يفترضون أمكنة أخرى، كان أولهم الآب أفرايم السرياني الذي كتب تفسيراً على الدياطسرون وذكر في احد الملاحق إن إنجيل  بوحنا كتب في إنطاكية سوريا . وقد تمسك بعض علماء العصر الحاضر بهذه النظرية لأنهم وجدوا بعض التشابه بين رسالة أغناطيوس والإنجيل ، وأغناطيوس هذا إنطاكي. ولكن هذه النظرية لا تقوم على أساس قوي.

     وقد اقترح علماء آخرون انه كتب في الإسكندرية نظراً لوجود أوراق البردي في مصر ولان فيلو الفيلسوف السكندري الذي تكلم بإفاضة عن “اللوغوس” أي الكلمة. ولكن هذا الرأي لا يستطيع أن يقنع الكثيرين. . لان مصر أعطت للعالم أنواعا كثيرا من أوراق البردي ، ولان عقيدة اللوغوس ارتبط بفلاسفة آخرين يونانيين غير فيلو السكندري.

      وأخيرا ظن آخرون إن الإنجيل كتب جنوب اليهودية في فلسطين نظرا لما في الإنجيل من عناصر يهودية بارزة وخصوصاً لمجابهة الإنجيل معهم. ولكن هذا الرأي لا يمكن أن يقوم نظرا لان المسيحية واليهودية بعد 70م وضياع أورشليم أضحت جماعة منعزلة عن بقية المسيحية ولم يعد لها التأثير الذي كان في الكنيسة الأولى.

     هذه بعض الآراء المختلفة والتي لا يمكن أن يعطي الشخص رأيه فيها بكل يقين وتأكيد إلا إننا نرجح إن الإنجيل كتب حوالي 100م في أفسس لان هذا الرأي يتفق وكثير من الأمور الحيوية الخاصة بالإنجيل.

خلفية إنجيل يوحنا:

     عندما نذكر كلمة “خلفية” إنجيل يوحنا لا نقصد بها الظروف والدوافع التي جعلت الإنجيلي يكتب هذا الإنجيل، ولكننا نقصد المصادر الذي استخدمها في التعبير عما يريد أن يكتبه. من أين أتي بكثير من المادة التي يضعها في كتابه والصور التي يوضح بها هذه المادة، والاصطلاحات والقالب التي يصبها فيها. لان هذه الكتابة تعطي المفسر نورا أوضح يستطيع أن يفهم الهدف الذي يقصده الكاتب وما يريد أن يقوله. وفي دراستنا لكتب العهد الجديد كان علينا أن ندرس هذه الخلفية ، خلفية الرسول بولس وكاتب العبرانيين ولوقا الإنجيلي ومتى ومرقس وكل الكتاب والكتابات، وبدون شك تظهر لنا الخلفيات مركبة ومعقدة، ولكن إنجيل يوحنا يفوقها جميعاً في هذا الأمر، مما يدفعنا إلى تحليل الكتاب لنرى إلى أي مصدر يصدر عنه هذا الاتجاه أو ذاك . . ولقد فرق العلماء ما بين 3 مصادر هامة اعتمد عليها الكاتب عندما كتب كتابه : المصادر المسيحية ، المصادر اليهودية ، المصادر الهلينية.

1- المصادر المسيحية:

     هذه المصادر المسيحية التي يظن العلماء إن إنجيل يوحنا يرتبط بها هي ثلاثة: الأناجيل الثلاثة الأولى ” متى ومرقس ولوقا” وهذه قد درسنا صلة الأناجيل بها  في دراستنا لقضية الأناجيل الثلاثة ثم صلة الإنجيل بكتابات يوحنا الأخرى “الرسائل الثلاث والرؤيا” وهذه سندرسها فيما بعد، أما المصدر الثالث فهو الرسول بولس والكنيسة الأولى.

1- صلة الإنجيل بالكنيسة الأولى والرسول بولس:

     اختار يوحنا الإنجيلي أن يكتب إنجيلا، وبذلك وضع نفسه في الخط المسيحي الأول للكنيسة الأولى. فهو يكتب ليقدم البشارة والحياة الأبدية

لمن يؤمن بان يسوع هو المسيح (20: 31) . وعلى هذا فهو يبني على عقيدة واختيار الكنيسة الأولى في أبوة الله. وانه هو الخالق لكل شيء، والمدبر للخلاص يوحنا 6: 44، 15: 16). ويؤمن بان يسوع هو المسيح وانه قد جاء في الجسد فراه الناس فلمسوه وعرفوه . (1: 14). وفي الإنجيل نجد إشارة إلى المعمودية (4: 1)، والى العشاء الرباني (6: 52 -58) مما يضعه في وصف الكنيسة الأولى وعقائدها والى جانب ذلك فهو ينبر على الإيمان في المسيح يسوع ، وعلى المحبة في الحياة المسيحية علامة على طاعة المؤمن لسيده: هذه الأمور كلها يتفق فيها إنجيل يوحنا مع الكنيسة الأولى ، وكذلك مع بولس الرسول. لكن صلة يوحنا الإنجيلي بالرسول بولس تذهب إلى أعمق من ذلك، ففي كتابات كل منهما نجد تفسيرات متطورة للمسيحية : فليس المسيح هو المسيا المنتظر فقط ولكن كلاهما يتكلم عنه كالسابق الوجود Pre-existent (يوحنا 1: 1 -18 ، كولوسي  1: 15-17) نعم يستخدم الرسوب بولس في التعبير عن ذلك الاصطلاح اليهودي “الحكمة” بينما يستخدم يوحنا الاصطلاح اليوناني “الكلمة” ، ولكن ما يقصده كل منهما للأخر . فالحكمة لها نفس صفات وأعمال الكلمة ، ولعل الاثنين كانا يحاربان نوعاً من الهرطقة التي بدأت تظهر عن يسوع المسيح وشخصيته.

     والى جانب ذلك فيعتقد الاثنان إن موت يسوع وقيامته يكونان مركز الفداء الذي أعده الله للناس بواسطته ، ولكن مفهوم الاثنين للخلاص والإطار الذي يوضع فيه يختلف احدهما عن الأخر فبينما الرسول يعبر عن ذلك بالتبرير بالايمان ولادخل لاعمال الناموس فيه  (رومية 65) فان الرسول يوحنا يفكر في اطار الانتصار على قوات الشر والخطية (يوحنا 12: 31 و32 ، 14: 30، 16: 33). أما صلة الإيمان بالاعمال ومةقف الختان ن هذا كله

فان انجيل يوحنا لا يظهر أي نوع من التعارض ، او ان هناك أي اشارة إلى الصراع بين من يريدون ان يرجعوا بالمسيحية إلى احضان اليهودية وبين من يريدون ان يحرروا الحياة المسيحية من اعمال الناموس كواسطة للبر والتبرير ، كما ظهر ذلك في عصر الرسول بولس . فانجيل يوحنا يذكر الختان (7: 22و 23)، ولكن لا اثر للفكرة ان الختان يمثل الناموس كواسطة للخلاص . . والى جانب ذلك فان يوحنا يذكر ان العمل الحقيقي الذي يعمله الانسان هو ان يؤمن بالذي ارسله الله (6: 29) . فهل يختلف الاثنان إلى درجة التناقض ؟ كلا فان مفهوم الايمان هنا في انجيل يوحنا هو الاعتراف بان يسوع هو المسيح  ابن الله (20: 31و 32). بينما الايمان عند الرسول هو الثقة  الكاملة في عطية الله والتسليم المطلق لعمله الصالح في المسيح (رومية 2). فكل منهما ينظر من زاوية مختلفة نظراً للظروف المختلفة التي عاش فيها كل منهما.

     ويتلكل كل منهما عن اليهود . ولكن الإنجيلي يوحنا يتكلم عنهم كجماعة قد رفضوا الرسالة ووضعوا انفسهم في مكان الاعداء ، وانتهى الامل في قبولهم للمسيح ، أما الرسول بولس فانه يتكلم عنهم بكل عاطفة ومحبة متالمة لدرجة انه يود لو انه هو نفسه محروماً من اجل ان يقبلوا هذه الرسالة (رومية 9: 1-3) . وكان يرى الامل الكبير في رجوعهم عندما يغاروا من الامم الذين يقبلون عطية الله في المسيح يسوع (رومية 11: 25). يرى فيهم يوحنا  الإنجيلي ابناء الشيطان (يوحنا 8: 44).

     ويشترك الاثنان في شرح علاقة المؤمن بالمسيح . فالرسول بولس يضع ذلك في اهم اصطلاح عنده “في المسيح” (رومية 8: 1، 2 كورنثوس

5: 17 الخ) . وهذا ما يظهره القديس يوحنا في يوحنا 14: 20، 15: 5 … الخ.

     من هذا يظهر ان القديس يوحنا لا يعتمد على الرسول بولس في لاهوته، ان الاثنان يتشابهان في العقائد المسيحية الاساسية التي ورثهاعن الكنيسة الاولى ، الله الآب والمسيح المسيا والروح القدس وعمله في المؤمنين بعد صعود المسيح. وفي الفريضتين المسيحيتين المعمودية وعشاء الرب ، ولكنهما بعد ذلك مستقلان كل الاستقلال في تفسير هذا اللاهوت وتطويره ومن الارجح ان القديس يوحنا كان يعرف شيئاً من تفكير الرسول بولس ولكنه مع ذلك كان مستقلاً عنه في تفسيره للخبرة المسيحية.

2- الخلفية اليهودية:

      عندما نتكلم عن الخلفية اليهودية لانجيل يوحنا فاننا نقصد بذلك العهد القديم ثم اليهودية بالمعنى الخاص، ولكل من هذين المصدرين تاثير كبير على انجيل يوحنا:

العهد القديم:

     كانت علاقة القديس يوحنا بالعهد القديم علاقة قوية ، فهي علاقة معلافة عميقة. وفهم خاص واعتماد كبير. ويبدو انه كان يستخدم الترجمة السبعينية للعهد القديم ، ولكنه كان يستطيع ايضا ان يستخدم الكتاب العبراني. ويتلخص استعمال القديس يوحنا للعهد القديم في الامور التالية:

      ( أ ) الاقتباس المباشر، فمثلاً يوحنا 10: 16 ماخوذة من حزقيال 34: 23، 37 : 24، يوحنا 10: 34 ماخوذة من مزمور 81 و 82: 6، يوحنا 12: 38 من اشعياء 53: 10، يوحنا 16:

22 من اشعياء 66: 14، يوحنا 19: 24 من مزمور 21، 22: 19. وهناك اقتباسات كثيرة ومتعددة من العهد القديم ، يمكن ان يرجع الدارس إلى كتاب نقدس بشواهد لمعرفتها،. ولكن نلاحظ ان معظم الاقتباسات تاتي في قصة الالام ، وقد اقتبسها بطريقة تختلف عما فعله كتاب الاناجيل الاخرى الذين اخذوها كشواهد عن صدق الرسالة التي جاء بها المسيح في حياته وموته وقيامته وشخصيته، فلا يبداها بالقول “لكي يتم ما قيل بالنبي” او “لكي يتم المكتوب” . ولكنه يدخل الاقتباس في شرح رسالة السيد كجزء من عمله ورسالته . انها تفسير وليست برهان لشخص المسيح.

     ولكن استخدام القديس يوحنا للعهد القديم لا يتوقف إلى هذا الحد والا فلو توقفنا عند حد الاقتباس المباشر لراينا ان يوحنا لا يهتم بالعهد القديم كثيراً مثل الاناجيل الثلاثة الاخرى . ولكنه يتعدى هذا الاقتباس إلى استخدام المواضيع الكاملة في العهد القديم . مثل الخلفية والظهورات في سيناء (يو1: 1-18) وقصص الاباء (4: 12) ، وابن الانسان والقيامة من الاموات كما هي في دانيال 7و 12 (يو5: 19-29) المن من السماء والناموس (6: 25 -51) وهكذا. بل هو يذهب إلى ما هو ابعد فيضع موضوعاً كاملاً في اية واحدة في العهد القديم فمثلاً: عندما يتكلم اشعياء عن رياء بني اسرائيل في اشعياء 29: 13 يقتبس القديس مرقس هذا العدد لكي يصف رياء الفريسيين (مر7: 6و7) . أما القديس يوحنا فانه لا يقتبس العدد من اشعياء ولكن بظهر معناه بطريقة حية قوية في قصة نيقوديموس (يو3: 1- 21) في مناقشة شهادة العهد القديم وشهادة يوحنا له 5: 31 -47 في 7: 19-24 حيث يختتن اليهود اولادهم يوم السبت ويشتكون من يسوع لانه يشفي قي يوم السبت وفي 8: 39 – 44 يفكر اولاد ابراهيم ان يقتلوا انساناً بريئاً . وهكذا يظهر يوحنا هذا الرياء في حوادث وعبارات حية وقوية دون اقتباس العدد الذي يشرحه وقس على ذلك في مواضيع كثيرة .

     هذا هو استخدام يوحنا للعهد القديم. .

ليهودية

     اما اذا جئنا الى اليهودية فاننا نجد لدى القديس يوحنا معرفة ظاهرة واضحة بكل ما يتعلق باليودية من بلاد وعادات وثقافة وديانة .

     فهو يعرف جغرافية البلاد في اليهودية معرفة جيدة ، وخصوصاً اورشليم وما حولا ما يوحي بان الكاتب اما انه كان شاهد عيان او انه حصل على معلومات وافية كاملة. وكذلك يعرف عادات واعياد ومواسم اليهود  كالفصح وعيد المظال والتجديد والطقوس المرتبطة بها (7: 37) وطقوس التطهير (2: 6) . ثم انه يعرف عن السامريين وعلاقتهم باليهودية الرسمية (4: 25، 20 :19) وغير ذلك.

     وكان القديس يوحنا يعرف القضايا اليهودية الحية في ذلك العصر كقضية السبت (5: 17). وفي الاصحاح السادس يظهر الكاتب انه يعرف اعطاء المن من السماء في البرية عند الربيين اليهود يساوي اعطاء الناموس تماماً . وفي (6: 45) يعرف كيف يجادل كما يجادل المعلمون اليهود . ويعرف ايضاً قضية المسيا الذي ياتي متخفياً كما اعتقد هؤلاء المعلمون (7: 27)، ولكن ذلك لا يظهر في كتب العهد القديم . والمناقشة في ص8 هي المناقشة باسلوب معلمي اليهود هذا كله يبين ان القديس يوحنا كانت له معرفة كبيرة بالقضايا والمناقشات اليهودية والمسيحية ما يجعل بعض العلماء يقولون ان كتابة

 هذا الانجيل بدات قبل طرد المسيحين من المجتمع اليهودي سنة 85م . وهذه النتيجة تؤكد اختفاء الصدوقيين والغيورين من الانجيل بتاتاً (مع ان واحداً من التلاميذ كان من حزب الغيورين ) (مرقس 3: 18) ، ولا نقابل فيه سوى الفريسيين الذي اصبحوا بعد اختفاء الاحزاب الاخرى بعد خراب اورشليم هم القادة الحقيقيون للشعب.

     وقد اظهر القديس يوحنا ايضا ان له معرفة واسعة جماعة الكمران او الايسنيين (في الغالب) . وهناك اختلاف كبير بين التفكير المسيحي وتفكير هؤلاء كما يظهر في مخطوطات البحر الميت، ومع ان هناك تقارباً كبيراً في بعض النواحي من التفكريين. فهم كانوا يعتقدون كالمسيحيين ان فيهم وفي تاريخهم قد تمم الله قصده ووعده الواضح في الانبياء ، وكانوا ينتظرون المسيا الاتي من السماء ، وكان لهم بعض تفسيراتهم الخاصة المتقاربة كثيراً من التفسيرات لالمسيحية للعهد القديم . وقد تأثروا بالتفكير الخارجي سواء أكان الفارسي او الهليني والمجابهو بين النور والظلمة الشيء الذي يظهر بوضوح في انجيل يوحنا ، وروح الحق وروح الغش والخطأ كما يظهر في يوحنا 8: 44، 14: 17، 15: 26، 16: 13.

     وهذا لا يدل على ان يوحنا تأثر بهؤلاء الجماعة نظراً لاختفائهم بعد خراب اورشليم ولكن مع ذلك فيلوح ان تفكيرهم كان منتشراً بيناليهود في ذلك العصر، ومع ان الربيين كانوا يمقتون تلك الجماعة لكنهم اخذوا كثيراً منتعاليمهم ، فطوروا المجابة بين الظلمة والنور وجعلوها مجابهة في الانسان نفسه، وفي طبيعته بين الميول الحسنة والميول الشريرة “يصير ها طوف” “يصير ها رع”.

     من هنا كان اتصال القديس يوحنا بهذه الافكار التي تكون جزءاً من التفكير اليهودي العام (2).

3- الخلفية اليونانية:

     هناك شبه اجماع على ان انجيل كتب لكي يفسر الرسالة المسيحة لكي يفهمها المثقف اليوناني ، فقد اصبحت الثقافة الهلينية رباطاً يجمع العالم كله في اطار فكري موحد. هذه الثقافة تكون من مزج الثقافة اليونانية الكلاسيكية والدياناتالاتية من الشرق ، فاصبحت بهذه الكيفية اكثر جذباً للعقل اليوناني الذي لم يعد يكتفي او يشبع بالحضارة اليونانية ولم تسلم االيهودية ، وخصوصاً يهودية الدياسبورة من اثار هذه الثقافة الهلينية، واصبح يهود الاسكندرية حقلاً خصباً لهذه الثقافة ، وصار فيلو من الاسكندرية اهممثل لليهودي الهليني . وعندما نتشرت المسيحية في اسيا الصغرى لم يكن هناك مفر من الاحتكاك بهذه الثقافة ، وكان لابد ان يقتفي بعض الفلاسفة المسيحيين اثار فيلو الاسكندري. ولهذا السبب ظهر الانجيل الرابع . . انجيل يوحنا، فكيف حدث ذلك؟

فيلو والانجيل:

     اراد فبلو – الفياسوف اليهودي ان يفسر ايمانه اليهودي في ضوء الفلسفة اليونانية ، او فلسفته التي كانت مزيجاً من الافلاطونية والرواقية . وتتلخص فلسفة افلاطون في الفصل بين عالمين : عالم الحقيقة وهو العالم الابدي غير المنظور، ثم عالم المادة المنظور الملموس عالم الزمان والمكان الذي نعيشه نحن. ولقد طبق الفلاسفة الذين تبعوا افلاطون هذهالمقابلة على العقل الحقيقي ثم الجسد وهو يمثل عالم المادة الذي يخضع للتطورات الزمنية والمكانية. وقالوا انهذا العقل يستطيع ان يتحرر من الجسد عن طريق

التامل والحياة الفكريةالتاملية، وبذلك يتحد مع الله الذي هو الخير الكامل. اما الفلسفة الرواقية فتنادي باللوجوس وهو مادة غير محسوسة لا يمكن لمسه ولكنه يتدخل في كل شيء في الكون . انه الهي ولكنه يعبر عن نفسه باشياء مادية حية كانت ام جامدة. فاللوجوس هو الله وهو الكون، ونستطيع ان نلمسه بشكل واضح في العقل البشري الذي هو جزء من الله – وهكذا يظهر التوافق بين النفس البشرية والنفس الكلية التي هي الله او هي الكون. ومتى اراد الانسان ان يعيش الحياة المثلى فعليعه ان يتوافق مع اللوجوس أي النفس الكونية التي تحيط بالانسان وهي فيه ، وهكذا يصبح الانسان ابناً لله.

     هنا جاء بوسيدونيس Posidonus (100ق. م) فخلط اللوجوس (الرواقي) بالعالم الابدي الغير منظور (الافلاطوني) معاً ، فجعل اللوجوس هو الوسيط بين الابدي او الله والمادي المنظور.

     ولكن الشخص الذي يهمنا في هذا الموقف هو فيلو الفيلسوف اليهودي ، الذي بحكم يهوديته يرفض الحلولية التي تميز مذهب الرواقيين، فالله منفصل عن الطبيعة ، بل هو خلقها، ويرفض فكرة افلاطون من جهة هذا العالم المادي ولكنه يربط الاثنين بعقيدة او فكر اللوجوس . ويعتقد فيلوان اللوجوس يعني امرين : الاول: الفكرة او الخطة في عقل الله ، اما المعنى الثاني الكلمة التي ينطقها الله فتخرج منه وتعبر عنه ، التي بها كل الاشياء. ومن الطبيعي ان يجد فيلو سنداً لعقيدته هذه في العهد القديم كفكرة الحكمة مثلاً (امثال8).

     اللوجوس اذا هو واسطة خلق العالم والعناية به، وعن طريقه يحكم الله هذا الكون ، ولذا اطلق عليه فيلو اسم “ملاك” او “رئيس الملائكة” وكلها اسماء من العهد القديم . ومنالناحية الاخرى صار اللوجوس واسطتنا لمعرفة

الله نفسه، الذي لا يمكن ان نعرفه عن طريق اخر. ان هذه المعرفة المباشرة لله لا تتحقق الا لجماعة كاملة لا عيب فيها، اما الذين لم يصلوا للكمال بعد فلن يعرفوه. وهنا يتدخل اللوجوس كاله للبشر الذين لم يكملوا فيكشف لهم عن الله ويعرفهم به. ويبني فيلوا هذا الراي على ما ورد في خروج 23: 20 “ارسل ملاكي قدام وجهك” فاللوجوس هو الذي يقود الشعب الذي لم يصل الى الكمال.

     هذه بعض ملامح الفلسفة اليونانية والهلينية وفيلو، فهل كان القديس يوحنا متاثراً بها ؟ فهل تاثر بفلسفة افلاطون عندما فضل عالم الحقيقة عن عالمنا، وهو الذي يقول “والكلمة صار جسداً” (يو1: 14)؟  وهل تاثر بالواقية وهي تعتقد بان الله هو الكون ، والكون هو الله ؟ وهل تاثر بفيلو وعقيدته في اللوجوس ؟ هناك امران يفرقان ما بين يوحنا وفيلو وهما: اولا ان فبلو لا يعتقد بان اللوغوس شخصية ولكنه فكرة في عقل وكلمة يقولها، اما القديس يوحنا فبقول ان اللوجوس شخصية :انه كان عند الله . والفرق الثاني مبني على الاول وهو ان اللوجوس صار جسداً وهو ما لا يمكن ان يتخيله فيلو.

     ان الشيء الذي يشترك فيه يوحنا وفيلو هو ان كل منهما يرجع الى العهد القديم ويستمد منه صور تفكيره. لكن فيلو حاول ان يحول العهد القديم عن طريق التفسير المجازي الى جزء من الفلسفة اليونانية ، بينما فسر القديس يوحنا العهد القديم – كما فسرته كل الكنيسة الاولى –  في ضوء المسيح المتجسد.

اسطورة المخلص:

     لكن قبل ان نترك هذا الجزء من الدراسة يستحسن ان نعرض لفكر ديني اخر ملا العالم الهليني وكانت فيه بعض العبارات نجد لها صدى في

انجيل يوحنا. وكان يركز حزل اسطورة المخلص وهو من ضمن الديانات السرية التي درسنا شيئاً من قبل، سوى انالخلاص الذي ينشده الانسان في هذه الديانات السرية كان ياتي –كما يعتقدون – عن طريق مخلص . وهذا المخلص اما ان يوهبه الخلاص بطريقة طقسية  Sacamentalعن طريق اتحاد الانسان بهذذا المخلص في موته وقيامته ، او ان يوهبها كما تقول بعض انواع الغنوسية التي ظهرت في وقت كتابة الاناجيل ، عن طريق معرفة خاصة سرية بواستطتها يرتفع الانسان الى المستوى الالهي . وكانت هذه العطية – أي المعرفة – تجيء بواسطة نبي او بواسطة المسيح كما صرح بذلك الدوسيتيون . هذا المسيح ظهر في يسوع كانه انسان مع انه في الحقيقة لم يكن له الا مظهر الانسان حتى يستطيع ان يعطي المعرفة .

     وقد ظن بعض العلماء ان يوحنا قد اقتبس بعض تفكيره من هذه البيانات حتى انها تظهر في بعض ايات الانجيل مثل 3 :12 و13 و 31و 32 ، 6: 62 ، 16: 28 ، 17: 3). وظنوا انه استفاد من تلاميذ يوحناالمعمدان الذين نقلوا هذهالتعاليم الى افسس . ولكن خطأ هذا الراي يكمن في انهذا النوع من التعاليم ظهر متاخراً عن ظهور تلاميذ يوحنا المعمدان فلا يمكن ان يكونوا واسطة نقلها.

     اماالمعرفة التي يعطيها الاله الذي ينزل من السماء ويصعد اليها ، هي فكرة مسيحية بنية على الكتاب المقدس ، لان المسيحيين يعتقدون ان سيدهم جاء من السماء وصعد الى السماء لانه ابن الانسان كما جاء في دانيال 7: 13 وهكذا بنت الكنيسة لاهوتها في المسيح (فيلبي 2: 5-11 ، افسس 4: 1-16 ، كولوسي 1: 15-20). لقد ارسل الله ابنه الى العالم (رومية 8: 3 ، غلاطية 4 :4). وهذه ليست فكرة غنوسية بل فكرة مسيحية استخمها القديس يوحنا (3: 17 و34، 5: 24،36 و 37).

     وهكذا يتراءى لبعض الدارسين ان القديس يوحنا يستخدم لغة ترجع الى اصل هليني، لكنها في الحقيقة مبنية على العهد القديم واليهودية.

    وهناك اسئلة اخرى وقضايا يقابلها دارس انجيل يوحنا، مثل قضية لغة الانجيل الاصلية وهل كتب اصلا باللغة الارامية ؟ ام ان الكاتب اعتمد على مصادر مكتوبة بلغة سامية ، وذلك نظراً للسامية التي تظهر فيه؟ ام ان الكاتب اصلاً كان سامياً ولكنه يكتب باللغة اليونلانية ؟

     وهناك قضية اخرى وهي ترتيب مادة الانجيل . فهل حدث اختلاف في ترتيب اوراق الردي الذي كتب عليها الكتاب فحدث الاختلاف في الترتيب الاصلي كما يقول بعض العلماء؟ فمثلاً ما هو الترابط الموجود ما بين 14: 31، 15: 1، فبينما ينقطع الخطاب في 14: 31 نجده يبدأ ثانية في 15: 1 ، كأنه لم يكن هنا انقطاع وكأن 14: 31 لم يكن. ومثل اخر : اذا قرانا 7 :15 -24 قبل 7: 1-14 قد تكون تتابع الحوادث اكثر منطقية وانسياباً .

     وفي ص18 اذا وضع العدد 18: 24 ما بين 18: 13 و14 تستقيم القصة. وهكذا اشياء كثيرة من هذا القبيل لا داعي لمناقشتها . ولكن السؤال الذي نريد  ان نواجهه الان هو: ما هي الصلة بين انجيل يوحنا وبقية الكتابات الاخرى المنسوبة اليه أي الرسائل الثلاث وسفر الرؤيا؟.

الصلة بين الانجيل وبقية كتابات يوحنا:

     اذا فتشنا الكتب الخمسة فلا يظهر الا في سفر الرؤية وحده اسم الكاتب وهو يوحنا (رؤيا 1: 4و9) اما في الرسالتين الثانية والثالثة فيذكر الكاتب نفسه بلقب الشيخ (2يوحنا 1، 3يوحنا 1) اما الارسالة الاولى فلا تذكر شيئاً من هذا القبيل. فما هي الصلة بين هذه الكتابات كلها؟

     1-  هناك شبه اتفاق بين علماء الكتاب المقدس على ان كاتب الانجيل لا يمكن ان يكون هو نفسه كاتب سفر الرؤيا. وهذا الراي ليس حديثاً ولكنه يرجع الى اوريجانوس رئيس المدرسة اللاهوتية بالاسكندرية ، الذي بنى ذلك على الاختلاف الواضح البين بين لغة الكتابين فبينما تظهر لغة انجيل يوحنا واسلوبه بسيطاً صحيحاً في تركيبه وقواعده اللغوية، تاتي لغة سفر الرؤية واسلويه على النقيض من ذلك . فالاسلوب قوي وحي ولكنه لا يلتزم بالقواعد اللغوية. وهناك اختلاف ثان بين السفرين اذ كل منهما يعكس شخصية تختلف عن الاخرى . فبينما يستمر كاتب انجيل يوحنا في اخفاء اسمه وشخصيته ، يتكلم كاتب سفر الرؤية عن عمله كنبي ويفصح عن اسمه (يوحنا) . زد على ذلك الثراء الواسع في الاصطلاحات والمواضيع التي يشتهر به الانجيل مثل النور والحياة والحق والنعمة مما لا يظهر في سفر الرؤية.

     ومع ذلك فهناك كثير من التشابه بين الكتابين يوحي بتن هناك ارتباطاً بينهما اذا لم تكن وحدة المؤلف فلا اقل من ان يكون الاثنان نتاج مدرسة فكرية واحدة ومن دائرة واحدة ، تلتف حول مركز واحد في افسس. فلنترك سفر الرؤيا الان لدراسته على حدة .

     2- فاذا انتقلنا الى الرسائل فاننا نجد ان الرسالتين الثانية والثالثة من الصغر بحيث لا تؤثران كثيراً في دراستنا .  .كل ما نستطيع ان نقوله هو ان كاتبها في الارجح جداً هو نفسه كاتب الرسالة الاولى لكنه كتبهما في موقفين مختلفين . فالرسالة الثانية كتبت الى “كبرية المختارة” . ومع ان الاسم هو اسم علم يطلق على سيده، ولكن وصفه له في الرسالة يوحي بانها كنيسة وليست سيدة ، فاولادها كثيرون ، بعضهم يسلك بالحق (ع4) . انها محبوبة ليست من الشخ فقط بل من جميع الذين يعرفون الحق ، واولادها

هكذا محبوبون (ع1). لها اخت لها اولاد. واختها هذه مختارة كما هي ايضا(ع13). فالرسالة اذا مرسلة الى كنيسة بذاتها “كنيسة محلية واختها هي كنيسة اخرى” وتشبيه الكنيسة او الشعب او الامة بسيدة ليس غريباً على الكتاب المقدس (اش 54، غل4 :21 -31 ، 1بط5 :13). ولعل “الشيخ” كتب هذا الخطاب، بهذه الكيفية، نسبة للظروف التي كانتتحيط بالكنيسة كما يظهر في 1يو3 :13، من ان العالم يبغضها، فاراد ان يجعل غطاء من السرية على الكنيسةة والاعضاء فيها لدواعي امنهم اما لماذ كتب لهم فعذا سياتي في دراسة عن فكر الرسول في كل كتاباته.

    اما الرسالة لاثالثة فعلى العكس من الثانية فهي مكتوبة الى شخص بالذات اسمه “غايس” ، وكل الرسالة تنطق بانه لا يمثل جماعة او كنيسة ، ولكنه شخص، يشهد له جميع من عاملوه و قابلوه امام الكنيسة كلها. كتب اليه بوصية الاخوة الغرباء الذين ياتون اليه . وقد قيل في التقليد ان الشيخ اقام غايس هذا اسقفاً على برغامس ولا اعتراض على هذا التقليد سوى انه متأخر بعض الشيء (5).

     3- بقيت امامنا الرسالة الاولى، ولكنها في ذاتها شيء يختلف عن الرسالتين الثانية والثالثة. وهذا الاختلاف لا يتوقف فقط عند حد طولها عن الرسالتين، ولكنه يتضمن ايضا الشكل الخارجي لها. فبينما نجد الرسالتين مكتوبتين بالطريقة الكلاسيكية للرسائل المتبعة في ذلك الوقت ، أي ان الكاتب يذكر اسمه واسم المكتوب اليه والتحيات، نجد ان الرسالة الاولى لا تظهر هكذا ، فلا يوجد فيها اسم الكاتب او المكتوب اليهم ولا توجد فيها خاتمة رسائل ايضاً . ولولا بضعة جمل تظهر فيها مثل اكتب اليكم او كتبت اليكم لما اعتقد أي دارس انها رسالة اصلاً (2 :1و 7 و8 و12-14).

كاتب الرسالة:

     هذا هو السؤال الصعب في هذه الرسالة لأنها لا تكشف ، لا تصريحاً ولا تلميحاً ، عن الكاتب بخلاف الرسالتين الأخرتين. اذ كنا نرجح ترجيحاً كبيراً ان كاتب الرسالة هو نفسه كاتب الرسالتين، نظراً للتشابه الكبير بينهما جميعاً ، فما هي صلة الرسالة الاولى بالانجيل في هذه القضية ؟ هل كاتبهما واحد؟ لقد انقسم العلماء الى فريقين الالو يؤكد ان كاتب الاثنين هو يوحنا وبعضهم يرفض هذه النظرية ويقول ان لكل كتاب كاتب مستقل ولكن الكاتبين يتبعان مدرسة فكرية واحدة . ويبني كل فريق رايه على اساسين : الاول التشابه او الاختلاف في الافكار الاساسية . وكل من الفريقين يستخرج من السفؤين ما يؤكد به نظريته . . ويستحسن ان نعرض لكل فريق على حدة وبكل اختصار :

     كاتب السفرين واحد : (1) يبني هذا التشابه في الاصطلاحات وتركيب الجمل:

 1 يوحنا 1 :2 و3 مع يوحنا 3: 10                 1 يوحنا 3 :16  مع يوحنا 10: 15

1 يوحنا 1: 4 مع يوحنا 16: 24                     1 يوحنا 3 :22 مع يوحنا 8: 29

1 يوحنا 2: 11 مع يوحنا 12: 35          1 يوحنا 3: 23 مع يوحنا 13 :34

1 يوحنا 2: 14 مع يوحنا5: 38                      1 يوحنا 4 : 6 مع يوحنا8 :47

1 يوحنا 3 :5 مع يوحنا8: 46                        1 يوحنا 4 :16 مع يوحنا 6: 69

1 يوحنا 3: 8 مع يوحنا 8: 14                       1 يوحنا 5 :9 مع يوحنا5: 32

1 يوحنا 3 :13 مع يوحنا 15: 18          1 يوحنا 5: 20 مع يوحنا 17: 3

1 يوحنا 3 :14 مع يوحنا 5: 24

هذه المتوازنات كافية – كما يقول اصحاب النظرية الشرقية – لن تبرهن ان كاتب السفرين هو شخص واحد.

     2- وينون رايهم ايضا على التشابه في التفكير اللاهوتي المتضمن في هذه الاصطلاحات “النور” ، “الحياة” ، “المحبة” . الحياة الابدية التي هي ملك للمفديين … الحق، ثم ما يقابلها من الجهة الاخرى : الظلمة ، الموت ، البغضة، الكذاب. ويتفق الاثنان في تقسيم الناس الى فريقين : الذين في الظلمة والذين في النور، الذين في الموت والذين في الحياة، وهكذا . هذا يدل على انالكاتب يعرف تماما ومتميز في المتوازنات العبرية والسامية.

     ويتفق الكاتبان في استخدام القليل من ادوات الربط والاسماء الموصولة وكذلك في استخدام تركيبات مثل: هذا . . لكي ، بهذا ، لاجل هذا . . . كل من وهكذا. وهذه جميعها شهادة قوية على ان كاتب السفرين واحد.

     اما الذين لا يوافقون على ذلك فيتخذون نفس الطريق مع اختلاف الجمل والشواهد: هناك اختلاف في الاسلوب . فمع ان الكتابين يظهران لغة صحيحة في قواعدها الا ان اسلوب الانجيل اقوى ، وتنوعه اكثر من الرسالة. فبينما تستخدم الرسالة افعالا مركبة قليلة يستخدمها الانجيل بكثرة.. وهكذا من هذا القبيل مما لا نستطيع ان نذكره في هذه الدراسة اما البرهان الذي يعتبره دود Dodd  ذا ثقل ثقل خاص في اظهار الاختلافات اللاهوتية التي بينهما. وهذه الاختلافات يمكن جمعها تحت عنوانين: الاول هو ان رسالة يوحنا الاولى اقرب الى العقائد الميسيحية العامة في الانجيل . اما الثاني ان الرسالة تتضمن فقرات اقرب كثيراً الى الغنوسية من انجيل يوحنا.

وتحت العنوان الاصلي يعطي دود Dodd مجموعة من العقائد التي يختلف فيها السفران مثل الاسخاتولوجي فيقول ان الرسالة تتمسك بقرب مجيء المسيح الثاني تماما كما كانت تتمسك الكنيسة الاولى في بدء عهدها ، وهذا يختلف عن الانجيل الذي اعاد تفسير الاسخاتولوجي بكيفية – كما يقول دود – اقرب الى فكر يسوع منه الى فكر الكنيسة الاولى البسيط . ولكن رداً على ذلك من يدرس الانجيل فانه يجده – رغم انه طور فكرة الاسخاتولوجي ، مازال يتمسك بمجيء المسيح والقيامة (يو5: 21 -29 ، 12: 47 و 48). اما ان الرسالة ركزت على المجيء الثاني اكثر من الانجيل فذلك لان الكنيسة وقت كتابتها ، كانت تواجهة ازمة عارمة فيها اطل ضد  المسيح براسه وبدأ يظهر مع جنوده(1يو 2: 18 -23) . واذا كان الانجيل يعتبر إن  الحياة الابدية حقيقة حاضرة يختبرها الانسان الآن، فالرسالة ايضا  تعلن ذلك (1يو11 -13).

      ويقول دود في مقدمة انجيل يوجنا يظهر اللغوس “الكلمة” على انه شخص يشير الى الابن الوحيد اما في الرسالة فان “الكلمة” تعني شيئاً لا شخصياً .  .انها الكلمة الحياة (1يو 1 :1) . وقد يكون هذا صحيحاً ، ومع ذلك فان مقدمتي الانجيل والرسالة تتفقان بكيفية تجعل من هذه الملاحظة ضعيفة التاثير على النتيجة.

     ويقول: ان البارقليط في الانجيل هو الروح القدس. انه المعزي الذي يرسله امسيح (يو14: 16) اما في الرسالة فان هذا اللقب يعطى للمسيح البار الذي هو شفيع في السماء والارض (1يو2: 1). ولكن هذا لا يشهد ضد وحدة الكاتب . لان الروح القدس هو بارقليط او معزي اخر . فكلا الاثنين المسيح المقام والروح القدس شفيع ومعزي (يو14: 16).

      ويقول: ان الانجي الرابع يظهر ان يسوع المسح هو النور الحقيقي . نور الناس ونور العالم. (1يو1: 5). ولكن ما هو التناقض في هذا الحقائق انه الله هو النور والمسيح هو النور.

     ويقول: ان موت المسيح قد فسرت الانجيل الرابع على انه تمجيد للمسشيح ورفعه الى اعلى (يو12: 23-26) وهذا لا يظهر في الر سالة ابدا. ان موت المسيح فسرته الرسالة على انه كفارة (1يو2: 2، 4 :10) وانه يظهر الحياة (1: 7، 4: 9). ولكن الرد على ذلك هو ان موت المسيح في الرسالة كان موضوع مناقشات ومجادلات يظهر فيها الكاتب فائدة موت المسيح للناس في الخلاص. اما في الانجيل فانه يتكلم عن موت المسيح بالنسبة له هو شخصياً . وهل يفعل الانجيل الجانب الخلاصي في موت المسيح؟ كلا فغضب اله ياتي على غير المؤمنين (يو3: 36) والمسيح هو المخلص انظر (يو1: 29، 3: 14 -16، 6: 51، 10: 11 و15، 11: 49 -55 ، 12 :24 – الخ).

     ان هذه الاختلافات في التنبير وليست في اصل الفكرة نفسه، لا يدل هذا على اختلاف الكاتب بقدر ما يدل على اختلاف الموقف الذي كتب فيه اختلاف الهدف والذين كتب لهم .  .وهكذا . .

     اما الامر الثاني الذي يورده دود Dodd وهو ان الرسالة اقرب الى الغنوسية اكثر من الانجيل وهذا لا يمكن انكاره ، لان الرسالة تستخدم اصطلاحات ربما جاءت على لسان العغنوسيين مثل ما جاء في (1يوحنا 1: 5، 3: 9، 2: 20 و27). ولكن الرسول يضع فيها معنى اعمق. فاذا

قال ان “الله نور” فهذا لا يعني ان يضع تعريفاً لله ولكن هذا يعني اعلان الله لنفسه محباً وقدوساً، وكذلك ان اظهر الكاتب في 1يوحنا 3: 2 معنى الشركة والوحدة مع الله فانه لا يقصد بذلك ذلك المفهوم الضحل الذي كان الغنوسيون يتبنونه ولكنه يذكر تلك البركة والشركة الكاملة التي يصل اليها المؤمن ويتمتع بها في المستقبل . . انه رجاء.

     من هذا نعلم انه لا يمكن تاقطع بان كاتب السفرين هو شخص واحد مع انه راى اكثر ترجيحاً من غيره بل هو اقرب الى الحقيقة .  .والا فان كان كاتب الرسالة شخصاً اخر غير كاتب الانجيل  فلابد ان واحداً كان يقلد الاخر ويتبع اثاره.

                           انجيل القديس يوحنا ورسائله

     يبنى انجيل يوحنا على اساس اقسام ثلاثة: القسم الاول هو المقدمة ويتضمنها الاصحاح الاول ، اما القسم الثاني فقد اتفق العلماء على تسميته بكتاب الايات وتتضمنه الاصحاحات 2-12 وهو الذي يحتوي على خدمة يسوع الجهارية، اما القسم الثالث فهو من ص 13 الى اخر الكتاب ويسمونه كتاب النمجيد هذا التقسيم لم يبنى على نوع من التسلسل او التطور التاريخي او اللاهوتي او الفكري، ولكنها فكرة المؤلف نفسه التي سوف تتضح لنا عندما ندرس  محتويات الكتاب ورسالته.

اولاً : المقدمة

     وهي كما سبق القول متضمنة في الاصحاح الاول من الانجيل. وتنقسم هذه المقدمة الى قسمين : القسم الاول: البدء (1: 1-18) ثم الثاني الاعتراف العظيم (19 -51).

البدء:

     في البدء كان الكلمة  . . هذا الجزء نظراً لترتيب الكلمات ، وللايقاع الموجود في النص يعتبر قصيدة شعرية، وضعها الانجيلي في مقدمة انجيله . ويرجح كثير من العلماء انها ترنيمة كنيسة كانت الكنيسة تقدمها للابن الكلمة ويجري ترتي الكلمات كالاتي:

     ع1 الكلمة .  .الكلمة  . .الله . . الله . . الكلمة ع4و5 الحياة . . الحياة . . النور. . الظلمة .  .الظلمة . .ع6-8 :الشهادة .. الشهادة .. النور .. النور .. الشهادة النور ع11و12: خاصته .. خاصته يقبلونه .. قبلوه، وقد قيل ان القديس يوحنا نفسه هو الذي نظم هذا الشعر وقيل ان الكنيسة نفسها هي التي نظمته تمجيدأ في الابن .. وقيل ان القصيدة كانتاصلاً قصيدة هلينية رواقية اخذها احد المسيحيين وحولها الى قصيدة مسيحية ، وقيل انها بنيت على اساس امثال 8: 22-31.. ولندع العلماء يخمنون ويفكرون في اصل القصيدة سواء اكانت قصيدة خارجية حولت الى مسيحية او نظمها القديس يوحنا لنرى ماذا يقول :

     1- ظن بعض المفسرين ان هذه المقدمة هي جزء منفصل عن الانجيل ، ونقصد بالانفصال هنا انها مقدمة كتبهاالكاتب ولم يرجع اليها مرة اخرى . وقل ان الكاتب كتبها بعدما انتهى من كتابة الانجيل . لكن الحقيقة غير ذلك ، فهذه امقدمة هي الموضوع الاساسي للانجيل ، بل هي الملخص الوافي للانجيل ، وبقية الانجيل شرح مفصل لهذهالمقدمة. فاذا اخذنا الاعداد من (6-13) فاننا نجد ان الكاتب ينظر الى انجي لالمخلص الذي تجسد في حياته وعمله : فالنور الذي ينير كل انسان آت الى العالم .. انه هو الذي كون العالم وخلقه مع ان العالم لم يعرفه .. وعندما جاء الى خاصته لم يقبله الذين كانوا

له، وكان مفروضاً ان يقبلوه.. ولكن غيرهم قد قبله فاعطاهم سلطاناً ان يصيروا ولاد الله .. المولودين منه المؤمنين باسمه، هذا هو كل الانجيل.

     زد على ذلك فان هذهالمقدمة تحتوى على مفاتيح الانجيل كله . ففيها كل الاصطلاحات الرئيسية التي جرى شرحها فيه : النور .. الحياة .. الحق .. النعمة (مع ان هذه الكلمة لم تجيء الا في المقدمة). الولادة الجديدة وما يقابل ذلك . الظلمة . . وغير ذلك. فاذا فلبنا صفحات الانجيل نجد ان يسوع هو نفسه النور: نور العالم (9: 5). وهو خبز الحياة.. بل هو الحياة (6: 35، 11: 25) وهو ايضاً الحق (14: 16) وهكذا. فمع ان هذه المقدمة لم تتكرر ولكنها تحتوي كل الانجيل.

     2- لم يعط القديس يوحنا تعريفاً لذلك الاصطلاح – الكلمة – قال “في البدء كان الكلمة” ولم يحدد معناها لكب ببني عليه انجيله بعد ذلك، كلا لم يفعل ذلك. لان الانجيل لم يبنى على مفاهيم عقلية ، او اصظلاحات اخذت من هنا وهناك . على العكس من ذلك تماماً. ان هذا الاصطلاح – ليكن مصدره ما يكون – سواء من اليهودية او من اليونانية قد اخذه القديس وفرغه من معناه الاصلي لكي يملأه بالمعنى الجديد ، ليس معنى فلسفياً كما كان من قبل؛ ولكن بحياة يسوع نفسه. فيسوع المسيح هو الكلمة لانه هو الذي تكلم كلمة الله القوية الذي خلق كل شيء (1: 3) والذي اعطى الحياة للناس (1 :4) والذي اعطاهم النور (1: 4و9) والذي اعطى النعمة والحق (1: 17) وهو – فوق كل شيء – الذي اعلن الله نفسه (1 :18) . فهذه “الكلمة” لم تحدد معنى المسيح بل هو الذي حدد معناها واعطاها مفهومها لانه هو الذي عاشها وحققها في حياته.

     3- ان كان العلماء قد اتفقوا على ان القديس يوحنا قد اخذ هذا

الاصطلاح من مصدر خارجي مع انهم اختلفوا عما يكون هذا المصدر : اليهودية ام اليونانية لكنهم نسوا شيئاً اخر وهو في الحقيقة الهدف الاساسي الذي يقصده الانجيلي. ان استعارته لهذهالاصطلاحات لم تكن للتقليد، ولم تكن لمحاولة تقريب الانجيل الى العقول وتحويله الى نسخة اخرى مما كان سائداً في ذلك العصر لكسب شعبية كبيرة لهذا الدين . كلا، انه على العكس من ذلك كان تحديداً صارخاًة وصل الى حد العثرة لليونانيين واليهود معاً .

     فهو تحد لليونانيين: ان “الكلمة” عند اليونانيين على اختلاف مذاهبهم لم تزد على كونه فكرة سواء اكانت فكرة في عقل الله ام كلمة مقولة ، ولعل اهم مظهر لها هو الحياة العقلية للانسان وذلك الى جانب تغلغلها في الطبيعة كلها بل الكون كله. ومع ذلك  فان الكلمة مازالت فكرة ، وفكرة منفصلة عن المادة وانها تتغلغل  في كل جزء من الطبيعة ، فهل عندما يجيء يوحنا بتلك العبارة الهائلة التي تمثل حقيقة تاريخية ملموسة ومشهود لها “والكلمة صار جسداً” (1: 14). هل نظن ان اليونانيين يقبلونها هكذا؟ انهم يرفضونها بل انهم لا يتخيلونها ابداً . انهم يعتقدون انها جهالة ، فان اليوناني لن يتخيل ان السماوي او الاسمى والاعلى يدخل في الاشياء السفلى الارضية ، والمثالي لن يتحول ال الصورة الارضية التي لا تتصل بالكمال ولا تعرفه. ان الاثنين لا يمكن ان يتصلا معاً. انها في نظر اليوناني جهالة ان يفكر يوحنا هكذا. وحتى اذا انتقلنا الى الفلسفة الرواقية التي تعتقد ان الكلمة “اللغوس” وهو المبدأ العقلي في تغلغل الطبيعة والانسان، وان الهدف الاعظم للانسان هو ان يكون واحداً مع هذه الطبيعة التي هي التعبير الفعلي “للوغوس” . حتى هذه الفلسفة لا يمكن ان تقبل ما يقوله يوحنا عن “اللوغوس” الذي صار جسداً ، لا لكي يتدخل في الطبيعة ويصبح واحدأ فيها ومعها كما يقولون.

ولكنه يقابلنا في شخص اسمه يسوع الناصري . ان القديس يوحنا يعبر عن ذلك بقوة “فيه كانتالحياة والحياة كانت نور الناس والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه(1 :9). ان النور والحياة لم تنتشر في الطبيعة وتصبح واحداً فيها ومعها ولكنها تركزت في ذلك الانسان . فيه صار الحق والنعمة. . وعلى هذا فالطبيعة ليست هدفنا والاتصال بها وافناء فيها لا يمكن ان يعبر عن حياتنا .. انما الحياة والنور والمعرفة . انما النعمة والحق في هذا الشخص بذاته ، الذي ظهر في ذلك الوقت عينه وفي ذلك المكان المحدود لمسته ايدينا وراته عيوننا. نعم رايناه في ذلك الانسان حتى في ضعفه وجوعه وعطشه وموته . . هناك الحياة .. انها غباوة بالنسبة لليوناني .. ولكنها الحقيقة .. انها الاختيار”.

     ولم يكن تحد لليونانيين فقط ولكن لليهود ايضاً .. لقد كان عثرة لهم . لقد كانوا ينتظرون المخلص والخلاص ولقد قسموا الوقت الى “هذا الدهر ” ثم “تلك الايام” اصبحت الآن .. لقد اعلن الابن الله الاب (1: 18) القيامة الجديدة قد حدثت (5: 25 – 28) الجديد قد جاء الان . ان وقت الخلاص قد حضر .. هذا شيء لا يمكن ان يصدقه يهودي … وكم تعثروا عندما سمعوا يسوع يعلن ذلك (2: 18، 3: 4، 5: 5 ، 6:41 و25) .. الخ .

     زد على ذلك ان اليهودي اذا قرا هذه المقدمو ووجد ان الكاتب قد نسب الكيم الى الحكمة (امثال 8: 35 و36) من مجد ، لانها كانت اداة  الله في الخليقة ، فانه يعثر ، فكيف

ينسب ذلك الى شخص تاريخي ؟ ان الحكمة في حقيقها هي الناموس نفسه فالناموس ابدي كامل له السلطة العليا في الديانة .. انه الحكمة في كمالها.. فهل يمكن ان يكون يسوع الناصري ابن مريم هو السلطة العليا والننهائية في الديانة؟ (1 :17 و 18) ، انه اعظم من الناموس نفسه وهذا لا يمكن ن يعرفه يهودي او يؤمن به .. انها عثرة له؟

     ان المقدمة لا تنسب الى يسوع انه حكمة الله فقط بل انه كلمة الله ايضا .. انه هو الذي اعلن الله للشعب وللانبياء . ولكن هذه الكلمة رفضت .. رفضها الشعب من قديم (اشعياء 1: 3) وهذا نفسه قد حدث في هذا العصر ، اذ جاء الى خاصته وخاصته لم تقبله ، اما كل الذين قبلوه فاعطاهم سلطان ان يصيروا اولاد الله (يوحنا 1 :11و12) .. هل يقبل اليهودي كذلك؟

     من هذا كله نرى ان الانجيلي لم يقتبس من اليونانيين ولا من اليهود ولا من أي فكر عالمي، لان ما يقوله يقف امام العالم كله وجهاً لوجه، متحديا اياه ان يقبل هذا الذي لم يستطع ان يتوصل اليه بعقله ، ولن يستطيع ان يفهمه ، ولكنه يستطيع ان يؤمن به لانه يستطيع ان يختبره.

الشهادة  

     اما الجزء الثاني من هذه المقدمة فهي الشهادة وان شئت التدقيق فقل الشاهد الاول للسيد وهو يوحنا المعهمدان (1: 19-51، 3: 27 -36) وفي هذا الجزء نرى الامور التالية:

     1- لو قارنا هذا الجزء بما قاله مرقس مثلا لوجنا هناك فرقا واضحاً في قصة يوحناالمعمدان، فانجيل مرقس والانجلان الاخران يذكران شيئاً عن رسالة يوحنا المعمدان وعن  كرازته ، ثم معمودية المسيح على يديه، واخيراً مجيء المسيح الى الجليل بعد ان اسلم يوحنا المعمدان (مرقس 1: 14 متى 4: 12).

     اما يوحنا فانه يذكر للسيد خدمة سابقة عن القبض على المعمدان، فهو يدعو تلاميذه بعد معموديته من يوحنا، ثم يذهب الى الجليل “قانا الجليل” ويصنع اول اية هناك ، ثم يذهب الى اورشليم مرة اخرى ، وينظف الهيكل من الباعة والتجار والصيارف ، ثم يناقش نيقوديموس ، وكان يعمد مع تلاميذه كان ذلك وكان يوحنا مازال حراً طليقاً يعمد ، ولم يكن قد اسلم بعد ، بل انه يشهد له شهادة قوية (ص1-3، انظر 3: 24) . وقد ذهب بعد ذلك الى الجليل (4: 1). هنا فترة لم يعرف عنها شيء في الاناجيل الاخرى ، ولنا ندري لماذا لم يذكرها مرقس . ولكن من انجيل يوحنا نعلم ان اناساً كثيرون كانوا ياتون ليس فقط الى يوحنا المعمدان ليعتمدوا بل الى يسوع ايضاً ، ولعل اناساً ارادوا ان ينتهزوا هذه الفرصة لكي يوجدوا نوعا  منالتنافس والتحزب بين يوحنا ويسوع وهذا يظهر في 3: 25و26، 4: 1. وهذه الفترة قد تفسر الاستمرار الطويل لخدمة يوحنا المعمدان في تلاميذه والذين تبعوه . ولعل هؤلاء الذين كانوا يتبعون يوحنا في أفسس وفي غيرها (أعمال 19: 1-7)، كانوا يظنون إن يوحنا هو المسيح نفسه(لوقا 3: 15) ولهذا عاشوا على معموديته . والسيد نفسه كان يعطي ليس فقط ليوحنا المعمدان بل لمعموديته ايصاً مركزاً ساميا مرتبطاً بخدمته هو وبسلطانه هو (مرقس 11: 27-33).

     2- على الاساس السابق نبني تفسيرنا للطريقة التي بها يعامل الانجيلي يوحنا خدمته يوحنا المعمدان ورسالته . ان الاناجيل الثلاثة الاخرى تظهر الجانب الوعظي من رسالة يوحنا. انه كان يبشر باعمال الصلاح .. بالتوبة لغفران الخطايا . وبمجموعة من الاعمال الصالحة للجماعات المختلفة (مرقس 1: 4و5 متى 3: 7-10 ، لو 3: 7-14). اما انجيل يوحنا فانه اغفل هذا بتاتا وجعل كل كرازة يوحنا المعمدان تتركز في الشهادة للمسيح . انه جاء للشهادة ليشهد للنور (يوحنا 1: 7و8). انكر بشدة انه المسيح ولا ايليا ولا النبي ، انه فقط الشخص الذي يعد الطريق للسيد كما قال اشعياء 1: 19 -23 . ومعموديته هي الاععداد والتوجيه لذلك الاتي الذي لا يستحق ان يحل سيور حذائه (1: 25-28 و31) وذكر انجيل يوحنا عنصراً هاماً لم تذكره الاناجيل الاخرى في الشهادة للمسيح: وهو انه حمل الله الذي يرفع خطية العالم (1: 29و36). انه عرف انه المسيح بواسطة العلامة التي اعطاها له الله (1: 34). وهو الذي يحب ان يتبعه تلاميذه هو (1: 37). انه ، امام هذا العظيم. يجب ان ينقص وان ذاك يزيد لانه ليس العريس بل صديقه، ويجب ان تكون العروس للعريس (3: 27-36) هذا هو فرحه الكامل.

     هذه الشهادة كلها لكي تقنع اولئك الذين كانوا يظنون ان يوحنا هو المسيح ، وانه اعظم من يسوع الناصري، لانه جاء قبله وانه عمده. بان يوحنا ليس المسيح بحسب شهادته. وهو وان كان قد جاء بعده لكنه في الحقيقة كان قبله واعظم منه . ومعمودية يوحنا نفسه كانت شهادة واعداداً له . ومتى جاء هذا الآتي بطل التابع وصار له. ونلاحظ ايصا ان متى كان يواجه نفس المشكلة ولذلك نبر على قول يوحناالمعمدان : “انا

محتاج ان اعتمد منك وانت تاتي اليً (متى3: 14). وبهذا كان يوحنا هو الشاهد الاول والاعظم للسيد.

     3- وقد اقتفى اثر يوحنا المعمدان في شهادته للمسيح كثيرون: اندراوس تلميذ المعمدان نفسه عندما وجد اخاه سمعان وقال له بعد ان مكث مع السيد يوماً كاملاً : قد وجدنا امسيا (1: 41). وشهد فيلبس لنثنائيل عنه انه هو الذي تمم نبوات موسى في الناموس ثم نبوات الانبياء (1: 45 و 46). واخيراً شهد له نثنائيل وكانتهذه هي قمة الشهادات “يا ملم انت ابن الله انت ملك اسرائيل” (1 :49). هذه الشهادات المتتالية قد يكون فيها بعض التطور: فمن معلم الى المسيا الى من كتب عنه موسى والانبياء واخيراً ابن الله. ولكن سواء اكانهذا تطوراً او لم يكن فان الشيء الواضح هو ان لنجيل يوحنا يختلف عن بقية الاناجيل في ان الاعتراف بالمسيح جاء منذ البداية . فانجيل مرقس ومتى يظهران ان اعتراف التلاميذ “بمسيانية” يسوع بعد مدة طويلة من خدمته وبالتحديد في قيصرية فيلبس (متى 16: 16، مرقس 8: 29 ..) ، مع ان لوقا يذكر هذا الاعتراف دون ان يذكر الاطار التاريخي لها (لوقا9: 18-22). اما انجيل يوحنا فيبدأ بالمسيح المسيا ابن الله ويبدا المسيح خدمته  بهذا المفهوم، ليس فقط امام التلاميذ ، بل امام الجميع . وفي هذا الانجيل ايضا لا نسمع السيد ابداً يطلب من تلاميذه او أي انسان ان لا يفصح عن هويته، كما فعل في انجيل مرقس مثلا (مرقس 1 :34 و44 ، 3: 12، 5: 43، 9: 9 ..الخ).

     هذا الامر يوضح لنا حقيقة ان يوحنا لم يكن يهدف ان يكتب قصة مرتبة ترتيباً تاريخياً عن يسوع، بل كان قصده ان يظهر يسوع المسيح ابن الله موضوع الايمان ونبع الحياة، وذلك باظهار بعض الحوادث التاريخية في

حياته .. (20: 30و31). فطوع المواقف التاريخية للهدف اللاهوتي، بمعنى انه اختار مجموعة من الايات العملية والاعمال والخطابات لكي يكشف بها هدفه السامي، في ان يسوع المسي هو ابن الله. ويعتقد كثير من العلماء ان البشير يوحنا ذكر قصة الهيكل والباعة مبكراً جداً لانه اراد ان يوضح ان السيد كان يواجه اليهود كابن الله . .المسيا الذي جاء الى هيكله ، انه لم يهتم بالتاريخ الذي حدثت فيه هذه الحادثة بقدر ما كان يهتم بمعناها وما ادت اليه .. ان السيد بدا وله هدف سام ان يقيم هيكلاً جديداً .. شعباً جديداً للرب..

 * * *

     هذه هي المقدمة وفيها نرى الانجيلي يبدا بالاعلان طمن هو المسيح” هو الكلمة الذي حل بيننا. الذي رايناه مجده مجد وحيد الآب مملوء نعمة وحقاً .. انه المسيا ابن الله الذي اعلن الاب فهو الحق والحياة.

ثانياً: كتاب الآيات : (ص2-12):

     لماذا سمي هذا الجزء من انجيل يوحنا بكتاب الايات ؟ سمي كذلك لان فيه تنتشر مجموعة من الايات التي قام يسوع بعملها. وفي الحقيقة هناك سبع ايات بالتحديد وهي:

          تحوبل الماء الى خمر في عرس قانا الجليل 2: 1-12

          شفاء ابن خادم الملم 4: 47-54

شفاء مشلول بيت حسدا 5: 1-16  

اشباع الخمسة الاف 6: 1-14

المشي على الماء 6: 15-21

فتح عيني الرجل المولود اعمى 9: 1-17

          اقامة العازر من الاموات 11: 1-44.

     وهذه هي كل القوات العظيمة التي ذكرها يوحنا مع ان الكتاب المقدس يقول في صراحة انه اختار هذه الايات فقط من بين ايات كثيرة صنعها يسوع ولم تكتب في الكتاب. ومع ذلك فهذا الجزء (ص2-12). لم يقتصر فقط على ذكر هذه الايات ولكنه يحتوي على مجموعة من القصص او الاحداث Episodes مثل قصة يوحنا المعمدان عند عين نون قرب سليم (3: 23-26) وتطهير الهيكل (2: 13-16)، والمراة السامرية (4: 1-8)، وظهر المسيح في عيد المظال في اورشليم ، (7: 1-1) ومجيء اليونانيين ليروا يسوع (12: 20-23).

      واحياناً يتصل بالاية او القصة خطاب طويل او قصير، فمثلاً بعد اية شفاء الرجل المشلول في بركة بيت حسدا نجد خطاباً للمسيح (5: 17-47) وبعد قصة ظهور السيد في الهيكل في عيد المظال نجد خطاباً طويلاً (7: 16- 52، 8: 12-29). وقد نجد بعدها حواراً فمثلاً في قصة المراة السامرية نجد حواراً بين السيد والمراة (4: 9-38)، وكذلك بعد اية تفتيح عيني الرجل المولود اعمى (9: 8-41). وقد يصحب القصة حوار صغير مثل تطهير الهيكل (2: 13-16)، وقد تاتي الاية بدون أي حوار او خطاب مثل اية الماء الى خمر في عرس قانا الجليل (2: 1-12).

      ومع ذلك فان هذا الجزء من الكتاب ينقسم الى سبعة اقسام ترتبط كلها معاً برباط واحد وهو اعلان شخصية ابن الله من خلال عمله ، سواء اكان اية او خطاب او حوار . فكما ان الكتاب المقدس اراد ان يعلن لنا السيد في

الاصحاح الاول من ذكر هويته أي من هو ، اراد هنا ان يجعل مجده يشع من خلال عمله، تماما كما قال في 2: 11 “هذه بداية الايات فعلها يسوع في قانا الجليل فاظهر مجده فامن به تلاميذه” (انظر 11: 42). ولاجل ذلك سوف نمر مروراً بسيطاً على هذه الاقسام السبعة التي فيها ترتبط القصة او الاية بالحوار او الخطاب فتكون نقطة البداية لما اراد ان يقوله السيد للجموع ، ليعرفوا من هو ، أي  ان السيد  يعمل الاية ثم يشرح معناها ليس بالنسبة الى المريض او الميت مثلاً ، ولكن معناها بالنسبة له هو ولرسالته. وهكذا يفعل بالقصة ، وبذلك تكون القصة او الاية المناسبة التي فيها يكشف السيد عن نفسه.

( أ ) البداءة الجديدة : (2: 1-4 : 42).

     هذا هو القسم الاول من الاقسام السبعة التي يتالف منها كتاب الايات . وفي هذا القسم يعلن السيد انه يقيم عصراً جديداً . وهذا يظهر في:

1- نظام جديد : (2 :1-11)

      وهذا يظهر في الاية التي قام بها في عرس قانا الجليل ، اذ حول الماء الى خمر في ذلك العرس. وقيمة الاية انها تعلن نظاماً جديداً قد اتى به السيد . وهذا الجديد هو ان ديانة النعمة والحق قد حلت مكان ديانة الناموس . فوجود الاجران الستة وما فيها من ماء كانت تمثل كل ما تمثله الديانة اليهودية من طقوس للتطهير الخاجي والاعمال الطقسية التي كان يقوم بها كل يهودي ليصير باراً على حسب ما كانوا يعتقدون . ولكن بدلا من هذا الماء وضع السيد الخمر الذي يمثل الفرح والسرور . وهذا ما يؤكده السيد بنفسه في متى 9: 17، مرقس 2 :22. وهو الذي يعلن ايضا انه هو الكرمة

الحقيقة (يو15: 1) . ومعروف ان الكرمة هي اصل الخمر . وعلى هذا الاساس نعرف ان الاية الحقيقة تعني النظام الجديد الذي جاء به المسيح : لان الناموس بموسى اعطي اما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا (يو1: 17). فمجد المسيح الذي راه تلاميذه ليس فقط عملة معجزة ولكن النظام الجديد الذي جاء .. النعمة والحق.

2- هيكل جديد (2: 13-22) 

      وفي هذه القصة ايضا نجد العنصر الثاني الجديد. فبعد ان طهر السيد الهيكل نطق بعبارتين  :الاولى “لا تجعلوا بيت ابي بين تجارة” (2: 16ب) وهي غالباً ماخوذة من زكريا 14 :21. لان كلمة كنعاني معناها او قد تترجم  “بتاجر” . اما العبارة الاخرى فهي بعد ان تحداه ايهود وقالوا له “أي اية ترينا حتى نفعل هذا” (2 :18) فقال لهم السيد “انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة ايام اقيمه” (2 :19). كما هي العادة لم يستطع اليهود ان يفهموا قول السيد واشارته فظنوه انه يتكلم عن الهيكل ذاته ، الذي طهره. اما هو، كما يقول الكتاب المقدس كان يشير الى هيكل جسده. ان اليهود كانوا يطلبون اية ولكن يسوع لم يعطهم اية بل جعل الاية في نفس ما فعل هو ومعناه الحقيقي. ففي حادثة تطهير الهيكل اشار لهم الى المعنى العميق لتطهير الهيكل ، انه ليس تطهير القديم ولكنه الجدي.. الهيكل الجديد.. هيكل جسده. ان موت المسيح وقيامته لا يتعلق به هو فقط ولا بجسده المباشر فقط بل بجسده الكامل أي الكنيسة ، انه يبني هيكلاً جديداً يسكن فيه الله …

وهكذا صار حادثة تطهير الهيكل مثل اية قانا الجليل دليلا على النظام والهيكل الجديد الذي اقامه السيد .. الديانة المسيحية او جسده الجديد.

3- ولادة جديدة: (3 :1-13).

     هذه الحقيقة تظهر في مقابلة المسيح لنيقوديموس الذي جاء اليه ليلاً وهذا الجزء ينقسم الى قسمين الاول (3: 1-13) وهو حوار بين الاثنين ، اما الثاني فهو خطاب (14: 21). وفي هذا الجزء يظهر اصطلاح “ملكوت الله” لاول مرة في الانجيل ، ولا تظهر بهذه الكيفية في مكتن اخر . وملكوت الله هو الاسم الذي اعطاه السيد للنظام الجديد الذي اعلنه كما ظهر ذلك في اية قانا الجليل . وفي هذا الجزء يكشف السيد النقاب عن الكيفية التي يستطيع بها الانسان ان يدخل هذا النظام الجديد او ملكوت الله . وذكر ذلك لمعلم اليهود العظيم  نيقوديموس فقال له “الحق الحق اقول لك ان كان احد لا يولد من فوق لا يقدر ان يرى ملكوت الله” (3: 3) . وفي هذا الموقف يمثل نيقوديموس كل الشعب اليهودي الذي استغلق عليه شخص السيد ورسالته لانه كان يتمسك بالمظاهر والجسديات فقط . ولذلك اراد السيد ان يخبره ان اعمال الناموس والطقوس لا يمكنها ان تدخله الى ملكوت الله ، فدخول الملكوت هو عمل الله بروحه القدوس ، وبغير ذلك لا يستطيع ان يرى الانسان ملكوت الله، وهل يستطيع اليهودي المتمسك بالطقوس ان يفهم ذلك؟ ولهذا فهو يتسال بكل حيرة : كيف يمكن ان يكون هذا (ع9)؟ وهنا يكشف له السيد ان هذا كله مرتبط ارتباطا تاما بارساليته ، انه هو الذي اعلن المخلص وانه الديان في نفس الوقت انه اعلان الله للناس واعلان الناس

لانفسهم، فهو مخلص لمن يقبله ويقبل ذبيحة الله فيه وديان لمن يرفضه. ولكن ما هي الولادة الجديدة التي يتكلم عنها السيد  ؟يجب ان نفهم ذلك في ضوء الاعداد اللاحقة “وكما رفع موسى الحية في البرية … هكذا احب الله العالم …” (14-17) ، وكذلك في ضوء ما قيل في 1 :12 و13 “12وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ، 13اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ اللَّهِ” فالتفسير الصحيح للولادة الجديدة هي الايمان باسم المسيح وصيرورة الانسان ابن لله . فهي ليست تغييراً في شخصية الانسان وبنيته ولكنها تغيير في موقفه ومركزه. هذه هي الولادة الجديدة التي بها ندخل ملكوت السموات . الم يقل السيد في كرازته “قد كمل الزمان واقترب ملكوت السموات فتوبوا وامنوا بالانجيل (مرقس 1: 15).

4- عبادة جديدة : (4: 1-42):

       في هذا الجزء يعلن السيد عبادة جديدة او ان شئت فقل  “كيفية القرب الى الله وعبادته” التي تليق به . وهذا الجزء ينقسم الى قسمين كبيرين : حوار المسيح معالمراة السامرية ثم حواره مع تلاميذه (4: 8-26، 31 -38 ). وفي الحوار الاول يتخذ ايضا الماء مكانته : في قانا الجليل كان يمثل النظام القديم الاقل قيمة وعملا ، وفي الحوار مع نيقوديموس كان يمثل معمودية الماء ، اما هنا فهو يمثل الحياة الارضية بكل ما يتصل بها . هنا في هذه القصة يقول السيد انه يعطي الماء الحي . وقد ظنت المراة ان الماء الحي هو هو  الماء الجاري وهو اعذب وانقى من هذاالماء المخزون في البئر . ولكن المسيح كشف لها عن نوع اخر من الماء ينبع الى حياة ابدية . وهنا يتكرر موقف الجهل الذي اظهره نيقوديموس  في عدم تفهمه للعنصر الجديد الذي

يدخل الى مفهوم الحياة الروحية. فكما اظهر هذا الرجل جهلاً في معنى الولادة الجديدة ، اظهرت المراة السامرة جهلاً بالماء الحي. والى جانب ذلك واجهت المراة الدينونة التي يختبرها كل انسان في مواجهة المسيح ، عندما قال لها “كان لك خمسة ازواج” (4: 16-18). ولم يكن قصد السسيد ان يكشف سر المراة ولكنه كان يريد ان يكشف سر الديانة التي تمثلها، ديانة زنت بعيداً عنالاله الحي ، وتنبنت عناصر جديدة جلبتها من كل مكان ، ومع ذلك تفاخر بها في مواجهة ابن الله، وهي “لا تعرف من الذي يكلمها” وفي هذا الموقف اعلن السيد عن عبادة جديدة في الحياة الروحية لم يعرفها الانسان من قبل ، انها عبادة لا تهتم باورشليم ولا تتوقف على جبل جرزيم ، عبادة حقيقي “وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هَؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اَللَّهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا»(4: 23و 24) هذه هي العبادة الجديدة وقد ظهرت الان ، ومعنى ظهرت الان أي قد جاءت بمجيئه هو . أي ان فيه هو العبادة الروحية، فلا في جبل جرزيم ولا في اورشليم يتقابل الله مع الانسان ، ولكن فيه هو تقابل الانسان والله وجهاً لوجه وعرف الانسان كيف يرى الله في وجه يسوع المسيح ولا يموت هذه هي عبادة الروح .. في المسيح يسوع.

     اما بقية القصة ومجيء تلاميذه واعلانه لهم ان طعامه هو ان يفعل مشيئة الذي ارسله وان يتمم عمله (34) وان الحصاد كثير والحقول قد ابيضت للحصاد (35-38 ) فتبن اهتمام المسيح بلاعلام الذي تحت سلطان رئيس هذا العالم وانه يربيد ان ياتي بهم الى هذا الجديد الذي اتى به هو. وقد حدث ذلك في رجوع السامريين وايمانهم به.

(ب) الايات التي تعلن ان يسوع يعطي الحياة : (4 :14 -5 :47):

     1- هذا هو القسم الثاني من كتاب الايات وفيه نجد قصتين او ايتين عملها يسوع، الاولى هي شفاء ابن خادم الملك في كفر ناحوم وهي الاية الثانية بعد قانا الجليل ، وقد صنعها يسوع بكلمة (4: 43 -54). والاية الثانية في هذا الجزء هو شفاء الرجل الذي مكث 38 سنة مريضاً . وقد حاول ان يشفى في بركة بيت حسدا ولكنه لم يستطيع فشفاه يسوع بكلمة (5: 1-9) ويجيء بعد ذلك  خطاب قاله يسوع في الهيكل او في امكنة مختلفة (5: 10-47).

     ويلاحظ ان القصتين تظهر انه كيف كانت كلمة المسيح تمتلك قوة الشفاء ، فالسيد لم يمد يده الى ابن الخادم الملك الذي كان بعيداً لا الى الرجل المفلوج . ولكنه قال  كلمة فعملت كلمته بقوة، لانه هو نفسه “الكلمة” (1: 1).

      في القصة الاولى يقابل خادم الملك السيد في المكان الذي اظهر فيه مجدهلاول مرة (2: 14)، وهناك ايضا ظهر مجده في كلمته ليس فقط في تحويل الماء الى خمر بل في اعطاء الحياة لشخص مشرف على الموت.

     اما القصة الثانيية فقد ظهر فيها معطياً الحياة لانسان  كان يعيش مشلولاً مثل ميت. ومع انه كان بجانب الماء الذي كان الملاك يحركه، ولكنه لم يستفد منه، ولعل ذلك كان رمزاً الى التوراة والناموس التي لم تستطيع ان تشفي هذا الرجل العاجز الذي يشبه الخطاة والعشارين، ولكن هذا العاجز شفي بكلمة يسوع القادرة .. بكلمة النعمة.

     2- بعد هاتيت الايتين اللتين ظهر فيهما يسوع معطيا الحياة ناتي الى خطاب المسيح ، وفي الجزء الاول منه تظهر مشكلة السبت. فالاية حدثت

يوم السبت، وامر الرجل الذي شفاه ان يحمل سريره يوم السبت ، وهذه كانت مشكلة بالنسبة لليهود . فكيف يكسر يسوع يوم السبت. ولكي نفهم رد يسوع المتضمن في 19-24 نعود الى قضية ضخمة شغلت مفكري اليهود في فلسطين وفي الشتات ، وهي قول سفر التكوين “فاستراح الله في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمله” ( تكوين2 :2). وكان السؤا لالصعب هل يسكت الله  عن العمل؟ وهل يستطيع ان يستريح ظ وقد قدمت تفسيرات كثيرة : انه استراح أي انتهى من عمله الذي عمله خالقاً. او انه امر كل عبيده الملائكة الذين استخدمهم في الخلق – كما يقولون – ان يستريحوا. اما هو فلا. وبحسب العهد القديم فان الله لا يمكن ان يسكت عن العمل لانه هو الاله العامل النشيط  – ولكن ما هو العمل الذي يقوم به الله؟ انه يقوم بعملين : عملية الخلق .. فهو في خلق مستمر لانه منبع الحياة ولابد انه يعطي الحياة ، والعمل الثاني هو العناية ، او حكم العالم وملكه عليه وهو لا يسكت عن هذين العملين لا في يوم السبت ولا في يوم اخر.

     وعلى هذا الاساس جاء رد يسوع ” ابي يعمل حتى الان وانا اعمل” (5 :17). ومثلما يعمل الاب هو يعمل . انه يعمل نفس العملين الذين عملهما الاب : اعطاه الحياة والدينونة أي الخلق والملك . “21لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي كَذَلِكَ الاِبْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ. 22لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَداً بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلاِبْنِ” (21 و22). وكما ان الاب لا يستريح هكذا الابن لا يمكن ان يمنع عن هذين العملين حتى في يوم السبت .

     وهنا يواجه اليهود مشكلة اخرى: هل معنى هذا انه مساو للآب؟ فكيف مثل هذا الشخص الذي يقول انه يجب ان يموت

(18)؟ ولكن يسوع لا يضع نفسه في تواز مع الاب كقوتين متساويتين تعملان معاً . ولكنه يعمل ما يعمله الاب في طاعة كاملة له . وفي نفس الوقت الاب يحب الابن محبة كاملة ويريه جميع ما يعمل.

     في هذا التصريح يضع السيد ذلك  الحق العظيم الذي يقف امامه الجميع صاغرين انه وهو الذي لم يحسب خلسة ان يكون معادلاً لله.. لكنه اخاى نفسه. انه يعمل مع الاب كمساو له ولكن  في نفس الوقت في طاعة كاملة له، هذا السر عظيم.

     3- ولكن السيد لا يدعي شيئا ليس له ملكه وهناك من يشهد له ، انه يؤجل شهادته عن نفسه في موقف قادم (8: 14) . ولكنه هنا يشير الى شهتدة يوحنا المعمدان له (5: 33-35) ولكن هناك شهادة اعظم من يوحنا، شهادة لا ينكرها الا المكابر وهي شهادة الاعمال التي يعملها. فهي نشهد ان الله قد ارسله هذا ما قاله ايضا نيقوديموس (3: 2). ولكن هذه الشهادة لا يعرفها ولا يفهمها الا الذين سكنت فيهم كلمة الاب وعرفوا صوته. هناك شهادة ثالثة وهي شهادة الكلمة المقدسة، شهادة العهد القديم، مع انها في ايديهم ولكنهم لا يريدون ان يقبلوا شهادتها 39 و40 .

     ولكن اذا كانت شهادة يوحنا والاعمال التي يعملها والكتب المقدسة قوية لدى اليهود لكنها ليست بذات القوة عند اليونانيين . فلكم راو  وصدقوا اوناس يقومون بالسحر وباعمال ظنوها خارقة . لكن الشهادة الحقيقة ليست فقط في اعطاء الحياة، ولكنها في نوعية الحياة التي يعطيها المسيح.. الحياة التي يعطيها لكل انسان يسمع صوته. انها الحياة الحقيقية.. الحياة الفضلى، هذه الشهادة هي التي يقتنع بها جميع الناس (5 :25).  

 

 

(جـ) خبز الحياة: (ص6)

     هذا هو الجزء الثالث من كتاب الايات . ونجد في هذا الاصحاح ثلاث حوادث متتابعة تبنى الواحدة على الاخرى ، وفي الجزء الثاني من الاصحاج نجد خطاب طويل للسيد (26-65) وهو ايضا يبنى على ثلاث ادوار متتالية كما سنرى فيما بعد.

     1- اما الحوادث المتتالية فهي قصة اشباع الالاف ويذكر الانجيل انهذه الحادثة حدثت في ظلال عيد الفصح (ع4) وفي هذا رمز، كما انه يشبع اجسادهم ، ويفسر السيد هذا الموقف في خطابه الذي ينصب على الشركة المقدسة او عشاء الرب. وهكذا لا نجد فرقاً كبيراً بين انجيل يوحنا والاناجيل الثلاثة الاخرى . فتلك تضع عشاء الرب الذي عمله السيد في اطار الفصح اليهودي لكي تعرف الكنيسة فصحها الجديد ، وكذلك يوحنا ، فانه يذكر خطاب السيد عن العشاء الرباني في اطار الفصح اليهودي.

      ونتيجة لهذه القصة او الحادثة التي لم يفهم الناس مغزاها حاولوا ان يختطفوه ويجعلوه ملكاً (415). اذ راوا هذه الاية الدلالة على انه المسيا الذي يريدونه. ان الاية العظمى للمسيا هي ان ينزل لهم الخبز من السماء، كما سياتي ذكره في الخطاب، وقد فعل هذا الرجل ذلك، فجعل من ارغفة قليلة وسمك قليل مائدة اشبعتت الالاف .. انه النبي الاتي .. انه موسى الجديد ، اذن فليكن ملكهم . هذه تكرار للتجربة الاولى التي واجهها السيد في البرية حسب ما تظهر الاناجيل الاخرى. (متى 4: 1-4، لوقا 4: 3و4).

وهنا قام يسسوع بعمل حاسم ليوقف الجموع عند حدها وينقذ تلاميذه من هذا الفهم الخاطئ ، ففصلهم عن الجموع وارسالهم بعيداً . ثم ذهب هو الى الجبل بعيداً عن هذه التجربة ، ولابد ان التلاميذ كانوا فب قمة التشويش ، وخصوصاً عند هياج البحر ، كيف لم يرض يسوع بهذه الفرصة المتاحة لياتي ملكوت الله؟ ولكنه في هذه الفرصة الحرجة جداً اتاهم ماشيا على البحر وبهذا العمل الخارق لطبيعة اعطاهم السيد فكرة صحيحة عنه ، لانه رجع بهم الى قول المرتم “في البحر طريقك ، سبل في المياة الكمثيرة واثارك لم تعرف” (مز77: 20). ويؤكد ذلك قوله لهم ليطمئنهم “انا هو” .. وهي العبارة التي ينطق بها الله نفسه في العهد القديم (اشعياء 43 :10) عندما يرى ان يعزي شعبه وياتي لنجدته.

     2- اما الجزء الثاني من الاصحاح فهو الخطاب وهو ينقسم ايضا الى ثلاثة اقسام :

     القسم الاول: (26-34) يشرح خبز الحياة في ضوء مفهوم  المن الذي نزل من السماء لابائهم في البرية . انهم يريدون مثل هذه الاية حتى يؤمنوا به ويعملوا كل ما يطلبه منهم . وكان رد السيد ان الاب وليس موسى هو الذي يعطي الخبز الحقيقي الذي يحيي. اما المن فقد اتى حقيقة من السماء ، ولكن لم يعط حياة ابدية دلالة على انه ليس الخبز الحقيقي . وهكذا يوبخ السيد تلك المادية المتطرفة في مفهوم اليهودية للديانة والعطايا الالهية . ويذكر دود ان المن عند اليهود هو رمز للتوراة ، فاذا كان الامر هكذا فيكون جواب السيد هكذا “موسى اعطاكم التوراة لكي تشبعكم لان الناموس بموسى اعطي (1 :17)، ولكن التوراة الان لا تشبع فالخبز الحقيقي قد جاء من السماء وهو الخبز الذي يعطيه الله.

وهنا يبدا القسم الثاني (35-50) وفيه يعلن السيد صراحة انه هو خبز الحياة الذي نزل من السماء . وهذا الاعلان (35) يوجه تفكيرنا الى (3: 13) حيث يعلن ان ابن الله هو الذي صعد الى السماء ونزل من السماء الى الارض. وهو الخبز الذي من ياكله لا يجوع. ولكن كيف يقول ذلك والجميع يعلمون من اين جاء؟ اليس هو ابن مريم ؟ فكيف يقول انه نزل من السماء؟ هنا ياتي الجواب الحقيقي الابدي ، هو ان الذين يعطيهم له الاب فاليه يقبلون ويعرفون من هو ومن اين اتي، وكل من يراه أي يعرفه تكون له الحياة الابدية وهو يقيمه في اليوم الاخير . وهنا يضع المقارنة واضحة : انه هو وليس المن الخبز الحقيقي النازل من السماء والعلامة على ذلك ان الذين اكلوا المن ماتوا اما من يؤمن به فلن يموت فهو اذن الخبز الحقيقي.

     ويصل الخطاب قمته في الجزء الثالث (51-60). وفيع يعلن يسوع انه الخبز الحقيقي وهو في نفس الوقت الذي يعطي الخبز ، وهذا يعني انه يعطي نفسه “والخبز الذي انا اعطي هو جسدي (51) والجسد هنا ليس body  أي جسم ولكنه البشرية Sarx Flesh . وجاء السؤال المباشر السريع “كيف يقدر هذا ان يعطينا جسده لناكل” (52). ولكن يسوع لم يعطهم جوابا مباشراً كما فعل مع نيقوديموس الذي ساله “كيف يمكن للانسان ان يولد وهو شيخ” (3 :4) ان عددي 50 و51 هما صورة مطولة من نفس الكلام الذي ذكره الرسول بولس في 1كو 11: 24. اما معنى ان يعطي السيد جسده ليؤكل فيوضحه في ع56 بقوله “من ياكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وانا فيه ” أي ان الاكل هو الوحدة في المسيح . ولكنه يضيف عنصراً جديداً هو الدم : “ان لم تاكلوا جسد ابن الانسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم” (ع53-56) وهذا يدل على ان السيد يشير الى

العشاء الرباني والى موته في نفس الوقت . فالوحدة في المسيح هي وحدة في موته ووحدة في حياته: تماما كما يقول الرسول بولس عن المعمودية ، في رومية 6 :3-5. فالسيد هنا يشرح باختصار الشخص الذي يتحد بع ويكون فيه . . الايمان.

     3- يعلن يسوع ايضا في 4: 10-15 انه هو ماء الحياة وفي 6: 27-34 يعلن انه خبز الحياة. وهذا يشير الى الاسخاتولوجي اليهودي، حيث يعتقد اليهود انه كما ان موسى اعطاهم الخبز والماء، الخبز من السماء والماء من الصخر في البرية، هكذا في ايام المسيا سوف يكون لهم هنا بوفرة عظيمة .. ولكن السيد يقول عن نفسه انه هو خبز الحياة وانه ماء الحياة ، وبذلك ترتفع هذه الاسخاتولوجية من المادية المخيمة على التفكير اليهودي. وهذا ما يقوله الرب في نفسه “الروح هو الذي يحيي اما الجسد فلا يفيد شيء الكلام الذي اكلمكم به هو روح وحياة” (6: 63) . وهنا يدخل عنصر جديد اخر في حديث السيد وهو الروح . وقد جاء الروح في كلامه مع نيقوديموس (3: 5) فالميلاد الجديد من الماء والروح . وجاء في حديثه مع السامرية فالعبادة الحقيقية هي من الروح والحق (4: 23)، وهنا يتكلم عن الثبات في المسيح بالروح لانه هو الذي يعطي الحياة (6: 36).

      هذا الكلام صعب، وقد تعثر منه اليهود ورجعوا الى الوراء لانهم لم يستطيعوا ان يفهموه وهم يعيشون بعقليم مادية ، فيقول السيد لتلاميذه الذين شاركوا بعض الشيء في التذمر وعدم المقدرة على فهم ما يقول ” ان رايتم ابن الانسان صاعداً حيث كان اولاً ” (ع63) وهذا يعني ان هذا كله سوف يتضح لكم بعد ان يتمجد ابن الانسان . وكما فهموا قوله لليهود “انقضوا هذا الهيكل ..” عرفوا انه يقول عن هيكل جسده (2 : 22) هكذا سوف سوف يكشف لهم الروح القدس عن معنى كلام السيد لهم في هذا الموقف ويذكرهم به (16: 12-16).

( د) “النور والحياة .. الاعلان والرفض” (ص7و8):

     هذان الاصحاحان يخلوان من الايات التي يقوم بها السيد لاعلان مجده، ولكنهما يحتويان على كثير من الرموز التي تشير الىه . وفيها القصص والحوار يمتزجان بعضهما ببعض ، وكل هذا يتركز على شخصيته. ولعل اهم ما يميز هذا الجزء هو التوتر الشديد بين المسيح واليهود . ففيه يوجه اليهود كل الاتهمامات الممكنة ضده وهو يجيب عليها بطريقته  المعهودة ، وفي معظم الاحوال كانوا يتهجمون عليه ويقذفونه بالاتهمام تلو الاخر ، حتى ان الانجيلي ذكر في عشر مواضع كيف كانت حياته في خطر ولكنهم لم يستطيعوا ان يفعلوا شيئاً لان ساعته لم تكن جاءت بعد: (7: 1و13 و19 و25 و30 و32 ،8: 37 و40 و59). ففي هذا الجو العنيف سارت المواجهة الضخمة بينه وبين اليهود.

     هذا الجزء لا تظهر فيه الوحدة الادبية الكاملة، ولكنه ينقسم على العموم الى تسع اقسام منها 7 مرات حوار : 1- المقدمة (7: 1-10) 3- منظر في عيد المظال ويسوع غائب (11-13) 3- يسوع يجيء الى العيد وهنا يحدث الحوار الاول وموضوعه المسيح وموسى (14-24)    4- الحوار الثاني يسوع يعلن مسيانيته ومعارضة اهل اورشليم له (25-36)    5- الحوار الثالث (37-44) .    6- الحوار الرابع (45-52).     7- الحوار الخامس (8: 12-20)     8- الحوار السادس (21-30)     9- الحوار السابع (31-59).

     1- هذا كله يحدث في عيد المظال . ويتميز هذا العيد بعدة امور هامة: منها ذلك الطقس الذي كان الكاهن يقوم به كي يوم من ايام العيد السبعة.

وبعض الربيين يقولون انها ثمانية ايام – كان الكاهن يذهب ليملأ انية ذهبية ياخذها من انية الهيكل في بركة سلوام ثم ياتي بموكب عظيم ويسكبها على مذبح التقدمة، وكان يصحب هذا العمل صلاة لاجل المطر لعل الرب يكثر لهم امطار الخريف حيث يزرعون زرعهم.

     اما الامر الثاني فكان انارة رواق النساء بنور قوي جداً يشع في كل الهيكل حتى ان هناك اقوال للربيين يؤخذ منها ان اورشليم نفسها كانت تنير من هذا النور.

     والامر الاخير هو ارتباط العيد وطقوسه باسم الله وهو “أ ن ي  هـ و ا” أي “انا هو ” وهي تاتي من اسم الله الخفي العظيم “انا هو” . ويقال ان حرف الواو اضيف لكي يدل على ارتباط الله الحميم باسرائيل. كأن طبيعة الله العميقة لا تظهر الا بالتصاقه وارتباطه باسرائيل.

     واليك الامور التي تكون الخلفية لاعىن السيد عن نفسه في هذين الاصحاحيين ، الشيء الاول هو عدم ذهابه مع الناس الى العيد  ولكنه ذهب كانه في الخفاء . ولكنه ظهر فجأة في الهيكل ، وهذا في الحقيقة اتماما لقول النبي ملاخي ” (ملاخي 3: 1) . هذا هو اليوم العظيم الذي فيه يعيد الناس عيد المظال عندما يرجع الرب ويخلص اسرائيل (زكريا 14: 16) وها هو قد جاء فجأة في عيد المظال .. انه الرب.

     انه الاعلان الثاني فهوما قاله السيد الرب في اليوم الاخير العظيم انه هو الماء الحي في قوله “ان عطش احد فليقبل إليّ  ويشرب..” (7: 37) ويقول

بعض العلماء – وبحق- ان الكلام الذي يلي ذلك “ان عطش احد فليقبل الى وليشرب ، من يؤمن بي” كما قال الكتاب تجري من بطنه انهار ماء حي” اما من تجري من بطنه انهار مياة  حية فهو ليس المؤمن ، فهذه فكرة غريبة على الكتاب المقدس . بل هو المسيح نفسه الذي هو الماء الحي . والماء الحي هو ما يشير اليه النبي زكريا (13: 1 ، انظر حزقيال 47: 1-5، اشعياء 12: 3). وكما عرفنا فان الربيين يعتبرون ان المياة تعني البركات الروحية . اما القديس يوحنا فانه يربط ايضا الماء الحي بالروح القدس كما هو الحال في امكنة كثيرة.

 ثم الاعلان الاخير المتضمن في 8: 21-30:

      يذكر السيد عبارة “انا هو” (ع24) “لانكم ان لم تؤمنوا اني انا هو تموتون في خطاياكم” وهذه العبارة شبيهة بقول الله في العهد القديم “انا هو” وقد تكررت العبارة في ع28 مع ع 29 “والذي ارسلني هو معي ” . التي تشابه “انا وهو”  التي تقال في عيد المظال كانما اخذ السيد مكانة اسرائيل.

      3- هذه الاعلانات المجيدة التي قالها السيد لليهود في عي المظال اثارت اليهود ضده فوجهوا اليه ثلاثة انتقادات.

     انه انسان جاهل لم يتعلم (7: 15). ولكنه رد عليه “«تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي. 17إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ هَلْ هُوَ مِنَ اللَّهِ أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي” (16و 17). ان انتقادهم له بانه غير متعلم نابع من انهم لا يعملون مشيئة الله . ولذلك فقد راوا التناقض بين تعليمه وتعليم موسى الذي امر بحفظ السبت (23 و24).

     اما الانتقاد الثاني فمبني على عقيدتهم في ان المسيا عندما ياتي لا يعرف احد من اين ياتي ، اما هذا فانهم يعرفون من اين هو (7 :27). وكان رد

السيد عليهم ” تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أَنَا وَمِنْ نَفْسِي لَمْ آتِ بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقٌّ الَّذِي أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. 29أَنَا أَعْرِفُهُ لأَنِّي مِنْهُ وَهُوَ أَرْسَلَنِي» (28 و29) . مرة اخرى يتهمهم بانهم هم الذين لا يعرفون الله ولذلك فلا يعرفون من اين جاء السيد حقيقة.

     اما الانتقاد الثالث فهو ان من يشهد لنفسه فشهادته لا يؤخذ بها وليست حق (8 :13)، وكان رد السيد عبليهم ” وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ لأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فلاَ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ آتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. … 18أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي» ( 14 و 18) انهم بسبب جهلهم هم، لانهم لا يعلمون مشيئة الاب بل مشيئة انفسهم ، لا يستطيعون ان يفهموا من هو ولا من اين جاء ولا يقدرون شهادته او شهادة الاب له.

     هذا الجزء تلخيص لموقف اليهود تجاه السيد ومن اعلاناته عن نفسه انه هو المسيح الحقيقي خبز الحياة . نور العالم . الماء الحي . “انا هو” الالوهية .

(هـ) الدينونة التي للابن (9: 1-10: 39)      

     هذا هو الجزء الخامس او الاية الخامسة : وهي تغطي مع كل ما يتعلق بجوار المسيح وخطابه في الاصحاح التاسع كله وفي الاصحاح العاشر الى العدد 20 . اما باقي ص10 فهو ملحق لهذا الحق، وكشأن البشير فانه يضع هذه الملاحق لكي يختتم بها الجزء السابق الذي انتهى فيعطيه توضيحاً اكثر ولكي يجهز القراء للجزء القادم فماذا نجد في هذاالجزء؟

     1- راى يسوع انسانا اعمى منذ ولادته ، وراى فيه فرصة لكي يعمل اعمال ابيه اذ يشفي هذا الانسان . انه لم ينف ان الرجل اخطأ ، وان ابويه

قد اخطأوا. ولكنه يظهر هذه العاهة التي يقاسي منها على انها فرصة يظهر فيها مجد الله .. واستخدم يسوع الماء هنا ايضا مع انه لم يكن الماء الطبيعي فكما حول الماء الى خمر ، جعل منه مع الروح القدس مكانا للولادة الجديدة ، وجعله اشارة الى الماء الحي ، هكذا جعله اداة لارجاع البصر الى هذا الاعمى، وشفي الرجل وكان شفاءه سبباً في انقسام حاد بين اليهود (9: 16). قال الفريسيون هل يمكن ان يكون الشخص الذي يكسر يوم السبت من الله؟ (ع16) لماذا لم ينتظر الى يوم اخر لكي يفتح عيني الرجل؟ ان حالته لم تكن ضرورية جداً وحاسمة حتى يشفيه يوم السبت . فهذا الانسان إذاً ليس من الله . اخرون نظروا بعمق وقالوا له لو كان هذا الانسان ليس من الله ما كان يصنع بواسطته المعجزات . وفي الحوار الذي حدث بين اليهود والرجل الذي كان اعمى تظهر طريقة البشير في السخرية من اليهود. ارجل لا يعرف إذا كان الذي شفاه من الله ام انه يعرف شيئاً واحد انه الان يبصر (25) . ثم يرد على سؤالهم المتكرر .. العلكم تريدون ان تصيروا له تلاميذ؟ (ع27) انه رد قاس ولذلك شتموه.. ووصل الى قمة المواجهة والسخرية منهم في _30 -33) ويبدأ القول “ان في هذا عجباً …” وكانت النتيجة انهم طردوه من المجمع أي حرموه من العبادة.

     2- في هذه القصة نسمع صدى لما كان يحدث في سنة 80-85 م بعد خراب اورشليم فان اليهود بدوا يتجمعون مرة اخرى وبداوا ما سموه في صلاتهم “لعنات على الهراطقة” . والهراطقة هم المسيحيون ، فقد اعتبروهم خارجين عنالناموس وموسى وقطعوهم من المجمع ، ولم يصبحوا يهوداً مرة اخرى .. وكأن هذا  تكراراً لما حدث في حادثة ذلك الرجل. عندئذ جاء اليه يسوع واظهر له نفسه انه هو الذي فتح عينيه وانه هو المسيا ابن الله وامن الرجل وسجد له.

وهنا يعلن السيد انه نور العالم (انظر ع5) ولكنه ليس فقط للانارة بل للدينونة ايضاً “للدينونة اتيت انا الى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين لا يبصرون” . ويعرف الفريسيون عمق ما يقوله السيد فقالوا “العلنا نحن ايضا عميان ” (40) قال لهم السيد “لو كنتم عميان لما كانت لكم خطية ولكن الان تقولون اننا نبصر فخطيتكم باقية ” (41) هذا يبين ان الذي يواجه النور يرى نفسه فيه حتى ولو كان معانداً مثل الفريسيين ، فيعلم انه تحت الدينونة.

      3- من هذا المنطلق اعلن السيد عن نفسه انه هو الراعي الصالح . يمكن ان يفهم هذا القول تماما اذا رجعنا الى شيء مماثل له في حزقيال 34. حيث يوبخ الله رعاة اسرائيل انهم لم يرعوا الغنم ولم يعطوها طعاماً بل بالعكس ذبحوها واكلوها. وبدلا من ان يحملوها تركوها تضل فتفترسها وحوش البرية ، ولهذا السبب يجب ان يطرد الرعاة ويصبح الله وحده الراعي لهذا القطيع المسكين. والله سوف يقودهم من السبي ويجمع القطيع المشتت ويدخلهم الى الارض حيث يجدون المرعى . سوف يطعمهم ويريحهم حتى يعرفوا انه هو الرب . وبعد ذلك سوف يفصل بين شاه وشاه وبين الجداء والخراف ، وسوف يقيم عليهم راعياً وهو داود (أي المسيا) . وسيقتل وحش البرية وتبقى الخراف في امان . ويختم النبي هذه النبوة بالقول “انتم يا غنمي غنم مرعاي اناس انتم، انا الهكم يقول السيد الرب” (حز34: 31). هذه النبوة تشبه الى حد كبير خطاب السيد في يوحنا 10: 1-18 . فالسيد يقول ان خرافه تركها الاجراء لتفترسها الوحوش (10: 12) ، اكلها السراق واللصوص (10) ولكنه كالراعي الصالح الذي يخلص رعيته ولذلك فهي تعرفه (8) .وهو يدين الرعاة السابقين واللصوص (1) ويظهرهم على   

صفحة 618  

أولا- خطاب الوداع:

     يختلف هذا القسم من أقوال السيد عما سبق من خطاباته وحواره في أنه موجه إلي تلاميذه فقط، بينما تلك الأقوال السابقة كانت موجهة إلي الجموع وخصوصاً رؤساء اليهود. هنا يجلس مع تلاميذه لوحدهم ، السيد مع كنيسته الراعي مع رعيته ؛ لا يوجد أي غريب بينهم ، حتى يهوذا ذهب ولم يكن معهم ، وفي هذه الحالة بدأ يكلمهم ويلخص لهم المستقبل والمكلات التي تواجههم والاختبارات العميقة التي تجوز فيها كنيسته ، وأخيراً يرفع الصلاة إلي الآب لأجلهم ، لأجل كل الكنيسة التي دعاها وصارت جسده .

    وتختلف هذه الخطاب الخصوصية للتلاميذ عن مثيلتها مما جاء في الأناجيل الثلاثة الأول من حيث الشكل . ففي تلك الأناجيل كان السيد أيضاً يكلم تلاميذه ويفسر لهم ما عصي عليهم عندما يكون معهم في مكان بعيد عن بقية الناس ( مرقس 4 : 10 ، 7 : 17 ، 8 : 31 ، 33 ) وهكذا . ولكن هذه التعاليم كانت في سياق الخدمة والتعاليم ، فكانت منثورة هنا وهناك .

أما هنا في هذا الإنجيل فهما حوار أو خطاب متصل ومستمر.

إطار هذا الخطاب :

  • كان هذا الخطاب أو إن شئت فقل ” الحديث ” كما يذكر إنجيل يوحنا في الليلة التي أسلم فيها

يسوع. . لقد كان يسوع يأكل العشاء مع تلاميذه . وفي إنجيل يوحنا لا نرى واضحاً إن كان هذا العشاء الفصح أو كان مبكراً عنه بيوم واحد، ومع ذلك فروح الخطاب هو روح الفصح، وهو مملوء بأفكار الفصح الجديد الذي يأخذ طريقه إليهم الآن. وعشاء الفصح بحسب العادة اليهودية كان يتميز بشيء مهم وهو أن أصغر أفراد الأسرة التي تأكل الفصح يسأل رب السرة عن معني ما يعلمون ، فكان هذا الأخير يتكلم طويلا معهم عما فعله الله معهم . وهذا كان خطاب الفصح المعتاد الذي يذكره رب الأسرة لها كل مرة . ولهذا الغرض وعلي أساسه قال يسوع هذا الحديث علي العشاء، فهو رب الأسرة، وهو سيدها. ولكنه لا يكرر ما جاء في أقوال رب الأسرة اليهودي ، عما حدث في العهد القديم وكيف أن الرب عمل معهم لاصاً عجيباً وأخرجهم منة أرض مصر ، ولكنه ذكر لهم أخبار فصح جديد يقام الآن وعملية خلاص روحي عميق هو في سبيل إكماله أو أنه قد أكمله فعلا .

  • ولكن كان هنا عامل آخر يفسر هذا الخطاب الوداعي الطويل . ففي إصحاحات 2 – 12 أي في كتاب الآيات كان يسوع ينظر دائماً إلي الأمام إلي تلك الساعة هي وقت موته وقيامته وصعوده أي ساعة تمجيده . ففي تلك الساعة يأتي الإعلان النهائي لمجد الآب فيه . أما من ابتداء ص 13 فإننا نجد أن يسوع يعلن أن الساعة قد أتت ” أما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلي الآب ” ( 13 : 1 أنظر 13 : 31 ، 17 : 1 ) . لقد أتت الساعة التي كان ينتظرها من وقت طويل مضي . وهنا نلاحظ فرقاً بين هذا الخطاب والخطابات التي كانت تبني علي الآية في ص 2 – 12 كتاب الآيات ” فهناك كانت الآية تذكر أولا ثم يتلوها الحديث سواء أكان خطاباً أو حواراً ،ً أما هنا فإن الآية أي ” صلب السيد ” فكانت لا زالت في المستقبل ، إنها لم تحدث بعد . . إنها علي وشك الحدوث . ومع ذلك فإن يسوع يتكلم كأن كل شيء قد حدث، إنه لا يتكلم كالمعلم، بل كرب الكنيسة وسيدها الذي انتصر، لقد أخذ السلطان من الله لكي يعطي حياة أبدية ( 17: 2 ). ففي تلك الساعة لم يكن يسوع يتكلم كأنه ينتظر شيئاً قادماً مروعاً ولكنه يتكلم وكأنة كل شيء قد انتهي وجاز فيه الابن الأبدي في نصرته. إن جثسيماني قد انتهت ، واضطراب نفسه قد صار وانتهي ( 12 : 27 و28 ) وهو الآن يتكلم في مجده وسلطانه الإلهي .

القضايا الهامة في الحديث :

    ولكن ما هي المواضيع أو القضايا الهامة التي يلمسها هذا الحديث الطويل للسيد ؟ 

  1 – إن معظم القضايا التي فيه تتشابه ع القضايا والحقائق التي أعلنها السيد لتلاميذه في جلساته الخاصة ، معهم كما وردت في الإنجيل الثلاثة الأخرى وهي : تأتي تحت 3 رؤوس :

  • نصائح وتحذيرات ومواعيد للتلاميذ : عند الإرسالية ( متّى 9 :35 – 10 : 16 وما يقابلها ) وللسلوك مع الأخوة (مرقس 9 : 33 – 50 ،الموعظة علي الجبل (متىّ 5 – 7 وغيره ) نبوات عن خيانة يهوذا وإنكار بطرس وهروب التلاميذ ( مرقس 14 : 18 – 21 وما يقابلها ) . تحذيرات من الاضطهادات (متي 10 : 17 – 40 وما يقابلها ) مواعيد بالحماية والمعونة التي يقدمها الروح القدس ( متي 10 : 18 – 20 ، 28 –33 ومقابلها ) .
  • نبوات عن موته وقيامته ( مرقس 8 : 31 و 32 ، 9 : 12 و30 – 32 ، 10 : 32 – 34 وما قابلها ) .

(جـ) نبوات أسخاتولوجية النهاية ( مرقس 13 : 5 –23 وما يقابلها ) المجيء الثاني ( مرقس 13 : 26 و27 ) هذا هو ملخص التعاليم الخاصة التي قدمها السيد لتلاميذه في جلساته الخاصة . وإذا درسنا خطاب السيد في لإنجيل يوحنا فإننا نجد معظم هذه التعاليم ، ما عدا التعاليم التي تختص بالنهاية كما جاءت في مرقس 13 : 5 – 23 ، موجودة في يوحنا . ولكن لا يوجد هناك اهتمام كبير بالتعاليم الأخلاقية التي توجد في الموعظة علي الجبل. أما بخلاف ذلك فكل التعاليم الخاصة موجودة في هذا الحديث الطويل . ويلاحظ أيضاً أن أحاديث المسيح مع تلاميذه في الأناجيل الثلاثة لها صلة كبيرة بآلامه وآلام كنيسته وكذلك كانت تعاليم إنجيل يوحنا مع فارق واحد وهو أن إنجيل يوحنا لا يذكر الألفاظ المباشرة للموت والقتل والصلب كما تفعل الأناجيل الأخرى ولا يذكر اصطلاح القيامة ، ولكنه يضع عبارات أخرى : فبدلا من الموت يذكر السيد ” أضع نفسي وبدلا من الصلب يضع كلمة ” إن ارتفعت عن الأرض ” أو يتمجد . . وهكذا .

 

 وهكذا نجد التشابه بين إنجيل يوحنا والأناجيل الثلاثة في المواضيع العامة ولا يختلف عنها سوي في بعض التعبيرات وعدم اهتمامه ببعض المواضيع القليلة كما ذكرنا .

2 – لكن نلاحظ شيئاً آخر ، وهو أن المواضيع والحقائق التي يذكرها الإنجيل في كتاب الآيات يذكرها أيضاً في هذا القسم ولكن في ضوء جديد وبمعني متطور : فمثلا إن كان قد قيل هناك إن يسوع لم يكن قد مجد بعد ، ( 7 :39 ) فإنه في 13 : 31 يذكر علناً أن ” تمجيد ابن الإنسان ” . ومثل آخر : إذا كان كتاب الآيات يذكر أن معرفة الآب أو رؤيته . . لا يتم إلا في إعلان الابن فإنه في 14 : 7 – 9 نجد أن هذه الرؤيا قد تحققت . وهذه المعرفة قد اختيار التلاميذ .

 

  ومثل ثالث : فبينما يقول في 6 : 57 ” . . وأنا حي بالآب فمن يأكلني فهو يحيا بي ” يقول في 14 : 19 ” إني أنا حي فأنتم ستحيون ” أي أن الشخص الغائب فقد تغير وأصبح بصيغة الخاطب أو الشخص الثاني ، معني ذلك أن العلاقة المجيدة التي كان كتاب الآيات ينتظرها تتم بين الناس والله في الابن المتجسد ، قد بدأت تتحقق الآن ، لأن الكلمة قد تمجد . . قد تمم عمله ومجده الآب . فالمتكلم هنا المسيح الممجد لأنه قد تمجد حقيقة .

  وهنا أيضا تغييرا هائلا في استدام الاصطلاحات . . فالاصطلاحات نور العلم وحياة الناس ، صبح حقيقة واقعة في اختيار التلاميذ . . فيصبح التعبير الغالب الآن هو المحبة التي يظهر كمال التعبير عنها في العلاقة بين الآب والابن ثم تتجسم أيضاً في العلاقة بين التلاميذ الذين يمثلون كنيسة المسيح وبين المسيح ( 14 : 31 ، 15 : 9 و 10 و 12 و 13 ، 17 : 23 – 26 ، 13 : 34 و 35 ، 14 : 21 – 23 ) . يظهر ذلك أيضاً في عدد المرات التي فيها تظهر كلمة المحبة في ص 13 – 17 . فبينما لم تظهر في ص 1- 12 سوي 6 مرات ظهرت هنا حوالي 31 مرة وبينما لم تظهر هنا كلمة ” الحياة ” أو “حيا ” سوي 6 مرات ولم ترد قيها كلمة النور بتاتاً . ترد هذه الكلمات في ص 1 – 12 حوالي 82 مرة . إن الهدف من ذلك هو إظهار الحقيقة المجيدة وهي أنة تحقيق الحياة والنور قد تم هائياً في اختيار المحبة . ففي حياة المحبة يستطيع الإنسان أن يعرف الله ويشترك في حياته فيصبح ثابتاً وهو فيه وبذلك يصبح الجميع واحداً في الله بواسطة الكلمة الذي به صار كل شئ وبغيره لم شئ مما كان .

 مضمون الخطاب الوداعي :

   ينقسم الخطاب الوداعي إلي ثلاثة أقسام رئيسية : الأول : العمل العجيب الذي قام به السيد في غسل أرجل تلاميذه ، والحوار الذي يتدخل فيه ( 13 : 1 – 30 ) . القسم الثاني الحوار الذي يحدث بين المسيح وتلاميذه وفيه يطول قول السيد رويداً إلي أن يصبح هو وحده المتكلم ( 13 : 31 – 16 : 33 ) وأخيراً الصلاة الفريدة التي يرفعها السيد بخصوص تلاميذه ومن خلالهم من أجل كنيسته كلها (17)

  • أما القسم الأول وهو غسل أرجل التلاميذ فكان عملا رمزياً .

والشيء الغريب ، أنه رغم أن إنجيل يوحنا يتسم بالميل إلي الرمزية فإنه لا يذكر قصة العشاء الرباني : إنه يذكر شيئاً آخر ، ق\فهو يتخذ منشفة ويتزر بها ثم يغسل أرجل تلاميذه . نلاحظ أن الإنجيلي يقدم لهذه الحادثة بقوله ” وأما يسوع وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلي الآب إذ كان قد أحب خاصته أحبهم إلي المنتهي . . يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شئ إلي يديه وانه من عند الله خرج وإلي الله يمضي . . ” ( 13 : 1- 3 ) . هذا العلم وهذا الفكر كان في عقل السيد وهو يواجه أخطر أزمة في حياته أزمة الموت التي يقول عنها في مواجهتها الآن

” نفسي قد اضطربت ” ( 12 : 27 ) ولكن رغم هذه الأزمة لم يكن لديه أدني شك في رسالته وفي سلطانه . . إنه عرف أن ساعته قد جاءت لكي ينتقل إلي الآب ، إنها ليست ساعة الأعداء لكي يقتلوه ولكنها ساعته هو لكي ينتقل إلي الآب . وفي قمة يقينه وثقته في الآب ، وعندما كان يعرف أن سلطانه علي كل شئ . . في هذه الفرصة عمل العبيد . . غسل أرجل تلاميذه . . إن يسوع لم يصر إلهاً لأنه أطاع وقام بعمل العبيد هذا ، بل العمل لأنه إله ، ولأنه متسلط علي كل العالم . فعمله هذا لم يكن فقط مثالا للتلاميذ ولكنه إعلاناً لمجد الألوهية . ففي أقل وأتفه الأعمال والأشغال يمكن أن يظهر جلال الله . . فمن يستطيع إذن أن يحتقر أي عمل مهما كان صغيراً ؟ فيه يستطيع الفرد أن يظهر مجد حياة الله فيه . . إن عمل السيد هو أساس عملنا وتفكيره هو الدافع لتفكيرنا

( 2 كورنثوس 8 : 9 ) .

هنا أمر آخر وهو أن بطرس عندما رفض أن يغسل السيد رجليه قال له السيد ” إن لم أغسلك ليس لك معي نصيب . إن كانت الأعمال التي نعملها تبين مجد الله فينا فذلك لأننا أخذنا نصيبنا في المسيح . المسيح يغسل أرجلنا أولا لكي نصبح له . . إننا نحتاج إليه . لا يستطيع بطرس بطرس أن يعطي نفسه شيئاً المفروض أن يعطيه له السيد . هذه الحقيقة هي التي يجب أن يفهمها بطرس وكل التلاميذ . ومن هذا نعرف أن عمل السيد هذا وإن كان رمزياً في توقيته : إذ عمل وقت

العشاء . . عشاء الرب وفيما نحلله من أمور، وفوق كل شئ في الإطار الإلهي الذي بني عليه فإنه أيضاً مثال لنا حتى كما فعل هو نفعل نحن أيضاً ( 13 و 14 ) .

  • في الجزء الذي يبدأ من 13 : 31 وينتهي بالإصحاح الرابع عشر كله يتكلم السيد عن موته وقيامته ففي ذلك الوقت كان السيد يواجه حقيقة الموت ، وهي حقيقة تاريخية يعرفها كل الناس . ومع أن السيد كان للتلاميذ ولبطرس ” حيث اذهب لا تقدر الآن أن تتبعني . . ” ( 13 :34 و36 ) وهو يعني الكأس الذي كان عليه أن يشربه أي الموت ، مع ذلك قال لهم بعد ذلك ” أنا أمضي لأعد لكم مكاناً . . آتي أيضاً ” ( 14 : 2 و3 ) فماذا كان يعني بكلمة آتي ؟ إن المضي عنهم يعني موته ، وبالتالي فإن مجيئه يعني قيامته .

نعم إن الكنيسة فهمت من المجيء الذي يتكلم عنه السيد هنا المجيء الثاني ، عندما يأتي لينهي ليس التاريخ ، ولكن في إنجيل يوحنا ، هذا المجيء يعني شيئاً آخر غير المجيء الثاني . هذا يظهر في الآيات التالية ” لا أترككم يتامي إني إليكم بعد قليل لإيراني العالم أيضاً وأما أنتم  فترونني . . إني أنا حي فأنتم ستحيون . . إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلا . . بهذا كلمتكم وأنا عندكم وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم ” ( 14 : 18 – 24 ) إن يسوع يرجع إلي أولئك الذين  هم في الأرض . . الذين يحبونه ويحفظون وصاياه . . إنه يأتي لكي يسكن معهم بروحه . . هذا الروح الذي يسأله الابن من الأب لكي يأتي إليهم ويسكن معهم إلي الأبد ( 25 – 28 ) .

فرجوع المسيح إليهم معناه بالنسبة لهم ، هو اختيار روحه القدوس ، فمجيء الروح القدس هو هذا المجيء الذي يتكلم عنه السيد في هذا الخطاب . وهذا المجيء مشروط . . أي أنه يأتي بشرط أن يحفظ المؤمنون وصية السيد التي أعطاها لهم أي الحلبة . إنه أوصاهم وأعطاهم المثال الحقيقي لهذه المحبة . . هذه المحبة الحقيقة التي يجب التي أن يعيشوها هم ، هي التي تقنع العالم أنهم له وهو لهم وأنه في وسطهم . (13 : 34 و 35 ) . ولكن هذا لايعني أن يوحنا ينكر المستقبل والأسخاتولوجي وقيامة الأموات ، فهذا نراه بوضوح في كلام السيد في

5 : 28 و 29 . إنه المستقبل الذي تتكلم عنه الأناجيل الثلاثة الأول وبقية كتب العهد الجديد . لكن المستقبل الذي يذكره في هذا الموقف هو المستقبل القريب عندما يرجع السيد إلي تلاميذه بعد قيامته في روحه القدوس . إنه سيأتي روحاً معطياً حياة ونوراً جديداً ورؤى جديدة في خدمته . إنه سيمكث معهم مع الروح المعزي . وعلي هذا الأساس يمكن أن نقول بأن النهاية التي تتكلم عنها كتب العهد الجديد الأخرى عندما يأتي السيد علي السحاب ، لم تكن الشغل الشاغل لإنجيل يوحنا بل كان شغله أن يذكر أقوال السيد التي فيها يعزي تلاميذه ويذكرهم أنه سيكون معهم ويمكث فيهم . إنه سيذهب ثم سيأتي إليهم مرة أخري وسيمكث فيهم وسوف يظهر ذلك في المحبة الكاملة التي تظهر في حياة تلاميذه الذين هم له .

  • أما ص 15 و16 فيظهر فيهما قول السيد الذي تتضح فيه علاقته بكنيسته . فهذه الحياة التي فيها تتحقق الحياة الأبدية في حياة التلاميذ هي الشغل لهذا الإنجيل . وما المجيء الذي يذكره السيد هنا مجيئه إلي من يحبونه ويحيون حياة جديدة . فالاهتمام كله كان بهذه الحياة التي يحيونها . والعلاقة التي تربطهم بالسيد الذي يعيش بالروح في وسطهم . ويعبر السيد عن علاقته بمن هم له بصورة معروفة جيداً في العهد القديم ، وهي صورة الكرمة ” كرمة من مصر فقلت طردت أمماً وغرستها هيأت قدامها فأصلت أصولها فملأت الأرض . . ” ( مزمور 80 : 8 – 19 ) . ويأخذ السيد هذه الصورة فيقول ” أنا الكرمة الحقيقة وأبي الكرام ، كل غضن في لا يأتي بثمر يقطعه ، وكل ما يأتي بثمر ينقيه حتى يأتي بثمر أكثر ” (15 : 1 ) .

فإذا قال السيد إنه الكرمة الحقيقة فهذا يعني أنه شعب الله الحقيقي . إنه أخذ مكان إسرائيل ، فهو ومن له أصبح الكرمة والشعب الأمين . إنه إسرائيل الحقيقي . وإذا كان إسرائيل هو كرمة الله في العهد القديم . فالله هو الذي غرسها ونماها ما يذكره إشعياء في أنشودته الرائعة عن كرم الرب ( إشعياء 5 : 1 و 2 و7 ) . وإذا كان يسوع قد أخذ مكان إسرائيل فقد خضع للآب وأطاعه . . و كإسرائيل الجديد والكرمة الجديدة يرتبط يسوع بمن هم له ، فيكونون كلا واحداً معه ، فهو جزء منهم وهم جزء منه ، وحياته تصب في حياتهم ويحيون فيه وبواسطته . أما العلامة التي تبين ثابت أولئك فيه – الكرمة الحقيقية – هو الثمر الذي يظهر في الأغصان وذلك الثمر هو في الحقيقة المحبة . ولكن هذا المجتمع – مجتمع المحبة – مكروه من العالم . إنه يحتقرهم .

ففي كل الأزمان عندما يظهر مجتمع المحبة فإذا رد الفعل عند العالم هو الكراهية والاحتقار المؤمن ليس في ذلك وحيداً ، فإن السيد سيرسل لهم مدافعاً آخر يدافع عنهم : الروح القدس . إنهم تحت حمايته يدافع عنهم ، يعزيهم . وفي نفس الوقت يدين العالم . إن عمل السيد معهم في حياته سيكمله الروح القدس بعد تمجيده ، فالروح هو الذي سيرشد إلي المستقبل في ضوء يسوع المسيح .

  • الصلاة الشفاعية . ص 17 . إن ص 15 و16 يصور السيد حياة الكنيسة وارتباطها بها ، ولكن في ص 17 فإنه يصور الكنيسة كما هي وكما يجب أن تكون في المستقبل ” لست أسال من أجل هؤلاء بل من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الأب في وأنا فيك ليكونوا أيضاً فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني ” ( 17 :20 و 21 ) . فوحدة المسيح مع الأب يجب أن تعكسها في العالم وحدة الكنيسة في المسيح يسوع و بالله . ومحبة الله التي أعلنت في المسيح يجب أن توضحها المحبة التي تتجسم في حياة أتباعه . وبهذا تعلن الحياة الأبدية التي يتمتع بها المؤمنون ” وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفون أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ( 17 : 3 ) فالحياة الأبدية حياة تقاس بحياة يسوع الذي يعرف الأب وقد أعلنه الجميع .

ثانياً – حوادث التمجيد أو الآلام :

في قصة آلام السيد أو تمجيده نجد أن الترتيب المعهود في كتاب الآيات قد تغير ، فهناك كانت الآية تذكر أو تظهر أولا وعلي أساسها وتفسيراً لها يتكلم السيد أو يجري حواراً مع الآخرين فالآية أولا ثم الحديث ثانياً . أما هنا فالحديث قد ذكر أولا وذلك في الإصحاحات 13 – 17 وبعد ٍٍٍٍٍٍٍذلك ذكرت آيه الآيات أي موت السيد وقيامته أو تمجيده . ولعل السيد بعد أن شرح معني موته وقيامته روحياً للتلاميذ فإنه يتوج هذا كله بقصة هذا الموت وهذه القيامة كأعظم وأمجد عمل قام به السيد . إن مجد موت المسيح يقوم علي أنه مات فعلا وقام فعلا ، وعمق معناه الروحي لا يتضح في الخطابات إلا عندما نجده قد تحقق فعلا في التاريخ ، فكان لابد أن تذكر حوادث التمجيد بعد الخطابات لكي توضح لنا صدق روحيتها . وإذا درسنا قصة موت السيد وقيامته وقارناها مما ورد في الأناجيل الثلاثة الأخرى فإنها تتفق في كل خطوطها واتجاهاتها ، ومع ذلك فإننا نجد هناك علامات تميز قصة إنجيل يوحنا عن قصص الثلاثة أناجيل وتتلخص هذه العلامات في أمرين .

 

  • هناك أشياء جاءت في قصة الأناجيل الثلاثة للآلام لا تظهر في قصة إنجيل يوحنا مثل الحوادث الخارقة للطبيعة ، كإظلام الشمس وانشقاق حجاب الهيكل وحدوث الزلزلة وقيام كثير من أجسام القديسين وشفاء أذن عبد رئيس الكهنة ، وقصص أخري كحلم زوجة بيلاطس ورشوة الحراس .

وفي إنجيل يوحنا لا نجد قصة عشاء الرب ، ولا ما حدث في بستان جثسيماني ولا نجد اتهام يسوع بالتجديف في بيت الكهنة ولا قصة حمل الصليب بواسطة سمعان القيرواني ولا تقرير عن التعبيرات التي وقعت علي يسوع .

 

 كل هذه القصص لم تأت في قصة الآلام بحسب إنجيل يوحنا علماُ بأن منها نقرأ عنه في كتاب الآيات مثل عشاء الرب في ص 6 وقصة جثسيماني ( 12 : 27 و 28 ) والتجديف (10 : 35 – 39 ) ، كلها ذكرت هناك مع تفسيرها .

  • هناك أشياء يذكرها يوحنا ولكنها لا تأتي في الأناجيل الأخرى . وهي كثيرة نذكر منها :
    • التنبير الشديد علي أن موت يسوع كان اختيارياً وبمحض إرادته :

وذلك حدث في بستان حثسيماني ( 18 : 6 – 8 ) وفي توبيخه لبطرس عندما ضرب عبد رئيس الكهنة ( 18 : 11 ) . ولم روحه إلا بعد أن وجد أن كل شئ قد أكمل ( 19 : 28 – 30) .

  • كان ينبر علي الاتهام السياسي ضد يسوع : فهو يؤكد أنه ملك ( 19 : 12 و15 ) بينما يقول شيئاً غامضاً لبيلاطس بحسب الأناجيل الأخرى ( متي 27 : 11 ) .

(جـ) في قصة الصلب يذكر مجموعة من النبوات التي تحققت لا توجد في الأناجيل الأخرى : مثل عظم منه لا يكسر ” (19 :36 ) ينظرون إلي الذي طعنوه (19 :37 ) .

(د) قصة أمه عند الصليب وطلبه من التلميذ الذي كان يحبه أن بأخذها عنده غير موجودة إلا هنا ( 19 : 26 و 27 ) وهذه تساوى قصة شق حجاب الهكيل . فذهاب مريم اليهودية إلي التلميذ المسيحي معناه أن اليهودية يجب أن اليهودية يجب أن تكون ميسحية .

(هـ) يذكر قصة آية ظاهرة في إنجيل يوحنا : الماء الحي من يشرب منه لا يعطش أي الروح القدس ( 7 : 39 ) والدم الذي هو مشرب حق . وهذا يعني أن الحياة الأبدية التي تأتي من الروح القدس ومن المسيح قد ظهرت وارتبطت بموته والذي رأي شهد وشهادته حق .

(و) مع أن الأناجيل لا تشير إلي دهن جسد يسوع بالطيب لكن يوحنا يؤكد ذلك ( 19 : 38 – 40 ) .

(ز) الاهتمام بذكر قصة توما وغيابه عن التلاميذ في الظهور للتلاميذ  ثم حضوره بعد ذلك بأسبوع ورؤيته للرب تبين اهتمام الإنجيلي بالشهادة التاريخية وحقيقة القيامة ، وصلة الرؤيا بالإيمان واعتراف توما بألوهية السيد .

وهكذا تؤخذ بعض التنبيرات في إنجيل يوحنا مما لا نراها في الأناجيل الأخرى . فهو ينبر علي أن الشخص الذي جاؤا به ليقاضوه أصبح قاضياً عليهم ، علي رؤساء الكهنة وعلي بيلاطس ، فهو في حقيقة الأمر ديان العالم ، ولقد أدانه في شخص هؤلاء الحكام . وينبر علي حرية يسوع ، إنه لا ينتظر الأحداث لكي تجرفه ولكنه يذهب هو إليها بسلطانه ، بل يبلغ من حريته أنه يحدد نوع موته ، علي الصليب لأنه إن ارتفع عن الأرض يجذب إليه الجميع . وهكذا يصبح السيد هو الفادي الذي يدين العالم ويفدي الذين قبلوه وأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله .

  قيامة المسيح : يتساءل بعض الدارسين : إذا كان موت المسيح هو في الحقيقة تمجيده فما فائدة ذكر قصة فقيامته ؟ إن كل شئ قد أكمل علي الصليب ، العمل الذي أعطاه له الأب أن يكمله قد انتهي ، وارتفع السيد إلي أبيه بالصليب ، فهل هناك داع إذن للقيامة بحسب إنجيل يوحنا ؟ إن إنجيل يوحنا بعد أن يذكر موت المسيح يذكر ظهوره أيضاً عدة مرات ، إنه يذكر أن مجد المسيح في أن يعطي نفسه ، وأن الآية العظمي . . هي موته . . وموته كان حقيقياً وتمجيده كان حقيقياً . ففي المفهوم اللاهوتي انتهي تمجيد السيد في موته ، هذه هي نتيجة إنجيل يوحنا ، ولكنه مع ذلك ، ومع صحة هذا المفهوم السابق فإنه يذكر قيامة السيد .

  • لكي نفهم ذلك يجب أن نفرق بين المفهوم اللاهوتي لحادثة موت السيد والمفهوم التاريخي لها . ففي المفهوم اللاهوتي هي مجد وارتفاع للمسيح وبعدها لا شئ . ولكن الموقع التاريخي لهذا الموت علي الصليب يقول غير ذلك . إن الصليب تاريخياً هو الهزيمة هو الانكسار ، وعند الصليب ظهر خوف التلاميذ فهجروا سيدهم . وعلي الصليب عطش السيد وصرخ أنا عطشان وهو بين يدي الموت . فالذي يعرف موت المسيح معرفة حقيقية والذي يفسره لاهوتياً يرى مجد المسيح ، أما من يراه تاريخياً فقط يرى الهزيمة والانكسار ولأجل ذلك كان علي يوحنا أن يذكر قيامة السيد لكي يحقق للصليب مجده من وجهة نظر التاريخ . إ القيامة في يوحنا ليست فرصة لإعلان سلطان المسيح المطلق كما يتضح ذلك في إنجيل متي ( 28 : 16 – 20 ) ولكن لكي يعلن أن المسيح تاريخياً أيضاً قد هزم الموت . فالقيامة ضرورية لكي تحول الحادثة التي كانت – من وجهة النظر التاريخية – كارثة مروعة إلي حادثة مجيدة لأنها نصرة ، وبذلك يصبح موت المسيح تمجيداً ونصرة لاهوتياً و تاريخياً معاً . ففي ذاته هو ارتفاع للمسيح ولكن ذلك المفهوم التاريخ والناس .
  • إذا كانت القيامة تعني أن السيد قد حول الموت ، الذي يعتبر في أعين الناس انهزاماً ، إلي نصرة ، إلي فإنها إلي جانب ذلك تعني بالنسبة للتلاميذ شيئاً أعمق . إنها تعني رجوع سيدهم إليهم مرة أخرى من الموت . فالقيامة تظهر في إنجيل يوحنا وفي خطاب السيد لتلاميذه تساوى المجيء الثاني . هذا ما يقوله السيد ” لا أترككم يتامي إني آني إليكم ، بعد قليل لإيراني العالم أما أنتم فسترونني. إني أنا حي فأنتم ستحيون في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم في وأنا فيكم الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني ، والذي يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي . . . وإليه نأتي وعنده نصنع منزلا ” (14 :18 – 21 و 23 ) ، معني القيامة هو مجيء السيد إلي الجماعة التي خلقها ، بمحبته وغفرانه . فالقيامة هي المحبة وعنانها . ولهذا فقد نسي كل ما عملوه . . هربوا وتركوه وحده ، أنكره ، بطرس ، وتفرق التلاميذ ، ولكن يسوع لمحبته لهم جاء إليهم فخلقهم من جديد جماعة قوية ، ولهذا فقد نبر إنجيل يوحنا بشدة علي قيامة السيد بجسده ، وظهوره لمريم المجدلية وللتلاميذ ، ونبر بشدة علي القبر الفارغ ، ولكنه لم يكن هذا القبر الفارغ شيئاً في ذاته لأن بطرس رآه ولم يفهمه ، أما التلميذ الآخر فرأي وفهم وآمن . فالمهم هنا لم يكن القبر الفارغ بل أهميته تتركز في إيمان التلاميذ . وهذا ما نجده في قصة توما الذي رفض أن يؤمن دون أن يرى ويلمس . وجاء إليه الرب بنفسه فرآه وآمن وقال ” ربي وإلهي ” ولكن السيد قال ” طوبى للذين آمنوا ولم يروا ” ( 20 :29 ) . إن الذي يؤمن دون أن يرى يؤمن علي أساس شهادة الشهود الذين رأوا وهم تلاميذه ، هؤلاء هم التلاميذ الذين قدموا شهادتهم الحية للعالم . . هؤلاء خلقتهما القيامة خلقاً جديداً . . وفعلت ذلك بالمحبة الأبدية التي تدفقت من قلب يسوع المحب .

رسائل يوحنا

 نأتي الآن إلي الرسائل الثلاث التي كتبها يوحنا ، وقد سيقت الإشارة في معرض دراسة الإنجيل الرابع إلي صلة هذه الرسائل وخصوصاً الأولي به وبكاتبه ، وعرفنا أن الرأي بشكل عام ينقسم إلي فريقين ، واد يؤيد وحدة المؤلف . والثاني لا يؤيد ذلك ، وكن الجميع يتفقون أن هناك صلة قوية بين الاثنين تؤكد أنها من مدرسة فكرية واحدة ، وراءها شخص يعتبر المنبع لتفكيرها . والرسالة الأولي هي الأهم ، من حيث طولها والأفكار التي فيها مع أنها لا تظهر كرسالة .

مميزات الرسالة الأولي :     

  • تكشف لنا الرسالة الولي أن جماعة مضلة بدأت تبلبل أفكار أعضاء الكنسية الآخرين بتعاليم تختلف وتناقض التعاليم التي تسلموها . وهذا يظهر الآخرين بتعاليم تختلف وتناقض التعاليم التي تسلموها . وهذا يظهر في قول الرسول ” منا خرجوا لكنهم لم يكونوا منا لأنهم أو كانوا منا لبقوا معنا لكن ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا ” ( 1 يوحنا 2 : 18 و 19 ) . وبهذا نري أنه بينما كان الإنجيل يواجه مجابهات خارجية آتية من اليهود وتلاميذ يوحنا فإن الرسالة الأولي تواجه جماعة منشقة عن الكنيسة . وسبب انشقاقها يكمن أساساً في أنها أنكرت التجسد (4 :1 – 10) ثم بنت علي ذلك أو إلي جانب ذلك ، سلوكاً لا يمكن أن يكون ساوكاً مسيحياً أو يعكس الحياة الجديدة التي نالها المؤمن بولادته من الله : وتتمثل هذه الحياة في الكراهية والبغضة للاخوة (2 :9 ، 3 : 13 – 20) . ثم في حياة غير طاهرة تسير في الظلمة (1 : 6 ، 2 : 9 ، 3 : 3- 10) إلخ .

 ويقول التقليد أن سيرينتوس Cerin Thus ( قصة يقولها بوليكاربوس ) كان هو الشخص الذي زرع بذار هذه الضلالة ولم يستطع الرسول يوحنا أن يبقي معه في مكان واحد خوفاً لئلا ينهدم المكان من ضلالة هذا الغنوسي . سيرينتوس هذا كان يقطن في أفسس وكان يقول إن الله غير معروف ولا يمكن معرفته ، أنكر الصليب لأن المسيالا يمكن أن يصلب ، ولعل الرسول كان يحارب هذه الضلالة في قوله ” من هو الكذاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح ، هذا هو ضد المسيح الذي ينكر الأب والابن ، كل من ينكر الابن ليس له الأب أيضاً ، ومن يعترف بالابن له الأب أيضاً ” (2 :13 و14) .

2- من دراسة خليفة الرسالة ومن أقوال الرسول نفسه نستطيع أن نعرف الهدف الذي من أجله كتبت هذه الرسالة . . إن غرضه يكشف عنه في قوله ” الذي رأيناه وسمعناه تخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا ، وأما شركننا نحن فهي مع الأب ومع ابنه يسوع المسيح ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملا “

(1 : 3 و 4) ويضيف علي ذلك قوله في 5 : 13 ” كتبت هذا إليكم أنتم المؤمنين باسم ابن الله لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية ولكي تؤمنوا ابن الله ” وهذا الهدف يتشابه كثيراً مع الهدف من أجله كتب الإنجيل كما هو موضح في يوحنا 20 : 31 . هدفه هو هدف رعوي ، إنه يكتب لجماعة الكنيسة الذين تحولت إليهم سهام الضلالة لكي تبعدهم ، ليس فقط عن التعليم الصحيح ، بل أيضاً عن مصدر حياتهم وعن شركتهم مع الأب وعن الحياة الأبدية . إنه يكشف عن الخطأ العقائدي والطية السلوكية التي يبشر به هؤلاء الذين كانوا معهم ، ولكنهم ضلوا ، ويحاولون الآن أن يجروا القطيع الهادي الوديع وراءهم ، إنهم يجرونهم إلي البغضة والكراهية ، إلي الساد والانحلال ، إلي الضلال وإنكار الأب معاً . فإن كان جو الرسالة جواً مشبعاً بالمناقشات الحامية والدينونة علي أولئك المضلين ، فهذا ينبع ويصدر من قلب الراعي الذي يحب الرعية ويريد أن يحفظها من الذئاب .

ولكن هناك شئ آخر كان متفشياً في فريق آخر ، هو الكبرياء ، هذه الكبرياء الدينية هي التي جعلت قوماً يقولون ” نحن ولدنا من الله ” ، ” نحن في النور ” ، ” نحن لا نخطئ . . وبلا خطية ” ، ” نحن نثبت في الله ” ، ” نحن نعرف الله ” ، ولكن الرسول يأخذ شعاراتهم هذه التي لا يسحقونها لأنهم لا يظهرون في حياتهم ما تقصده وما تعنيه بل يفعلون ما يناقضها ، يأخذ هذه العبارات ويضعها في إطارها المسيحي الحقيقي ويعرفهم الطريق الحقيقي الذي يقول هذا القول . كيف يطهر حالته المسيحية الحقيقية .

3- هناك حقيقة هامة مرت بنا عند دراستنا لرسائل القديس بولس هي ” الحقيقة ” ، ” والأمر ” أي أن الوصية (الأمر ) التي ينصح بها الرسول كنائسه لها لا أساس لا هوتي تنبع منه ونبني عليه ( الحقيقة ) ، هذه الحقيقة نجدها هنا أيضاً في رسالة يوحنا الأولي فهناك سلوك عملي يبني علي حقيقة وموقف لاهوتي ، هناك أمر يبني علي حقيقة . وهاك بعض الأمثلة ،

   ( 2: 10 ) ” من يجب أخاه ( أمر ) يثبت في النور ( حقيقة ) .

   ( 3 : 7 ) ”    من يفعل البر( أمر ) فهو بار كما أن ذاك بار ( حقيقة ) .

   ( 3 : 24 ) ” من يحفظ وصاياه ” ( أمر ) يثبت فيه وهو فيه ( حقيقة ) .

   ( 4 : 15 ) ” من اعترف أن يسوع هو ابن الله ( أمر ) ” فلله يثبت فيه وهو في الله ( حقيقة ) .

هنا نجد الوصية والحقيقة مرتبطتين ارتباطاً كاملا ولا يمكن فصلهما بعضهما عن البعض . . السلوك ومصدره لا يمكن أن ينفصلا . وفي بعض الأحيان يذكر القديس يوحنا الناحية السلبية من هذه الحقيقة مثل ( 3 : 8 و 14 ) . إن الحياة المسيحية هي حياة مصدرها الله نفسه

مضمون الرسالة :

        فما هو مضمون هذه الرسالة ؟ تنقسم إلي ثلاثة أقسام وفيها ثلاث قضايا أو حقائق لاهوتية سلوكية . هذه الحقائق هي :

  • السلوك في النور ( 1: 5 – 2 : 17 ) . ويتركز هذا القسم في الجزء الأخير من العدد الخامس في الإصحاح الأول ” إن الله نور وليس فيه ظلمة البتة ” . وهذه عبارة يشترك في التمسك بها اليهودي واليوناني والمسيحي ، وعندما يؤكد القديس يوحنا أن ليس في الله ظلمة البتة فإنه يؤيد ما يقوله الآخرون لأنهم يقولون إن الله نور ولا يمكن أن تكون فيه ظلمة لأنها من سمات المادة الشريرة وهو أبعد ما يكون عن المادة ، ولكن هذا يختلف القديس يوحنا عنهم وعن المسيحيين الغنوسيين عندما يقول ” إن قلنا إن لنا شركة معه وسلكنا ولسنا نعمل الحق ( 1 :6 ) وهذا القول يهدم دعوى الذين يظنون أنهم ما داموا قد خلصوا فالجسد لا قيمة له ولا داعي للاهتمام به ، فليعمل كل إنسان ما يعمل من كل أنواع الشرور فلا أهمية له .

وهناك اختلاف آخر ينفرد به الإنجيل يعبر عنه القديس يوحنا في الرسالة 2 : 8 ” أن الظلمة قد مضت والنور الحقيقي الآن يضئ ” . وهذه العبارة تعكس قول الإنجيل ” والنور يضئ في الظلمة والظلمة لم تدركه ، كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلي العالم ” ( يوحنا  1 : 5 و 9 ) . وهذا يعني أن القديس يوحنا يضع هذه العبارة ” الله نور وليس فيه ظلمة البتة ” في إطار التاريخ ، إنها اختيار دخل إلي الحياة البشرية في تاريخ الخلاص وليست فكرة أو عبارة نظرية فلسفية لا أساس تاريخي لها . إن الله نور لأنه أعلن نفسه هكذا في عملية الخلاص الذي عمله في المسيح يسوع .

ولكي يظهر المؤمن الحقيقي أن له شركة في النور ،هناك مقياسان تقاس بهما حياته : المقياس الأول هو مقياس البر ( 1 : 6 – 2 : 6 ) . وفيه يذكر القديس يوحنا خمس جمل شرطية . إن قلنا . . منها الإيجاني ( 2 : 7 و 9 )ومنها السلبي ( 2 : 6 و8 و 10 ) . وهذه المتطلبات كلها لا تنبي ولا تطلب من المؤمن علي غير أساس بل إنه متأكد أن خطاياه قد غفرت وأن له شفيع أو معزي الذي هو يسوع المسيح . هذه الكلمة شفيع هي نفس الكلمة بارقليط التي استخدمت للروح القدس في يوحنا 14 : 16 ، 15 : 26 . . إلخ . 

أما المقياس الثاني فهو مقياس المحبة ( 2 : 7 – 17 ) وهي مجموعة الوصايا ( 2 : 3 ) وهي الوصية القديمة التي كانت من البدء وهي في نفس الوقت الوصية الجديدة ( 2 : 7 و 8 ) وهذه المحبة تظهر أيضاً في مجموعة من السلوك السلبي والإيجابي ( 2 : 9 و 10 ) . وينتهي هذا الجزء بالثقة والأساس الذي تبني عليه هذه المتطلبات ( 2 : 12 – 14 ) .

أما 2 : 15 – 17 فهي فقرة انتقالية إلي القضية الثانية ، فيها يوجه القديس يوحنا نظر أولاده إلي العالم الذي يبغضهم ، فيجب عليهم هم ألا يحبوه . فماذا يعني ذلك ؟ هذا ما تواجهه القضية والحقيقة الثانية .

  • الحقيقة الثانية وهي الحياة الأبدية ( 2 : 18 – 3 : 24 ) القضية الأولي قضية النور ، القضية الثانية الحياة الأبدية . وفي هذا الجزء أيضاً يثبت القديس يوحنا العقيدة التي يتمسك بها ( 2 : 18 – 3 : 3 ) ثم يعقبها الاختيار السلوكي الذي يبني عليها وهو البر ( 3 : 4 – 10 ) ثم المحبة ( 3 : 11 – 27 ) وينتهي بكلمة تقوية وتأكيد لإيمانهم ( 3 : 18 – 24 ) .

أما القسم العقائدي (2 : 18 – 3 : 3 ) فهو يؤكد أن الساعة الأخيرة قد  جاءت . وهذه الساعة الأخيرة يحسب المفهوم اليهودي هي لك التي يحدث فيها المجابهة بين الله وقوات الشر ، أن العهد الجديد قد جاء بالمسيح يسوع وتحققت فيه الحياة الأبدية هي نتيجة الإيمان بعمل الله فيه كما يذكر الإنجيل ( 3 : 16 ) وبحسب هذه الرسالة ( 1 : 2 ) . وفي عصر هذه الحياة تظهر قوة الشر وقد تركزت هذه المرة فيها أسماه ” بضد المسيح ” . وقد ظهر أضداد للمسيح كثيرون ، وهم جماعة كانت في كنيسة ولكنها ضلت وتركت الحق وسارت وراء والكذب والكذاب ، فأنكرت الآب والابن ( 18 – 23 ). ظن أعضاؤها أنهم يعرفون كل شئ . . اعتقدوا أنهم قد أخذوا معرفة لا يتمتع بها غيرهم ، وهم مستعدون أن يعلموا الآخرين إنها معرفة أعمق من حق الإنجيل . ولكن القديس يوحنا يقول للمؤمنين ، إن المعرفة الحقيقية تأتيكم من الروح القدس أي المسحة المقدسة التي تعلمكم عن حق الإنجيل فقط . ولذلك فأنتم متعلمون ولا تحتاجون للكذابين أن يعلموكم (24 – 27  . إذن فليس هناك تفريق ولا طبقات بين المؤمنين في المعرفة ، لأن جميعهم متعلمون من الروح القدس ، وجميعهم أولاد الله فهم أسرة واحدة ، رفعهم الله بفرط محبته ليجعلهم أبناء ( 3 : 1 ) نعم كأولاد لله لا يعلمون كيف يكونون عند كمال الحياة الأبدية فيهم ، ولكنهم مؤمنون أنهم سيكونون كابن الله عندما يظهر في مجده.

    ويتكلم القديس يوحنا بشده ضد من الأخوة وكنيسة الله ويكشف أنهم بعيدون عن البر وعن المحبة ، المقياسين اللذين يظهر بهما الحياة الأبدية الحقيقية . . إنهم أولاد إبليس في مقابل المؤمنين الذين هم أولاد الله . . ولا يمكن أن يكون هناك وسط بين الاثنين ( 7 – 17 ) إن أولاد إبليس هم الذين يفعلون الخطية والكذب ، وأما أولاد الله فهم المبررون الذين يحبون الأخوة . ولكن هذا لا يعني أنهم معصومون من الخطأ والخطية بل أنهم لا يعيشون فيها . إن البر الحقيقي هو ما يلخصه في 3 : 23 ” وهذه هي وصيته أن  باسم ابنه يسوع المسيح ونحب بعضناً بعضاً كما أعطانا وصيته ” .

  • الحقيقة لثالثة : تصديق الحق ( 4 : 1 – 5 : 21 ) القضية الرئيسية هنا هي الإيمان وتصديق الحق . فالثبات في الله والشركة معه يظهران في مظهرين التمسك بالحق والإيمان به ، ثم ساوك البر والمحبة .

” يسوع المسيح قد جاء في الجسد ” هذا الحق يردده في الإصحاحين الأخيرين كثيراً ( 4 : 9 و 14 و 15 ، 5 : 1 ، 5 و 20 ) . إن مجيء ابن الله في الجسد هو الحق الذي لا يمكن أن يتغير ومن يغيره يكون من الشيطان ولا يحب الله . ويعبر الكاتب عن هذه الحقيقة بقوله ” هذه هو الذي أتي بماء ودم يسوع المسيح لا بالماء فقط بل بالماء فقط بل بالماء والدم ” ( 5 : 6 ) . من هنا تظهر روح الضلال التي يحاربها الكاتب . أولئك الذين ينكرون أن يسوع هو المسيح وأنه لم يصلب . إنه حل في يسوع عند المعمودية وتركه عند الصليب . لكن الرسول يقول إنه جاء بمعمودية وصلب ، بماء ودم . بشرية كاملة ومع ذلك فهو ابن الله . أما فصل الاثنين فهذا ضلال . لقد فرق المضلون بين ابن الله وبين يسوع . وقد اتحد ابن الله بيسوع عند المعمودية ولكنه تركه عند لا لصلب . . الاثنان منفصلان . هذه هي عقيدتهم المضلة . إن الحق هو أن يسوع هو ابن الله الذي جاء في الجسد .

إن من يؤمن بذلك فهو يحب الله ويحب المولود منه ولكن من لا يؤمن فإنه مضل وشرير ولا تثبت محبة الله فيه . فعلامة الثبات في الله أيضاً هي حياة المحبة والبر .  

الفصل الثاني                 

 

سفر الرؤيا

هذا الكتاب له موقف فريد في كتب العهد الجديد وتاريخه في الكنيسة يختلف عن معظم هذه الكتب ، وموقف المسيحية منه في العصر الحاضر لا يعادله أي موقف تجاه الكتب الأخرى . أسلوب كتابته يقف وحده ولا يشابهه سوي جزء من إصحاح في إنجيل مرقس( مرقس 63 و مايوازيه ) ،  تشبيهات ورموز وصور ورؤى ، حروب ونضال وفرسان ، دينونة وخلاص وأشياء كثيرة من هذا القبيل مما يجعله أصعب كتاب في العهد الجديد من ناحية تفسيره وفهمه .

تاريخه في الكنيسة المسيحية :

ولعل دراستنا لنا لتاريخية الكنسي وموقف الكنيسة منه تعطينا فكرة عامة عنه . لقد وقفت الكنيسة من قبوله ضمن الكتب المقدسة مواقف مختلفة ، وكان لكل كنيسة نظرتها الخاصة تتخلص في الأمور :

  • بخصوص الكنيسة الغربية فقد قبلته مباشرة من وقت ظهوره . فقد قبله إيريناوس أسقف ليون وهيبوليتس أسقف روما وكتب تفسيراً عنه ولكنه فقد . أما أول تفسير كتب عنه باللغة اللاتينية فقد كتبه فكتور ينس في سوريا ( 304 م +) ثم تبعه كتب أخري مما يدل علي أن الكنيسة الغربية قبلته وأنزلته منزلة كبيرة مثل كل الكتب الأخرى في العهد الجديد . 
  • أما موقف الكنيسة المصرية فكان مختلفاً بعض الشيء فبينما قبله أكليمندس الإسكندري ومن بعده أوريجانوس . . وقبلوا أن يوحنا الرسول هو الذي كتبه . إذ بالحال يتغير بعد سنوات قليلة من موت أوريجانوس فقد اعتراض عليه دينسيوس Dionysius أسقف الإسكندرية وتشكك كثيراً في أصله الرسولي ، وذلك في مناقشة مع أسقف الفيوم ، وكان أهم ما وجهه إلي الكتاب من اعتراضات هو مشكلة الألف سنة التي يتكلم عنها الكتاب ، ثم يقول إنه حول القيم الروحية إلي مادية . ومع ذلك فلم تتأثر عقيدة الكنيسة المصرية بفكرة دينسيوس وظلت تعتقد في أصل الكتاب الرسولي ، وقد أكد ذلك أثناسيوس (367 م) وديديموس ( 394 م) وكيرلس الإسكندري (444م).
  • أما الكنيسة التي تأثرت برأي دينسيوس فهي الكنيسة اليونانية فقد ظل فيها بعيداً عن الكتب القانونية إلي سنة ( 500 م ) ، حتى يوسابيوس (340 م) تشكك في نسبته إلي يوحنا الرسول . وكيرلس الأورشلمي لم يضعه بين الكتب القانونية . ثم مدرسة إنطاكية لم تعترف به . وكتاب القرن الرابع في آسيا الصغرى لم يتفقوا علي رأي في ذلك . . ولم يظهر سفر الرؤيا في الكتب المقدسة في الكنيسة اليونانية خارجاً عن مصر سوى في أوائل القرن السادس .
  • أما الكنيسة السريانية فلم تضعه من ضمن الكتب المقدسة إ لا في القرن الثاني عشر الميلادي .

هذا هو مجمل موقف الكيسة تجاه سفر الرؤيا و منه نرى أن بعض مناطق من الكنيسة ترددت كثيراً في قبوله في حين أن بعض الآخر قبله منذ أن عرف .

خصائص سفر الرؤيا :

لكي نستطيع أن نفهم شيئاً عن سفر الرؤيا يجب أن نعرف شيئاً عن خصائصه ، وبالأخص الأسلوب الذي كتب به ، ولقد سمي سفر الرؤيا ” رؤيا يوحنا اللاهوتي ” وغالباً ما ظهر الوصف ” اللاهوتي ” في القرن الرابع أما العنوان الأصلي الذي عرف به هو ” رؤيا يوحنا ” . فما معني كلمة ” رؤيا ” ؟ هذه الكلمة تترجم الاسم اليوناني apokalupsis والفعل منه apokalup To ومعناه يعلن أو يكشف سراً كان مخفي لا يعرفه سوي الله فقط . وقد استخدم في العهد الجديد بهذا المعني : فالابن يعلن الأب لأخوته الصغار ( متي 11 : 27 ، لوقا 10 : 22 ) . والأب يعلن ابنه للرسول بولس

( غلاطية 1 : 16 ) . وابن الإنسان سوف يعلن في انتهاء العالم ( لوقا 17 : 30 ) ولكن قبل ذلك إنسان الخطية سيعلن نفسه ( 2 تسالونيكي 2 : 3 و 6 و 8 ) . وسيعلن أبناء الله في المجد ( رومية 8 : 18 ) . أما هنا في العدد الأول في سفر الرؤيا فإنها تعني كشف إعلانات المستقبل أو الاسخاتولوجي الذي منحه المسيح لعبده يوحنا ، وهذه هي المرة الوحيدة التي تستخدم في العهد الجديد بهذا المعني ( رؤيا 1 : 1 ) . وهذه الرؤيا apokalupsis كوصف لهذا الكتاب لم تطلق عليه هو فقط بل هناك كتب كثيرة وصفت هكذا ، بعضها في العهد القديم كسفر دانيال وحزقيال وإشعياء ( 24 – 27 ) ، ولكن الكمية الوافرة من الكتب الرؤية طهرت في القرون المحيطة بميلاد السيد أي في القرنين أو الثلاثة التي تسبق وتلحق بمجيئه ، وهي تعبر عن فكر جماعة يهودية خاصة وأهم كتبها : كتاب أخنوخ الأول واليوبيل وعهد البطاركة الاثني عشر ومزامير سليمان ورؤيا إبراهيم وغيرها . ولم تنشأ هذه الكتب في فراغ ، ولكنها ظهرت في بيئة خاصة وفي وسط جماعات خاصة كانت تعتقد في الأمور التالية :

  • إنها هي البقية البارة التي تمسكت بطرق الرب بينما العالم كله غيرها قد ضل وصار شريراً ولا فائدة ترجي منه .
  • الأمر الثاني هو عقيدتها بأن النبوة قد انتهي وقتها ، ولم يعد الله يكلم الشعب بواسطة الأنبياء الآن .
  • أما الأمر الثالث فهو الحالة الشديد الصعبة التي يعيشها أفراد هذه البقية البارة ، فهي تعيش في ضيق وعنت واضطهاد ، ولكنها مع ذلك فهي تعرف أن الله في يده مقاليد الأمور ولا بد له بأن يتدخل لأجل مختار يه ويهزم الشر وينتصر لشعبه . ولهذه الكتب ، التي ظهرت في هذا الوسط الضيق الصعب لتقرية البقية البارة ، خصائص هامة إذا انطبقت علي كتاب سمي بأنه كتاب رؤى . هذه الخصائص هي :

1- الإعلان :

        وهذا يظهر من نفس الاسم . فبطل الرؤيا قد يسير ملاك أو يؤخذ إلي السماء وهناك تكشف له أسرار عن نهاية العالم ، وكيفية إقامة ملكوت الله ، أو عن الملائكة أو الشياطين أو عن الدينونة أو الحوادث المؤدية إليها . . . ويقول صاحب الرؤيا إنها إعلانات سرية يجب أن تبقي سرية ومختومة ولا يمكن أن يفهمها إلا الحكماء . ويختلف أصحاب الرؤيا عن الأنبياء في أن النبي يتكلم قائلا ” هكذا قال الرب ” لأنه يتعامل مع الله مباشرة ، أما صاحب الرؤيا فله وسيط أو ملاك يكلمه ويشرح له الرؤيا ، ومع أن بعضهم قال إن الله هو الذي كلمه ولكن لم يكن له نفس سلطان النبي الذي حضر محفل الله نفسه .     

2-  الرمزية :

      وتنتقل الرؤيا لا في كلام بسيط واضح ، ولكن في رموز وصور يجب أن تفسر . فهناك الوحوش والختوم والأنهار والجبال والنجوم وشخصيات ملائكية وشيطانية ، وقد تتغير الصور فيتحول النجم إلي الثور أو الثور إلي إنسان وهكذا . وقد تدل الوحوش علي رجال والقرون تشير إلي ملوك والنجوم أو الرجال إلي ملائكة . . ولكن هذه الرموز ليست هلوسة بل هي اختيارات صحيحة تاريخية توضح في هذه الرموز ، أو هي خبرات شخصية نفسية تعكس شخصية الرائي . ومن أهم الرموز الأعداد مثل 3 و 4 و 7 و 10 و 12 أو مضاعفاتها وخصوصاً العدد 70 . ولكن للأسف لم يعد مفتاحها الآن معروفاً مع أنها كانت مكشوفة للذين كتبت لهم .

3- التشاؤمية:

     هذا النوع من الكتابات كتب لأناس في ظروف صعبة قاسية . وكتابها يؤمنون بأن الله سوف يتدخل ليحطم الشر ، ولكن إلي أن يتدخل لا يمكن أن يوجد للمشكلة ، ولا يوجد رجاء في طبيعة الأمور أوفي مجهود البشر ، حتى الثورة لا يمكن أن تنفع ، وقد اتخذ بعضهم هذا الطريق أي الثورة فأدت إلي الخراب في سنتي 70 ، 132 م فالله سوف يتدخل ، ولكن متي وكيف فهذا لا يعرفه إنسان . وإلي أن يتدخل ما يسمي عادة ” أهوال الميسا ” وهي حروب ومجاعات وزلازل وأشياء أخرى وأخيراً يأتي الله بقوة لكي يخلص المختارين . 

4- انتصار الله :

       يرى الرائي أن كل العالم يتأرجح والأعمدة تنقلب والمدنيات تتحطم ، ولكنه لا يقف عند ذلك الحد . إن الله وهو صاحب السلطان المطلق ، كما يعتقد كل الإسرائيليين ، ولذلك فهو يتدخل بطريقة حاسمة وقد يتدخل عن طريق واسطة هو الميسا ، وقد يتدخل بنفسه ، وقد يكون ملكه في الأرض وقد الأرض والسماء معاً . في هذه الأمور تتنوع أفكار الرؤيين ، ولكن الأمر المؤكد الذي يتفقون فيه كأساس لعقيدتهم وتفكيرهم هو أن الله يتدخل بقوة ويدين الأشرار والشر ويمجد مختاريه وشعبه

ولكن الانتصار يبني علي عقيدة أخرى ، وهي أن كل شئ مرسوم بقضاء إلهي ومدبر من البدء ، لقد رسم الله كل شئ ، الألم والشر وأخيراً النصرة ، فلا يوجد شئ بعيد عن يدي الله ، فكل شئ تحت سيطرته ؛ وهذه العقيدة وإن كانت لا تعطي المؤمنين الأبرار أملا في أن يتغلبوا علي الشر إلا أنها لا تخلق فيهم روح الانهزامية ، لأنهم يعرفون أن الله سينتصر لهم ، وهذا كله قد دبره من قبل .

5- الثنائية :

       من أبرز مميزات الكتب الرؤوية الثنائية الواضحة : الخير والشر ، والنور والظلمة ، الأرواح الصالحة والأرواح الشريرة ، هذا الدهر والدهر الآتي ، وكل اثنين من هذه في تناقض تام . ولعل هذا ما يميز الكتب الرؤوية عن النبوات . فالنبوة تتطلع إلي تدخل الله وإصلاح العالم أو المجتمع في هذا الدهر لكن الرؤيا تري أنه لا يمكن إصلاح هذا العالم فهو شرير بكامله ، وإصلاحه يعني إبادته وخلق العالم الجديد . . إنها ثنائية تميز هذه الكتابات .  

6- الاسم المستعار :

معظم الكتابات الرؤوية ، إن لم يكن كلها كتبت باسم مستعار : أخنوخ ،البطاركة الاثنا عشر ، موسى ، إبراهيم وغير ذلك . وهذا ناتج من أن كاتبيها كانوا يعتقدون أن النبوة قد انتهت وأن الله لم يعد يكلم الناس . ولذلك فقد أعطوا لكتبهم أسماء قديمة مجيدة حتى يعطوها سلطاناً ليس لهم .

تلك هي أهم خصائص الكتابات الرؤوية فهل يمكننا أن نضع سفر الرؤيا في مصاف هذه الكتب ؟ وهل تنطبق عليه الأوصاف التي مرت بنا ؟ الجواب علي هذا السؤال له شقان : نعم ولا .

  • هو كتاب له خصائص رؤية وحتى اسمه ” رؤيا ” يدل علي الاتجاه العام لهذا الكتاب . وهذه الاسم مأخوذ من الكلمة الأولي في النص نفسه . ولكن إلي جانب الاسم هناك بعض المميزات الرؤوية :
    • لعل أبرز خاصة توجد فيه هي تلك الرموز والصور التي يمتلئ بها الكتاب . وهي رؤى اختبرها الكاتب في حالة روحية غير عادية (4 : 1 ، 17 : 3 ، 21 : 10) . وبحسب ما جاء في 1 : 1 ، 22 : 8 جاءت هذه الرؤى والإعلانات علي يد وسيط أي ملاك مع أنه هنا يختلف بعض الشيء عن الكتب الرؤوية الأخرى وهو أن الملاك أو الله لم يعطيه تفسيراً منطماً للحوادث والمناظر : فيما عدا المرأة والوحش الذي تركب عليه (17) .
    • إن موضوع الكتاب هو الحوادث الأخيرة ، كما هو الحال في الكتب الرؤوية الأخرى . والاضطهادات والأزمات العنيفة التي تحيط بشعب الله علي يد النبي الكذاب والوحش والتنين وكل قوات الشر ، ولكن الله يتدخل بقوة ويدين قوات الشر ويمجد مختاريه .

(جـ) الكتاب ممتلئ بالنصائح الروحية والأخلاقية ،فالهدف الأساسي للكتاب هدف عملي كما هو الحال في الكتب الرؤوية . وهو يقوى عزيمة الضطهدين ويعزيهم ويطلب منهم أن يظلوا علي إخلاصهم في الإيمان في المسيح ويتحملوا كل شئ حتى الموت في سبيل كلمة الله (13 : 9 و 10 ، 14 : 13 ، 16 : 15 ، 19 : 9 ، 20 : 6) .

  • ولكن مع ذلك فهناك اختلافات كثيرة بين هذا الكتاب والكتب الرؤوية ، مما يجعلنا نضعه أيضاً في مصاف الكتب النبوية . وهناك فرق كبير بين الرؤيا والنبوة ، فالكاتب نفسه يسمي كتابه نبوة ويكرر ذلك عدة مرات (1 :3 ، 22 :7 و 10 و 18 و 19 ) .

ولا يمكن أن تكون النبوة والرؤية مترادفتين . ولذلك فهو يقول إن هذه الرؤيا التي رآها تحتوى علي ” كلمة الله ” وعلي شهادة يسوع المسيح (1: 2) وتظهر خصائصه النبوية فيما يلي :

  • إنه كالأنبياء يدعو شعب الله إلي التوبة ويشدد علي ذلك وهذا لا يظهر كثيراً في الكتب الرؤوية التي تشدد أكثر علي تعزية شعب الله ،وبأكثر دقة يمكننا أن نقول إن سفر الرؤيا يشترك في الاثنين معاً . فهو يدعو المؤمنين إلي التوبة في الخطابات الكنيسة (2 : 5 و 16 و21 و 22 ، 3 : 3 و 19) وهو يعطي لشعب الله أيضاً التعزية . لقد رآها مضطهدين مظلومين فيأخذهم إلي داخل الحجاب لكي يريه مقاصد العلي التي تقودهم في النهاية إلي النصرة . وبذلك هو مع الرؤويين والأنبياء معاً .
  • هو كالرؤويين ينظر ويتكلم عن النهاية ، ولكنه يختلف عنهم في مكان هذه النهاية . إن التاريخ بالنسبة للرؤويين لا صلاح ولا رجاء فيه فلا بد أن يزول بتاتاً ، ولكن يوحنا لا يرى ذلك . فهو ليس شريراً بدرجة لا يمكن إصلاحها حتى وإن كان هناك هجوم شيطاني في آخر الأيام . إن التاريخ بالنسبة له هو مكان نشاط الله وعمله الفدائي . لقد حدث فيه أعظم عمل يدل علي شر الإنسان ولكنه في نفس الوقت العمل الفدائي لله . موت الحمل وقيامته ونصرته وهذا الحدث شارك فيه المؤمنون وهزموا الشيطان بدم الخروف وبكلمة شهادتهم (19 :11) . فالخلاص يبدأ في التاريخ ، ولهذا فقد خلي كتابه من التشاؤم واليأس من فداء تاريخ العالم كما يظهر في الكتب الرؤوية الأخرى .

(جـ) وهناك اختلاف آخر : إنه بينما وضعت علي الرؤيا أسماء مستعارة ، فإن يوحنا يكتب اسمه (1 :1 و 4 و 9 و ،22 : 8) . إنه يحتاج إلي اسم عظيم من البطاركة أو غيرهم ممن عاشوا في القديم . وهذا له دلالة عظيمة ، فالرؤويون كانوا يعرفون أن النبوة قد انتهت ، وأن الله ما عاد يكلم الناس بالأنبياء في أيامهم ولهذا فهم يحتاجون إلي اسم عظيم يعتقد الناس أن الله قد كلمه . أما يوحنا فإنه يكتب اسمه لأن النبوة عادت ، وجاء الله ثانية إلي الناس بكلمة التعزية والتوبة ، فلا حاجة إذن لقديس قديم، فالله أرسله هو أو أرسل ابنه بكلمة الله .

(د) يتكلم الكتاب الرؤويون عن التاريخ بلسان الذي عاش في القدم ونسب الكتاب إليه فتنبأ بحوادث التاريخ القادمة وإن لم تعدد الحوادث التالية لعصره حتى عصر الكاتب نفسه ، فإنه يعطي رأيه في التاريخ . أما يوحنا فإنه يتكلم كنبي ، إنه يتكلم عن عصره هو . يأخذ كلمة الله ويكلم معاصريه . وبذلك يربط بين التاريخ والأسخاتولوجي كما فعل الأنبياء العظام من قبله : فمثلا كان الوحش هو روما ، ولكنه في نفس الوقت ضد المسيح الذي سوف يأتي . هنا الحاضر (روما) والأسخاتولوجي (ضد المسيح ) ولم يكن الاضطهاد الذي وقع علي كنائس آسيا الصغرى في القرن الأول بالشدة التي يصفة يصف الذي سوف يقع علي المؤمنين عندما يأتي ” ضد المسيح ” . وبذلك فإنه يرى النهاية من خلال الحوادث التاريخية المعاصرة كما يفعل الأنبياء : فإنهم كانوا يكلمون الناس في عصرهم وفي نفس الوقت كانوا يربطون ذلك ” بيوم الرب ” الذي سوف يأتي كما حدث مثلا مع إشيعاء 7 : 14 مع متي 1 : 23 وهو شع 11 :1 مع متي 2 : 15 وارميا 31 : 31 – 34 مع عبرانيين 8 : 8 –12 وهكذا . هذا ما يفعله القديس يوحنا في سفر الرؤيا .

من هذا نري أن القديس يوحنا قد كتب كالرؤيين . استعار منهم صورهم ورمزياتهم ورؤاهم ، ولكنه مع ذلك لم يضف كتاباً رؤياً آخر إلي الكتب المعروفة في ذلك الوقت . ولكنه كتب كتاباً متميزاً . إنه كتاب مسيحي يظهر ما عمل الله في المسيح وما سوف يعمله ، مستخدماً في ذلك الطريقة التي كان يستخدمها الرؤيون . ولكنه كان يضع أنظاره علي الحمل المذبوح في حادثة ماضية صارت مركزاً للرؤيا الإعلان ولكنها لا تظهر في كتب الرؤويين الذين لا رجاء لديهم في الماضي ولا الحاضر بل ينتظرون دائما إلي النهاية . فسفر الرؤيا هو نبوي كتب بطريقة رؤية

مؤلف الكتاب :

يقول الكاتب عن نفسه إنه يوحنا وذلك في أربعة أمكنة (1 : 1 ، 4 : 9 ،22 : 8) وفي 1 : 9 يقول عن نفسه “أخوكم وشريككم في الضيقة وفي ملكوت يسوع المسيح وصبره ” . وقد انقسم العلماء قديماً وحديثاً فيما بينهم عمن هو يوحنا هذا : هل هو يوحنا الرسول تلميذ المسيح ؟ أم أنه شخص غيره ؟ وهل نفسه كاتب إنجيل يوحنا ؟ أم أنه شخص آخر ؟ ولكن قبل أن ندرس رأي التقليد والدراسات الحديثة لنعرف ماذا يقول الكتاب عنه .

  • مع أنه يطلق علي نفسه اسم يوحنا لكنه لم يشر من قريب أو بعيد علي أنه واحد من الاثني عشر ، ولكنه يرغب أن يسمع القراء كلمته ككلمة نبي (1 :1 – 3 ، 22 : 6) ومع ذلك لا يذكر أبداً أنه كان نبياً بمعني أنه كان في مركز كنسي سابقاً علي كتابة كتابه هذا . ويلوح أنه صار نبياً في الوقت الذي دعي فيه لكي يكتب كتابه . وقد جاءته الدعوة في جزيرة بطمس التي تقع علي الشاطئ الغربي من آسيا الصغرى في مقابل جزيرة مالطة (1 : 9 – 11 ) ولعله كان منفياً هناك لأنه وضع ” من أجل كلمة الله ومن أجل شهادة يسوع المسيح ” (1 : 9 ) .
  • من واقع خطاباته إلي الكنائس السبع نري أنه كان يعرف أحوال الكنائس هناك معرفة عميقة ، مما يدل علي أنه كان من سكان تلك المناطق أو أنه عمل هناك لمدة تكفي لأن يتعمق في الظروف الداخلية والخارجية لكل كنيسة . وليس ذلك فقط بل كان يتمتع بسلطان واسع في هذه الكنائس لأنه تكلم بكل شجاعة وبدون تردد علي الخطايا والغلطات التي تظهر فيها ، ويهددهم إن لم يتوبوا فإنه سيعاقبهم .فمن هو يوحنا هذا الذي يكتب سفر الرؤيا ؟

أولا – يوحنا الرسول : 

هناك شهادات قوية تقول إنه يوحنا ابن زبدى التلميذ والرسول . وتبني هذه الشهادات علي الأمور التالية : 

  • شهادات الآباء المبكرين : كشهادة جاستن مار تر (151 – 155 ) إذ يقول ” رجل منا اسمه يوحنا أحد رسل تنبأ في رؤيا أعطيت له ، أن الذين يؤمنون في مسيحنا سيسكنون في أورشليم ألف سنه ” ( حوار مع تريفو اليهودي ) . ثم يكمل ” وبعد ذلك تحدث القيامة العامة الأبدية لكل الناس وسوف تكون الدينونة ” وفي أواخر القرن الثاني الميلادي كتب أحدهم ضد مارسيون في مقدمة إنجيل لوقا بأن كاتب الرؤيا هو يوحنا الرسول . . وقد صادق علي هذا الأمر إيريناوس وترتليان وأكليمندس الإسكندري وهيبوليتس الروماني . وفي أحد فقرات تفسيره لإنجيل يوحنا يقول أوريجانوس إن يوحنا الرسول كتب سفر الرؤيا وإنجيل يوحنا .
  • وهناك أشياء داخلية في الكتاب نفسه يصعب تفسيرها إذا لم يكن يوحنا الرسول نفسه هو الذي كتب الكتاب ، فسلطانه علي الكنائس ومعرفة الكنائس به تشير بالضرورة إلي شخصية لها وزنها كيوحنا الرسول . وإلي جانب ذلك عدم نسبة كتابه إلي شخصية قديمة كالرؤويين اليهود تدل علي أن الكاتب قوي ومعروف وله سلطان نبوي رسولي . فإحساسه بأنه إنسان موحى إليه ، وأن كتابه يجب أن يوضع في مصاف الكتب المقدسة بحيث يجب ألا يزاد أو ينقص منه (22 : 8 و 19) وأنه هو شخصياً ، معدود من الأنبياء (22 :9) ، وأنه يعطي الدرج ويأكله مثل الأنبياء عند دعوتهم للنبوة (10 :10) هذا كله يدل علي أن هذا الشخص له سلطانه النبوة الذي يقف علي قدم المساواة مع الأنبياء القدامى : كإشيعاء وارميا و هو شع وغيرهم . ولا يمكن أن ينسب شخص هذا إلي نفسه إن لم يكن في مركز رسل المسيح .

ويعتقد بعض العلماء أيضاً أن سفر الرؤيا يعكس طبيعة القديس يوحنا تلميذ المسيح الذي سماه السيد مع أخيه بوا نرجس ” أي ابني الرعد ، فقد طلبا يوماً ما أن تنزل نار من السماء لتحرق قرية السامريين ، وهذا ما نجده في سفر الرؤيا ( لوقا 9 : 54 – 56 ، رؤيا 2 : 9 ، 3 :9 ) وهو يظهر تجاه كل الذين يحاربون شعب الله ، الوحش وروما وغيرهما موجة من الغضب والانتقام .

  • وهناك شواهد أخري يبرزها الذين يعتقدون أن كاتب إنجيل يوحنا وسفر الرؤيا هو شخص واحد ، هذه الشواهد تتخلص في المشابهات التي بين الكتابين في المصطلحات وفي الأفكار ، فالمسيح لم يسم ” الكلمة ” إلا في كتابات يوحنا ( يوحنا 1 : 1 ، رؤيا 19 : 13 ) وهو حمل الله مع أن إنجيل يوحنا يستخدم amnos وسفر الرؤيا يستخدم arnion .

وفي كلا الكتابين نجد الصور الكلامية والتشبيهات التي تتضمن المياه ، الينبوع وغيرها ( يوحنا 4 : 10 و 11 و 14 ، 7 : 38 رؤيا 21 : 6 ، 22 : 17 ) وفيهما يوصف السيد بأنه الراعي ( يوحنا 10 و 21 : 16 و 17 ، رؤيا 7 : 16 ) وكلاهما يؤكدان أنه لا ضرورة للهيكل في العبادة ( يوحنا 4 :21 ، رؤيا 21 : 22 ) ويشيران إلي المن ( يوحنا 6 : 31 و 32 ، رؤيا 2 :17 ) .

وفي كلا الكتابين نجد ميلا إلي مقابلة الأشياء بعضها ببعض : النور والظلمة ، الحق والكذب ، قوة الله وقوة العالم . وهناك اصطلاحات متشابهة : الحقيقي . الشهادة ، حفظ الوصايا وغير ذلك .

هذه وغيرها قد تشير إلي أن الكتابين خرجا من يد كاتب واحد أو من مدرسة واحدة لها نفس التفكير .

ثانياً- كاتب آخر :

ولكن هناك اعتراضات قوية ضد نسبة هذا الكتاب إلي يوحنا الرسول وضد صلته بالإنجيل الرابع ككتابين لكاتب واحد .

  • لعل أقوي شهادة علي هذا الأمر جاءت أيضاً من الآباء . فالكاهن الروماني غايس نسب هذا الكتاب إلي سيرنيثوس Cerinthus نظراً لما فيه من عقيدة الألف سنة . وكذلك فعل الجماعة المسماه alogi نظراً لما فيه – كما يقولون – من تناقض بينه وبين الكتيب الأخرى في العهد الجديد .

أما الشهادة القوية التي جاءت من الآباء ولا زالت هي السند الذي يعتمد عليه كتاب العصر الحديث في إنكار نسبة هذا الكتاب إلي هذا الكتاب إلي يوحنا وعدم صلته بالإنجيل الرابع فهي شهادة ديونسيوس Dionysius أسقف الإسكندرية (264 م) الذي أنكر بدوره نسبة هذا الكتاب إلي سيرنيثوس كما ذكر سابقاً إلي شخص نقي قديس ولكنه ليس يوحنا الرسول الذي كتب الإنجيل والرسائل الثلاثة . ويؤيد ديونسيوس قوله هذا بالأمور التالية :

  • إن كاتب الرؤيا يذكر اسمه في كتابه منذ البداية مع أن الإنجيلي لم يذكر اسمه أبداً لا في الإنجيل ولا في الرسائل . ولو كان يوحنا الرسول هو الذي كتب الإنجيل لكان ذكر أنه التلميذ الذي أحبه يسوع أو الذي اتكأ علي صدر يسوع أو أخو يعقوب أو أخو يعقوب أو الذي رأي يسوع بعينيه ولمسه بيديه (1 يوحنا 1 : 1 ) ولكنه لم يفعل ذلك مما يدل علي أنه ليس يوحنا الرسول بل شخص آخر .
  • في الإنجيل والرسائل نجد نفس المصطلحات والأفكار فكل من يقرأها جميعاً فإنه يجد والرسائل نجد نفس المصطلحات ” النور” ، الظلمة ، الحياة ، يترك الظلمة . الحق ، النعمة ، الفرح ، جسد ودم الرب ، الدينونة ، غفران الخطايا ،محبة الله لنا ، الوصية أن نحب بعضنا البعض ، وان نحفظ كل الوصايا ، دينوينة العالم والشرير وضد المسيح ، وعد الروح القدس ، بنوبتنا لله ، الإيمان المطلوب منا ، الأب والابن . وهكذا . وإذا قارنا سفر الرؤيا بذلك نجده يختلف كل الاختلاف فلا مشابهة بينهما ، وفي الحقيقة لا صلة بينه وبين الكتب الأربعة .

(جـ) وإلي جانب اختلاف الأفكار هناك اختلاف الأسلوب بين الكتب الأربعة وكتاب الرؤيا . فالكتب الأربعة كتبت في لغة خالية من الخطأ اللغوي سهلة التغبير وتطور في التفكير وارتباط الجمل فلا يوجد فيما نوع من غلاظة الأسلوب وصعوبته . وعلي العكس من ذلك كله نري في سفر الرؤيا لغة غير سليمة تستخدم فيها عبارات ليس من اللغة اليونانية الفصحى ،  ولا يهتم بقواعد اللغة واستخداماتها . وهناك شهادة داخلية ضد نسبة الكتاب إلي يوحنا الرسول ولعل أقري عناصرها ما جاء في 18 : 20 ، 21 :14 والتي تشير إلي رسل الخروف وتلاميذه علي أنهم عاشوا في وقت قد مضي . وكأن كاتب هذا الكتاب عاش في عصر لم يكن فيه الرسل علي قيد الحياة فلا يمكن أن يكون هو يوحنا الرسول .

هذا هو مجمل الآراء التي تقال عن مؤلف هذا الكتاب ومنها نري أن كلا من الفريقين يؤيد رأيه بأمور لا يقبلها الطرف الآخر أو يرد عليها ، وفي الحقيقة لا يوجد عالم وحيد يمكنه أن يؤكد هذا الرأي أو نقضيه تأكيداً تاماً .

إنما الأمر نسبي . ولعل الرأي القائل إن يوحنا الرسول ابن زبدى تلميذ السيد  هو كاتب سفر الرؤيا يحل كثيراً من المشكلات ، ولكن ليس كل المشكلات .

ولكن هل يأتي اليوم الذي يمكن فيه لعالم أن يؤكد أحد الآراء ؟ من يدرى ، الله هو الذي يعلم .

تاريخ كتابة السفر :

القراءة السطحية لسفر الرؤيا تكشف أن السفر كتب لجماعة يعانون الاضطهاد الفظيع أو علي وشك مواجهة هذا الاضطهاد . ودراسة تاريخ الكنيسة في القرن الأول تظهر أن هناك اضطهادين عرفتهما الكنيسة العالمية أو أجزاء منها .الاضطهاد الذي حدث في عهد يرون ، ذلك الإمبراطور سئ السمعة في الستينات من ذلك القرن . أما الاضطهاد الأقسى فقد حدث في آخر هذا القرن الإمبراطور دوميتيان الذي جعل عبادة الإمبراطور ديانة رسمية في الدولة . الرأي الذي يتمتع بمساندة غالبية الدارسين هو أن هذا الاضطهاد كان في عهد دوميتيان ويستندون علي الشواهد التالية :

1- يقول أصحاب هذه النظرية إن الإمبراطور دوميتيان كان أقسى علي المسيحيين ، الذين كانوا يرفضون أن يسجدوا لتمثاله ويعبدوه ، من أي إمبراطور آخر . وقد عليه سفر الرؤيا لقب الوحش ، لا كلقب ولكن ليدل عليه ، وقد ظهرت عبادة الوحش في سفر الرؤيا بصورة واضحة (13 : 4 و 15 و 16 ، 14 : 9 – 11 ، 15 : 2 ، 16 : 2 ، 19 : 20 ، 20 : 4) . إن علامة الوحش التي كان يجب أن يحملها الجميع تعني أن عبادة الإمبراطور أصبحت ديانة الدولة ومع أن عبادة الإمبراطور كانت شائعة ومطلوبة قبل المسيحية ، وخصوصاً في أيام كاليجولا الذي أراد أن يوضع تمثاله في الهيكل ، إلا أن سفر الرؤيا يعكس عصراً متقدماً جداً في عبادة الإمبراطور يوافق عصر الإمبراطور دوميتيان الذي فرض عبادته بالقوة وكان كل من لا يعبده يعتبر خائناً للدولة .                                  

  • نوع الاضطهادات التي حاقت بالمسيحيين كما هي مدونة في سفر الرؤيا تبين علي أنه اضطهادات شديدة قاسية عامة ، وهي التي حدثت في عهد دوميتيان . فالكاتب نفسه كان منفياً في جزيرة بطمس وذلك لأجل كلمة الله وشهادة يسوع المسيح . وفي رسائله للكنائس يعكس أنواعاً متعددة من الاضطهادات . ففي كنيسة ترغامس قتل أنتيباس ( 2 : 13 ) وكنيسة سميرنا تهددها موجة من السجن والسبي ( 2 : 15 ) ، وكنيسة فيلادلفيا تنتظر ساعة الضيقة العظيمة الآتية علي كل العالم ( 3 :10 ) . ويلوح من 6 : 9 أن هناك جماعة شهداء قد ماتوا وهم يطلبونا الدينونة والقصاص من الذين قتلوهم . وعندما يتكلم الرائي عن الزانية العظيمة وهي مدينة روما بأنها سكرى بدم القديسين ( 17 : 6 ، 18 : 24 ، 19 :2 ) . ولقد عرف عن عصر دوميتيان أنه كان عصر الاضطهاد العام المبني علي اختلاف العبادة أي أن كحل من لا يعبد الإمبراطور فإنه يقتل دوميتيان قريبة فيلالفيوس وزوجته دوميتيلا المسيحية . . وقد ذكر أكليمندس الروماني الذي كان يعاصر دومتيان هذا الاضطهاد المرير ، وكذلك يوسابيوس المؤرخ المسيحي وترتليان وغيرهم . مما يعطي قوة لشهادة سفر الرؤيا وما ذكره عن هذا الاضطهاد الذي حدث في عصر دوميتيان .
  • أسطورة رجوع نيرون :

ويقول كثير من دارسي سفر الرؤيا إن الرائي في إصحاح 17 يتكلم عن أسطورة رجوع نيرون التي تقول إن نيرون لم يمت ولكنه هرب إلي الشرق وظل مختفياً إلي أن يرجع مرة أخري بجيش عظيم ، ويفتح روما بالقوة ويأخذ العرش الذي أخذ منه . وفي 17 : 8 الوحش الذي كان وليس الآن هو عتيد أن يصعد من الهاوية ويمضي إلي الهلاك هو بنيرون وهو واحد من السبعة ملوك . منهم 5 سقطوا وواحد موجود آخر سوف يأتي ، ثم يأتي الوحش الذي كان ليكون الثامن مع أنه واحد من السبعة . . وهكذا كما وهو مكتوب في ص 17 . . ويقول الدارسون إن هذه الأسطورة التي ذكرت عن نيرون بهذه الكيفية كانت معاصرة أو تسبق قليلا عصر دوميتيان ، مما يدل أن هذا السفر كتب في ذلك العصر

  • حالة الكنائس السبع :

في الإصحاحين الثاني والثالث يوجه السيد رسائله إلي الكنائس السبع . وفي غضون هذه الرسائل نجد وصفا لحالة هذه الكنائس . فهناك فتور وفشل في بعض الكنائس مثل وساردس ولاودكية ، وهذا معناه أن كنائس الرسول بولس قد أصابها الضعف ويشير كذلك إلي أن فترة طويلة قد مرت منذ أن رحل الرسول بولس إلي الأبدية وهناك شاهد آخر من كنيسة سميرنا التي لم تنشأ قبل 65 م . وبولفيكاربوس يشهد بذلك في رسالته إلي فيلي . . وإذا كانت حالتها كما يصفها سفر الرؤيا فهذا يدل علي أن الرسالة إليها كتبت في عصر متأخر يقارب العصر الذي نتحدث عنه وإذا رجعنا مرة أخري إلي كنيسة أفسس فإن السيد يمدح ملاك الكنيسة علي أنه يبغض تعاليم النيقولاويين ( 2 : 6 ) ، وكذلك يوبخ ملاك كنيسة ترغامس علي أن جماعة من عنده يتمسكون بهذه التعاليم ( 5 : 15 ) . والكلام عنهم هكذا يدل علي أن هذه الجماعة المنحرفة قد أصبح لها تأثير معروف في الكنائس . لأن ذكر الاسم بدون ذكر التعاليم يدل علي أنها معروفة معرفة تامة ، ولها مدة طويلة نوعاً ما في وسط الكنائس . . من هذه جميعها يظهر أن الكنائس التي كتبت إليها هذه الرسائل كانت كنائس وراءها تاريخ طويل وليست حديثة التكوين مما يدل علي أن الرسائل كانت علي الأقل في أواخر القرن الأول .      

  • إلي جانب هذا كله فهذا التاريخ ( أي أن الكتاب كتب في عصر دوميتان : يجد سنداً قوياً في شهادات الآباء .فشهادة إيريناوس والتقليد المتأخر كلها تعطي قوة لهذا التاريخ ، فيقول إيريناوس ” إن هذه الرؤيا ظهرت في عصرنا هذا ” . علي كل حال فإن التقليد يؤيد هذا التاريخ المتأخر

                                                          658

ولكن في مقابل ذلك يعتقد بعض الدارسين أن السفر كتب مبكراً عن ذلك أي في عهد نيرون أي في الستينات الميلادية ويؤيدون كلامهم بالشواهد التالية :

  • من نفس أسطورة نيرون ( 17 : 10 ) : وإذا كان خمسة ملوك قد سقطوا فالأفضل أن نحسب الخمسة من أول يوليوس قيصر من أول أو غسطس كما تعودوا أن يذكروا ؟ وإذا كان كذلك يكون نيرون هو الخامس . ومعني ذلك أن سفر الرؤيا كتب وقت موته أو الوقت اللاحق لذلك مباشرة .
  • أما الشهادة الثانية فهي تشتق من العدد الرمزي للاسم 666 ( 13 : 18 ) وقد بذلت محاولات كثيرة لفك هذا الرمز . وانطبق العدد علي اسم نيرون باللغة العبرية . وقد اختلف العلماء كثيراً عما إذا كان الكاتب قصد العدد بالعبرية وهو يكتب اليونانية . أو أنت العدد رمزي ولا يحب أن يؤخذ حرفياً . ومهما يكن من أمر فإن الذين يساندون هذا العصر المبكر لكتابة  السفر يتمسكون بانطباقه علي نيرون .
 

نبذة عن الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.