تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » ماري عادل – سلسلة احكي لي يا كنيسة عن أمي المصرية

ماري عادل – سلسلة احكي لي يا كنيسة عن أمي المصرية

الكاتبة

 الدكتورة آن زكي 

مدرس مساعد بقسم اللاهوت العملي

كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة

الحلقة (10): ماري عادل: قلب الرحمة
— من سلسلة “احكي لي يا كنيسة عن أمي المصرية”
“خارج الصندوق” كان هذا عنوان المؤتمر الذي حضرته ماري أسابيع قبل التحاقها بالجامعة، حيث استقبلت تحدي المتكلم وكأنه رسالة سماوية خاصة لها. فقد نجح المتكلم في إشعال قلبها باحتياجات المتعبين مِمَّن حولهم والذين ينتظرون جيلاً يجسر أن يترك مكان راحته ليقدِّم راحةً للمتألمين. عادت ماري لمدينتها بالمنيا حيث التحقت بكلية فنون جميلة وظل قلبها يتوهج بشغف دعوتها الجديدة. فبينما انشغلت صديقاتُها ببداية المرحلة الجامعية وما يرافقها من حريات جديدة، انشغلت ماري بنوع آخر من الحرية – حرية العيش “خارج الصندوق”.
قررت ماري أن تبحث عن جموع المتألمين في محيطها، واستقرَّت نفسُها أخيراً على خدمة مرضى السرطان. كرَّست الأمر في الصلاة طالبة مشورة الروح القدس إذ لم يكن لديها المال ولا الخبرة لتقوم بمثل هذا العمل، فجاءها الرد السماوي بدعوة إحدى صديقاتها لاصطحابها لزيارة المرضى. وأصبح هذا الرد منهاجاً لأسلوب خدمتها من ذلك اليوم فصاعداً، فلم تخرج ماري لخدمة ما إلا وكانت بصحبة آخرين للعمل معاً. داومت على زيارة معهد الأورام زيارات أسبوعية مع صديقتها، حتى علم الآخرون من معارفها برؤيتها وعضدوها بالمساعدات المادية والصلاة، ونمت الخدمة لتشمل فريقاً كاملاً يزور الأطفال ومعهم الألعاب، ويزور الكبار بالحلوى وتقديم المساندة النفسية للجميع حتى بعد عودة المرضى لبيوتهم، بل وشملت الخدمة أيضاً متابعة ذويهم عند انتقال المريض. اتسمت الخدمة بالكثير من التحديات بوجه الموت والفقد، فكثيراً ما كانوا يودعون المرضى قبل انتهاء الزيارة لتخوفهم من انتقالهم قبل زيارتهم التالية. ولكن الخدمة اتسمت أيضاً بفيضان من رسائل الرجاء والفرح أمام قسوة الألم والعناء.
استمرت هذه الخدمة لسنوات عديدة حتى بعد تخرج ماري من الجامعة وارتباطها بعريسها ماجد نادي وانتقالهما معاً للسكن في القاهرة. لم يجمع الله بين قلبي ماري وماجد بحبال حبهما لبعض فقط، ولكن أيضاً بروابط حبهما لخدمة الله وخصوصاً وسط الفئات المهمشة التي تعاني من وجودها خارج إطار رؤية الكنيسة. فذهبا معاً في بداية زواجهما للخدمة في دولة إفريقية لمدة شهرين، ثم انتقلا للإقامة في بلد عربية لمدة 5 سنوات حيث أبدعا في إنشاء مشروعات خلاقة غير مسبوقة لخدمة مَن حولهما باختلاف احتياجاتهم. فأنشآ معاً كافيه ذات طابع ثقافي فني حيث احتوى مكتبة وجاليري وقاعة للموسيقى. فقضيا معاً أجمل سنين عمرهما يعملان على تنمية هذا المشروع حتى أصبح مكاناً آمناً مرحباً لحوالي 300 من الشباب والشابات المثقفين والموهبين، تنبع من زواياه النغمات الموسيقية وتنبت في أركانه اللوحات الفنية بينما يجتمع الأصدقاء لاحتساء قوتهم. عملت ماري مع زوجها بإخلاص وأمانة حتى كبر فريق العمل في الكافيه ليضم 26 شخصاً يعملون كل الوقت. لكن للأسف، أدت الأحداث السياسية في المنطقة العربية إلى تقلبات عنيفة في الأوضاع الحياتية، مما اضطر الزوجان للعودة إلى مصر ليستكشفا معاً دعوة الله لهما في هذا الموسم الجديد، وكان لديهما كل الثقة في أن أمانة الله ستحفظ وديعة زرعهما في هذا البلد وأنها ستؤتي الثمر في آوانه.
لم تكن عودتهما لمصر بعد سنيّ غربتهما سهلة، بل وجدت ماري نفسها تقضي أول شهرين مغمورة بمشاعر ممتزجة بالفقد والحزن، لكن الرب انتشلها في أغسطس 2013. لم ينجلِ لهما شكل خدمتهما الجديد من خلال رسالة سماوية مكتوبة على سماء صافية، ولكنها ظهرت بعد انقشاع غيوم الدخان من فوق ميدان رابعة العدوية في مدينة نصر بعد ليلة دامية راح ضحيتها جموعٌ من المصريين. استيقظت ماري في باكر اليوم التالي لتكتشف مع كل المصريين، أن أحداث الليلة الماضية الموجعة كانت باكورة أحداث عنف أخرى لحقت بكل مصر خلال الأيام الثلاثة التالية. وهنا استقبلت ماري مع زوجها دعوتهما الجديدة وكأنها هزة من السماء، فحرك الله قلبها الرحيم للتحرك مع زملائهما في الخدمة لزيارة ضحايا أحداث العنف في قرى الصعيد ممن فقدوا منازل ومحلات وحقول. تحركت معهم بخطوات محسوبة لخطورة أوضاع البلاد وقتها، لكنها كانت خطوات محسومة بإيمانها في إرشاد وقيادة الله لها. انكسر قلب الفريق عند زيارتهم لقرى الصعيد حيث صدمتهم صعوية الوضع المعيشي للقرويين من بيوت غير مسقوفة أو من دون دورات مياه داخل المنازل، ومراكز صحة معدومة الإمكانيات، وأطفال مسجلين في المدراس لكن يجهلون القراءة والكتابة.
بدأ العمل بالتركيز على أعمال الرحمة من توزيع المراتب والبطاطين والمساعدات المادية، ثمَّ توفير الأدوية والمساهمة في مصاريف العمليات الجراحية، من بعد ذلك عملت ماري مع الفريق على مشروع إنشاءات لتسقيف البيوت وبناء دورات مياه داخلية، لحقَهُ برنامج دعم للمشروعات الصغيرة. في وسط كل هذا النجاح والتوسع للخدمة، ظلت روح ماري غير راضية باحثة عن طريقة تقتلع فيها مثلث الموت بأضلاعه الثلاث: الجهل والفقر والمرض، في الأماكن الخارجة عن اهتمام المهتمين. وبعد وقت من الصلاة والتفكير قاد الزوجين فريق جديد في بداية خدمتها الثالثة لنشر رسالة أمل بين أهالي القرى من خلال مشروع تعليم الأطفال. فسارع الفريق بإعداد منهاج تربوي—نفسي—روحي لكل مراحل التعليم الأساسي، كما درَّبوا عدداً كبيراً من شباب وشابات القرى لتقديم هذا البرنامج التعليمي كمنهاج تفاعلي موازٍ لمناهج المدارس الحكومية. يعتبر نجاح هذا المشروع التعليمي الخلاق نجاحاً مضاعفاً لأنه أنقذ الكثير من الأطفال من فخ الجهل وبالتالي الفقر والمرض. كما وفر المشروع فرص عمل لشباب وشابات القرية بدلاً من هجرتهم إلى المدينة تاركين ذويهم وقُراهم بحثاً عن العمل. بارك الرب الرؤية لتنمو من تقديم أعمال رحمة في ظروف طارئة، لتشمل رؤية لتغيير حياة 12 ألف من أطفال القرية، بل وتغيير منظور الحياة الكريمة في أكثر من 150 قرية في محافظات المنيا وأسيوط وسوهاج والأقصر، من خلال فريق عملٍ أمينٍ ومتفانٍ يضم 45 فرداً.
وجدت ماري، من خلال تواجدها في قرى الصعيد، أن الأرامل هُنَّ من أكثر الفئات المتألمة لما يواجهنَ من ضغوط تقاليد مجتمعنا الشرقي الذي يلقبها بالزوجة “النحس” أو “الفقرية”، ويضغط عليها بعادات قاسية مثل ارتداء الملابس السوداء مدى العمر، هذا بالإضافة إلى التحكم فيها من أهل الزوج المتوفى، والتهديد بأخذ الأولاد، وقد تصل الضغوط أحيانا إلى التشهير بالسمعة. لذلك تحرك قلب ماري الرحيم نحو الأرامل المُعيلات، فبادرت ماري مع مؤسسة الخدمة التي تنتمي اليها في عام 2019 نحو تأسيس الخدمة الرابعة لتحتضن 100 أرملة بين عمر 20-45 سنة مع أطفالهنَّ في محافظات القاهرة والمنيا وأسيوط وسوهاج. وأحضرت ماري معها، كعادتها، فريقاً من 5 أفراد لمساندة هؤلاء الأرامل من خلال مجموعات مساندة شهرية، وجلسات متابعة فردية، وبرنامج لدعم المشروعات الصغيرة، ومساعدات طبية في العلاج وإجراء العمليات الجراحية، ومؤتمر سنوي. لاحظ فريق العمل، بعد مرور سنة على هذه الخدمة، أنه بالرغم من عدم تغير الظروف الصعبة للأرامل إلا أن تعاملهنَّ مع الظروف قد تغير بصورة واضحة؛ لأنهنَّ اختبرنَ التمكين والتنمية التحويلية، فتحسنت صورتهنَّ الذاتية، ووثقنَ في قدراتهنَّ على مواجهة تحديات الحياة بمعونة الله وبفضل القوة المستمدة من مساندة الجماعة.
ساهمت ماري في كل هذه الخدمات وهي لم تتم عامها الـ 35 بعد، وروحها المتواضع يشهد أن “اللي اتغير في شخصياتنا واتعلمناه أكتر بكتير من اللي احنا علمناه أو عملناه. احنا اللي بنتخدم لما بنخدم. لما الواحد يلاقي معنى للحياة بيحس إن تعبه مش ضايع”. ويبقى حلمها المستقبلي أكبر وأوسع، فبعد حصولها على ماجستير الآداب في اللاهوت من كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة، تنوي ماري دراسة علوم الإدارة وحقوق الإنسان وتمكين المرأة. كما ترفع ماري عينيها للسماء طالبة إرشاد الله في تأسيس خدمة خامسة وهي انشاء بيت آمن للفتيات والسيدات للتعافي والتأهيل والتدريب.
في وقت تُصر فيه الحياة بقسوتها على موتنا إثر قلب مكسور، تأتي ماري فتجبر كسر قلوبنا وتبث فينا نفَسَاً جديداً للرحمة، من خلال نموذج حياة تستحق أن تُعاش “خارج الصندوق”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.