تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » مجد الرب – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

مجد الرب – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

مجد الرب

 

(مز 4 : 2) ، (إش 49 : 1 – 8) ، (يو 12 : 20 – 36)

“يا بني البشر حتى متى يكون مجدي عاراً”.

“الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجاً”.

يا بني البشر، يا بني آدم، أيها الأمم جميعاً، يا أهل العالم بأكمله، والجميع واحد، الأمم التي ارتجت، البشر الذين جعلوا مجد الله عاراً، العالم الموضوع كله في الشرير، وقد رأينا الأمم وعرفنا أنهم بنو البشر وهم كل العالم الذي قال عنه الرسول يوحنا: “العالم كله قد وُضع في الشرير”.

وما هو المجد؟ يقول الرب: “مجدي”، وقد قرأنا في نبوات إشعياء: “أنت عبدي الذي أتمجد به”، كما في ليلة العشاء عندما خرج ذلك الخائن بعد أن أعطاه السيد اللقمة وبعد أن غسل رجليه فخرج منجَساً ليتمم ما في قلبه من النجاسة ليجعل مجد الله عاراً، ويسلم هذا المجد إلى أيدي المعيرين واللاطمين والجالدين، لكل أهانات البشر، قال عنه السيد عند خروجه: “الآن تمجد ابن الإنسان (ابن الله) وتمجد الله فيه”، وإن كان الله قد مجده فإن الله سيتمجد فيه ويتمجد سريعاً، وها نحن الآن نسمع هذا الابن الممجد الذي هو “بهاء مجده (مجد الله) ورسم جوهره”، يقول: “الآن دينونة هذا العالم” الأمم، بني البشر، الآن “الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجاً”، هذا الذي أضل الكل وأوقع بني البشر في الفسق والفساد، هذا الذي قال: جميع ممالك العالم قد أُعطيت لي وأنا أعطيها لمن أشاء، هذا العدو اللدود، سلطان الهواء، رئيس هذا العالم، إبليس، وقد قال عنه السيد في تلك الليلة الأخيرة بعد العشاء وبعد أن أعطى تلاميذه التحذيرات اللازمة قال لهم: “رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيءٌ ولكن ليفهم العالم أني أحب الآب وكما أوصاني الآب هكذا أفعل، قوموا ننطلق من ههنا” ليسلم نفسه لهذا الشيطان، رئيس هذا العالم.

أما في كلمات موضوعنا فإن ابن الله قد رأى أن بني البشر سيجعلون مجد الله عاراً لأنه هكذا في قلوبهم وهكذا في نواياهم، ولكن قد أتت الساعة ليتمموا النية بالعمل وليجعلوا مجد الله عاراً أمام عيون البشر وبيد البشر وبالأمم، أمم الأرض كلها، لذلك وهو يرى يقول: “قد أتت الساعة … الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجاً”، وهو بهذه الأقوال يتخطى بنظره الثاقب وبروح النبوة التي ترى من بعيد، بل التي ترى قبل الدهور ما سيكون، ما سيفعله هذا العالم برئاسة رئيسه إبليس والشيطان، التنين الأحمر، الحية القديمة، فلم يضطرب قبل أن ينطق بهذه الكلمات، وعندما أتاه اليونانيون عن لسان تلميذيه أندراوس وفيلبس يريدون أن يروا يسوع رأى في الحال حبة الحنطة ملقاةٌ في الأرض متعمقة إلى الأعماق، ولا بد أن تموت لتأتي بثمرٍ كثيرٍ، ومع أنه يرى الثمر، ويرى الثمر الكثير لمجد الله الآب، مع أن هذا الأمر واضحاً أمام عينيه، ولكن ليس بالسهل أن تموت الحبة في الأرض لتأتي بالثمر، لذلك وهو يتكلم، وهو يرى المجد، يرى وإذا بالمجد قبل أن يصل إلى التمجيد يذوق العار، ويصير مجد الله عاراً، فارتعدت فرائصه واضطرب قلبه وقال: “نفسي قد اضطربت”.

هكذا اضطرب بالروح بعد ذلك، بعد العشاء، وإذ اضطربت نفسه وقف بين أمرين خطيرين، ماذا أقول أمام نفسي المضطربة؟ هل أقول أيها الآب نجني من هذه الساعة؟ الساعة الخطيرة، ساعة العار والإهانة “لمهان النفس، … لعبد المتسلطين”، نفسي اضطربت، وماذا أقول؟ هل أقول أيها السيد نجني من هذه الساعة؟ بل أقول: “أيها الآب مجد اسمك”، فلتكن هذه الإهانة وهذا العار لتمجيدك، وكم تشجع عندما جاء الصوت من السماء قائلاً: “مجدت (في الماضي) وأمجد”، قوةً من العلاء أتى بها وعندما سمع الجمع الواقف ذلك الصوت قالوا قد حدث رعدٌ، فقال لهم ليس من أجلي هذا الصوت بل من أجلكم لتدركوا الحقيقة، لتفهموا، ولكنهم لم يعرفوا شيئاً ولم يدركوا أمراً، فقد أُخفيَّ عن عيونهم ليصير مجد الله عاراً ويتم المكتوب: “تعييرات معيريك وقعت عليَّ”.

ولكنه تخطى الأمر وما وراء ذلك العار إلى ذلك المجد، ورأى دينونة هذا العالم فقال: الآن ليست الآلام ولا العار، لو درى أولئك بني البشر الذين يريدون جعل مجد الله عاراً، لو دروا، ماذا تكون النتيجة لو نظروا إلى الدينونة الرائعة؟ بل المريعة المخيفة، دينونة هذا العالم، لأدركوا ما هم فاعلون، ولكن قد أُعميت عيونهم عن أن يروا، أما هو فقد رأى وراء عملهم الذي عبر عنه: “إن ارتفعت عن الأرض (فوق الصليب) أجذب إليَّ الجميع”، قوة جذب في الصليب، ولم يدركوا هذا القول، ألا يكون ارتفاعه دينونةً لبني البشر الذين أرادوا أن يجعلوا مجد الله عاراً، فقد عاد المجد بل ارتفع إلى العلاء وجذب الكثيرين وراءه.

وكم يكون لو سمعنا الذي سمعه يوحنا الرائي عندما رأى “جمعاً كثيراً لا يستطيع أحدٌ أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة”، من جميع هؤلاء من كلٍّ منها جمعٌ كثيرٌ “وفي أيديهم سعف النخل” معيدين عيد المظال الأبدي والجالس على العرش مظلِّلاً إياهم، حالٌ فوقهم، وفي ظله يتغنون وفي ستره يفرحون معيدين عيد المظال الأبدي قائلين: “الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف”، “حمل الله الذي يرفع خطية العالم”، وإذ جاء واحدٌ من الشيوخ الأربعة والعشرون وقال له: يا يوحنا “هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم؟” هؤلاء الذين يعيدون عيد المظال المجيد من هم؟ يا سيد لست أعرف، أنت تعرف، وهل نعرف من هم؟ “هؤلاء هم اللذين أتوا من الضيقة العظيمة وقد غسَّلوا ثيابهم وبيَّضوها في دم (الحمل) الخروف (المذبوح)”، وهم أمام عرش الله وفي هيكله يخدمونه والجالس على العرش يظللهم “لن يجوعوا ولن يحتاجوا” لأن الخروف الجالس على العرش يقتاتهم، “ويمسح الله كل دمعةٍ من عيونهم”، فرحٌ سرورٌ، شبعٌ اطمئنانٌ.

وهل نستطيع أن نقول أن هذا المنظر العجيب هو دينونة هذا العالم، هو طرح رئيس هذا العالم خارجاً، أين هو الآن؟ لذلك يعقب المسيح قائلاً: “الآن دينونة هذا العالم”، ويعقِّب بالقول: “وأنا إن ارتفعت .. أجذب إليَّ الجميع”، فهو الممثَل في الحية النحاسية المرفوعة على رايةٍ عاليةٍ لكي ينظر إليها الملدوغون بسُم الحيات ليُشفوا، كما قال هو نفسه تطبيقاً لهذا القول: “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي ان يُرفع ابن الإنسان”. هذه هي دينونة العالم، هذا هو طرح رئيس العالم خارجاً، أين هو؟ عاد! على ذلك فإن الدينونة مخيفة وهي ليست طرح رئيس هذا العالم مع كل جماعته خارجاً فقط بل: “اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المُعدة لإبليس وملائكته”، العالم والشيطان، والدينونة مخيفة ومرعبة.

وهل نعلم ما هي الدينونة؟ يقول السيد: “هذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور”، هذه هي الدينونة أن يبقوا في الظلمة بعيدين عن النور الذي أبغضوه فألقى بهم في الظلام إلى الأبد، هل نعرف ما هي الدينونة؟ يقول السيد: جئت نوراً إلى العالم من يتبعني لا يمكث في الظلمة، جئت برسالةٍ إلى الأرض والكلام الذي أتكلم به هو إعلان الحق من السماء هو النور الحقيقي، ومن لا يسمع كلامي فأنا لا أدينه “لأني لم آتِ لأدين .. بل لأخلِّص”، إذاً أين الدينونة؟ “الكلام الذي أتكلم به هو يدينه” لماذا؟ “لأني لم أتكلم من نفسي” يقول الرب الديان السيد المسيح، بل كما قال لي الآب هكذا أتكلم، كما أوصاني الآب هكذا أقول “وأنا أعلم أن وصيته هي حياةٌ أبديةٌ”، فمن لا يسمع لهذه الوصية يخسر الحياة الأبدية ويبقى في الموت الأبدي إلى أبد الآبدين.

هذه هي الدينونة، وسيأتي يومها لا للدينونة بل لإعلانها، فالدينونة في كل وقت من الأوقات وفي كل زمن من الأزمان لمن لا يسمع كلام الله الآب الذي أعطاه لابنه كوصيةٍ للحياة ومن يهملها فإلى الموت، فالدينونة الأخيرة إنما هي استعلان دينونة الله العادلة، استعلان الديان كديانِ، أمامه ترتعب الأرض وتتزلزل، “تحترق الأرض والمصنوعات التي فيها”، السموات تزول بضجيجٍ والأرض محترقةٍ تذوب، وكل هذا مجرد استعلانٌ لدينونة الذين هم تحت الدينونة ورفع الذين اجتذبوا بالصليب إلى العلاء.

فالفرصة الآن لنا ولجميع الذين يسمعون قبل أن يغلق الباب فيسمع العذارى الجاهلات وهن يطرقن الباب قائلات افتح لنا، وما أمَرّ الجواب؟ لا أعرفكن، ويقول الذين يرون هذا الخطر المحدق: يا رب علَّمت في شوارعنا، رأيناك، أكلنا قدامك وشربنا قدامك، صنعنا قوات باسمك، فماذا يقول: “اذهبوا عني يا فاعلي الإثم” لم أعرفكم قط، دينونةٌ مخيفةٌ.

فإلى الدم المسفوك، وإلى الحق المُعلن، وإلى الينبوع المفتوح لبيت داود للتكفير عن الخطية وللتكفير عن النجاسة، دمٌ وماءٌ، لنأتي جميعا شاكرين راجين الحياة الأبدية.

  الإبراهيمية   ص. الأحد   8 / 8 / 1976

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.