تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » مرفت أخنوخ – سلسلة احكي لي يا كنيسة عن أمي المصرية

مرفت أخنوخ – سلسلة احكي لي يا كنيسة عن أمي المصرية

الكاتبة

 الدكتورة آن زكي 

مدرس مساعد بقسم اللاهوت العملي

كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة

الحلقة (11): مرفت أخنوخ – صانعة الانتماء
— من سلسلة “احكي لي يا كنيسة عن أمي المصرية”
كان والدها، د. أخنوخ ابسخرون، انساناً طموحاً عاشقاً للمغامرة وشغوفاً بالسير حيث لم يخطُ احدٌ من قبله. لم يكتفِ بكونه أول طبيب من أبناء قريته “بني سميع” في محافظة أسيوط، بل قرر أن يصطحب أسرته الصغيرة إلى دولة إريتريا الأفريقية حيث عمل كطبيب في شركة “شيل للبترول”، وكان عمر مرفت وقتها لا يتجاوز الشهور القليلة. بذلت الأم كل ما في وسعها لمساندة زوجها وتربية أولادهما في الغربة، مدعومة بقوة الله وبثراء خبرة دراستها بكلية الأمريكان في أسيوط. وبعد عودتهم من إريتريا، استقرت الأسرة في مدينة السويس، وهناك عمل الأب طبيباً في وزارة المعارف (وزارة التعليم حالياً). وَلَّدت هاتان الخبرتان عند مرفت مشاعر التَّغرب بعيداً عن العائلة الكبيرة المقيمة في أسيوط كل سني طفولتها وبلوغها – الأمر الذي أضفى لوناً مميزاً لنوعية خدمتها فيما بعد.
انتقلت مرفت للقاهرة في خريف عام 1956 للالتحاق بكلية طب جامعة عين شمس حيث اختبرت مشاعر الاغتراب حتى عن أبويها وأخوها الأصغر، سامي. ولكن كان الله قد رتب لها سكناً مع بعض الأقارب حيث انضمت لأختها الكُبرى سلوى، والتي كانت قد سبقتها قبلها بسنة للالتحاق بنفس الكلية. لم تبالِ مرفت بغربتها في هذه النقلة من السويس إلى القاهرة، لأنها كانت قد اختبرت نقلة أسبق وأعمق في صيف 1956 في بيت السلام بالعجمي. حدث هذا عند حضورها مع أختها أول مؤتمر شباب جامعي تنظمه الأخت ليديا متى؛ مؤسسة خدمة بيت عمانوئيل. هناك تقابلت مرفت مع الرب بشكل شخصي لم تكن تتوقعه حيث أدركت لأول مرة في قلبها: “أنا كويسة وشاطرة لكن كل ده مش كفاية. مهما اجتهدت لسه بأخطي ومش شاعرة بحضور الله في حياتي. أنا محتاجة دم يسوع.” غمرها فرح الرب عند اكتشافها لهذه الحقيقة واعترافها بها، الأمر الذي انتشلها من حالة الاغتراب الى وضعية الانتماء للمسيح، فصار المسيح بيتها والكنيسة أسرتها. ومن أول لحظة عرفت أنها مدعوة لخدمة الرب، وللبحث عن الناس وافتقادهم كما بحث عنها الله وافتقدها؛ لذا تميَّزت خدمتها بخلق دوائر من الانتماء لإنتشال كل من يشعر بحالة اغتراب.
وبهذه الدعوة والبصيرة، لم تكترث الطالبة الجامعية مرفت بغربتها عن أسرتها، بل اتخذت لنفسها أسرة من المؤمنين العابدين في كنيسة الفجالة حيث انتظمت على حضور الاجتماعات، وأيضاً انضمت لأسرة المؤمنين في بيت عمانوئيل واقبلت بشغف على برنامج الدراسات اللاهوتية متتلمذة على أيدي القساوسة غبريال رزق الله وصموئيل حبيب وفيليب أمين وأخرين. أعطاها الرب، خلال هذا الوقت، رؤية لتأسيس اجتماع روحي بهدف خلق دائرة انتماء لطلاب كليتها في حالة غربتهم عن أهاليهم. شاركت مرفت زميلتها سوزي بهذه الفكرة، وبالفعل ابتدأتا معاً اجتماع صلاة. زاد عدد المصليين مع الوقت واحتاجوا إلى مكان أوسع، فاجتمعوا أولاً في الكنيسة الإنجيلية بمنشية الصدر، ثم استقر الاجتماع في قاعة كاتدرائية العباسية بسبب توصية دكتور شفيق عبد الملك، أستاذ علم التشريح (Anatomy) آنذاك. كانت هذه نواة تأسيس اجتماع أسرة القديس اسطفانوس المستمر حتى يومنا هذا. نجحت هذه الحركة الروحية وأمتدت لكليات وجامعات أخرى.
كل خبرات د. مرفت السابقة من الاغتراب عن العائلة الكبيرة في أسيوط والأسرة الصغيرة في السويس لم تكن لتُقارن مع شعورها بالاغتراب عندما تم تكليفها كمعيدة في كلية طب جامعة الإسكندرية لمدة 3 سنوات فور تخرجها في عام 1964. فهناك واجهت تحديات العالم وصعوبات الحياة من خلال إقامتها في بيت للطالبات المغتربات، من دون سند الأقارب وصحبة الأخت الكبيرة. ولكن أنتماءها للمسيح قوَّاها لتجدد رؤيتها لخدمة زميلاتها في السكن؛ فخلقت دائرة انتماء جديدة بتأسس اجتماع للصلاة للمغتربات. استمرت في عطائها المخلص كمعيدة في كلية طب مقدمة الارشاد الروحي والنفسي لطلابها بجانب ارشادها العلمي، فكلل الله مجهودتها ووفاءها بنجاحها في الحصول على درجة الماجستير في علم وظائف الأعضاء (Physiology). وإلى جانب عملها ودراستها وخدمتها وسط زميلاتها في السكن، اشتركت د. مرفت في خدمة التمثيل والمسرحيات مع فريق خدمة “كابوريا” لإفتقاد شباب الأسكندرية تحت قيادة الشيخ منير فرج الله، ونظيره فريق خدمة “كشري” لإفتقاد شباب القاهرة. كما حرصت على انتظام خدمتها في بيت في بيت عمانوئيل بجانب خطيبها الدكتور الشاب كمال فهيم. فكانت سنين فراقهما هي أيضاً سنين نضجهما معاً في الحياة الروحية والخدمة، حتى اتحدا الاثنان في عهد الزواج المقدس في عام 1968 بعد عودة د. مرفت إلى القاهرة وتعينها في جامعة عين شمس. ثم انضما إلى عضوية كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية بنفس العام.
لم تضيع د. مرفت وقتاً لبداية دراسة الدكتوراه حتى في وقت حمل وولادة أبنتهما أمنية عام 1969. واجهت بعض التحديات كسيدة مسيحية في هذا المجال، ولكنها تحملت وصبرت على تأخر ترقيتها لإيمانها بحلمها ورسالتها التعليمية في الجامعة. بعد حصولها على درجة الدكتوراه في عام 1972، باركها الرب بولادة ابنهما كريم في عام 1973. في هذا الوقت سافر زوجها د. كمال للعمل في ليبيا لمدة 5 سنوات، وسافر بعدها إلى انجلترا لمدة 3 سنوات لدراسة زمالة جراحة العيون، وخلال هذه السنوات الثماني قامت د. مرفت برعاية الأبناء بجانب عملها في الجامعة.
تشهد د. مرفت عن دور القس منيس عبد النور وزوجته السيدة نادية في تشجيعها ومساندتها في تلك الفترة من حياتها، فكثيراً ما شعرت بالذنب ولوم النفس بسبب تقصيرها في الخدمة. فكان لها رد القس منيس بلسم لمشاعرها المحبطة: “تربية أولادك مش خدمة؟” كما شجعها القس منيس وزوجته، في الوقت المناسب في منتصف الثمانيات، على خدمة شباب الكنيسة كامتداد لخدمتها وسط شباب الجامعة، فصارت “أم أجتماع شباب جامعة” لمدة 6 سنوات؛ إذ نجحت في خلق دائرة انتماء جديدة قدمت فيها الرعاية والتعليم للكثير ممن صاروا قيادات الكنيسة الحاليين في قصر الدوبارة وفي مصر وحول العالم. بعدها اتجهت مع زوجها لتأسيس خدمة الأسرة بالشراكة مع الشيخ مفيد جميل وزوجته السيدة منى وأخرين، وإقامة مؤتمر سنوي للأسرة في بيت السلام، وانشاء اجتماعات الأسرة في كنائس مختلفة. أثمرت هذه الخدمة فكانت سبباً في حل الكثير من المشاكل الاسرية وتحديات تربية الأولاد بطريقة مسيحية ناجحة.
خدمت د. مرفت كذلك في لجنة المرأة لمجلس كنائس الشرق الأوسط. كما تمَّ اختيارها، في عام 1984، لتمثل المجلس في هيئة عالمية اسمها Fellowship of the Least Coin، اطلقوا عليها في مصر “حركة العملة الصغيرة: قرش المحبة” – وهي هيئة مسكونية هدفها الصلاة من أجل السلام والعدالة والمصالحة والسعى لجمع أصغر عملة من العالم كله مصحوبة بصلوات ليتم توزيعها على مشروعات لتنمية المرأة، ومحاربة مشاكل الفقر لديها، ومساعدتها لتصبح اداة فعالة لتطوير مجتمعها. حضرت د. مرفت الاجتماعات السنوية مع اللجنة العالمية في كندا وتايلندا ونيوزيلندا، كما قدمت للجنة مشروعات للرابطة العامة للسيدات ولمجلس كنائس الشرق الأوسط، وحصلت على منح ساهمت في مشروعات كثيرة مثل تدريب القيادات النسائية، ورعاية الفتيات في الأحياء الشعبية، وخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة، وكذلك مشروعات الكنيسة العامة مثل المركز الطبي الإنجيلي ومركز خدمات المسنين. ساهمت أيضاً، خلال فترة خدمتها مع المجلس، مع نخبة من الأطباء والمربين في تأليف كتاب عن “التربية الجنسية لفترة المراهقة” (إصدار مجلس كنائس الشرق الأوسط، 1986).
دعاها القس صموئيل حبيب، في عام 1989، للإنضمام لمجلس إدارة الهيئة القبطية للخدمات الإجتماعية. هناك اتسعت مداركها وتعاريفها المألوفة لنطاق الخدمة، لتنتقل من فكرة أعمال الرحمة والكرازة إلى فكرة خدمة كل الإنسان وكل المجتمع. تشبعت د. مرفت بهذه الفكرة وروجت لها كنموذج شامل للخدمة المتكاملة المؤثرة، فاتسعت أيضاً خدمتها من خلق دوائر انتماء لفئات معينة مثل طلاب كلية طب، أو الشباب الجامعي في الكنيسة، أو المرأة، إلى خلق دوائر جديدة لخدمة المجتمع كله بكل فئاته من خلال الهيئة القبطية. تجلى ذلك للجميع حتى أنه بعد عامين من عضويتها، تم انتخابها رئيسة للمجلس في عام 1991، وهي مازالت تقوم بهذا الدور حتى الآن تحت قيادة الدكتور القس أندريا زكي مدير عام الهيئة ورئيس الطائفة الإنجيلية في مصر. من الجدير بالذكر انه على مدار قرابة الـ30 عاماً الماضية، شاركت د. مرفت في العديد من اللقاءات والندوات والمؤتمرات بهدف صناعة السلام وتأمين حقوق الإنسان، كذلك ترسيخ مبادئ التعددية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وقبول الأخر. كما حضرت العديد من اللقاءات الدولية في نيجيريا والمجر وسنغفورة وامريكا والدنمارك وسويسرا وهولندا، وشاركت أيضاً كعضو فعال في الحوار المصري-الألماني في مصر والمانيا.
في نفس السنة التي تم انتخابها كرئيسة لمجلس إدارة الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، تم انتخابها ايضاَ كرئيسة للرابطة العامة للسيدات، واستمرت في هذا المنصب طوال المدة من 1991 وحتى 1997. استمتعت بخدمة الرابطة لتنوعها وشمولها لفئات كثيرة من المخدومين، فقد ساهمت في برنامج الدراسات اللاهوتية بالشراكة مع كلية اللاهوت الإنجيلية بهدف تأهيل كوادر نسائية استعداداً لرسامة الشيخات، مدعومة في هذا البرنامج بتعضيد القس منيس عبد النور والقس صموئيل حبيب والقس فايز فارس. ساهمت أيضاً في برنامج المشورة -المستمر حتى الآن- حيث قامت بتدريس سمات مراحل العمر عند البالغين وحتى الشيخوخة وقدمت موضوعات أخرى.
على المستوى الشخصي كانت هذه مرحلة صعبة في حياة د. مرفت بسبب معاناة زوجها من المرض لمدة 5 سنوات انتهت بانتقاله في عام 1994 عن عمر يناهز خمسة وخمسين عاماً. ومع ذلك، بجانب رعايتها لزوجها، حرصت د. مرفت، بنعمة إلهية فائقة وتشجيع متفهَّم من القيادات الكنسية، على الاستمرار في خدمتها بأمانة في رابطة السيدات والهيئة القبطية.
خدمت أيضاً كعضو في مجلس إدارة كلية اللاهوت كممثلة عن رابطة السيدات في المدة 2002-2010؛ وفي دورها كسكرتيرة للمجلس شاركت وقتها مع الدكتور عماد رمزي في وضع لائحة الكلية. خدمت الكلية بشكل فريد حين لبت دعوة رئيس مجلس الإدارة آنذاك، القس فايز فارس، لإلقاء كلمة حفل التخرج في عام 2000، وبذلك صارت د. مرفت أخنوخ السيدة الأولى والوحيدة للقيام بهذا الدور.
بجانب مساهماتها العلمية في نشر 28 بحثاً أكاديمياً في مجال تخصصها العلمي، وإشرافها على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه فيه، أشرفت أيضاً على رسالتين للحصول على درجة الدكتوراه للخدمة: واحدة للقس الدكتور أنور زكي، والثانية للشيخ الدكتور مفيد جميل. نشرت كذلك العديد من المقالات الروحية في مجلات وكتب الكنيسة، كان آخرهم هو مقالها عن قضية الإجهاض من منظور مسيحي في كتاب “التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس” (إصدار دار الثقافة، 2018).
د. مرفت أخنوخ مستمرة في عملها وخدمتها في حرية من حب الظهور، بل راضية بالعمل والخدمة في محبة صامتة وتضحية مستترة، صادقة في ممارسة تقديم الشكر على كل الظروف متمثلة بذلك بوالدتها اللي كان لها أكبر تأثير على الأسرة ولكن بهدوء وبقلب ناشر للسلام. هي مازالت قائدة مؤثرة في اجتماع سيدات قصر الدوبارة، وبروفيسورة قديرة في كليات الطب والأسنان والصيدلة، وسند وفي لأبنتها أمنية، مهندسة علوم الكمبيوتر في كندا، وأبنها كريم، أستاذ التخدير بكلية الطب بجامعة القاهرة، ولأحفادها الستة من الجيل الثالث والرابع، مصدر بركة لمن حولها بابتسامتها وتشجيعها، فهي من معها يصير التغرب انتماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.