تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » من اختار المسيح للدعوة – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

من اختار المسيح للدعوة – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

من اختار المسيح للدعوة

 

(1 كو 1 : 26 – 31) ، (1 كو 2 : 1 – 8)

“فانظروا دعوتكم أيها الأحباء أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون أقوياء ليس كثيرون شرفاء، بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء”.

من اخنار المسيح للدعوة؟ من أي جنسٍ؟ من أي طبقةٍ؟ وما هو الدليل على إثبات أصلهم وعلامات دعوتهم بالتحديد؟

ولكن كلمةً واحدةً نرتكز عليها، اختار، يقول بولس الرسول: “فانظروا دعوتكم” من أين تأتي؟ إنها من الله رأساً، يقول لهم: أيها الأخوة إنه “ليس حكماء حسب الجسد”، عندما بدأ دعوته أي المسيح، بدأ بأحد عشر جليلياً، وكان الجليليون بالنسبة للأمم الأخرى جهال فقراء، لم يكن عند الأمم أو اليهود فكرة أن يقوم نبي من الجليل، الصيادون والجليليون كلهم كانوا معه، الأحد عشر كلهم كانوا جليليون ماعدا الثاني عشر كان يهودياً وهو يهوذا، كيف نثبت ذلك؟

إن الرسل الأحد عشر الذين أعطاهم الله لابنه الذي قال له: “أنا أظهرت اسمك للذين أعطيتني من العالم”، ظهر لهم أي للأحد عشر جليلي، رجلان بلباسٍ أبيض (أع 1 : 9): “وقالا أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء، إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء” هذا هو الدليل الأول.

أما الدليل الثاني فيتضح في يوم الخمسين، أخذ التلاميذ عطية الروح القدس وطفقوا يتكلمون بألسنةٍ (أع 2 : 7): “فبهت الجميع وتعجبوا قائلين بعضهم لبعضٍ أترى ليس جميع هؤلاء المتكلمين جليليين، فكيف نسمع نحن كل واحدٍ منا لغته التي وُلد فيها”.

والجليلي كان محتقراً، جماعة من اليهود عيَّروا المسيح كما فعل بيلاطس بالجليليين (لو 13 : 1 – 4): “وكان حاضراً في ذلك الوقت قومٌ يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم”، والسبب في الكلام أنهم يعيِّرونه لأن المسيح من الجليل، فرد عليهم المسيح قائلاً: “أتظنون أن هؤلاء الجليليين كانوا خطاةً أكثر من كل الجليليين لأنهم كابدوا مثل هذا …. أو أولئك الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم”، هذه من السماء من فوق وليست من عند أي شخص، المقصود أنهم أي الجليليين كانوا الجهلاء، الأدنياء، الفقراء، المزدرى وغير الموجود كما سبق وذُكر، وجودهم كعدمه، ليس لهم أي اعتبار.

ماذا كان قصد الرسول في هذه النقطة؟ رد الرسول على الذين يعتبرون كرازة الصليب جهالةً، فقد كان الرسل يكرزون بالمصلوب ومخلص العالم وعن خلاص الخطاة، قالوا هذا كلام جهل لأنهم ناظرين وواضعين أمام أعينهم الفلسفة، وقال بعضهم: “ماذا يريد هذا المهذار أن يقول؟” وكانت المدينة مملوءة بالأصنام وحكمتهم وفلسفتهم لم تنفع بشيء، عقلهم كبير، فلسفة، ولكن يعبدون عمل أيديهم.

فوقف بولس في وسط آريوس باغوس وقال لهم: “أراكم من كل وجهٍ كأنكم متدينون كثيراً، لأنني بينما كنت أجتاز وأنظر في معبوداتكم وجدت مذبحاً مكتوباً عليه لإلهٍ مجهولٍ، فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه هذا أنادي لكم به …. لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد، كما قال بعض شعرائكم أيضاً لأننا ذريته، فإذاً نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيهٌ بذهبٍ أو فضةٍ أو حجر نقشٍ صناعة واختراع إنسان، فالله الآن يأمر جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا متغاضياً عن أزمنة الجهل، لأنه أقام يوماً هو فيه مزمعٌ أن يدين المسكونة بالعدل برجلٍ قد عينه مقدِّماً للجميع إيماناً إذ أقامه من الأموات”، وكما قال إشعياء في (إش 40 : 18): “فبمن تشبهون الله وأي شبهٍ تعادلون به، الصنم يسبكه الصانع، والصائغ يغشيه بذهبٍ ويصوغ سلاسل فضةٍ”، وفي (إش 44 : 12 – 17): ” طبع الحديد قدوماً وعمل في الفحم، وبالمطارق يصوره فيصنعه بذراع قوته، يجوع أيضاً فليس له قوةٌ، لم يشرب ماءً وقد تعب، نجر خشباً، مد الخيط …. قطع لنفسه أرزاً وأخذ سندياناً وبلوطاً واختار لنفسه من أشجار الوعر، غرس سنوبراً والمطر ينميه، فيصير للناس للإيقاد، ويأخذ منه ويتدفأ، يشعل أيضاً ويخبز خبزاً ثم يصنع إلهاً فيسجد، قد صنعه صنماً وخرَّ له، نصفه أحرقه بالنار، على نصفه يأكل لحماً، يشوي مشوياً ويشبع، يتدفأ أيضاً ويقول بخ قد تدفأت، رأيته ناراً وبقيته قد صنعها إلهاً صنماً لنفسه يخر ويسجد ويصلي إليه ويقول نجني لأنك أنت إلهي”.

أين الحكمة؟ أين العقل؟ الفلاسفة الرواقيون والأبيقوريون أهل اثينا، وأثينا ملآنة بالأصنام، يقولون لبولس: “ماذا يريد هذا المهذار أن يقول؟”، “أما اختار الله جهلاء العالم ليخزي حكماؤه”، أمامه اليونانيون يطلبون حكمةً واليهود معجزةً، فاليهود يطلبون نظر عيان، واليونانيون يطلبون بيان، واحدة تختص بالمرئيات والأخرى بالمنظورات، ليس معقولاً أنه يتدفأ من نصف الخشب ونصفه صنماً.

من اليهود واليونانيين اختار المسيح ودعا، اليونانيون هنا إشارة إلى جميع الأمم عدا اليهود، الله يدعو أُناساً معينين مختارين، من أين؟ بروتستانتي، إسلامي، كاثوليكي، درذي، كل هذا كلامٌ فارغٌ ليس له موقف أمام الله، موقفه “من كل قبيلةٍ وأمةٍ ولسانٍ”.

بالمسيح قوة الله وحكمة الله، اليونانيون يطلبون حكمةً، بالمسيح حكمة الله، واليهود يطلبون معجزةً، بالمسيح قوة الله، والاثنين المعجزة والحكمة في المسيح، أليس من الحكمة الكرازة بالمصلوب، ما هذا؟ هل به خلاصٌ؟ نحن لم نأتي إليكم “بكلام الحكمة الإنسانية المقنع”، لا نحن لا نريد إقناع العقل “وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة، لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله”.

وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه الوعاظ اليوم يريدون أن يقنعوا الناس ليخلصوا، لا هذا ليس عملكم، ارفع يدك، ليس بالعقل ولا الاختبارات الداخلية، هذه مسألة متعلقة بقوة الله “ولكن بحكمةٍ ليس من هذا الدهر … بل نتكلم بحكمة الله في سرٍّ، الحكمة المكتومة”، عن من مكتومة؟ عن كل أفكار البشر، “الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل كل الدهور لمجدنا (نحن) التي لم يعلمها أحدٌ من عظماء هذا الدهر، لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد”، هذا هو الجهل، كل جهل الأمم واليهود، جهل الأمم وعناد اليهود، كيف نعرفها إذا كانت هي مكتومة؟ كيف عرفت يا بولس؟ “ما لم تر عينٌ ولم تسمع به أذنٌ ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه”، ليس لنا، نحن لسنا رسلٌ الآن، هذا كان للرسل، نحن في أيدينا الكتاب، الذي يوزع نبذ حذروه، والبراهين والشهادة، حلمٌ. رؤية، خاصةً بين السيدات، الذي يقول هذه رسائل آتية  له من الله، المعنى أنه لا وحي.

هذه هي الشهادة الحق: “الذي يشهد لي هو آخر وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حقٌّ، أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق، وأنا لا أقبل شهادةً من إنسان” (يو 5 : 32)، إن المسيح يقول بصريح العبارة أنه لا يقبل شهادة إنسانٍ قط، بل الآب يشهد له كما أن الأعمال التي أعطاها له الآب تشهد له، في (يو 5 : 36و37): “وأما أنا فلي شهادةً أعظم من يوحنا، لأن الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها، هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي التي تشهد لي أن الآب قد أرسلني، والآب نفسه يشهد لي، لم تسمعوا صوته قط، ولا أبصرتم هيئته”، وفي (يو8 : 17و18): “وأيضاً في ناموسكم مكتوبٌ أن شهادة رجلين حقٌّ، أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الآب الذي أرسلني”.

في معجزة شفاء الأعمى يقول أحدهم أنه حال شفائه خرج ليشهد للمسيح، بينما ما حدث لا يبيِّن هذه الفكرة بل يثبت عكسها، فهو وقف يشهد عن نفسه حيث وقف يرد على تساؤلات الفريسيين، في (يو 9 : 25) يقول: “فأجاب ذاك وقال أخاطيءٌ هو لست أعلم، إنما أعلم شيئاً واحداً أني كنت أعمى والآن أُبصر”، فهو هنا يشهد عن نفسه ويقرر حقيقة حدثت أنه كان أعمى والآن أبصر، فهذا تقريرٌ للحقيقة وليس شهادةٌ، لم يكن يعلم من هو يسوع ومن أين أتى، لذا قال في (عدد 11): “إنسانٌ يقال له يسوع فعل بي” كذا وكذا، ونلاحظ هنا أنه عندما سأل الفريسيين أبواه قالا لهم: “أسألوه فهو يتكلم عن نفسه”، أي يخبركم بما حدث له، فهذه ليست شهادةٌ للمسيح لأن المولود أعمى وشُفي لم يكن يعلم شيئاً عن المسيح سوى أنه إنسانٌ صنع طيناً وطلى عينيه وقال له أذهب أغتسل في بركة سلوام.

بعد هذا “عندهم موسى والأنبياء”، قال له إن كان واحدٌ ميتٌ يقوم قال له ولا إن قام واحدٌ من الأموات يؤمنون، إن لم يؤمنوا بموسى والأنبياء وفي مكان آخر يضاف إليه والمزامير (لو 24 : 44).

“وقال لهم هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم أنه لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوبٌ عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير”,

إذاً حكمة الله في سرٍّ أُعلنت، وأُعلنت للرسل بالوحي المقدس، والرسل لم يأتوا بجديدٍ، فسَّروا ما جاء به الأنبياء، والكنيسة مبنية على الرسل، والأساس كله الذي وضعه الرسل والأنبياء “والمسيح نفسه الذي احتقره البناؤون هو قد صار حجر الزاوية”.

إذاً نرجع للأصل، إلى الاختيار وإلى “حكمة الله في سرٍّ والحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا”، بسيط جداً لا يحتاج لا فلسفة ولا حكمة جاهلة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.