تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » ناقضا أوجاع الموت – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

ناقضا أوجاع الموت – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

ناقضا أوجاع الموت

 (أع 2 : 22 – 24)

“أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجلٌ قد تبرهن لكم من قِبَل الله بقواتٍ وعجائب وآياتٍ صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم تعلمون، هذا أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمةٍ صلبتموه وقتلتموه، الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منه”.

كان بطرس أول شاهد بشري شهد للمسيح بقوة الروح القدس في يوم الخمسين إذ وقف في وسط اليهود قائلاً لهم: “هذا أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وبأيدي أثمةٍ صلبتموه وقتلتموه، الذي أقامه ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منه”، وما أقسى شهادته ضد الذين قتلوا المسيح، وما أجمل تعبيره بقوة الروح القدس عن القيامة بالقول “ناقضاً أوجاع الموت”، وفي هذا التعبير نرى قوة القيامة:

                  أولاً: في ذاتها.                 ثانياً: في مفعولها.

قوة القيامة في ذاتها:

إن التعبيرعن القيامة بهذه الكلمات: “ناقضاً أوجاع الموت” يعلن لنا ما في ذات القيامة من قوةٍ فائقةٍ، وكأننا، إذ نقول قام المسيح، في ذات الوقت وبذات المعنى، نقول أنه نقض أوجاع الموت، والكلمة نقض في أصلها حل الرباط، كأن للموت أربطةٌ قويةٌ تربط الميت فلا يستطيع أن يتحرك ولا يقدر أن يتنفس، وإذ نقف أمام قبر لعازر ونسمع قول المسيح عن لعازر القائم من الموت: “حلوه ودعوه يذهب”، ولو أن الأربطة كانت مجرد أقمشة، نستطيع أن ندرك أن السيد قصد بهذا القول أن لعازر قد أصبح الآن حرًّا من أربطة الموت، وليس للموت سلطانٌ عليه.

ومن هو سلطان الموت؟ “لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس”، هذا أي إبليس هو الذي أُعطيَ له هذا السلطان ليربط برباطات الموت القوية ويُلقي في سجن القبر المظلم، كما نتمثل ما حدث للرسولين بولس وسيلا حينما أُلقيا في السجن الداخلي وضُبطت أرجلهما في المقطرة، وهل يريد الشيطان إلا أن يربط القوي؟ وكأنني به وقد رأى القويَّ الذي جاء ليربط الشيطان، سارع هو وربطه بأربطة الموت بقوةٍ جهنميةٍ وألقى به في قبر الظلام – فما أعظم قوة القيامة التي استطاعت أن تحُل تلك الأربطة وتقضي على قيودها نهائياً.

على أن كلمة “أوجاع” تحقق لنا ما للموت ليس من أربطةٍ فحسب بل من آلامٍ أيضاً، وكأني بالأربطة وقد شُدت إلى درجةٍ مؤلمةٍ، تُشعر بما للموت من آلامٍ لا تُطاق وأوجاعٍ لها صرخاتٌ مرةٌ، فالموت عدوٌّ، وعدوٌّ مؤلمٌ وموجعٌ، وكم يكون الحال إذا رأينا المسيح تحت سلطان الموت مطروحاً في القبر مربوطاً بأربطة إبليس الجهنمية ومقيداً بقيوده القاسية وهو الابن الوحيد البار ابن الله العجيب الحبيب؟

إنه بمقدار ما فيه من البر وما به من القداسة وما له من السمو كابن الله، بهذا المقدار عينه تكون له شدة أوجاع الموت.

وكم إذا أدركنا بأن الموت لابن الله إنما هو موتٌ تحت الغضب الإلهي، وأن القبر إنما هو سجن ذلك الغضب السماوي القائم؟ وما أشد صرخاته وهو على على الصليب: “إلهي إلهي لماذا تركتني”، ومن يقدر أن يتصور ما في هذا القبر تحت غضب الله من نارٍ محرقةٍ.

وهل نتساءل:- أي قوةٍ هذه التي حلت رُبط الموت ونقضت أوجاعه؟ أهي قوة الملاك الذي نزل من السماء ودحرج الحجر، وكأن في دحرجة الحجر إعلان الإفراج وحل الأربطة؟ .. نعم، ولكن ما هو الملاك إلا رسولٌ من الله آتياً من السماء لتنفيذ قرار النقض الذي أصدرته المحكمة السماوية بنقض أوجاع الموت! أم هي قوة الزلزلة التي حدثت فتزلزلت الأرض وتشققت الصخور وتفتحت القبور حتي صار الحراس كأمواتٍ كما حدث في سجن فيلبي؟ سواءٌ أكانت يد الملاك  دحرجت الحجر أم زلزلة الأرض التي فعلت فعلها، يجب ألا ننسى العامل الأول في إقامة ابن الله، ومن هو هذا العامل إلا الله وحده!

هذه هي حقيقة القيامة في ذاتها: نقض أوجاع الموت.

قوة القيامة في مفعولها:

هذا هو المفعول الذي يبقى إلى الأبد، لقد قام المسيح – أي نقض أوجاع الموت وأبطله – فهل لهذه القوة أي تأثيرٍ أو مفعولٍ في الذين له؟ هل نبقى مربوطين؟ وهل نبقى مربوطين بأوجاعٍ؟ وهل نبقى مربوطين بأوجاع الموت؟

إن في قيامة المسيح من الأموات، القضاء على شوكة الموت وهي الخطية، “وإذ قد تبررنا بالإيمان فلنا سلامٌ مع الله بربنا يسوع المسيح”، وهل تقدر أن تشعر بهذا السلام الذي يرفعك فتحلق في سماء المجد هاتفاً مرنماً مغنياً: “أين شوكتُكَ ياموت، أين غلبتكِ يا هاوية”، أما شوكة الموت فهي الخطية وقوة الموت هي الناموس، ولكن هل تستطيع الخطية بقوة الناموس أن تربط الذين للمسيح؟ ألسنا نسمع القول: “إذاً لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع”؟ إن كنا مازلنا نشعر بأوجاع الموت بما تتضمنه من الأمراض والآلام والضيقات والاضطهادات كمؤمنين فلنسمع كلمة الأبوة القائلة: “إن كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين، فأيُّ ابنٍ لا يؤدبه أبوه … الذي يحبه الرب يؤدبه”، هذا هو موقفنا إزاء تأديبات الرب .. نحتملها بصبرٍ بل نُسر بالضيقات والاضطهادات وأكثر من ذلك “نفتخر في الضيقات لأن الضيق ينشيء صبراً والصبر تزكيةً والتزكية رجاء والرجاء لا يخزى، لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا”.

وماذا يكون موقفنا إزاء المو ت بعد أن انكسرت شوكته وزالت مرارته؟ هل نسمع ذلك الشيخ المبارك “سمعان” وقد أخذ الطفل يسوع على يديه ورفع نظره نحو السماء وقال: “الآن تُطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلامٍ”، أهذا هو الموت؟ أهو انطلاقٌ بسلامٍ؟ أهو فرحٌ قلبيٌّ؟ “لأن عينيَّ قد أبصرتا خلاصك”، إذا الموت هو ربحٌ، “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً”، لقد نُقضت أوجاع الموت وأصبح الموت رسول سلامٍ ينقلنا إلى المجد ويصل بنا إلى الحياة الأفضل فيجدر بنا أن نشتهي أن يأتي هذا الرسول فنفرح به ونتهلل.

وها هو القبر وقد أصبح نوراً، أهو جب الأسود المملوء من الوحوش الضارية؟ هناك ملاك الرب في تلك الليلة المدلهمة وقد أنار بنوره في ذلك الجب، ودانيال يصرف ليله فرحاً مسروراً حتى أتى الصباح، فهل نصرف ليلتنا في قبرٍ كله نورٌ، فيه ملائكة الله وقد أناره الله بنوره، فرحين متهللين إلى أن يأتي فجر الأبدية ويصبح الصباح فنكون “في نورٍ لا يُدنى منه”، أهو نار الفتية الثلاثة في الأتون وقد حُميَّ سبعة أضعافٍ؟ إنه حيث يتمشى ابن الله وهم معه يتمشون في أمنٍ وسلامٍ إلى أن يناديهم الصوت اخرجوا وتعالوا.

هل نشعر بقوة هذا المفعول في حياة المؤمن؟ وهل لنا هذا الاختبار بقوة هذه الكلمات: “ناقضاً أوجاع الموت”؟.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.