تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » نشيد الكرمة – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

نشيد الكرمة – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

نشيد الكرمة

(إش 5 : 1 – 6) ، (يو  15 : 1 – 11)

“لأُنشدنَّ عن حبيبي نشيد محبّي لكرمه”.

نشيد موضوعه الكرمة، قلنا مرةً أن هذا التعبير حبيبي ومحبي لم يرد على لسانٍ إلا بعد سفر النشيد لأنه إن كان النشيد لسليمان فسليمان ملك وقد مات وبينه وبين عزيا ويوثام وآحاز وحزقيا الذين إشعياء كان في أيامهم مدةً من الزمن، فبعد سفر النشيد وحبيبي ومحبي وخليلي بدأ هذا التعبير وفي رؤى الأنبياء وفي أقوالهم، وهنا إشعياء يقول: “لأُنشدن” النون نون التوكيد لقوة اللغة “لأُنشدن عن حبيبي نشيد محبي لكرمه”، كأن الذي ينشد هو المحب، ينشد لكرمه وإشعياء ينشد هذا النشيد داعياً هذا المحب حبيباً له، كان لحبيبي كرماً، هذا هو النشيد، هذا الحبيب الذي ينشد عن كرمه الذي يحب إشعياء وحبيب إشعياء يبدأ هذا النشيد، نشيد محبي إشعياء لكرمه، لكرم هذا الحبيب، لنفسه، وهل هو ذات الكرمة؟ وهل أبوه الكرام؟ وهل شعبه وتلاميذه هم الأغصان؟.

(يو 15 : 1): “أنا الكرمة الحقيقية وأبي الكرام، كل غصنٍ فيَّ لا يأتي بثمرٍ ينزعه وكل ما يأتي بثمر ينقيه ليأتي بثمرٍ أكثر” فالنشيد كان لحبيبي كرمٌ غرسه، “هيأت قبل أن غرسته” (مز 80)، غرسه كرم سورق، كان يوجد بلدٌ اسمها سورق مشهورة بالثمر الشهي، فالذي يريد كرماً شهياً يأخذ من كروم سورق، وبنى برجاً في وسطه للحراسة، ونقر فيه أيضاً معصرة ليعصر الكروم عندما ينضج.

وهي جسثيماني: معصرة زيتون، وهذا يرينا أن المسيح كان في جسثيماني، كان في المعصرة، وعبر عنها إذ كان يصلي كان في أشد جهادٍ “وكان عرقه كقطرات دمٍ نازلةٍ على الأرض”، ولكن هذا بستان كروم ومعصرة لعصر ثمر الكرم عندما تنضج. عمل برجاً ومعصرة ونظفه وجعله صالحاً للعمل، وانتظر بعد كل هذا أن يصنع عنباً من أصله وطبيعنه فصنع عنباً رديئاً لا ينفع للعصر أو للأكل.

 النشيد “كان لحبيبي كرمٌ على أكمةٍ خصبةٍ”، الأكمة خصبة والنوع من سورق نوعٌ طيب، وبنى برجاً ونقى حجارته وغرسه كرم سورق ونقب فيه معصرة، وانتظر أن يصنع عنباً فصنع عنباً رديئاً، اشهدوا يا سكان أورشليم، احكموا يا رجال يهوذا. هم سكان أورشليم لأن أورشليم عاصمة يهوذا، وإشعياء قال عن يهوذا كما جاء في أول الرؤيا (إش 1 : 1)، والآن يا رجال يهوذا اشهدوا عليَّ، هنا يأتي السؤال ماذا يُصنع أيضاً لكرمي؟ ما الذي كان يجب أن أعمله ولم أعمله؟ هل أنا قصرت هل الثمر الرديء ناشيءٌ عن تقصيرٍ فيّ؟ ماذا يُصنع لكرمي وأنا لم أصنعه له، ما الذي أفعله ليهوذا الإسخريوطي ليرجع عن فكره، أخذته عندي، جعلته تلميذي، كان عند رجليّ، غسلتُ رجليه في ليلة العشاء، أمَّنته على الصندوق، غمست اللقمة وأعطيته، كل هذا ولم يرجع، ملأ الشيطان قلبه، فقال له: “ما أنت فاعله فافعله بأكثر سرعةٍ”، وما الذي كان سيفعله؟ كان سيشنق نفسه، وهذا هو الذي رآه المسيح، والنتيجة أنه “مضى وشنق نفسه فانشق من الوسط وانسكبت أحشاؤه” (أع 1 : 18).

هل كانت نبوةٌ عن نفس هذه الحالة (مز 109 : 17 – 19).

ماذا يُصنع لكرمي؟ قولوا لي، غرسته على أكمةٍ خصبةٍ مملوءةٍ بالخير والبركات، ماذا أفعل أكثر من هذا؟ في أرض جاسان في أرض مصر وفي أرض كنعان أرض الموعد، أرضٌ تفيض لبناً وعسلاً. أرض مصر كجنة الرب وأعطيتهم كل خيراتي وأظهرت لهم كل عنايتي، ضرباتٌ عشرة للمصريين لم تمسهم، وأخرجتهم من أرض مصر، وأعطيتهم الشريعة المقدسة، واستأمنتهم على ناموس الرب وأحكامه وشرائعه، كل هذا ماذا أصنع بعد ذلك؟ اشهدوا عليَّ يا سكان أورشليم يا رجال يهوذا، “لماذا إذ انتظرت أن يصنع عنباً صنع عنباً رديئاً”، يقول الناس كلهم وما ذنبه بعد كل هذا ما هو ذنبه؟ إنه مذنبٌ وأكبر مذنب، “لماذا إذ انتظرت أن يصنع عنباً صنع عنباً رديئاً”، “فالآن أعرِّفكم ماذا أصنع بكرمي” بعد ما صنعت له كل ما صنعت، احكموا يا رجال أورشليم، كرمي كرمٌ وضعته في أكمةٍ خصبةٍ، عالٍ غرسته كرم سورق بعد ما نقيته ونقيت حجارته وجعلته نظيفاً وحفرت فيه وبنيت فيه برجاً، ماذا تريدون؟ قولوا لي ماذا أصنع؟.

أنزع سياجه، إذا كان هذا السباج هو الشريعة المقدسة لصيانتها وإعلانها للناس ولم يكونوا أمناء (رو 3 : 1 – 4): “إذاً ما هو فضل اليهودي وما هو نفع الختان، كثيرُ على كل وجهٍ”، ما هو الخير والنفع، “أولاً لأنهم استؤمنوا على أقوال الله” ليكونوا نافعين ويكونوا بركةً للعالم، اخترت إبراهيم ليكون بركةً، “فماذا إن كان قومٌ لم يكونوا أمناء” أي اليهود، داسوا أقوال الله وعبدوا البعل وجروا وراء الأمم التي كنت أُريد أن يكون لها أقوال الله، داسوا أقوال الله وتدنسوا مع الأمم “أفلعل عدم أمانتهم يُبطل أمانة الله”. إذا فلا يهودي ولا يوناني فالجميع زاغوا، فهل معنى هذا أن مواعيد الله ضاعت؟ لا فهذا هو الشخص الوحيد الذي يُرَد له المجد.

هذا هو الكرم يا سكان أورشليم رجال يهوذا، “أهدم جدرانه فيصير للدوس”، كم عابرٍ وما منفعته، كم متلفٍ وما منعته لأنه سلمه للقضاء لأهوائه وشهواته، أنزع سياجه.

ما هو هذا الكرم؟ “هو بيت إسرائيل وغرس لذته، رجال يهوذا، فانتظر حقاً فإذا سَفك دمٍ، وعدلاً فإذا صراخُ الظلم”. “ويلٌ للذين يصلون بيتاً ببيتٍ”، أي يأخذون بيوتاً ليست لهم، كما فعل أخاب بنابوت اليزرعيلي، لأنها أرضٌ مقسمة، لذلك قال له نابوت حاشا لي من قِبَل الرب، وبالظلم والقتل إيزابل أخذت الحقل فلحق به إيليا وقال له: “هل قتلتَ وورثتَ” حيث لحست الكلاب دم نابوت اليزرعيلي تلحس دمك، “ويقرنون حقلاً بحقلٍ حتى لم يبق موضعٌ”.

هذا هو كرم رب الجنود وهذا هو النشيد، نشيدٌ محزنٌ، ألم يقل السيد المسيح هذا الكلام للكرامين الذين قتلوا أنبياءه وصلبوا ونشروا وجلدوا، وأخيراً أرسل ابنه رسولاً لهم، الابن الحبيب الوحيد، قالوا: “هذا هو الوارث هلم نقتله” فيصير لنا الميراث، وكيف يأخذوه؟ إن هذا الكرم يؤخذ منهم ويُعطى لآخرين (مت 21 ، مر 12، لو 20)،  يقتل هؤلاء الكرامين؟ حاشا حاشا، دائماً يقولون هذا الكلام، كذبٌ، كرم رب الجنود؟ كيف يكون هذا؟ هذا إسرائيل صاحب المواعيد، هل صاحب المواعيد لا يصون المواعيد، فقال لهم هذا المكتوب: “الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية”، حجر الزاوية يربط البنائين معاً، اليهودي والأممي وهذا الحجر “من سقط عليه يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه”، هذا هو حجر الزاوية الذي رفضه البناؤون، وما فائدة كلمة لا حسب تصورهم وعنادهم، لا.

نفس الصورة كانت في نبوات أرميا عندما قال لهم احذروا، هذا الهيكل الذي بناه سليمان، الذي فيه أعمدة النحاس وفيه الفضة والذهب وكل فن من الفنون، الذي يعتبر من عجائب الدنيا السبع، لا يبقى فيه حجرٌ، نبوخذ نصر سيأتي ويعمل كل هذا. قالوا له لو كنت إنسانٌ وطنيٌّ لما تكلمت بهذا الكلام عن وطنك، ضعوه في الجب والحبس. يرسل لهم الرسالة وهو في الجب والحبس يعطوها للملك فيشطرها ويمزقها ويرميها في النارلأن فيها التهديد، ويقولون ما هذا الكلام، هل هذا معقول هيكل الرب (أر 7 : 4 – 14).

المسألة ليست في الأماكن المسألة في القلوب، تقولون شيلوه، أين شيلوه؟ في سبط أفرايم، وأين سبط أفرايم؟ كما حدث في شيلوه يحصل الآن، “الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية” الذي يربط البناءين معاً هيكلاً مقدساً للرب.   

فلا نخادع أنفسنا بأننا مسيحيين وأولاد مسيحيين ولا مُعمَّدين ولا غير مُعمَّدين، ونجعل كل تفكيرنا المعمودية بالماء، والعشاء الرباني، هل هذه هي الحياة، أين الحياة؟ الشيوخ والشيخات نترك الجوهر ونمسك في العرَض.

لنكن في الداخل في الإنسان الذي صلَّى له الرسول بولس: “أحني ركبتيّ إلى أبي ربنا يسوع المسيح” لدى الآب الذي هو أبو ربنا يسوع المسيح (أف 3 : 14 – 19)، “أحني ركبتيّ لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تُسمَّى كل عشيرةٍ في السموات وعلى الأرض، لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن، ليحُل المسيح بالإيمان في قلوبكم وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا، مع جميع القديسين، ما هو العرض والطول والعمق والعلو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله”.

إلى الملء وليس إلى القشور الخارجية، الخشب والقش والعشب لا ينفع.                         

الجمعة  4 / 2 / 1975

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.