تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » نظرة عامة إلي الأناجيل ومقارنتها

نظرة عامة إلي الأناجيل ومقارنتها

الكاتب

الدكتور القس فهيم عزيز 

العميد الأسبق لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة 

 

     عرفنا مما سبق أن كل كتب العهد الجديد سواء أكانت رسائل أم أنا جيل أم تاريخ أم رؤيا كتبت لمواقف محددة وخدمة للكنيسة. وعرفنا أنها كتبت ليس من وجهة نظر موضوعية خالصة بمعني أن الذين كتبوها كان قصدهم الوصف والتفلسف ، ولكنها من خلال عين الإيمان أي أن الذين كتبوها كانوا شهوداً ما حدث في التاريخ كحادثة تاريخية ولكنها حادثة كان لها أكبر  الأثر في حياتهم فغيرت للأمور وقلبت حياتهم رأساً على عقب فهي كتب من إيمان .

      هذه هي النظرة العامة ‘لي العهد الجديد ولكن هذه النظرة مقدمة فقط لدراسة هذا الكتاب ، ومع أن الأناجيل لم تكن أول الكتب زمنياً إذ سبقتها مجموعة من الرسالة إلا أنها وضعت أولا الترتيب نظر لأهميتها القصوى ، فهي تتركز حول حوادث حياة المخلص ، ثم هي تصف كيف كان أساس الكنيسة والعهد الجديد كله ، ولهذا السبب نركز عليها بداية دراستنا لكتب العهد الجديد كتاباً .

1- ماهية الأناجيل

     من الأسئلة البديهية التي تقابل الدارس سؤال عن نظرته إلي النظريتان التاليتان أربعة: ماهيتها؟ ولماذا سميت هكذا؟ وأي نوع من الكتب هي ؟ وجواباً على هذا التساؤل ظهرت عدة نظريات أهمها النظريتان التاليتان:

     الأولي : أن الأناجيل ، وخاصة إنجيل مرقس الذي كتب أولا ، كتبت لكي تسجل تاريخ حياة المسيح . ولقد اتخذت كتاب حياة المسيح قي القرن التاسع عشر هذا الأمر بحدية ، وبدأت الكتب الكثرة تظهر محالة التوفيق بين الأناجيل ، وكتابة حياة مكتملة له منية على الأناجيل الثاني . ولكن هذه النظرية هجرت الآن لسبين هامين:

     السبب الأول : هو أن أشياء كثيرة تحتاج إليها كتابة قصة الحياة ليست موجودة في الأناجيل ، حتى مولده لا نجده إلا إنجيلين فقط ، أما مرقس الذي يعتمدون عليه كثيراً لا يبدأ إلا بظهور يوحنا المعمدان عندما كان يسوع في سن الثلاثين ، ولا يذكر أي حادثة عنه في هذه السنين الطويلة سوي حادثة واحدة يذكرها إنجيل عنه عندما كان في سن الثانية عشر ( لوقا 2 : 42 ) أما صفاته الطبيعية والجسمانية وغير ذلك مما يلزم لكتابة تاريخ الحياة لا تظهر في الأناجيل .

     السبب الثاني : الذي جعل الناس تترك هذه النظرية هو أن كل إنجيل يرتب المادة التي فيه بحسب خطة أو فكرة تختلف بعض الشيء عن الإنجيل الثاني كما سنري فيما بعد ، مما يدل على أن الكتاب لم يقصدوا أن يكتبوا تاريخ حياة بل شيئاً آخر . لكن هذا لا يعني أن الإنجيلين لم يعتنوا بالحقائق التاريخية ولم يهتموا بتحقيقها ، ويكفي أن تقرأ قول لوقا البشير في مقدمة كتابه الأول ” رأيت أنا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق ” ( لوقا 2:1 ) لنعرف مدي الدقة والأمانة التاريخية يتبعونها مع أنهم لم يقصدوا أولا وقبل كل شيء أن يكتبوا تاريخ حياة السيد .

      أما النظرية الثانية فهي نظرية الذكري ، بمعني أن هذه الأناجيل هي ذكريات عزيزة حفظها الذين كانوا مع المسيح وسلموها لغيرهم ، هذه

لذكريات ليست قصصاً للرواية فقط ولكنها لإظهار فكر يسوع وحياته كشخص عزيز عظيم ، عاش بينهم تركهم إلي السماء وسوف يأتي مرة أخري ، تماماً كما فعل بعض كتاب اليونانيين من نحو معلميهم . نعم إن الأناجيل ذكريات، ولكنها لم تذكر لمثل هذا القصد ولكن الأمر أعمق. إن معرفة الغرض من هذه الذكري تتضح في قول السيد عندما قام برسم العشاء الرباني ” اصنعوا هذا لذكري ” (لوقا 22 : 19 10 كورنثوس 11 :23 – 26 ). هذه الذكري تشير إلي موقف اليهود عندما كانوا يعيدون عيد الفصح . فإنهم عندما كانوا يأكلون الفصح كانوا يذكرون الله والعمل العظيم الذي قام به لأجلهم، إذا أنقدهم من أرض مصر من بيت العبودية، وأجازاهم في البحر الأحمر، هذه الذكري ليست لماض سحيق انتهي يعيدون في ذكراه. ولكنه ، ماض حي في حياتهم ، إنه ماض متجدد في كل يوم ، فهو ذكري عمل الإله الحي الذي أنقذهم وما زال لهم ومعهم في عهد مقدس ، هذه هي الذكري التي يطلبها السيد ، إنهم يذكرونه كقائد قام بالعمل العظيم ، لكن ليس الفادي الذي مات وانتهي ، ولكنه الفادي الباقي معهم الذي يحيا فهم وبينهم ، إنها ذكري حية متجددة لأن فاديهم حي ، فالماضي ليس ماضياً انتهي ولكنه ماض حي ، ماض حاضر دائما معهم . ويؤيد هذا القول ما يذكره الرسول ” تخيرون بموت الرب إلي يجئ ” فهذا الرب الذي مات هو حي ولم تنته حياته ، والأخيار بموت يعني أن لهذا الموت عملا عظيماً في حياة الناس .. إذ أنه مات من أجل خطايانا .

وعلي هذا الأساس فإن الأناجيل ليست تاريخاً وذكري لوقائع حدثت وفسرت فقط ولكنها تاريخ حي، تاريخ لا يمكن وصفة بكلمة أبلغ من كلمة ” شهادة “. نعم أنه شهادة حية لشهود أمناء اختبروه

2– صلة الأناجيل بعضها ببعض           

     في دراستنا للأناجيل نجد أن هناك صلة عميقة واسعة بينها، هذه الصلة يحكمها أمران: التشابه الكبير والتمايز الواضح. فبينها . نجدها كلها تتفق اتفاقاً يكاد يكون تاماً في أمور كثيرة، نجدها مع ذلك تتمايز بعضها عن البعض. يعرف ذلك كل من له دراية فيها مهما كانت بسيطة. هذان العنصر إن : التشابه والتمايز يتحكمان في كلا الشكل والمضمون أي في التعبير والمعبر عنه ، في الكلمة والرسالة ، ومع أن الأمر سهل وبسيط في إظهار هذه الحقيقة بالنسبة للشكل ، إلا أن كشف ذلك من حيث المضمون يعتر أصعب بكثير ويحتاج إلي جهد دارس متعمق .

     وفي الصفحات التالية سندرس تشابه الأناجيل وخاصة الثلاثة الأول منها ثم تمايزها بعضها عن البعض من جهة الأسلوب أو الشكل ، وبعد ذلك سندوس المضمون في جميعها بما فيه من هذين العنصرين ، وهذه الدراسة الأخيرة هي الدراسة الأهم ، واضعين نصب أعينا أن هدف الدراسة جميعها ليس أولا وأساساً اكتشاف التشابه والتمايز ، ولكن الرسالة العميقة في الأناجيل ، رسالة الحياة والإيمان ، أما هذه الدراسة فهي واسطة فقط لإعلان تلك الرسالة الضرورية لكل الناس في كل العصور ، ولكن قبل ذلك لنري الصلة بين إنجيل يوحنا والأناجيل الثلاثة الأول .

صلة إنجيل يوحنا بالأناجيل الثلاثة الأول:

     هل هناك صلة بين إنجيل يوحنا وإنجيل مرقس مثلا ؟ بعد الدراسات الواسعة اقتنع العلماء أن كانت إنجيل قد عرف إنجيل مرقس واستخدم بعضاً من مادته . ولعله عرف لوقا أيضاً ، ولكن صلته بهذا الإنجيل لم تكن مثل صلته بإنجيل مرقس . أما عن إنجيل متى فلم يقم أي دليل علي أن البشير يوحنا عرفه . ومع ذلك فيمكننا أن تحدد صلة يوحنا بالأناجيل الثلاثة من خلال صلته بإنجيل مرقس ، نظراً للصلة الوثيقة التي نجدها بينهما . هذه الصلة ليست بسيطة ولكنها مركبة وتأتي تحت رءوس مواضيع كثيرة نجملها فيها يأتي :

1- صورة الاتفاق الواضح في الحوادث :

     هناك اتفاق بين إنجيل يوحنا وإنجيل مرقس في الحوادث التالية وترتيبها :

     (أ) عمل وشهادة يوحنا المعمد

                   (مرقس 1 : 4-8 ، يوحنا 1 : 19-36 )

     (ب) ذهاب السيد من اليهودية إلي الجليل

   (مرقس 1 : 14 و 15 يوحنا 4 : 3 )

(جـ) إطعام الخمس آلاف في الجليل

 (مرقس 6 : 34 – 44 ، يوحنا  6 : 1 – 13 )

    (د) المشي علي البحيرة في الجليل

 ( مرقس 6 : 45 – 52 ، يوحنا : 6 : 16 – 21 )

   (هـ) اعتراف بطرس

(مرقس 8 :29 ، يوحنا 6 : 68 و 69 )

    (و) الذهاب إلي أورشليم سراً

 (مرقس 9 : 30 ، 10 و 32 و 46 ، يوحنا 7 : 10 – 14 )

 (ز) الدخول الإنتصاري لأورشليم ودهنه بالطيب  

         (مرقس 11 : 1 – 10 ، يوحنا 12 : 12 – 15 )

   (حـ) العشاء الأخير والإعلان عن الذي سيسلمه

        ( مرقس 14 : 43 – 52 ، يوحنا 13 : 1- 17 و 26 )

   (ط) الآلام والقيامة

       ( مرقس 14 : 53 – 16 : 8 ، يوحنا 18 : 12 – 20 29 )

      ولم يقتصر الاتفاق علي ذكر هذه الحوادث وترتيبها ولكنه يصل إلي حد التشابه في كثير من الكلمات والعبارات، مما يدل علي أن يوحنا قد أخذ من مرقس بعض كلماته .

2- صورة الاختلاف الواضح في الحوادث والتعاليم :

     ( أ ) هناك حادثتان يختلف فيهما يوحنا ومرقس اختلافاً بيناً جعل البعض يظن أنهما متناقضتان : هاتان الحادثتان هما إخراج الباعة من الهيكل : فبينها يضعها مرقس في بدء الأسبوع الأخير ويجعلها السبب المباشر في أن يتآمر اليهود عليه لكي يقتلوه (مرقس 11 : 15 – 19 ) إذ بيوحنا يضعها في أول خدمته ، ولم تكن هي السبب المباشر للمؤامرة . أما المؤامرة فقد بدأت عندما أقام السيد أليعازر من الأموات (يوحنا 2 : 14 – 17 ، 11 ، 46 – 52 ) .

     أما الحادثة الثانية فهي موعد العشاء الرباني : فكلا الإنجيلين مرقس ويوحنا يؤكد أن المسيح صلب في يوم الجمعة . ولكن مرقس يقول إن السيد مع تلاميذه صنعوا الفصح يوم الخميس ( مرقس 14 : 12 – 26 ) بينما يقول إنجيل يوحنا إن اليهود أرادوا أن ينتهوا من الحكم علي السيد وصلبه قبل . أن يأكلوا الفصح، كأنما كان الفصح يوم الجمعة وليس الخميس (يوحنا 18: 28 ).

ولقد وضعت نظريات كثيرة لتفسير الاختلاف في الحادثتين فمثلا يقول وستكوت في تفسير الاختلاف في تطهير الهيكل إن يسوع فعل ذلك مرتين : إحداهما في الابتداء وهي الحادثة التي يذكرها إنجيل يوحنا والأخرى في نهاية خدمته وهي التي يذكرها مرقس . ولكن هذا التفسير يواجه صعوبة كبيرة إذ أنه ليس من الممكن أن يسمح اليهود للسيد أن يكرر هذه الحادثة ولا أن يسمحوا له حتى بالدخول إلي الهيكل والتعليم فيه هكذا حراً .

أما الاختلاف الثاني فقد قيل إن السيد أكل الفصح كما يفعل الجليلون أو جماعة الإيسنيين وموعده كان مبكراً يوماً واحد عن فصح اليهودية ، أو أن يسوع وتلاميذه لم يأكلوا الفصح بل كانوا يأكلون وليمة اسمها ” حبورا ” وهي عادة يهودية يقول بها الأصدقاء .

فعندما يعالج لسائد بين العلماء في تفسير ذلك هو أن يوحنا لم يكن بقصد أن يكتب حياة يسوع بتتابع ومني، ولكنه كان يفسر المعني كما ورد في خطابات يسوع ولكن علي أساس موضوعي. فعندما  يعالج قضية صلة المسيح باليهود وأن عداوتهم له بدأت مبكراً يأتي بقصة تطهير الهيكل كعلامة واضحة جداً علي الصراع بينهم وبين السيد . ثم لأنه الإنجيل الوحيد الذي يذكر قول المعمدان عن يسوع أنه حمل الله الذي يرفع خطية العالم، فإنه أراد أن يذكر أن يسوع مات يوماً الفصح لأنه هو فصحنا، ولهذا فقد حل الفصح الجديد محل الفصح القديم.

(ب) هناك أيضاً اختلافا في تقديما صورة المسيح. فإنجيل يوحنا يقدم المسيح تقريباً في صور المعلم اليهودي الذي يستخدم الطريقة اليهودية في الدراسة والمناقشة، بخلاف الأناجيل التي تقدمه رجلا قائداً محبوباً يتبعه الكل. ولكن تقديم السيد يظهر في صورتيه المتمايزة في الإنجيل الرابع والأناجيل الأخرى في تعاليمه.

ففي إنجيل يوحنا نجد تعاليمه في صورة خطابات طويلة بينما الطريقة الغالية في الأناجيل الأخرى هي الأمثال. فهل هذا يعني وجود تناقض من الاثنين ؟ إن القول بأن يوحنا تنقصه الأمثال قول تعوزه الدقة لأن بعض الدارسين قد أظهروا سبعة أمثال في إنجيل يوحنا ( الخبز الحي ص26 الراعي ص 10، الكرمة ص 15. وهكذا ) فالتعليم الرمزي لا يختلف في شيء عن الأمثال. أما لماذا لا نجد في الأناجيل الثلاثة . التعليم بواسطة الخطابات . واقتصر ذلك علي إنجيل يوحنا ، فقد ذكر العلماء تفاسير مختلفة لذلك . فيعضهم قالوا إنها كانت مواعظ وعظها السيد ثم وضعها يوحنا في إنجيله. وبعضهم قال إن يوحنا أخذها من مصدر لم تعرفه الأناجيل الثلاثة. ولكن هذه التفاسير تبني علي أساس خاطئ وهي أن يسوع تميز بطريقة الأناجيل الثلاثة بطريفة الأمثال قيلت كلها في الجليل بينها خطابات يوحنا قيلت كلها في اليهودية ماعدا خطاب واحد (يوحنا 6) ، وحتى هذا لم يقل للجموع بل قيل في المجمع ، ويلوع أنه لجماعة مختارة يسميهم يوحنا ” اليهود ” ، وهو اسم يطلقه إنجيل يوحنا علي ممثلي اليهودية الذين يجيئون من طرف رؤساء اليهود . وإذا كان كذلك فإن الجماعة التي سمعت يسوع في الجليل كانت أبسط في تصورها ومفهومها للشريعة والذين عن جماعة اليهود ، ولهذا السبب كلمهم يسوع  بالأمثال ، وهي الطريقة السهلة التي تشوق الجماعة تشابه جماعة التي تشابه جماعة الجليلين ، أما في إنجيل يوحنا فقد كان يخاطب اليهود المتفقهين في أمور الدين ، ولهذا استخدم هذه الطريقة وهذا الأسلوب في تعليمهم . فاختلاف التعليم في الأناجيل الثلاثة عنه في إنجيل يوحنا كان سببه اختلاف الجماعة.. اختلاف السامعين. ولا يمكن أن يكون هذا مستحيلا أو حتى صعباً علي معلم كالمسيح يسوع.

3- الحوادث التي لا يذكرها إنجيل يوحنا:

     هناك كثير من الحوادث التي لا يذكرها يوحنا ، نعم إنه يشترك مع مرقس في أنه لا يذكر ميلاد السيد كما يفعل الإنجيلان الآخران ، ولكنه لا يذكر أشياء كثيرة ترد في إنجيل مرقس .

    ( أ ) إنه لا يذكر معمودية المسيح بواسطة يوحنا مع أنه يذكر أن يوحنا المعمدان يشير إليها( يوحنا 1: 32 – 34 ). إنه يفعل الأمر بالمعمودية ولا يذكر العشاء الرباني ، ولا يذكر أمر السيد ” افعلوا هذا لذكري ” (1 كورنثوس  11 : 25 ) . ولكن هذا لا يعني أن القديس يوحنا لا يهتم بالفرائض فإن من يقرأ يوحنا 3 ، 6 فإنه يعرف تماماً الأهمية الكبرى التي يضعها هاتين الفريضتين ، وذلك يذكر شرح السيد لهما وإظهار المعني العميق المتضمن فيهما .

(ب)لا يذكر حادثة التجلي وذلك لأنه يري أن مجد السيد يكمن في صليه وموته وقيامته وأن المجد قد أعلن الآن ( يوحنا 12 : 16 و 23 – 28 و 32 و 33 ) .

(جـ) يوحنا لا يذكر قوة السيد في إخراج الشياطين ولم تأت في الإنجيل معجزة واحدة من هذا القبيل ولكن يوحنا يذكر أن رئيس هذا العلم قد دين أي أنه هزم وهذا المعني اللاهوتي لخراج الشياطين ( يوحنا 12: 31 ).

     (د) لا يذكر الإنجيل تعليم يسوع بالأمثال . ولكن البشير يذكر خطابات السيد في اليهودية وعلي هذا الأساس نجد فرقاً في الطريقة التي يعلم بها السيد، لأن أورشليم واليهودية موطن المتمسكين والمثقفين في الناموس. ولكن في نفس الوقت نجد أن المعاني العميقة للأمثال توافق تماماً المعاني العميقة لخطاباته في اليهودية.

 (هـ) لا يذكر البشير عدم سرعة استجابة التلاميذ بالأيمان في السيد كما يفعل مرقس ، إذ يذكر بوضوح أن قلوبهم كانت غليظة ( مرقس 8 :13 – 21 ) . لكنه يذكر أن التلاميذ اعترفوا وآمنوا به أنه هو السيد ابن الله . هذا يدل علي أن القديس يوحنا لا يريد أن يذكر تطور إيمان التلاميذ بالسيد ، بل هو يقارن من الابتداء بين العلم الذي لا يؤمن والمؤمنين بالمسيح ، بين اليهود والتلاميذ ، فهؤلاء يعكس اليهود الذين يظهرون قساوتهم وعصيانهم من الأول ( يوحنا 1 :4 – 18 و 43 – 51 ، قارن 2 : 14 – 22 وهكذا ) من هذا نعلم أن الأمور التي يحذفها البشير كان لديه سببان لحذفها الأول هو الجمهور الذي يكتب له . . إنه جمهور له ثقافته وخلفيته الهلينية ، ثم الهدف اللاهوتي الذي يسيطر علي كتابته للإنجيل ، لأن وراء كل حذف أو إضافة سبب لاهوتي واضح .           

أشياء يضيفها يوحنا:

     في إنجيل يوحنا حوادث لم تذكر في الأناجيل الأخرى منها:

     يذكر إنجيل يوحنا أن السيد ويوحنا المعمدان عملا في اليهودية مدة طويلة وأن تلاميذه الأوائل كانوا من ضمن تلاميذ يوحنا المعمدان مع  أن الأناجيل الأخرى لا تذكر شيئاً عن خدمة يسوع الجهارية إلا بعد سجن يوحنا المعمدان ( يوحنا 3 : 22 – 24 مع مرقس 1 : 14 ) .

( ب) يذكر إنجيل يوحنا أيضاً أن يسوع ذهب إلي أورشليم عدة مرات (2 : 13 ، 5 : 1، 7 ، 10 ، 12 : 12 ) ، وكان تعليمه ينصب بالأكثر في المدينة وهذا بخلاف مرقس . مع أننا نلمح في إنجيل متى 23 : 37 وإنجيل لوقا 13 : 34 توكيداً يقوله إنجيل يوحنا .

        (جـ) من يقرأ مرقس ويعتقد أن يسوع لم يعيد في أورشليم إلا عيد واحد للفصح وأثناء خدمته الجهارية وكان هذا آخر عيد عيده في حياته الأرضية ( مرقس 14 : 1 – 26 ) ، لأن خدمة يسوع تركزت بجملتها في الجليل وبعدها قام برحلته الأخيرة إلي أورشليم ، أما يوحنا فيذكر أنه عيد الفصح ثلاث مرات ( 2 : 13 ، 6 : 4 ، 12 : 1) .

     ولكن القارئ المتأمل في إنجيل مرقس ويقرأ ( 2 : 23 ، 6 : 39 ) أي تعدد فصول الحصاد والربيع فانه يستنتج أن خدمة السيد كانت أطول من سنه واحدة إذ تكررت فيها الفصول . معرفته بصاحب الأتان الذي دخل به إلي أورشليم والعلية التي يعمل فيها الفصح يدل كل ذلك أن ليسوع معرفة سابقة بأورشليم

( مرقس 11 : 1 – 7 ، 14 : 12 – 16 ) . وقد نجد في يوحنا ومرقس اتفاقاً علي حادثة تدل أن يسوع ذهب إلي أورشليم سراً ( مرقس9 : 30 ن يوحنا 7 : 10 ) .          

5- حوادث في الأناجيل ثلاث التي يفسرها يوحنا:

     هناك بعض الأشياء التي تبدو غامضة في الأناجيل  الثلاثة أو في إنجيل مرقس خاصة ، ولكننا نجد لها تفسيراً في إنجيل يوحنا ومن تلك الحوادث هذه الحادثة المشهورة في مرقس 6 : 45 بعد أن أشبع يسوع الخمسة آلاف ، طلب من تلاميذه أن يذهبوا في السفينة لكن يصرف هو الجموع ولم نعرف سبب جزمه علي ذهاب تلاميذه أولا وتركه هو مع الجموع لكن في يوحنا 6 : 15 نجد السبب وهو الأزمة السياسية التي سبها الجموع الذين لما رأوا معجزات يسوع أرادوا أن يختطفوه لكي يجعلوه ملكاً عليهم ، وأراد يسوع أن ينقذ تلاميذه من التورط في هذا العمل فصرفهم قبلا حتى لا يندفعوا مع الجموع التي لم تكن قد فهمت قصد يسوع ولا هدف إرساليتيه بعد .  

      نأتي الآن الأناجيل الثلاثة الأول:

     تسمي هذه الأناجيل الثلاثة synoptic  ، وقد تترجم المتوازيات ، أي أنها متشابهة ومتوازية ومن السهولة بمكان أن نضعها في أعمدة متوازية لنجد التوافق الكبير الذي بينها ، في مقابل إنجيل يوحنا الذي يختلف عن ثلاثتها كثيراً كما رأينا سابقاً ، ولكن هذه التسمية لا يمكن أن تعطي الصورة الكاملة . فهناك أيضاً بعض التنوع والاختلاف يظهر للقارئ في دراسته لهذا الأناجيل الثلاثة . ومن هذا التوافق الضخم والاختلاف الواضح نشأت دراسة كبيرة يسميها العلماء قضية الأول أو synoptic problem   وهذه القضية هي التي تشغلنا في الصفحات التالية :

   1- أوجه الاتفاق في بينها :

يتركز هذا الاتفاق الأمور التالية:

اتفاق المضمون:

     يتكون إنجيل مرقس من 103 قصة نجد منها 98 قصة في ‘نجيل متى أما الخمسة الباقية فيورد إنجيل متى قصتين أو ثلاثة مشابهة وموازية لها ز وفي لغة العداد فإن إنجيل متى يحتوي علي 600 عدداً من إنجيل مرقس الذي يبلغ 661 عدداً . أما إنجيل لوقا فيأخذ من إنجيل مرقس حوالي 350 عدداً . ويلاحظ أن إنجيل مرقس يحتوي فقط علي 31 عدداً غير موجودة في الإنجيلين الباقيين .

ونلاحظ أن هذا الاتفاق عجيب ومذهل لأن كل الأناجيل لا تحتوي علي كل أقوال يسوع أو حوادث حياته، فإن إنجيل يوحنا يذكر في 21 : 25 أن أشياء كثيرة صنع يسوع لم يكتب في الأناجيل ، ولهذا نستطيع أن نؤكد أن المادة الموجودة في هذه الأناجيل مادة مختارة ، انتقاها البشيرون لتفي بغرضهم ، وإذا كان الأمر كذلك فإن توافقهم في اختيار هذه المادة لم يكن عفواً ولا مصادفة بل هناك خطة تقوم وراء ذلك .  

 اتفاقهم في ترتيب وتنظيم حياة المسيح :

     إذا تغاضي الدارس عن مقدمة إنجيلي متى ولوقا يجد توافقاً عجيباً في تنظيم حوادث حياة المسيح بين الأناجيل الثلاثة . ولقد رتبت هذه الحوادث بحسب خطة واحدة . فالسيد يبدأ خدمته الجهارية عندما يذهب إلي يوحنا المعمدان عند الأردن في اليهودية ليعتمد منه وعندئذ يذهب إلي البرية ليواجه إبليس وتجاربه ، ومن هناك إلي يسمع أن يوحنا قد أسلم وسجن ، ويبدأ خدمته في الناصرة ، ولكنه يتركها إلي كفر ناحوم ويبدأ خدمة طويلة مملوءة بالأعمال النافعة من شفاء مرضي وإخراج الشياطين وإشباع الجياع وغيرها ، ومملوءة أيضاً بالتعاليم للتلاميذ والجموع ، وحينئذ يذهب لوقت قصير إلي الأمم ليقدم بطرس اعترافه العظيم ثم يذهب إلي أورشليم وهناك يصلب ويموت ويقوم . هذه هي خطة ترتيب حوادث حياة السيد في الأناجيل الثلاثة . ولم يقتصر هذا التوافق علي الخطة العامة لحياة السيد ، بل في ترتيب التفاصيل ، فهناك حوادث قد لا يربطها شيء ولكنها تتابع بنفس الكيفية في الأناجيل الثلاثة مثلا في مرقس 2 : 3 – 22 ، متى 9 : 2 – 17 ، لوقا 5 : 18 – 38 تظهر الحوادث الثلاثة : شفاء المفلوج ودعوة العشارين ومناقشة الصيام . بل هناك مثال مشهور علي ذلك عندما ينتقل البشيران متى ومرقس انتقالا فجائياً من سرد قصتها ليذكرا قتل يوحنا المعمدان ( متى 14 : 1 ، مرقس 6 : 14 ) وهكذا لا نستطيع أن نقول إن هذا الترتيب المتشابه جاء عفواً ومصادفة . 

اتفاقهم في الأسلوب :

      إن هذا التوافق يظهر جلياً درسنا الأناجيل في الأصلية ، أي اليونانية ولكن هذا لا يعني أن ذلك لا يظهر في الترجمة العربية ، وهناك المثل المشهور الموجود في متى 1 : 6 ، مرقس  2 : 10 ن لوقا 5 : 24 عندما يقطع السيد حديثة في نفس المكان : ” ولكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً أن يغفر الخطايا . . ” وهنا نجد أن الأناجيل الثلاثة لا تكمل الكلام بل تذكر نفس الجملة الاعتراضية ينفس الألفاظ  ” قال للمفلوج قم . .”

      وهناك مثال آخر في متى 4 : 18 ، مرقس 1 : 16 عندما يذكر البشيران نفس الجملة الاعتراضية ” لأنهما كانا صيادين  . . . ” .

     وهناك تعبيرات لا تأتي إلا في الأناجيل الثلاثة مثل ” حين يرفع العريس ” متى ( 9 : 15 ، مرقس 2 : 12 ، لوقا 5 : 35 ) هذه العبارة لا نجدها في أي موضع آخر في العهد الجديد .

اتفاق إنجيلي متى ولوقا في ذكر تعاليم المسبح :

     وهذا اتفاق ضخم فمن يقرأ الموعظة علي الجبل ( متى 5 – 7 ) والموعظة في السهل في لوقا 6 : 17 – 49 فإنه يجد أن الموعظتين تبد آن بالتطويبات  وتنتهيان بالتحذير تمثل البناء الحكيم والجاهل وفي العظتين نفسهما تشابهاً في أشياء كثيرة ، وإلي جانب ذلك نجد تعاليم وافرة متشابهة ليس فقط في المضمون بل في نفس الأسلوب بين هذين الإنجيلين .

     هذا التوافق وخاصة في الاثنين الأخيرين ، أي الأسلوب والتعاليم تظهر بوضوح إذا عرفتا أن السيد وتلاميذه لم يتكلموا اليونانية أصلا ، وأن تعاليم المسيح قيلت في الآرامية وعظات الرسل وتعاليهم كانت في نفس اللغة ، فإذا اتفقت الأناجيل الثلاثة في الأسلوب واتفق إنجيلا متى ولوقا في ذكر تعاليم الثلاثة حيث أنها لم تكتب في مكان واحد ، ولا إلي جماعة واحدة ، فما هي هذه الصلة :

     أننا لا نستطيع أن نجزم في ذلك إلا بعد نجد الأمر الغريب الآخر. وهو الاختلاف الواضح بينه.

 الاختلاف بين الأناجيل الثلاثة :

      يظهر هذا الاختلاف عند ذكر التفاصيل الدقيقة : مثلا :

     1- بينما يتفقون في ذكر حوادث المعمودية والتجربة والقيامة فإن هناك بعض الاختلافات في التفاصيل: فمنطوق الصوت السماوي يختلف بعض الشيء في لوقا عنه متى وكذلك في ترتيب التجارب الثلاث .

     2- هناك الاختلاف بين لوقا ومتى في ذكر الموعظة الجبل . في طولها ومقدار المادة فيها ، وفي أسلوب التطويبات ، إذ تذكر في متى في لغة الغائب ، ولكن في لوقا لغة المخاطب ، وعدم وجود الويلات في متى : وهناك أشياء في الموعظة علي الجبل في متى لم تذكر في الموعظة كما هي في إنجيل لوقا مثل الصلاة الربانية وغيرها .

     3- وهناك اختلاف في طول قصة الرحلة إلي أورشليم فبينما يذكرها متى في إصحاحي 19 و 20 يذكرها إصحاح واحد هو 10 أما لوقا فإنه يذكرها في تسعة إصحاحات 9 : 51 – 19 : 28 .

     4- هناك ما يسمي بالحذف الكبير بين لوقا ومرقس فبينما يتبع لوقا قصة مرقس في الحوادث إلي 6 : 44 فإنه يترك الجزء الثاني من  6 : 45 – 8 : 26 ثم يرجع مرة أخرى ويتبع قصة مرقس بكل أمانة .

     5- هناك أيضاً مادة تختص بكل إنجيل ولا توجد في الأناجيل الأخرى مثل قصة المجوس عند متى( متى 2 : 1 – 12 ) ، بعض الأمثال مثل العذارى الحكيمات والجاهلات ( متى 25 : 1 – 13 ) ومنظر الدينونة ( 25 : 31 – 46 ) وغيرها ثم حوادث كثيرة في قصة الميلاد عند لوقا لم تذكر في أمكنة أخرى ( لوقا و 2 ) وبعض الأمثلة كمثل الابن الضال ( لوقا 15 : 11 – 32 ) والوكيل الشرير ( 16 : 1 – 13 ) وغيرها.

هذا هو الموقف فهل هناك تفسير له ؟ بعد الدراسات المستفيضة استقر رأي غالبية العلماء علي الأمور التالية:

     1- أن إنجيل مرقس كتب أولا ، وأنه كان معروفاً عند كاتبي الإنجيلين الآخرين متى ولوقا ، وان هذين الكاتبين وافقا علي إنجيل مرقس بدليل أنهما استخدماه كأساس لقصتهما عن يسوع . لكن هناك التعاليم المتشابهة التي توجد في إنجيلي لوقا ومتى ولكنها لا توجد في مرقس . يعتقد العلماء أن كاتبي الإنجيلين استقياها من مصدر آخر كان معروفاً لهما ، وكان يحتوي علي جزء كبير من تعاليم يسوع المسيح ، وقليلا من حوادث حياته ذكرت كمناسبة ومقدمة لهذه التعاليم ، هذا المصدر يطلق عليه العلماء اسم ” Q ” وهو الحرف الأول من الكلمة الألمانية التي تعني مصدر .  Quelled 

     3- لكن هناك مادة توجد في متى ولا توجد في أي من الإنجيلين الآخرين تحوي كثيراً من الأقوال وبعض الأمثال : مثل الزوان ( 13 : 24 – 30 )الكنز المخفي ( 13: 44 ) اللؤلؤة كثيرة الثمن ( 13: 45 و 46 ). شكة الصيد (13 : 47 – 50 ) العبد القاسي ( 18 : 23 – 35 ) ، العمال في الكرم ( 20 : 1 – 16 ) الابنان ( 21 : 28 – 32 ) ، عشاء العرس ( 22 : 1 – 14 ) ، العذارى ( 25 : 1 – 13 ) ، الوزنات ( 25 : 14- 30 ) الدينونة (25 : 31 – 46 ) وقد كانت كل هذه الأمثال تتميز بالجملة القائلة ” يشبه ملكوت السموات ” . هذه كلها توجد في إنجيل متى فقط ويعتقد كثير من العلماء أنه أخذها من مصدر خاص به وقد أطلقوا عليه اسم ” m  ” ، ويعتقدون أن هذا المصدر غالياً ما نشأ في اليهودية أو في أورشليم ، يدل علي ذلك موقفه من اليهودية فهو ضد الفريسيين ( 5 : 20 و 23 ) مع أنه يقدس رسالتهم إلي إسرائيل ( 10 : 6 ) ، وعقيدته أن الإنجيل ليس ثورة ولكنه إصلاح ، وإكمال للقديم ، واليهودية . وذلك لكثرة الاقتباسات من العهد القديم .

      4- وبالمثل يظهر الأمر مع لوقا البشير ، ففيه من المادة ما لا توجد في أي إنجيل آجر . مثل قصة الميلاد وغيرها مما يصل إلي 30 قصة و 14 مثلا ومن ضمن الأمثلة : السامري الصالح ( 10 : 29 – 37 ) ، صديق نصف الليل ( 11 : 5 – 8 ) ، الغبي (12 : 13 – 21 ) ، شجرة التينة العقيمة ( 13 : 28 – 30 ) ، سفارة قبل المعركة ( 14 : 31 – 33 ) الخروف الضال ، الدرهم المفقود ، الابن الضال (15) الوكيل غير الأمين ( 16 : 1 – 13 ) الغبي وأليعازر ( 16 : 19 – 31 ) قاضي الظلم ( 18 : 1 – 8 ) ، الفريسي والعشار ( 18 : 9 – 14 ) .

      هذه كلها استقاها البشير لوقا كما يقول العلماء من مصدر يطلقون عليه اسم “L ” وفيه يظهر يسوع صديقاً للعشارين والخطاة ، ويطهر كنبي مع تلاميذه معتمداً علي أصدقائه الأغنياء ، يعطي رسالة الاطمئنان والإيمان البسيط . ويعتقد هؤلاء العلماء أن هذا المصدر نشأ أولا في قيصرية .

مما سبق أن هناك أربعة مصادر رئيسية وراء الأناجيل : المصدر الأول مرقس الثاني  Q   الثالث M والربع L ، استقي منها البشيران متى ولوقا المادة التي فيهما ، وبهذا نستطيع أن نفسر الاتفاق الكبير ، وبعض الاختلافات التي بين الأناجيل الثلاثة . ولكن هذه النظرية ترفع أمامنا عدة أسئلة مهمة وهي :

  • كيف نعرف أن مرقس قد كتب قبل متى ولوقا ؟ وما هي البراهين علي ذلك ؟

  • هل يمكن أن يقتبس متى من مرقس إذا كان هو نفس متى تلميذ المسيح ؟ ولا فمن هو متى هذا ؟

  • ألا تؤثر هذه النظرية علي عقيدة الوحي .

  • يمكننا هنا أن نجيب علي السؤال الثالث تاركين السؤالين الأول والثاني إلي أن ندرس الإنجيلين مرقس ومتى . أما بالنسبة لعقيدة الوحي في الأناجيل الثلاثة فإننا نؤمن بكل يقين وثبات أن الروح القدس كان فعالا وعاملا ومسيطراً في كتابة هذه الأناجيل ، وقد عمل بالكيفية التالية :

  • أنه ذكر الرسل بما قاله المسيح سيدهم كما قال هو ” وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم ” ( يوحنا 14 : 26 ) .

  • أنه يفسر ويكشف عن أمور لم يستطع المسيح أن يقولها للتلاميذ ، لأنهم لم يكونوا في حالة يستطيعون فيها أن يفهموها ، منها مثلا دخول الأمم إلي الحظيرة ونوالهم الروح القدس ، عدم أهمية الناموس في الخلاص وغير ذلك (يوحنا 16 : 12 – 15 ، أعمال 8 : 14 و 15 ، 10 : 44 – 48 ، أفسس 3 : 5 – 9 ) الخ .

  • أن الروح القدس هو الذي أرشد الكتاب المقدسين إلي انتقاء المادة التي يكتبونها من بين المواد الأخرى ( لو 1: 1 – 54، يوحنا 20: 30 و 31 ).

  • الروح القدس أرشد الكنيسة في إعطاء الحكم الصحيح في الأمور وعلمهم كيف يحسمون القضايا ( أعمال 15: 28 ).

بهذه الكيفية أرشد الروح القدس الكتاب المقدسين في كتابة الكتب المقدسة في العهد الجديد كما فعل أيضاً في العهد القديم كما يذكر الرسول ذلك.

3- الفكر المشترك في الأناجيل

( لا هوت الأناجيل الثلاثة الأول )

     عرفتا فيما سبق أن الحقيقة واحدة، ولكن الخبرة متنوعة، فإذا كان الأساس واحداً فإن البناء عليه متفرع وواسع. وهذا هو مجد الشهادة المسيحية إنها ليست شهادة ميتة لشيء تاريخي مضي وانتهي، ولكنها شهادة حية لحقيقة حية قوية مؤثرة لأنها حقيقة، ومن عمل الله نفسه. ولأن الأناجيل هي سجل لهذه الشهادة المقدسة المتنوعة فهي ولا بد تحمل تنوعاً، ليس في المفاهيم، بل في التعبير وتفسيرها، ولكن مع التفسير. كما سنري فيما بعد .نجد أن خطأ واحداً وحقيقة واحدة أساسية تتملك هذه الكتب، تبرز في كل صفحة وكل إصحاح منها. وعلينا في الصفات القادمة أن تبرز هذه الحقيقة لنعرف عمق الأساس الإلهي للشهادة المسيحية المجيدة.

وتكمن هذه الحقيقة الإلهية في مجموعة الاصطلاحات التي ترد كثيراً في الأناجيل اصطلاحات لها مدلولها ومضمونها ولكنها مع ذلك تنطوي كلها تحت حقيقة واحدة ومضمون واحد يجمعها كلها ، هذه الحقيقة هي ما يطلق عليها في الأناجيل ملكوت الله ، ولهذا يجب أنت نعرف شيئاً عن هذا الملكوت ولكن ليس لدراسة شاملة عنه ( لدراسته دراسة وافية ارجع إلي كتاب ملكوت الله للمؤلف ) ولكن كاصطلاح جامع ، ففيه تكمن المفاهيم المشركة بين الأناجيل الثلاثة الأول .

ملكوت الله : 

     1- إن أول ما يقابلنا في الأناجيل هو أن المسيح يسوع بكرازته بدأ عصراً جديداً طال انتظاره ، ولقد فهم البشيرون ذلك وأكدوه ، بل وفهمه كل كتاب العهد الجديد . وتطالعنا في دراستنا للأناجيل الشواهد التالية، عندما يبدأ مرقس إنجيله يذكر ” بدء إنجيل يسوع المسيح أبن الله ” ( مرقس 1 : 1 ) الإنجيلي يعترف إذن بوجود شيء جديد له بدء .

     وعندما يسجل كرازة السيد : يختصرها في جملة واحدة إذ يقول ” وبعد ما أسلم يوحنا جاء يسوع إلي الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتربوا وآمنوا بالإنجيل “( مرقس 1 : 14 و 15 )

     أما البشير متى فيقول ” من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات ” ( متى 4 : 17 )

     وما يختصره متى ومرقس فإن البشير لوقا يذكره في حادثة مطولة وهي حادثة وعظ السيد في مدينيه الناصرة ورفضهم لهذه الكرازة (لو 4 : 16 – 30 ) وفي هذه الكرازة فال المخلص بعد أن قرأ النبوة في المجمع ” إنه اليوم قد تم هذا الملكوت في مسامعكم ” ( عدد 21) . ويلاحظ هنا أن الفعل ” تم ” هو نفس الفعل الذي يستخدمه البشير مرقس ” كمل ” . وهو يأتي من نفس الكلمة منها الاسم الذي يستخدمه الرسول بولس في غلاطية 4 : 4 ولكن لما جاء ملء الزمان والمعني الواضح البسيط هنا هو أن الزمان كان يسير إلي نقطة ، يتطلع فيها الناس شيء معين وعدهم الله به . هذه النقطة المحددة قد وصلت الآن ، وبدأ الإخبار عنها ، وفي مجيء هذا الوقت المعين أو بعبارة الرسول بولس، ” ملء الزمان ” بدأ عهد جديد لم يعرفه التاريخ من قبل ، وقد ذكرنا من قبل أن كل البشيرين إلي جانب كل كتاب العهد الجديد المعمدان وتصريحاته عن يوحنا نفسه (متى 19 : 2 – 11 وما يقابله من الأناجيل الأخرى ) وتصريحاته في رده علي انتقاد الفريسيين لتلاميذه عندما كانوا يقتطفون السنابل يوم السبت ليأكلوا (متى 12 : 1 – 8 ) . في هذه التصريحات الأخيرة يعلن أن السيد أن شيئاً جديداً قد جاء أعظم من الهيكل والسبت اللذين كانا يعتبر أن أعظم ما في الوجود طرا ، لأنهما كما يقول اليهود كانا موجودين قبل خلق العالم كله . ويؤيد السيد هذه التصريحات أيضاً واضح عندما يطوب التلاميذ إذ رأوه ما لم يره أنبياء وملوك من قبل ( متى 13 : 10 – 17 ) . نعم إن عصراً جديداً ونظاماً جديدا ًبدأ بمجيء يسوع الناصري .

  • لكن ما هو الاصطلاح الذي يعبر عن هذا العصر الجديد ؟ لقد ذكر كتاب العهد الجديد اصطلاحات عدة : منها الأيام الأخيرة ( أعمال 2 : 17 عبرانيين 1 : 2 – 1 ، بطرس 1 : 18 – 20 ) ، ( الأزمنة ) الحليقة الجديدة (غلاطية 6 : 17 ، 2 كورنثوس 5 : 17 ) الحياة الأبدية : (يوحنا 1 : 34 : 36 ، 1 يوحنا 1 : 2 : 2 : 25 ، 3 : 14 ) أما الأناجيل الثلاثة

 الأول فإن الاصطلاح الغالب جداً فيها ملكوت الله أو ملكوت السموات . وهذا ما كان ينادي به السيد عند بدء كرازته كما سبق وذكر .

ولكن ماذا يعني هذا الاصطلاح ؟ إنه ليس اصطلاحاً جديداً قد صنعه يسوع لأول مرة ، لكنه قديم يعرفه اليهود والعهد القديم نفسه وخصوصاً الكتب الرؤية فيه ، إنه يحمل في طياته معني المكانية فيقال عنه ” يدخل فيه ” ( متى 7 : 21 ) أو ليست بعيداً عن ( مرقس 12 : 34 ) ومعني الزمانية فيقال ” اقترب ” (مرقس 1 : 15 ) و ” أقبل ” ( متى 12 : 28 ) إلا أن  المعني الأساسي والرئيسي في هذا الاصطلاح هو ” حكم الله وسلطانه ” . هذا ما تعنيه الكلمة العبرية والكلمة اليونانية وهذا ما فصده كل كتاب الوحي المقدس . ومع أن اليهود اهتموا بالكلمة الأولي أي ” الملكوت ” لكن الكتاب المقدس بعهديه كان ينبر علي ” الله ” نفسه، أي أن هذا الملك مضاف إلي الله، إنه هو الذي يجريه. ولنلاحظ هنا أن متى البشير يستعمل في أغلب الأحيان اصطلاح ” ملكوت السموات” مع أن مرقس ولوقا يستخدمان الاصطلاح الثاني أي ” ملكوت الله ” ، ولكن هذا لا يغير من المعني الذي ذكرناه، لأن اليهود حتى الذين صاروا مسيحيين منهم ، كانوا يستخدمون ألفاظاً أخرى قصدوا بها ” الله “، نظراً لأنهم كانوا يقدسون هذا الاسم تقديساً منعهم من نطقه ، من هذه الألفاظ السماء ( لوقا 15 : 21 ) ، العظمة (عبرانيين 1 : 3 ، 8 :1 ) الملك العظيم ( متى 5 : 35 ) الحكمة (متى 11 : 19 ، لوقا 7 : 35 ) وهكذا ، ولهذا فلا يجوز أن نبني عقائد متنوعة ومتناقضة ظانين أن هذين الاصطلاحين  مختلفان .  

  • هذا السلطان : سلطان الله – أو ملكوت السموات لم يكن أبداً نظرية لاهوتية مجردة لا أساس لها في الواقع ، كلا فهو دائماً حقيقة مجسمة ملموسة دخلت الخيرة البشرية وعرفها ولمسوها، ولقد ظهرت في كمالها وأعظم نقاوتها حياة وأعمال ورسالة يسوع الناصري. ولقد أعلنت الأناجيل ثلاث هذه الحقيقة.فقد كانت معجزات السيد أول إعلان علي ذلك ، ولقد وضح السيد ذلك في رده علي والفريسيين الذين اتهموه أنه ببعلزبول يخرج الشياطين ، ولكنه رد عليهم بقوله ” . . ولكن إن كنت أنا بأصبع الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله ( متى 12 : 28 ، لوقا 11 : 20 ) بمعني أن هذه القوة هي قوة وسلطان وملكوت الله : ولهذا السبب لم يطلق علي أعمال يسوع العظيمة المعجزات . فهذه كلمة لم ترد في العهد الجديد بالمرة ؛ ولكن الكلمة الحقيقة التي تدل علي هذه الأعمال هي كلمة ” آية ” ، ومع أن هذه وردت ضمن ثلاث كلمات مترابطة وهي آيات وقوات وعجائب ( أعمال 2 : 22 ) لكن كلمة آيات أو آية هي الكلمة الفنية للتعبير عن أعمال يسوع . وكلمة آية تعني ” علامة ” ، فالآية علامة علي شيء جديد أو إعلان عن حقيقة دخلت إلي الخيرة البشرية ، وآيات يسوع هي إعلان علي أن ملكوت السموات قد أقيل. ولم تكن آيات يسوع فقط ولكن كانت تعاليمه أيضاً هي الإعلان الكامل عن ملكوت الله ، ففي الموعظة الجبل يظهر ملكوت الله مقابل الناموس ، وعندما كان يعلم بأمثال عن ملكوت الله كان يفسرها لتلاميذه فقط وقال لهم ” قد أعطي لكم أن تعرفوا سر ملكوت الله ، هم من خارج فبالأمثال يكون لهم كل شيء ” ( مرقس 4 : 11 ) ، فتعاليم السيد من أمثال ووصايا وغير ذلك كانت كشفاً وتوضيحاً لملكوت السموات ، وشرحاً للسلوك الإنساني عندما ٍيخضع تحت نير الملكوت .

لكن الأمر يتعدى ذلك ، فالمهم ليس فقط مضمون التعاليم بل إعطاء التعاليم نفسها ، فالسيد علم ولكن ليس ككل إنسان ، موقفه لم يكن موقف أي واحد من معلمي الناموس ، لأنه لم يكن واحداً منهم ، وقد أحست الجموع بذلك وعرفت الفرق المذهل بينه وبينهم ، ولذلك دهشوا ” لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة ” ( مرقس 1 : 22 ) فالتعليم أيضاً كان تعليم من له السلطان ، ولهذا السبب ربط الناس أيضاً بين التعليم وبين إخراج الشياطين ، ولهذا قال الناس ” ما هذا ، ما هو هذا التعليم الجديد لأنه بسلطان يأمر حتى الأرواح النجسة فتطيعه ” ( مرقس 1 : 27 ) . فالتعليم أيضاً كان بسلطان هو سلطان الملكوت . ولكن سلطان الملكوت تجسم في السيد ليس فقط في معجزاته وتعاليمه ولكنه أعلن أيضاً في أمر مهم جداً وهو غفران الخطايا. وهذا اتضح في قصة المفلوج الذي أتي به أربعة ( مرقس 2 : 3 – 12 ) ، فبدلا من أن يأمر المرض مباشرة ليزيله فيريح هذا الإنسان ، نظر إليه وقال له ” يا بني مغفورة لك خطاياك ” ( عدد5 ) ولما تذمر الفريسيون والكتبة متهمين إياه في قلوبهم بالتجديف ، نظر إلي المريض ثم إليهم وقال ” ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً علي الأرض أن يغفر الخطايا . . ” ( عدد 10 ) ثم أمر المفلوج أن يحمل فراشه ويذهب إلي بيته ، وكان هذا دليلا علي أنه يستطيع أن يغفر الخطايا . ونري هنا أيضاً أن هذا السلطان ارتبط بعمل المعجزات فعلامة غفران الخطايا هي إعطاء هذا المفلوج المسكين شفاء كاملا . وهناك حادثة أخري ظهر فيها سلطان يسوع سلطاناً كاملا ، وهي حادثة إخراج الباعة من الهيكل وتنظيفه من التجارة المهينة التي كانت تدار فيه باسم الدين ( متى 21 : 12 – 17 ، مرقس 11 : 15 – 19 ، لوقا 19 : 45 و 46 ، يوحنا 2 : 14 – 17 ) ، والشيء المهم في هذه القصة هو أن اليهود أنفسهم عرفوا أن هذا العمل لم يصدر عبثاً ولا عفواً ، ولكنه عمل يتسم بسلطان خاص ، ومع لم يعرفوا ولم يفهموا هذا السلطان فجاءوا إليه يسألونه ” أي سلطان تفعل هذا ومن أعطاك هذا السلطان حطي تفعل هذا ( مرقس 11 28 ) فأراد يسوع أن يقودهم إلي الطريق السليم ويعرفهم نوع السلطان عن طريق شهادة يوحنا له ، ولكنهم رفضوا أن يجاوبوا ، فرفض هو أن يجيب علي سؤالهم ، لأنهم أظهروا عدم استعداهم للتفهم وكان في موقفهم قدر كبير من العناد .

هذه هي بعض مناطق السلطان التي أظهرها يسوع في حياته كمجسم كامل لملكوت الله .         

  • ويمكننا أن نفهم من تجسيم السيد لملكوت الله حياته وعملة ورسالته الدور الحاسم الذي يقوم به ملكوت الله ، هذا الدور يتلخص في عملين الدينونة والخلاص .

أما الدينونة فقد ظهرت في أمرين قام بهما السيد أولا : المقابلة الهامة التي وضعها بين رسالته ورسالة الناموس : وهذا يتضمنه قوله : سمعتم أنه قيل للقدماء  . . أما أنا فأقول لكم ( متى 5 : 21 و 27 و31 و 32 و 33 و 38 و 43 ) والدينونة هنا لا تعني الحكم بالفساد . لكن الحكم بعدم الكمال . إن الناموس إلهي المصدر، ولكن الله أعطاه لجماعة ناقصة فلم يكن للناموس قدرة علي أن يخلصهم، فجاء الملكوت الكامل، أو السلطان الكامل الذي يستطيع أن يفعل ذلك فظهر عدم كمال النظام القديم. ولقد استطاعت الكنيسة الأولي أن تفهم رسالة السيد معرفة حقيقة ، ونذكر في هذا المجال الرسول بولس وكاتب الرسالة إلي العبرانيين فكلاهما عرفا المعني الحقيقي لرسالة المسيح ، وكلاهما عرفا أن القديم قد انتهي بظهور ملكوت الله مجسما فيه ( غلاطية 4 21 –  ، 5 : 1 – 12 ، عبرانيين 1 :1 – 4 ، 3 : 1- 6 ، 5 : 1 – 10 ، 7 : 11 : 8 : 7 – 13  ) . أما الأمر الثاني الذي ظهر فيه الدينونة فهو تنظيف الهيكل كما سبقت الإشارة ولكن في هذا العمل اختلف معني الدينونة ، فهي لم تكن إظهار عدم الكمال بل إظهار الفساد والشر والخطيئة ، هذه كامنة في الناس أنفسهم ثم أفسدوا الغرض والهدف من عطايا الله التي وهبت لهم كعطية الهيكل مثلا ، وكانت دينونة السيد عليهم شديدة قاسية . وليس عليهم فقط بل علي تلك الهبة الثمينة وهي الهيكل ، إذ قال لهم ” هو ذا بيتكم يترك لكم خراباً ” ( متى 23 : 38 ، لوقا 13 : 35 ) . وتعتبر الإصحاحات الثلاثة الأول من رسالة الرسول بولس إلي رومية تفسيراً مفصلا علي هذه الديونية الرهيبة إذ فيها أعلن غضب من السماء علي جميع فجور الناس وإثمهم سواء أكانوا يهود أم أمماً.

أما الدور الثاني لرسالة الملكوت فهو الخلاص ، وهذا الخلاص الذي يقوم به السيد يشمل كل ملكات وقوي الإنسان ، فهو ينصب علي الخلاص من الخطيئة وذلك عندما قال للمفلوج “مغفورة لك خطاياك ” ( مرقس 2 : 5 ) وعندما خلصهم من الأرواح النجسة وكل قوات الشر ، وعندما خلص أجسادهم من المرض ومن الإرهاق ، وهكذا قال هو الشر ، وعندما خلص أجسادهم من المرض ومن الإرهاق ، وهكذا قال هو ” كل شيء قد دفع إلي من أبي . . تعالوا يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم ، احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم لأني نيري هين وحملي خفيف ” ( متى 11 : 25 – 30 ) فالسلطان الذي أعطية للخلاص ولفداء الإنسان كله .

ويلاحظ هنا أن هذين الأمرين الدينونة والخلاص ليسا منفصلين بعضهما عن بعض بل هما في الحقيقة دورين لعمل واحد أو وجهين لصورة واحدة ، فهو عندما يحكم علي القديم بأنه غير كامل فلكي يكمله ، ويتمم الهدف الذي  جاء من ” ما جئت لأنقض بل لأكمل “. ( متى 5 : 17 ) ، وإن كان قد قال لليهود إن يترك لهم خرابا ولكنه يكمل قوله لهم ” لأني أقول لكم إنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآني باسم الرب ” ( متى 23 : 39 ) وهذا أيضاً ما عبر عنه الرسول بولس إذ بعد أن حكم بأن اليهود والأمم قد أخطأوا ” الجميع زاغوا وفسدوا معاً . ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا أحد ”  (رومية 3 : 12 ) يقول بعد ذلك ” وأما فقد ظهر بر الله بدون الناموس . . . بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلي كل وعلي كل الذين يؤمنون . . . ” ( 21 – 23 ) . فبعد الدينونة جاء الخلاص ، ليس فقط تتابعاً زمنياً ولعلهما مرتبطان ارتباطاً عضوياً ضرورياً لأنهما معاً في مشروع الفداء الإلهي العظيم .

هذا الملكوت الذي جسده المسيح كان ملكوتاً حاضراً ، بمعني أن عملة ظهر بين الناس . نعم إنه الملكوت الأسخاتولوجي ، لكنه هو الذي يظهر في هذه الأيام . وجزء كبير من تعاليم السيد تعلن هذه الحقيقة إعلاناً وافياً . فعندما أرسل يوحنا تلاميذه إلي يسوع ليسأله هو الآتي أم ينتظرون شخصاً آخر ، يقول السيد ” اذهبوا وقولوا ليوحنا العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص لمن لا يعثر في ” ( متى 11 : 5 و 26 ، لوقا 7 : 22 و 23 ) . هذا القول يربط مجموعة من الأقوال التي ينطق بها إشعياء في مواضع مختلفة إشيعاء 35 : 5 – 7 ، 29 و 19 ، 66 : 1 و 2 )  وفيها يعلن النبي وقت مجيء الخلاص وما يحدث فيه ، وهذا قد تممه الرب يسوع ، وأعلن بقوة أن وقت الخلاص قد جاء وسلطة الله قد تحققت في خلاص الناموس .

ولقد أعلن السيد هذا أيضاً في وطنه بشرهم في المجمع وقال لهم أن ” اليوم قد تم هذا المكتوب بينهم ” ( لوقا 4 : 16 – 21 ) بمعني أن أمام هؤلاء وتحت بصرهم وفي آذانهم قد تم وعد الله والمكتوب .

ويعلن أن وقت الحصاد قد جاء حيث يفرح الناس ويستريحون من الأتعاب ومن الانتظار الممل (يوحنا 4 : 35 ، مرقس 4 : 8 ، متى 9 : 37 و  38 ) . بل وان الخمر الجديدة الآن موجودة ولا يمكن أن توضع في زقاق عتيقة . إن خمر ملكوت السموات هو وقت الخلاص ( مرقس 2 : 22 ) .

هذه عينة من الأقوال والإعلانات التي فاه بها السيد ليعلن أن ملكوت الله الذي قد جسمه وهو حاضر ويقوم بعملة الفدائي العظيم بين الناس، أن الله قد أعلن نفسه فادياً في سلطان غالب ومنتصر في يسوع الناصري. ولكن لبس هذا نهاية المطاف، وهذه الحقيقة السامية لا تعلنها فقط تعاليم السيد بل أعماله أيضاً. ومن أهم الأعمال التي قام بها السيد إخراج الباعة من الهيكل ، وكان هذا العمل إتماماً لما يقوله زكريا ” وكل قدر في أورشليم وفي يهوذا تكون قدساً لرب الجنود . وكل الداخلين يأتون ويأتون ويأخذون منها ويطبخون فيها . وفي ذلك اليوم لا يكون بعد كنعاني في بيت رب الجنود “( زكريا 14 : 21 ) ، الكلمة كنعاني تترجم تاجر ومع هذه الترجمة يستقم المعني ، لأنه في الحقيقة والواقع أن الكنعاني غير موجود أصلا في الهيكل ، ولكن التجارة موجودة خاصة بعد أن أصبح كثير من الذين يزورون – الهيكل من يهود الشتات يحتاجون للمقايضة والشراء . وإذا كان هذا الرأي صحيحاً وهذه الترجمة هي التي يستقيم معها المعني، فإن يسوع بعملة هذا يعلن أن الهيكل ينظف لأن وقت الدينونة والخلاص قد جاء . هناك عمل آخر قام به السيد وهو أنه تعامل مع الأمم خدماته لهم ففي مرقس 7 : 24 – 30 يشفي ابنة المرأة الفينيقية بعد أن يدخل في ديار الأمم وفي متى 8 : 5 – 13 ، لوقا 7 : 1 – 10 يشفي ابن الرجل العسكري ويقول في كلتا الحالتين ” إنه لم بحد ولا في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا ” يقول السيد ذلك في الوقت الذي يعلن فيه أنه لم يأت إلا لخراف بيت إسرائيل الضالة ، لأنه بعمله هذا يعلن أن الأمم أيضاً يدخلون الملكوت في آخر الأيام ، كما يقوم في متى 8 : 11 و 12 ” وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات ، أما بنو الملكوت فيطرحون إلي الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ، نعم هذا هو اليوم الذي فيه أعلن الرب قبول الأمم في ملكوت  السموات . هكذا يعلن المسيح في تعاليمه وأعماله أن فجر الخلاص قد جاء ملكوت الله أعلن في التاريخ .

لكن ليست هذه هي كل الحقيقة ، أن هناك وجهاً آخر لملكوت السموات الذي ظهر وأعلن المستقبلية ، بمعني أن هذا الملكوت سيأتي بقوة ومجد بهاء في زمن يعرفه الله .

وهناك مجموعة من الأقوال والتعاليم التي تبين أن الملكوت سين بقوة في المستقبل. ولقد أنذر يسوع تلاميذه بذلك لهم ” قال لهم الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتي بقوة ( مرقس 9 : 1 ) . وأياً كان تفسير هذا القول فإن الواضح فيه أن يسوع يعلن أن الملكوت في المستقبل وسيأتي بقوة ، أما موعد ذلك فلا يعرفه إلا الله وحده . ويؤيد ذلك عندما يضح ملكوت الله في مقابل جهنم النار . ” وإن أعثرتك عينك فاقلعها . خير لك أن تدخل ملكوت الله أعور من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار ” ( مرقس 9 : 47 ) . ويظهر ذلك أيضاً في وصفة لمشهد الدينونة العظيم في متى 25 : 31 – 46 ففي هذا مجده المشهد يظهر ابن الإنسان الملك ( ع 40 ) آتياً في مجده ثم يجلس علي كرسي ( ع 31 ) ثم يعلن عن لجزاء الصالح الذي يناله الأبرار فيقول :

 ” رثوا الملك المعد منذ تأسيس العلم ( ع 34 ) . وهكذا نري أن منظر الدينونة الأخيرة  هو نفسه مجيء الملك بقوة في ملكه وملكوته . وإلي جانب ذلك يصف مرقس يوسف الرامي علي أنه ” مشير شريف وكان هو أيضاً منتظراً ملكوت الله ” ( مرقس 15 : 43 ) . مع أن متى يصفه بأنه تلميذاً ليسوع ( 27 : 47 ) أما لوقا فيقول عنه وكان مشيراً ورجلا صالحاً باراً . . . وكان هو أيضاً ينتظر ملكوتا الله ( 23: 50 و 51 ). ويلوح لنا من ذلك أن هؤلاء التلاميذ الذين كانوا مختفيين لسبب الخوف من اليهود كانوا ينتظرون ملكوت الله يأتي بقوة في المستقبل. ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بناء علي تعاليم السيد نفسه. بقي هناك العشاء الرباني إذ يقول الحق أقول لكم إني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة إلي ذلك اليوم حينما اشربه جديداً في ملكوت الله ، ( مرقس 14 : 25 ومقابله متى 26 : 29 ، لوقا 22 : 18 ) ، ولعل البشير لوقا يضيف قولا آخر عن الفصح ، لأني أقول لكم إني لا آكل منه حتى يكمل في ملكوت الله ( لو 22 : 16 ) . أما القول الخير فيظهر في الصلاة الربانية عندما يعلم تلاميذ أن يصلوا قائلين ” ليأت ملكوتك ” ( متى 6 : 10 ، لوقا 11 : 2 ) . ويؤيد ذلك أيضاً طلبه ” خبزنا كفافنا ” خصوصاً ؟إذا فسرناها علي أنها ” خبز الغد ” أي ذلك الخبز الذي سوف نأكله في ملكوت السموات .

هذا كله يبين لنا أن لملكوت الله – كما ظهر في تعاليمه وأعماله وإرسالية السيد، وجهتين: وجهة حاضرة وهي التي تحققت بمجيئه مستقبلية حينما يأتي بقوة ومجد.                   

6- لكن هناك عنصر آخر هام في تعاليم يسوع عن ملكوت الله وهو أن مطالبه من الإنسان الذي يقع في دائرته مطالب مطلقة ، لا يمكن فيما أي شيء من النسبية . وتتضح هذه المطالب المطلقة في أمرين أو في دائرتين : الدائرة الأولي تتعلق بقبول الملكوت نفسه ، بمعني أن الإنسان الذي يريد أن يقبل ملكوت السموات، عليه أن يعتره ليس فقط من أعظم الأشياء في حياته ، بل أنه الشئ الوحيد العظيم الذي يمكن أن يستبدل بشيء آخر . ويظهر هذا الأمر في تعاليم السيد عنه في مثلين جداً وهما الكنز الوجود في حقل ثم مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن ( متى : 13 : 44 – 46 ) : في هذين المثلين إنسان وجد الكنز مخفي في حقل ، ذهب وباع كل ما يمتلك واشتراه لكي يحصل علي الكنز ، وفي مثل الرجل التاجر الذي وجد لؤلؤة ثمينة فباع كل ما يمتلك واشتري تلك اللؤلؤة . لم يكن هناك وسط ولا مساومة : إما هذه وإما تلك ، فملكوت الله يضحي من أجله بكل شيء . وإذا كان يسوع يجسم ملكوت الله ، ومطالبيه من الإنسان هي نفسها مطاليب ملكوت السموات فلنقرأ ما يقوله للرجلين اللذين أراد أن يتبعاه ، ولكن . . ( لوقا 9 : 59 – 62 ) .

لقد كانت أوامره صريحة ، أن من يضع يده علي المحراث وبنظر إلي الوراء لا يصلح لملكوت السموات ، وكان تفسيره لذلك هو قوله الكريم لتلاميذه عند الإرسالية ” من أحب أباً أو أكثر مني فلا يستحقني ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني ومن وجد حياته يضيعها ومن أضاع حياته من أجلي يجدها ( متى 10 : 37 – 39 ) ،ولعل هذا الموقف هو ما دفع الشاب الغني ألا يقبل ملكوت الله، مع أن يسوع نظر إليه وأحبه إذ رأي إخلاصه في طلبه ، ولكنه لم يستطع أن يعرف أن ملكوت الله هو الخير الأسمى الذي يضحي من أجله بكل شيء ( مرقس 10 : 17 – 22 ) هذا ما جعل بطرس يقول يا سيدها نحن  قد تركنا كل شيء وتبعناك ( مرقس 10 : 28 ) .

من هذا كله نعرف أن مطاليب ملكوت السموات هي الكل وإلا فلا .لا وسط بين العلم وبين الملكوت ؛ ومن يقبله فعليه بأن يضحي بكل شيء من أجله وإلا فلن يستحقه وسوف ويفقد كل شيء . ليس ذلك فحسب بل أن مطاليب الملكوت الأخلاقية وإن شئت فقل السلوكية هي الأخرى مطلقة . ولعل الموعظة علي الجبل هي أعظم مثل علي ذلك. فهي لا تمنع فقط من القتل بل أنها تشجب كل كلمة قاسية ( متى 5 : 21 و 22 ) . وأنها الموعظة التي تطلب من الشخص ألا يقدم ذبيحته وصلاته إلا إذا اصطلح مع أخيه (متى: 23 و 24 ).إنها تشترط محبة العداء ومباركة الذين يلعنون . . والسير ميلين مع يسخر المؤمن ميلا واحداً ( 5 : 38 – 43 ) ولقد جاء بطرس إلي سيده يخبره أنه فعل المستحيل عندما سامح أخاه سبع مرات ، ولكن السيد يقول له ” لا أقول لك إلي سبع مرات بل إلي سبعين مرة سبع مرات ( متى 18 : 22 ) ولقد حيرت هذه المطاليب الأخلاقية الدارسين فوضعوا تفاسير كثيرة لها ، فقال بعضهم إن هذه المطاليب عادلة لأنه إذا عملها الشخص فسينال ملكوت السموات وهي أعظم هبة . ولكن هذا التفسير خاطئ لسبب واحد وهي أن هذه المطاليب لم تطلب ممن هم خارج الملكوت . بل ممن قبلوها، إن هبة وليست سلعة تشتري بمجموعة ن الأعمال الصالحة مهما كان سموها.

وقال بعضهم إن هذا النوع من السلوك لم بقصد به هذا العلم الحي الذي نعيشه ، ولكن العالم الآخر – العالم المثالي ، ولكن هذا التفسير لا يتذكر أن الأعمال التي يطلبها الملكوت من الشخص هي المميزة لهذا العصر المملوء بالحلف والكذب والقتل والطلاق والسخرية . . الخ .

وغير ذلك من الآراء كرأي ألبرت شويتزر الذي كان يظن أن يسوع قال  الواعظة علي الجبل ليسلك فيها منتظرو الملكوت في المدة القصيرة الباقية لظهوره ، أو رأي ردولف بولتمان الذي يقول إن هذه التعاليم تعكس شيئاً واحداً وهو وجدية طلب المسيح أن يكون مع أو ضد الله . ولكن هذه  الموعظة علي الجبل  تعكس الحياة التي يجب أن تظهرها أولاد الملكوت فإرسالية الملكوت كما يقول ديفيز ” لها قطبان الأول هو منحها للإنسان مغفرة ورحمة ومحبة غير محدودة نعم فمحبة المسيح تنسكب في القلوب فتظهر في حياة أبناء الملكوت . لكن هذا الملكوت يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإعلان السامي الذي أعلنه يسوع عن أبوة الله.

فعندما تتكلم الأناجيل عن ملك الله ،وأن السلطة له وانه هو مطلق السلطان ، فإنها تظهر أن هذا الملك هو أيضاً الآب ، وأبوة الله مفهوم أساسي في الأناجيل ،وقد ارتبط المفهومان معاً في كلام أمكنة كثيرة ، ففي الصلاة الربانية علم التلاميذ أن يقولوا ” أيانا الذي في السموات . . ليأت ملكوت ” ( لو 11 : 2 ) . ثم هو يطمئن التلاميذ يقول لهم ” لا تخف أيها القطيع الصغير لأن أباكم سر أن يعطيكم الملكوت ( لو 12: 32 ). ثم يقول لهم ساعة العشاء الرباني ” وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوت ” ( لوقا 2 : 29 ) . في هذه الأعداد نجد أن الملك هو نفسه الآب وأنه عندما يمنح  السلطة للمسيح أو لشعب المسيح فإنه يمنحها كأب وهذه الحقيقة واضحة في كل الأناجيل . ولكن ما هو مفهوم يسوع عن أبوة الله :

إن الإعلان الواضح الذي نجد فيه المفهوم صريحاً وكاملا يكمن في الاصطلاح الذي استخدمه يسوع : ومع إن اليهود استخدموا كلمة الآب ، والعهد القديم أيضاً استخدم كلمة الآب عن الله لكن ما أوسع الشقة بين المفهومين : مفهوم يسوع ومفهوم من سبقوه سواء كان العهد القديم أم اليهودية بشقيها : يهودية فلسطين أم يهودية الشتات . ونظرة واحدة العهد القديم واليهودية توضح لنا ذلك . ففي ( إشعياء63 : 16 ) ” فإنك أنت أبونا وإن لم يعرفنا إبراهيم وإن لم يدرنا إسرائيل . أنت يارب أبونا ولينا منذ الأبد اسمك . وبالمثل في أرميا 3: 4. ” ألست من الآب تدعيني يا أبي أليف صباي أنت ” . وفي مزمور 89: 26 حيث يقول عن الملك ” هو يدعوني أبي أنت، إلهي وصخرة خلاصي “. في هذه كلها يطلق علي الله لقب آب، ولكنها ليست في صيغة المخاطب بل في عبارة خيرية. إنها ليست في المنادي ، وهذا كما سنري  سر اختلافها عن مفهوم يسوع عن الآب .

أما في اليهودية فإننا نجد في كتب الأبوكريفا وغيرها بضعة شواهد حيث ينادي الله بلقب الآب ، ولكنها متأثرة بالأدب اليوناني ، أما في يهودية فلسطين فكانت هناك في أوائل عهد المسيحية ثم أنها تكن صلاة فردية شخصية ولكنها كانت صلاة جماعية تقال في المعابد في وقت العبادة فقط. ولهذا لم تكن ترقي إلي مفهوم يسوع عن أبوة الله.

فماذا إذن يميز  مفهوم المسيح في أبوة الله عن سائر الذين سبقوه ؟ يميزه أمران هامان :

الأمر الأول : هو اللفظ نفسه الذي استخدمه السيد وهو لفظ ” أبا ” وهي الكلمة الآرامية التي ترجمت إلي الآب أو أبها الآب أو تركت هكذا دون أن تترجم إلي اليونانية (مرقس 14 : 36 ) . وكانت هذه الكلمة غريبة جداً علي مسامع اليهودي إذا كانت تطلق علي الله وينادي بها من شخص ما ، مهما يهودي نجاف الله علي إلهه فهذا لا يمكن أن يخطر بال إنسان .

أما الأمر الثاني: الذي اختلف فيه يسوع عن بقية اليهود هو أنه استعملها في صلاته الشخصية، إنها ليست تعليم ولكنها صلاة. لقد عرفنا أن كل العبادات التي فيها تطلق علي الله لقب الآب كانت عبارات خبربة ، ولم يخاطبه أي شخص بمفرده علي أنه أبوه هو ، ولكنها وردت في صلاة العبادة لتدل علي أبوة الله للشعب ، وأما يسوع فكان أول من خاطب الله في صلاته الشخصية بكلمة يا أبا . وهذا يدل علي الصلة العميقة جداً بين يوع والآب السماوي . إنه تكلم غلي الله كابن يتكلم إلي أبيه ( متى 11 : 25 ) مرقس 14 : 36 ، يوحنا 11 : 41 ).

ولكن عندما نذكر ذلك يجب أن نتذكر أمرين في غاية  الأهمية ،  الأول أن هذه الحقيقة الكتابية الواضحة جعلت بعض الدارسين يعتقدون أن يسوع استخدم لغة الأطفال الصفار في مخاطبته للآب ، لكن هذا ليس الحق كله ، فإن الأبناء البالغين والكبار في السن كانوا يستخدمون لغة أبا عندما كانوا يخاطبون والديهم. وهذا يعني يسوع عندما يستخدم هذه . الكلمة كانت في فمه كلمة مقدسة ، وعندما أمر تلاميذه ألا يدعوا أحداً علي الأرض ” أبي ” ( متى 23 : 9 ) ، فلم يكن يمنعهم من مخاطبة والديهم الجسديين كذلك ، ولكنه يمنعهم من إطلاق الاسم علي أناس عظام في الهيئة الاجتماعية ، فهذا يفسد الكلمة ويجعلها غير لائقة بالله .

أما الأمر الثالث :  فإن هذه الكلمة تبين السر العظيم في إرسالية يسوع نفسه ففي متى 11 : 27 ، يوحنا 1 : 18 ، 10 : 15 ) ، يصرح بنفسه أنه هو وحده الذي يعلن الآب ، لأنه وحده الذي يستطيع ذلك . إن الله بالنسبة له هو الآب الذي علاقة سرية لا يدركها العقل البشري ، ولا يستطيع أحد غيره أن يحوز تلك الخيرة الإلهية . فالآب السماوي يجب الابن والابن وحده يعرف الآب ، ولهذا فهو يستطيع أن يعلنه للناس إعلاناً حقيقياً عميقاً – لا أحد سواه . والأناجيل تعلن أيضاً عن الطريقة التي أعلن بها السيد الآب السماوي للناس . وهناك حقيقيان واضحتان في هذا الصدد، لا يمكن أن يغفلهما أي دارس. الحقيقة الأولي : أن يسوع لم يعظ عن حديث يسوع عن الآب لم تخرج عن دائرة التلاميذ . ( مرقس 8 : 38 ، 11 : 25 ، 13 : 32 ، 14 : 36 ) وما يقابل ذلك في الأناجيل الأخرى .هذا يعلمنا أن أبوة الله لدي يسوع لم تكن نظرية أو قضية لاهوتية يبحثها مع اليهود ورؤسائهم لكي يقنعهم بها ، ولكنها كانت اختبار عميقاً لا يذكره إلا للخاصة جداً من التلاميذ لتقويتهم وقيادتهم في حياتهم سواء في أوقات الحاجة أو الضيق أو غيرها . ويرتبط مع هذه الحقيقة أمر آخر هو أن يسوع لم يتكلم علناً عن الآب السماوي ، وبكيفية تعليمية واضحة إلا بعد حادثة قيصرية فيلبس ( متى 16 : 13 – 21 ، مرقس 8 : 27 – 30 ، لوقا 9 : 18 – 21 ) . ولقد كانت هذه الحادثة فاصلة في حياة التلاميذ، فبعدها تغيرت تعاليم السيد وتعمقت إعلاناته لهم. ونلاحظ قبلها ، أي قبل اعتراف بطرس به – نائباً عن التلاميذ – أن السيد كان يتطلب من التلاميذ أن يفهموا ويفتحوا عيونهم وآذانهم لعلهم يعرفون ، لأن قلوبهم ، لأن قلوبهم كانت غليظة ( مرقس 6 : 52 ، مرقس 15و 17 و 18 ) .

أما بعد هذا الاعتراف فقد تغير مطلب السيد منهم وصارت وصيته لهم تنصب علي إنكار الذات وحمل الصليب ( مرقس 8 : 34 – 38 ) ، وخدمة الآخرين في تواضع ( 9 : 35 – 37 ) ، وأن يعيشوا في نقاوة وقداسة ( 9 : 41 – 45 ) وهكذا ، أي أنهم بعدما عرفوه من هو أعلن لهم كيفية التكريس الكامل لشخصه ولرسالته ، وهذا يخلف كثيراً عما كانوا عليه الاعتراف . وعلي هذا الأساس ، عندما بدأت أعينهم تنفتح أضحوا مؤهلين أن يعرفوا بل ويختبروا شيئاً من عمق الشركة مع الآب فبدأ السيد يتكلم لهم بوضوح عن الآب كاختبار عميق له .

أما الحقيقة الثانية: فهي أن يسوع عندما كان يعلم عن أبوة الله لم يكن يعني الأبوة العامة له، بمعني أن يسوع قصر اختبار أبوة الله علي جماعة خاصة، وهذا يظهر في صلاته هو فهو يعلن أن الله أبوه هو ( متى 10: 32 و 33، 11 27، 15 13. . . الخ ) وعندما يكلم تلاميذه يقول لهم أبوكم (متى 6 : 14 و 15 ، لوقا 6 : 36 مرقس 11 : 25 الخ ) فليس هناك أبوة ولا بنوية عنده بالطبيعة ، بل من يريدها فعليه أن يخضع له ويؤمن بالابن نفسه ( يوحنا 1 : 12 ) . ثم أن ما يقوله وخاصة في يوحنا ( 14 : 6 ) ليس أحد يأتي إلي الآب إلا بي توافقه أقوال البشيرين الآخرين ليس أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ” ( متى 11 : 27 ، لو 10 : 22 ) . ولعل الرب كان يقصد نفسي المعني عندما يقول لتلاميذه. ” إن لم توجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات ”  ( متى 18 : 3 ) . فهو لم يقصد البساطة والتواضع فقط ، ولكنه كان ينبر بالأكثر علي أنه إن لم يأت الإنسان إلي المسيح في إيمان حتى يصبح . ابناً للآب السماوي فلن يمكن أن يرث الملكوت ولا أن يدخل فيه . فهذا هو الشرط الأول لقبول الملكوت هو قبول أبوة الله ، وما لم يتعلم الإنسان أن ينطق يا ” أبا ” فهو ليس مستحقاً ولا مستعداً أن يدخل ملكوت السموات .          

    8 – أما ما يكمل هذه الصورة التي نراها في الأناجيل الثلاثة عن ملكوت الله فهو مركز المسيح، في هذا الملكوت. فماذا تقول الأناجيل عن هذا الأمر ؟

إن الأناجيل تكشف عن هذا المر لا في عقيدة محددة مصنوعة بل في مجموعة من الألقاب الخاصة التي يسمي بها يسوع الناصري. فاسم العلم له هو يسوع ( متى 1: 21 )، أما باقي الأسماء فهي ألقاب أعطيت له أو تبناها هو لكي تكشف عن شخصيته ورسالته ومركزه بالنسبة لملكوت الله. ويلاحظ هنا أن كل هذه الألقاب مأخوذة من العهد القديم ومدلولها الأصلي موجود هناك ، ولكن رغم ذلك ففيها عنصر أساسي جديد وضعه فيها السيد نظراً لرسالته الجديدة المجيدة ، وسندرس هذه الألقاب متدرجين من الأسماء التي يلمح إليها أو تذكر قليلا ، إلي تلك التي لأهميتها الكثيرة تتملك الصورة كلها .

      ابن آدم ، ابن إبراهيم :

لقد ظهر ارتباط السيد بهذين الشخصين في الأنساب التي ذكرها لوقا ومتى . فقد أرجع لوقا نسب السيد إلي آدم ماراً بإبراهيم ( لوقا 3 : 23 38 ) ويلوح أن البشير وهو يكتب إلي الأمم أراد أن يبين عمومية السيد وعمومية رسالته فأرجع نسبة إلي آدم ن إنه أصبح لحماً من لجمنا وعظماً من عظمنا فهو الأخ البكر للجميع ، نعم إننا لا نجد هذا اللقب في الأناجيل ، ولكننا نراه بوضوح في قصة التجربة في البرية وخاصة في إنجيل مرقس 1 : 12 و 13 ، حيث يظهر المسيح في البرية منتصراًَ علي التجربة حيث سقط آدم الأول . أما متى البشير فإنه ينبر علي يسوع من إبراهيم لأنه يقف في الأنساب إلي جد إبراهيم. وهو يفعل ذلك نظراً لأنه يكتب إلي اليهود الذين صاروا مسيحيين بل واليهود عامة لكي يظهر أن هذا المسيا هو من هذه الشجرة الطبيعية المقدسة . وهذا ما ظهره الرسول بولس في رسالة غلاطية حيث يبين أن إسرائيل الجديد يرجع إلي إبراهيم أبي المؤمنين أيضاً ، وأن الموعد الذي قبل فيه وفي نسله كان يقصد به المسيح نفسه ، فمجيء المسيح من نسل إبراهيم لكي يتمم وعد النسل المقدس الذي به تتبارك جميع قبائل الأرض ( غلاطية 3 : 15 – 18 أنظر رومية 4 : 9 – 11 ) .

            نبي:

     عندما تنسب الكنيسة الأولي هذا اللقب إلي المسيح في قول بطرس ” فإن موسى قال للآباء نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به ” ( أعمال 3: 22 أنظر 7: 37 )، لابد أنها سمعت قبل هذا المسيح نفسه. وهذا حق لأن السيد كان ينسب إلي نفسه عمل النبي في ملكوت الله. ولقد ذكر ذلك مرقس 6 : 4 ” ليس نبي كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته ” وفي لوقا 13 : 33 ” بل ينبغي أن أسير اليوم وغداً وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجاً عن أورشليم “. وإلي جانب تصريحاته هذه توجد تعاليمه أيضاً، ولعل هذا ما كان يميزه عن سائر الكتبة في هذا المضمار، فإنه يعلم ليس مثلهم ولكن مثل نبي مقتدر في الأفعال والأقوال ( لوقا 24: 19 ) . نعم فهو أعظم من سليمان ومن يونان ( متى 12 : 41 و 42، لوقا 11 : 31 و 32 ) ولم يكن تلاميذه فقط هم الذين اعترفوا بذلك بل كان رد فعل الجماهير أيضاً وخصوصاً عندما كان يقوم بمعجزة عظيمة مثل إقامة ابن أرملة نايين ( لوقا 7 : 12 –17 ، أنظر متى 16 : 4 وما يقابله ) فعمل النبوة يفسر رسالة المسيح . لأنه لابد لملكوت الله من نبي مقتدر،  ولكن هذا العمل لا يمكن أن يغطي كل جوانب رسالته، فهو أعظم من نبي حتى وإن قام بعمل الأنبياء.

      ابن داود :

أيضاً في الأناجيل لقب آخر للمسيح يرتبط بملكوت الله وهو ابن داود وتختلف الأناجيل في عدد مرات إيراد هذا اللقب للمسيح . فهو يرد في إنجيل مرقس 3 مرات مرتين علي لسان بارتيماوس الأعمى ( مرقس 10 :  47 و 49 ) حينما حاول الأعمى أن ينال الشفاء علي يدي المسيح بكونه ابن داود أي المسيا واملك الذي يأتي من نسل داود . أما المرة الثالثة فهي في 12 : 35 حيث يلقي السيد علي الكتبة سؤالا عن موقف المسيح من داود : هل هو ابنه أم ربه ، وكلام السيد مقتبس من مزمور 110 : 1 ولعلنا نجد الجواب علي هذا السؤال الذي عجز اليهود عن الرد عليه ( متى 22 : 46 ) في قصة البشارة للعذراء المذكورة في لوقا 1 : 26 – 38 حيث يقول الملاك للعذراء .

” ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ” . فالمسيح هو ابن داود بحسب الجسد لكي يكون الوارث الشرعي للملك ، كما يقول الرسول بولس عن ابنه ” الذي صار من نسل داود حسب الجسد . . ” . ولكنه في مجده وتمجيده هو ” ابن الله وهو رب داود نفسه ” ( رومية 1 : 4 ) .

ويلاحظ هنا أن إنجيل لوقا يتبع إنجيل مرقس في ذلك ولا يزيد عنه إلا ما ذكر في قصة الميلاد ، أما إنجيل متى فإنه يختلف من عن ذلك فهو يضع تنبيراً خاصاً علي هذا اللقب. فقد أكد علي نسب المسيح من داود توكيداً خاصاً : ” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم ” وذلك لكي يبرهن لليهود أن هو أيضاً المسيا الذي يقول بأعمال الفداء والشفاء ( متى 9 : 27 ) يصرخ الأعميان طالبين الشفاء من ابن داود ويمنح لها . وكذلك المرأة الفينيقية أيضاً تطلب من ابن داود أن يرحم ابنتها ( 15 : 22 ) ولعل الجموع قد فهمت ذلك عندما رأيه يقوم بأعمال عظيمة أمام أعينهم فلم يسعهم إلا أن يقولوا ” ألعل هذا هو ابن داود ” ( 12 : 23 ) فابن داود الذي ينتظره الناس قد جاء أخيراً ، وهو الذي يفدي الناس من براثن العاهات والمرض والأرواح الشريرة . ولهذا فالجموع في أورشليم تقابله بالهتاف القوي أو صنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب ” ( 21 : 9 و 15 ) . ويلاحظ أن متى ينبر علي المسيا ابن داود ولا يذكر شيئاً عن المملكة . . . مملكة داود نفسها التي يذكرها مرقس في نفس الحادثة ، لأن متى يري ابن داود هو نفسه الذي يمثل الملكة وهو الملك فيها . ويلاحظ أيضاً أن متى يذكر لقبين للمسيح هنا الأول هو ابن داود والثاني الآني باسم الرب ، وهو بذلك يعلن أن ابن داود هذا الذي صار من نسله حسب الجسد هو نفسه المسيح الآتي باسم الرب كما يقول بطرس في اعترافه المشهور .

       المسيا :

من أهم الألقاب التي بها المسيح أو المسيا ومع أن متى يذكر هذا اللقب أكثر من الإنجيلين الآخرين ، غلا أننا إذا حذفنا قصة الميلاد فإنه يتضح أن الأناجيل الثلاثة تقريباً تذكر هذا اللقب في أمكنة واحدة . أهمها عند حادثة قيصرية فيلبس واعتراف بطرس ( متى 16 : 16 مرقس 8 : 19 ، لوقا 9 : 20 ) تم أمام رئيس الكهنة عند المحاكمة ( متى 26 : 63 و 68 ، مرقس 14 : 61 ، لوقا 22 : 67 ) .

وإلي جانب هذا فقد يتفق إنجيلان في ذكر موضع آخر.وقد يذكر أحد الأناجيل مواضع لا يشاركه فيها أجد. مثل مرقس 9 : 41 وكذلك متى 23 : 8 و 10 ويشترك متى ومرقس في إيراد اللقب في الخطاب الرؤى ( متى 24 : 5 و 23 ، مرقس 13 : 21 ) . ولكن لوقا لا يفعل . ومع ذلك فإن الموضعين اللذين يتفق فيهما الأناجيل الثلاثة يعتبران أهم المواقف كلها .

ولكننا هنا نلاحظ شيئاً آخر وهو أنه عندما يتقدم بطرس اعترافه ويذكر أن يسوع هو المسيح يتقبل المسيح الاعتراف مع تطويب بطرس ، ولكنه يغير اللقب مباشرة فيتكلم عن ابن الإنسان ونفس العمل قاله في شهادته هو أمام رئيس الكهنة ، فإنه يوافق رئيس الكهنة عندما يستحلفه بأنه يخبرهم أن كان هو المسيح ، ولكنه عندما يكمل شهادته فإنه يتكلم عن ابن الإنسان وليس عن المسيح .

ثم يذكر لبطرس أن مصدر معرفته به ليس بشرياً ولكن الله نفسه قد أعلنه له، بمعني أن الظواهر الخارجية لا تدل بتاتاً أمام الناس علي أنه هو المسيح.

وهناك شيء أخير وهو أن يسوع لم ينسب لنفسه اللقب في أي من المواقف التي ورد فيها اللقب، نعم أنه قبله عندما وصفه الناس به، لكنه لم يفعل كما فعل مع لقب ابن الإنسان مثلا.

فهل هناك سبب لهذا كله ؟ إن الجواب الواضح علي ذلك هو أن هذا المفهوم ” المسيا ” كان اليهود يملئونه لم يقبلها يسوع ولم يرض بها . والمفهوم اليهودي هو أن المسيا هو الذي يتمم نبوة موسى قد نفذ الخروج الأول وأطلق الشعب العبودية وجعلهم أمة ، هكذا سيفعل موسى الثاني وبكيفية أمجد بها لا يقاس سياسياً وروحياً ، فالمسيا فينظر اليهودية شخصية سياسية ينصب عمله الأساسي علي خلاص اليهود السياسي والروحي من الأمم تماماً كما فعل موسى الأول .

أما يسوع فقد ملأ هذا المفهوم بمعني آخر نفهمه في رده علي بطرس في قيصرية فيلبس، وعلي رئيس الكهنة أثناء المحاكمة. فعند اعتراف بطرس ربط السيد هذا المفهوم بالألم والموت وعند رده على رئيس الكهنة ربطه بالمجيء في مجد على سحاب السماء ن أي ليس لليهود بل للكون كله. وهكذا يختلف مفهوم المسيح اختلافاً بل ومتناقصاً عن مفهوم اليهود . انه المسيح الفادي الذي جاء للعالم كله ، وهذا ما لا يقبله اليهود بتاتاً . ولهذا كان حذراً في إطلاق هذا اللقب على نفسه .

         ابن الله :

يعتقد كثير من الناس أن لقب ابن الله يمثل الجانب الإلهي عند يسوع المسيح ، أما عندما يلقب ” بابن الإنسان ” فإنه يقصد بذلك الجانب الإنساني . قد يكون في هذا بعض الحق . ولكنه لا يمثل الحقيقة كاملة ، ففي الأناجيل وخصوصاً في إنجيل يوحنا الذي يذكر اللقب ” ابن الله ” أكثر من أي إنجيل آخر تظهر إنسانية يسوع بشكل ملحوظ وواضح (يوحنا 11 : 25 – 27 مع 4 : 6 ) بينما نجد أن ابن الإنسان يمثل المجد والعظمة والجلال في كثير من الأحيان ( مرقس 14 : 66 ) . إن التفسير الصحيح للألقاب هو أن كل لقب من ألقاب السيد يمثل جانياً وهاماً في رسالته وعمله كمخلص العالم، ومعلن لملكوت الله بين الناس ، وقد يظهر في كل لقب جانبان : التواضع والمجد ، ولا يخفي أي جانب من الاثنين الجانب الآخر ، ولا يمكن أن يكون أحد الألقاب ممثلا لجانب واحد سواء أكان التواضع أو المجد – فقط ، بل لابد أن يظهر الاثنان معاً . وهكذا يظهر في هذا اللقب ابن الله . ظهر هذا اللقب في الأناجيل الثلاثة الأولي حوالي 24 مرة تصرخاً وتلميحاً . ولكن قبل أن ندرس بعضاً منها يجب أن نجيب على سؤال أولي وهو: من أين استقي العهد الجديالوثنية.ب ؟ هناك جماعة من العلماء تقول إن هذا اللقب – بعكس لقب المسيح – كان منتشراً في الأوساط الوثنية . فمثلا كان فرعون مصر يلقب بابن الآهلة ، وهكذا كانت أمم أخري تعتبر ملوكها وحكامها أبناء للآلهة . إلي جانب ذلك كان هناك شخصيات أخري أطلقوا عليها لقب أبناء للآلهة أو ” ابن الله ” . وكان الناس يلقبونهم بهذا اللقب . وقد امتلأ العالم الوثني بهؤلاء . يقول هؤلاء العلماء إن العهد الجديد اقتبس هذا اللقب من الوثنيين وأطلقه على أن هناك جماعة أخري تعتقد أن هذا اللقب مقتبس من العهد القديم نفسه ففيه سمي الشعب كله ابن الله ، وهذا ما قاله الرب نفسه لموسى ، ” تقول لفرعون هكذا يقول الرب . إسرائيل البكر ، فقلت لك أطلق ابني ليعبدني فأبيت أن أقتل ابنك البكر ” ( خروج 4 : 22 ، 23 ) . ويقول هوشع ” لما كان إسرائيل غلاماُ أجبته ومن مصر دعوت ابني ” ( هوشع 11 : 1 ) . ثم أطلق هذا اللقب أيضاً علي فقد جاء ناثان إلي الملك داود وأخيره بقضاء الرب وقال عن ابنه الذي يرث الملك ” أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابناً ” ( 2 صموئيل 7 : 14 ) . وقد اعتقدت اليهودية بأن الأمة هي ابن الله . ولكن هناك فرق واضح بين الاعتقاد الوثني وعقيدة الكتاب المقدس ، فبينها يظن الوثنيون أن ملوكهم أو الأفراد الذين يطلقون علي أنفسهم “أبناء الله ” هم كذلك لشيء خاص فيهم يميزهم عن بقية الناس فإن الكتاب المقدس يعلن أن هذا اللقب أعطي فضلا ونعمة من الله لجماعة لا تتميز عن الباقين وهذا ما ينادي به هوشع ، وما قاله الرب علي فم موسى ” ليس من كونكم أكثر من سائر الشعور التصق الرب بكم واختاركم ؛ لأنكم أقل من سائر الشعوب ، بل من محبة الرب إياكم وحفظة القسم الذي أقسم لآبائكم . . ” ( تثنية 7 : 7 و 8 ) ولكن الرب لم يخترهم هم أو ملوكهم عبثاً ، بل للقيام برسالة محددة . إنه قربهم إليه أكثر من الجميع ودعاهم أبناء له ثم أرسلهم برسالة إلي الجميع.

هذا هو المعني الذي نجده في العالم الوثني وفي العهد القديم وما ابعد الشقة بين الاثنين. وهنا نتساءل . هل هناك صلة بين أحد المفهومين السابقين وبين ما يذكره العهد الجديد، وبالأخص الأناجيل الثلامعانيه، عن هذا المفهوم ؟ إن الرأي الصحيح هو أن العهد الجديد يسير في نفس النمط الذي سار فيه العهد القديم ويأخذ بعض معانيه، ولكنه في نفس الوقت يضع عمقاً جديداً وبعداً جديداً في ذلك المفهوم لم يعرفه العهد القديم.

وفي الإصحاحات الأولي من إنجيل متى نجد برهاناً واضحاً علي ذلك. فهذا الإنجيل يقتبس قول هوشع السالف الذكر ” من مصر دعوت ابني “ويذكر أن بقاء الصبي وخروجه منها يتمم تلك النبوة إتماماً صحيحاً كاملا ، وحيث أن النبي القديم كان يذكر هذه العبارة في معرض حديث الرب عن مع إسرائيل ، فيتضح لنا أن البشير قصد أن يعلن بالروح القدس أن هذا الصبي قد تمم الهدف والغرض من إقامة ذلك الشعب ليس فقط لأن هذا الشعب قد فشل في هذا الهدف والرسالة ، لكن لأنه أصلا كان يشير إلي مجيء هذا الصبي العظيم ، فسواء فشل أو نجح الشعب في رسالته فإنه كان يشير إلي الكامل الذي سوف يأتي ويتمم رسالته .

وبهذه الكيفية نستطيع أن نفسر قصة تجربة المخلص في البرية. فإنه قضي وهكذا نجح وانتصر أربعين يوماً وليله يجرب من إبليس، ولكنه انتصر عليه. وهكذا نجح وانتصر حيث فشل الشعب في البرية فتاه فيها، إنه كابن الله قد انتصر حيث فشل إسرائيل القديم ابن الله وسقط منهم كثيرون في القفر. فالابن الحقيقي قد أتم هدف ذلك الشعب ونجح حيث فشل وسار في الأرض يصنع خيراً ويشفي المتسلط عليهم إبليس . .  علي أن هذا اللقب عندما أسند إلي السيد في العهد الجديد كان يعني عمقاً بعد ذلك. ولكن هذا العمق لا يأتي – كما سبق وأوضحنا – من الطبيعة الأزلية للابن الأزلي فهذا الأمر لم تتعرض له الأناجيل الثلاثة الأولي بل والعهد الجديد كله تقريباً ، بل يأتي من طبيعة الصلة بين السيد ، الذي تجسد وصار جسداً وصار مثلنا ، وبين الآب السماوي .

هذه الصلة في الأمكنة التي تكلم فيها يسوع عن نفسه كابن أو عندما لقبه الغير بهذا اللقب وقبله هو.

ثم هناك أمر واضح وعجيب نراه في الأناجيل الثلاثة الأول وهو أن كل الذين أطلقوا على السيد هذا اللقب عرفوه بطريقة الطبيعة، أي أن معرفتهم لهذا اللقب لم تكن معرفة بشرية يستطيع الإنسان أن يستنتجها، ولكنها معرفة جاءت من السماء. فمثلا عندما اعترف بطرس بالمسيح انه ابن لله قال السيد له ” إن لحماً ودماً لم يعلنا لك (متى 16: 16 ). أي أنها معرفة ليست بشرية، وهكذا اعترف الشيطان أنه ابن الله ( متى 4: 3 ) وكذلك الأرواح النجسة.

وقد أعلن الآب نفسه أولا لأن يسوع هو ابن الله وقت المعمودية ( متى 3 : 17 ) ووقت التجلي (متى 17: 5 ). هذا إلي جانب إعلانه هو عن نفسه أنه الابن بكيفية مطلقة ( متى 11: 27 – 30 ). وهذا يدل على أن هذا اللقب ، بخلاف الألقاب الأخرى ، له دلالة خاصة في حياة المسيح الأرضية وعلاقته بالآب . فهل نستطيع تحديد هذه الصلة التي بين الآب والابن والتي يعلنها هذا اللقب ؟ نعم : فحيثما ذكرت بنوية السيد لله سواء تكلم بها عن نفسه أو نسها إليه الغير فإنها كانت تعني أمرين : الخضوع والإعلان .

أما من ناجية الخضوع فإننا نجد ذلك واضحاً في قصة المعمودية فقد جاءه الصوت من السماء ” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ” ( متى 3 : 17 وما يقابله ) المهم هنا في هذا الاقتباس هو أنه أخذ من مكانين مختلفين من العهد القديم (مزمور 2 : 27 ، إشعياء 42 : 1 ) ويجمع الصوت السماوي بهذا الاقتباس المزدوج المصدر بين مفهومين هامين : الابن والعبد ، وكأنما ربط بين المفهومين ليحدد رسالة المسيح ، فحيث أنه ابن فهو العبد أيضاً ، فالبنوية ليست بنوية المجد الظاهر والتسامي والجلال المضيء ولكنها بنوية الخدمة والطاعة ، وأنها طاعة عبد الرب يتمم مشيئة الله .

هذا هو المفهوم الذي ساد حياة السيد . فعندما واجهة المجرب في البرية قال له ” إن كنت ابن الله “. وهذه العبارة لا تفيد التشكك في بنوية يسوع الإلهية لأن التركيب اللغوي للعبارة يفيد بأن  الشيطان يعرف غاية المعرفة أن يسوع هو أبن الله ، وعلى الذي يحيط بها في إشباع رغبة الجسد ، أو التسلط على العالم كله . لكن يسوع رد على المجرب معلناً أن هذه البنوية لا تعني استخدام القوة للغرض الشخصي ، ولكنها تظهر في الخضوع للآب ولعمل مرضاته ، ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد ،  ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله ” ( متى 4: 4 و 10 ). وهنا نجح يسوع الابن حيث فشل آدم إسرائيل لأنهم لم يعرفوا ما معني البنوية لله . ولهذا ما يؤيده الرسول بولس بقوله ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله لكنه نفسه آخذاً صورة عبد . . . ” ” ( فيلبي 4 : 6 – 11 ) .

هذا الخضوع يظهر أيضاً في اعتراف بطرس كما أورده البشير متى إذ قال ” أنت هو المسيح بن الله الحي ” ( متى 16 : 16 ) في هذا الموقف يعلن السيد أن بنووية هي بنوية الخدمة والطاعة  والألم . ولما أنكر بطرس هذا الأمر نهر السيد بشدة قائلا له ” اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس : ( 16 : 23 ) وأنه الابن يرسله صاحب الكرم ولكن الكرامين الأردياء يقيلونه ( مرقس 12 : 1 –9 ) فالبنوية تعني الخضوع والطاعة لله .

ولكنها تعني ثانياً المعرفة العظمي بالآب وإعلانه للناس . ونجد ذلك واضحا في متى 11 : 27 ” كل شيء قد دفع إلي من أبي وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن يعلن له ” . وأن  معرفة الآب ليست متاحة إلا للابن وهذا الابن هو الذي يوصلها إلي الناس ويعلنها لهم . لهذا الأمر يتضح أكثر من إنجيل يوحنا حيث يتكلم عن معرفة الله عن طريق الابن ، العميقة بدرجة لا بعرفها بشري عن الآب السماوي .

 ولان بنوية السيد تمتاز عن بنوية المؤمنين فإنه لم ينطق أبداً في مخاطبته للتلاميذ أو لأية جماعة بالقول ” أبانا ” إنه لم ينطق بها سوي مرة واحدة في الصلاة الربانية ( متى  6 : 9 ) ولكنها لم تكن إلا أنموذجاً وضعه للتلاميذ عندما علمهم يصلون . ” فمتى صليتم فقولوا أبانا الذي في السموات ”  فهو لم يضم نفسه معهم . ودائماً يقول  السيد أباكم السماوي ، ( متى 6 : 26 و 32 ،7 12  ،10 : 20 ) وعن نفسه ” أبي ” أو الآب ” ( 11 : 25 ، يوحنا 10 : 18 . . الخ ). هذا يعلن أن صلة البنوية عند المسيح أعظم بما لا يقاس من صلة المؤمن بالله ، فهذه الخيرة كما يقول يوحنا بكل وضوح ، تجئ من بنوية المسيح نفسه ” أعطاهم سلطانا ً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه ” ( يوحنا 1 :12 )

        ابن الإنسان :

هذا اللقب هو الذي هو الذي اختاره السيد لكي علي نفسه ، ويجئ في الأناجيل الثلاثة الأولي وحدها حوالي 69 مرة . هذا الاسم لم يطلقه إنسان علي يسوع ، فلم يذكر التلاميذ في موقف ما أنه هو ابن الإنسان . ولم يذكروا على أحد ناداه دعاه بهذا الاسم ، لكنه كان وحده الذي يذكره عن نفسه علي خلاف كثير من الألقاب الأخرى مثل ابن داود أو المسيح .

ولكي نفهم ما كان يعنيه السيد بهذا اللقب يجب أن نرجع غلي العهد القديم واليهودية لقد جاء هذا الاسم في حزقيال بمعناه العبري ابن آدم ولم يكن يعني أكثر من أن هذا الشخص الذي يكلمه الملاك هو إنسان وواحدة من الناس حزقيال .

ويقابل هذه الكلمة العبرية كلمه أرامية تترجم بمعني إنسان أو ابن الإنسان وقد وردت في دانيال 7 : 13 و 14 . أما الاصطلاح بمعناه الآخر فقد ورد في دانيال 7 : 13 – هناك يري الرائي بشبه أبن إنسان يقربونه إلي القديم الأيام ثم يعطي ملكاً وسلطاناً وفي عدد 15 يذكر أن ابن الإنسان هذا هو شعب قديسي العلي الذي أعطي السلطان والمملكة ، وقد

جاء ابن  الإنسان هذا في مقابل ممالك الأرض شبه ممثلوها بالحيوانات ومن هذا نستخلص أن هو ابن هو شخصية ولكنه يمثل قديسي العلي .

أما في اليهودية فهو يظهر في الكتاب المسمي عرزا الرابع العلي القدير سيحفظه عنده مدة طويلة ليخلص الخليفة بواسطته .

ثم يظهر مرة أخرى في الكتاب الذي يسمي أخنوخ ( النسخة الأثيوبية ) أي من ص 37 – 71 ، وتعتبر الإصحاحات 46 و 48 و 49 و 52 و 62 و 69 و 71 من أهم الأجزاء التي تتكلم عنه .وفيه يظهر ابن الإنسان شخصاً ممجداً ذكر اسمه أمام القديم الأيام من قبل الخليقة . ولكنه سوف يظل مخفي حتى النهاية حين يعلن ديانا وحاكماً على كل العالم.

هذه لمحة بسيطة من تاريخ الاصطلاح في مقابلها نستطيع أن تدرس ما كان يعنيه السيد عندما تبني هذا اللقب وأطلقه علي نفسه .

يظن بعض الدارسين أن يسوع في بعض المرات التي تلكم فيها عن ابن الإنسان لم يكن يقصد نفسه بل كان يقصد الإنسان عموماً ، مثال ذلك ما ذكره عن علاقة الإنسان بالسبت في مرقس 2 : 27 فيقول ” إن السبت خلف للإنسان لا الإنسان للسبت ، إذن ابن إنسان هو رب السبت أيضاً ” ويظنون أن الأصل الآرامي لا يفرق بين الإنسان وابن الإنسان فالاثنان ترجمة الكلمة الآرامية بار ناشا ، ولكن تفسير وصية السبت بكيفية جديدة شيء يستطيعه أي إنسان . إن الذي يعمل ذلك هو رب السبت أو ابن الإنسان . وقد أعطي السيد نفس التفسير  في ( يوحنا 5 : 17 ) ”  ” أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل ” إن شفاءه للإنسان في يوم السبت لازم لان الآب يعمل حتى الآن

 وهو يحب أن يعمل الخير للناس في السبت. . تماماً كما يفعل الآب .

لكن السؤال الذي يواجهنا هنا هو : هل كان اللقب على فم يسوع يعني الجماعة فرداً واحداً ؟ ابن الإنسان كرجل واحد ؟ الحقيقة التي نستشفها من أقوال السيد هي أنه كان يقصد الاثنين معاً ، فلا يمكن أن ينكر دارس أن دانيال 7 : 13 – 14 و 27 و 28 ) تحوي المعنيين معاً ، فابن الإنسان هو لقب تمثيلي ، أي أن من يحمله  هو شخص يمثل مجتمع قديسي العلي ، وعندما كان يذكر كان يعني أحياناً هذا المثل بعينه ومرة أخرى المثل يمثلهم.

وإذا كان السيد يستخدم نفس الاصطلاح فهو يعني هذه الحقيقة المتكاملة فالذين له يشاركونه الملكوت  كما يقول لهم ” لا تخف أيها القطيع لأن أباكم سر أن يعطيكم الملكوت ” ( لوقا 12 : 32 ) ويقول ” وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوت لتأكلوا وتشربوا علي مائدتي في ملكوتي ( لوقا 22 : 29 ) ، وأنهم سوف يشاركونه في الألم ” من أراد أن يأتي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني ” ( مرقس 8 – 34 . أنظر لوقا 14 : 27 ، متى 10 : 38 ) . وهكذا يظهر أن الذين هم له يشاركونه آلامه ومجده. ويعتقد بعض الدارسين أن قول السيد عن السبت ”  إذن ابن الإنسان هو رب السبت  أيضاً ” ( مرقس 2 : 27 ) يقصد به شعب قديسي  العلي الذي لأجله خلق السبت ، فهو سيد هذا السبت لا عبد له ، أي أن ابن الإنسان هنا له معني جماعي وليس فقط فردي . ولعل هذه الحقيقة هي التي جعلت الرسول بولس يتكلم عن الجسد والرأس ، والبكر والأخوة . . وهذا ما يدل علي الحقيقة الجماعية للمسيح وشعبه.

 ولكن هذا لا يعني أن السيد اقتصر علي هذا المعني فقط فعندما قال للكاتب الذي طلب أن يتبعه ” للثعالب أو جرة ولطيور السماء أو كار أما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه ” ( متى 8 : 20 ) ، ولليهود ” ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطان على الأرض أن يغفر والخطايا ” مرقس 2 : 10 ) وللتلاميذ ” أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة ويقيل والكتبة وبعد ثلاثة أيام يقوم ” ( مرقس 8 : 31 ) فإنه بذلك يعطي هذا اللقب لنفسه كفرد . ولعل يوحنا البشير يوضح هذه الحقيقة عندما يضع كلمة ” أنا ” كتفسير لابن الإنسان في قوله ” فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو. . ” ( يوحنا 8: 28 ).

ابن الإنسان إذن ، في كلام السيد ، بقصد به نفسه ، ولكن كممثل لشعب قديسي العلي الذين هم البقية المقدسة.

وهناك أمر آخر يثير التساؤل في تعليم السيد عن ابن الإنسان وهو : لماذا يتكلالإنسان.إنسان في صيغة  الغائب كأنه يفصل بين نفسه وبين ابن الإنسان ويظهر هذا الفصل أيضاً في قوله ” وأقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس يعترف الله ( لوقا 12 : 9 و 10 ) ، فهل هما شخصان منفصلان ؟ فكيف نقول عنه إنه هو ابن الإنسان ؟ وقد ظن بعض العلماء أن يسوع يتكلم عن شخص آخر غير نفسه، عندما يتكلم عن ابن الإنسان. ولكن هذا القول مردود لسببين هامين ؛ الأول هو أن متى في نفس المناسبة يستعمل الكلمة ” أنا ” فلا يفصل بين من ينكره الناس ومن ينكر هؤلاء الناكرين ( متى 10 : 32 ) ، فكأن متى عرف أن ابن الإنسان هذا هو بعينه يسوع الذي يتكلم ويقول ” أنا ” : أما السبب الثاني فهو أنه لو قصد يسوع يفرق بين “

 أنا ” وبين ابن الإنسان ، لكان بذلك يجعل من نفسه الشخص الذين يأتي قدام وجه المسيا ليهيئ الطريق قدامه ، وهذا أمر مستبعد جداً لأن يسوع ذكر عن يوحنا أنه هو ذلك الشخص الذي يتقدم قدام وجهه ( متى 11 : 2 – 15، 17 : 12 و 13 ) : أما أنه يتكلم عن ابن الإنسان في شخص الغائب . فهو يفعل ذلك في المواقف التي يقارن فيها بين عمله في المستقبل . أي ما بين عمله في وقت تواضعه عندما تخلي عن مجده ، وبين ما عمله عندما يأتي في مجده مع ملائكة أبيه كما سنري فيما بعد . فهو لا يتكلم عن شخصيتين مختلفتين ولكن عن شخص واحد في موقفين متنوعين ، وفي عملين مختلفين ، أحدهما عندما يكون فادياً والثاني عندما يكون دياناً ، وهذا ما سندرسه الآن .

إذن ما هو مركز ودور ابن الإنسان ؟ وأي عمل له في ملكوتالأخير.نقسم غالبية المرات التي نطق بها السيد بهذا اللقب إليالأخير.ئيسيين: القسم الأول هو عمله الأخير على الأرض أما القسم الثاني فهو عمله عند مجيئه في اليوم الأخير.

أما من جهة عمله الحالي ، فلعل أهم المرات التي يعلن فيها ذلك هي التي يربط فيها عمله الإنسان بعمله كعبد الرب المتألم الفادي فمثلا ” أن ابن الإنسان لم يأت ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين “

 ( مرقس 10 : 45 ) لا الخدمة فقط بل الموت والألم أيضاً ” إن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً وبرفض من الشيوخ ورؤساء الكتبة ويقتل ” ( مرقس 8 : 31 ) ولعل هذا العمل ، أي عمله تعبد الرب هو الذي جعله يقول ” إن لابن الإنسان سلطاناً علي الأرض أن يغفر الخطايا ” ( مرقش 32 : 10 ) . لأن السلطان الذي له لم يكن ممنوحاً له فقط ، بل لأنه قام بالعمل العظيم الفدائي عمل عبد الرب . إذن فعمل ابن الحالي هو التواضع والألم

 والحياة التي تخلص الآخرين من خلال آلامه وهذا شيء غريب علي الأذن اليهودية. إن ابن الإنسان الذي تعرفه اليهودية هو الملك الذي له السلطان لا ينتهي وملك يدوم، أما ابن الإنسان التواضع الذي أخلي نفسه فهذا شيء جديد عليها لم تكن تعرفه، أما يسوع فقد ربطه بين عمل عبد الرب وابن الإنسان. أما عمله في المستقبل فهو عمل عبد الرب الإنسان .

أما عمله في المستقبل فهو عمل المجد ، وأيامه في المستقبل تدعي أيام ابن الإنسان ( لوقا 17 : 22 ) . وقد وصف مجيئه في خطابه الرؤى (متى 24 : 27 و 37 – 39 ) حينما يأتي بمجد أبيه مع الملائكة القديسين ، ( مرقس 8 : 38 ) . ولنلاحظ هنا أمراً مهماً وهو أن يسوع عندما يتكلم عن ظهوره في المستقيل لا يقسم مجيئه إلي قسمين ولا يذكر بتاتاً في الأناجيل انه سيأتي مرة ثانية ، ويظهر ذلك في اعترافه العظيم أمام السنهدريم ” وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء ” ( مرقس 14 : 62 ) إنه يذكر مظهرين في عمله : مظهر التواضع والألم ، ومظهر المجد ولكنه عمل واحد . إنه عمل مترابط فمجيئه علي الأرض : ورسالته وموته لا يطلق عليها مجيئه الأول مع أنه في هذا المجيء ما كان ينتظره العهد القديم من إعلان ملكوت الله ، الله ، ولم يتلكم في أي من أحاديثه وتعاليمه عن مجيء ثان ولكنه يقول عنه ” مجيء ابن الإنسان ” فقط . ولهذا يعلن أن عمله كامل متكامل ، فليس هنا مجيئان أول ولكنه ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلي مجده ” ( لوقا 24 : 25 ) .

أما عمله في مجيئه فهو الدينونة ، وقد وصف بنفسه ذلك المنظر العظيم منظر الدينونة في متى 25 : 31 – 46 . حينما تفصل الجداء ويضعها عن اليسار والخراف ويضعها عن اليمين . ومع أن العهد الجديد يعلم أن الدينونة هي عمل الله ، ولكنه في نفس الوقت يعلن أن الآب قد أعطي كل الدينونة

 للابن ، حتى الرسول بولس نفسه يعلن ذلك . فبينما يدين الله سرائر الناس ، لكننا جميعاً سنظهر أمام كرسي المسيح ( كورنثوس 5 : 10 ) . 

وهنا نلاحظ أن السيد قد أدخل عنصراً جديداً في الدينونة ، فالديان ليس شخصاً محايداً موضوعياً لم يكن له عمل سوي الدينونة ، ولكنه هو بنفسه الفادي . فذلك الذي سوف يظهر ليدين في أيام ابن الإنسان هو بنفسه الذي ظهر ليتألم وليفدي الناس من خطاياهم . وعلى هذا الأساس فإن أساس الدينونة يتوقف على موقف الناس منه ، وفي ظهوره المتواضع ومن عمله كعبد الرب ” لأن من استحي بي وبكلامي في هذا الجيل الفسق الخاطئ فإن ابن الإنسان يستحي بي وبكلامي في هذا الجبل الفاسق الخاطئ فإن ابن الإنسان يستحي به جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين ” ( مرقس 8 : 38 ) أو كما يورده البشير متى ” فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضاً به قدام أبي الذي في السموات ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضاً بل أنه عنصراً آخر في هذه الدينونة وهو موقف الناس من إخوته الأصاغر ( متى 25 : 31 – 46 ) .فمن فعل الخير بأحد أخوة المسيح الأصاغر فبه فعل ، ومن لم يفعل فإنه قد رفضه هو ، لكن ليس هذا عنصراً جديداً ولكنه التفسير الذي يضعه السيد في اللقب ابن الإنسان : أنه يشمله هو مع شعب قديسي العلي الذين يسميهم الأخوة الأصاغر .  

وهكذا نري أن لقب ابن الإنسان يشابه لقب ابن داود في أن له وجهين : فكما أن تواضعه يدعي ابن داود وفي مجده بعد القيامة يدعي رب داود ، هكذا ابن الإنسان له وجهتان التواضع والآلام في الوقت الحاضر والمجد والدينونة في المتقبل .

       عبد الرب :

نأتي الآن إلي هذا اللقب الذي يتميز بأمرين مهينين:

الأول هو أن السيد لم يذكره جهاراً ولم يقل عن نفسه أنه عبد الرب لكنه مع ذلك أعلن أنه يتمم رسالة ذلك العبد في الألم والموت الفدائي ، كما يظهر في نبوات إشعياء في الجزء من الكتاب .

أما الأمر الثاني فإن رسالة العبد يربطها المخلص بكل لقب عليه، فإذا قيل له أنت المسيح أو ابن الله فإنه يذكر أنه سوف يتألم ويقتل ( متى 16: 16 و 21 ). وإذا تلكم هو عن نفسه كابن الإنسان فإنما يتلكم عن آلامه وموته ( مرقس 8 : 31 )، فرسالة عبد الرب تتخلل أحاديث السيد وعمله خاصة بعد اعتراف قيصرية فيلبس عندما اعتراف به بطرس . أما قبل ذلك فلم يحدث أن تكلم عنه ولعل السيد عرف أن الكلام صعب على الإفهام ومستحيل في قبوله، ولذلك أرجاً الحديث عن هذه الرسالة إلي ذلك الوقت المحدد.

ولكن الارتباط الحقيقي هو الذي يظهر بين اللقبين ابن الإنسان وعبد الرب ، والسبب في ذلك إنهما اللقبان اللذان استخدمها السيد في وصف رسالته نفسه ، وبلوح أن هناك ارتباطاً في التشابه بين رسالة الشخصين في العهد القديم نفسه ، فكما أن عبد الرب هو شخص ممثل لمجموعة ومجتمع ( إشيعاء 49 : 5 – 13 ، 50 :4 – 9 ، 52 : 13 – 53 : 12 ( هكذا ابن الإنسان هو ممثل شعب قديسي العلي كما جاء في دانيال 7 .  

ولكن رغم فلم يحدث في اليهودية أن ارتبطت رسالة الشخصين معاً لأن اليهود كانوا ينتظرون ابن الإنسان الممجد الآتي من السماء لا أن يتمم رسالة عبد الرب المتألم المتواضع . هذا الإعلان الجديد الذي أعلنه السيد ولم يستطع حتى التلاميذ ، أن يقبلوه ( متى 16 : 22 وما يقابله ) ولم يفهموه إلا بعد أن قام من بين الأموات ( متى 17 : 9 ) ولكن مع ارتباط ابن الإنسان وعبد الرب في تعليم السيد ورسالته إلا أنه كان يستعمل لقب ابن الإنسان أكثر كثيراً من لقب عبد الرب ، والسبب في ذلك هو أن ابن الإنسان يغطي منطقة واسعة في رسالة السيد أوسع كثيراً من رسالة عبد الرب . فبينها يقتصر لقب عبد الرب علي تواضع المسيح وآلامه يمتد لقب ابن الإنسان ليشمل رسالة التواضع والمجد في الفداء .

 هذا هو عمل السيد في ملكوت الله .

نبذة عن الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.