تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » نمو العهد الجديد

نمو العهد الجديد

الكاتب

الدكتور القس فهيم عزيز 

العميد الأسبق لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة 

 

يسوع والعهد الجديد:

لا يختلف اثنان في أي أن يسوع المسيح هو المركز الأساسي  للعهد الجديد ، فحوله تدور كل الكتابات من أناجيل وتاريخ ووسائل وكتب أخري . ومع ذلك يجب أن نقرر أن يسوع نفسه لم يترك شيئا مكتوبا. ولم يعثر إنسان ما علي أية وثيقة أو وسيلة تكشف عن أن أية كتابات قام بها . لقد كان يعلم ويودع تعاليمه مجموعة من التلاميذ، أهلهم بكافة الطرق لحمل رسالته إلي العالم، اهتم بهم وركز كل مجهوده في تكوينهم. وبهذا يتضح أن اهتمام يسوع الأول لم يكن الكتاب ولكن الرسول، لم تكن الوثيقة بل الإنسان.

     هذا الأمر يختلف عما يقوله الإسلام من أن الإنجيل نزل علي يسوع أو ” عيسي ” بلغة القرآن. فالمسئول الأول عن كتابة هذا الكتاب الذي يسميه العهد الجديد ليس يسوع بل المسيحيين ، سواء من الجيل الأول أو من الجيل الثاني من التلاميذ ( لوفا 1 : 2 عب 2 : 3 و 4 ، 1 يو 1 : 1-4 ) . وهذا الكتاب ليس كتابا أزليا كان محفوظا في اللوح المحفوظ، ولكنه كتاب نشا في وسط الكنيسة وبواسطتها ومن اجلها. نعم إنه كتاب هيمن الروح القدس علي كل ما كتب فيه، ولكنه في نفس الوقت كتب بواسطة أناس الله الذين شاهدوا وشهدوا المسيح.  

     ويقر التاريخ الكنسي أن هذا الكتاب لم يكتب كله دفعة واحدة ولكنه  كتب في حقبة طويلة نسبياً بواسطة أناس متعددي المواهب والتفكير والثقافة، ومن يرغب في دراسته فعليه أن يدرس أولا كيف تطورت الأمور من بدء قيامة المسيح وصعوده إلى وقت الذي فيه كتب هذا الكتاب المقدس – العهد الجديد. هذه الدراسة سوف تقدم هنا في مواضيع ثلاثة: الحقيقة – الشهود – الشهادة.  

1-الحقيقة:

(أ) تعتبر العبارة الواردة في 2 بطرس 1 : 6 1 ” لأننا لم نتبع خرافات مصنعة ” من اجل الحقائق التي تعلن في الكتاب المقدس ، إذ يظهر فيها أن المسيحية لم تبن علي أساطير أو مبادئ فلسفية ، ولكنها بنيت وقامت علي حقائق واقعة وحوادث جرت فعلا في التاريخ ، ولعل الحقيقة التاريخية الأساسية التي بنيت عليها هي حقيقة الإنجيل . فما هو المقصود بالإنجيل ؟ لقد ارتبط هذا الاسم ” الإنجيل ” كتاب أي أنه اسم الكتاب الذي يذكر قصة مجيء وحياة وأعمال وموت وقيامة يسوع المسيح ، فحينما يذكر اسم الإنجيل يتجه التفكير  مباشرة ، أما إلي أحد الكتب الأربعة : متى ، مرقس ، لوفا ، يوحنا ، أو إلي الكتاب الذي يسميه العهد الجديد  . لكن هذا المعني ظهر في عصر متأخر عن العصر الذي كتب فيه العهد الجديد ، أي منذ أن قال جاستن مارتر ” لأن الرسل في ذكرياتهم التي كتبوها التي تسمي الأناجيل سلمونا ما تسلموه هم أنفسهم ” ولكن هذا المعني لم يرد في كتاب العهد الجديد نفسه ، فهناك يتضح أن الإنجيل لا يعني كتاب بل معني عمل . فمفتاح معني الإنجيل ليس الكلمة المكتوبة ولكنه العمل الإلهي الذي قام به الله رومية (1 : 16 و 17) . لقد ورد هذا الاسم في الإنجيل متى 4 مرات ، وفي نفس مرقس 8 مرات ، وفي كتابات الرسول بولس 60 مرة ، ولكنه لا يظهر في إنجيل يوحنا ورسالة العبرانيين ويعقوب ولا حتى في إنجيل لوقا . ومع إن الكلمة في ذاتها تعني لغوياً أخبارا سارة لكن استعمالاتها الكثيرة ثم “لعهد الجديد تعطينا معني أعمق من مجرد الأخبار، لأنه إن كان الإنجيل أخيرا فعن أي شيء ؟ وفي الحقيقة فإن كلمة إنجيل تعني كلا الأمرين الكلمة: أي ” كلمة الخير ” ثم ” المخبر به ” فما هو هذا الشيء المخبر به ؟ في ( 1 تيموثاوس 1 :11 ) نجد مضمون الإنجيل واضحا في القول ” حسب إنجيل مجد الله المبارك ” فمضمون الإنجيل الذي يحدده ويعرفه الكاتب هو ” مجد الله المبارك ” ويظهر ذلك بوضوح في قول الرسول بولس في 2 كورنثوس 43 : 3 -6 ” ولكن إن كان إنجيلنا مكتوبا فإنما هو مكتوم في الهالكين ، الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمي أذهان غير المؤمنين لئلا تضئ لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو ” صورة الله فإننا لسنا نكرز بأنفسنا بل المسيح يسوع ربا ولكن بأنفسنا عبيدا لكم من اجل يسوع . لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجعه يسوع المسيح “. في هذه الأعداد يذكر الرسول أن الإنجيل هو إعلان مجد يسوع المسيح الذي هو صورة الله ومجده. ولعل ما يقوله البشر مرقس عن يوحنا المعمدان علي انه ” صوت صارخ في البرية اعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة ” ( مرقس 1 : 3 ) ، والذي اقتبسه من ( ملاحي 3 : 1 ، إشعياء 40 :3 ) يشير إلي هذه الحقيقة في بقية الاقتباس ” ……… كل وطاء يرتفع وكل جيل وأكمة ينخفض ويصير المعوج مستقيما والعراقيب سهلا فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعا لان فم الرب تكلم ( إشعياء 40 : 4 و 5 ) .

فالإنجيل إذن معناه مجد الرب، فما هو معني مجد الرب ؟  

في العهد القديم نجد معان متنوعة لهذه الكلمة ” مجد ”  . فقد تعني غني وثروة ( تكوين 13 : 2 ، 31 : 1 ، 45 : 13 ، 1 ملوك 3 : 13 ) .

ولكن الكلمة تأتي أيضا في معني ديني أي ما يجعله الله غير المنظور معلنا وظاهرا لناس مثل الظواهر الطبيعية ( مزمور 29: 1 -3، 97: 1 -6 ). وقد ظهر هذا في جيل سيناء ( خروجا 24: 15 – 18 )، فمجد الله معناه الجلال والسمو المتعالي. ولكنه الجلال المعلن الذي يراه الناس ويشهدونه ويلمسونه ، فهم يشاهدونه في خيمة الاجتماع ( خروج 40 : 34 ) ، وفي التابوت ( 1 صموئيل 4 : 21 و22 ) والهيكل ( مزمور 24 : 7 -10 ) وكذلك في بعض الحوادث كما حدث في إخراج إسرائيل من مصر ( خروج 23 : 12-23 ) . وفي إرجاعهم من السبي ( إشعياء 40 : 5 ) , فمجد الله في العهد القديم إذن ليس هو جلال جوهره وعظمة ذاته ، ولكن هذا المجد يظهر في إعلانه الحي لنفسه في بعض الحوادث العظيمة .

ولكن العهد القديم ينظر غلي مجد الله علي انه سيعلن في أبهي طريقة في المستقبل ، كما يذكر ذلك حزقيال 44 : 1-4 . إشعياء 59 : 19 ، 60: 1-5 . ودانيال 7 : 13-14 .

هذا المعني المتضمن في العهد القديم يوضح لنا معني عبارة ” إنجيل مجد الله ” فهو يعني إعلان الله لنفسه في حوادث تاريخية معينة ، هذه الحوادث مرتبطة بيسوع المسيح كما رأينا في 2 كو 4 : 3-6 . فمجد الله إذن أعلن في حياة وموت وقيامة يسوع المسيح، وفي حياة الكنيسة التي بنيت عليه. فالإنجيل إذن يعني إن الله في وقت محدد وفي مكانه محدد وحياة محددة كان يعمل عملا حاسما وقاطعا.  

هذا هو الشيء ” المختبر به ” الذي ترتبط به ” كلمة الخبر ” انه عمل الله في يسوع المسيح لفداء البشر ولخلاصهم.

(ب) يرتبط بالحقيقة السابقة ما يمكن أن يسمي بتاريخية الإعلان لهذه الحقيقة، بمعني أن هذا الإعلان حدث في التاريخ وفي مجري الحوادث التاريخية. وكتاب العهد الجديد كانوا يؤكدون هذه الحقيقة المرة تلو المرة ، ولم يأل احدهم جهدا في إثباتها . فبعد أن يتكلم يوحنا عن الكلمة وعلاقته الأولية بالله يسرع فيقول : والكلمة صار جسدا وحل بينا ورأينا مجده مدا كما لوحيد من الآب يوحنا 1 : 14 ) . واستمر يشهد في كل كتاباته علي انه رآه ولمسه وعرفه مع كل شركاء الخدمة معه ( 1 يوحنا 1: 1-4 ).  

ويربط لوفا حياة المسيح بالحياة العامة التي كانت في عهده ويربط نشاطه بالتاريخ السياسي ( لوفا 2: 1 و 2، 3: 1 و 2 الخ ). ويؤكد الرسول بولس علي أن الله أرسل ابنه مولودا من مولودا تحت الناموس ( غلاطية 4 : 4 )  . وهكذا لم يشذ كاتب عن إثبات هذه الحقيقة المؤكدة وهي إن الله أعلن نفسه بقوة فاديا في المسيح يسوع ، في التاريخ الجاري ، وفي حوادث يعينها لمسها كثير من الناس في حياة يسوع وموته وقيامته عندما أراهم نفسه حيا بما لا يقبل الشك  .  لكن لماذا يهتم العهد الجديد بهذا كله ؟ لماذا ينير الكتاب علي تاريخية الإعلان ، وتحديد حوادث بالذات وتعيين هذا الشخص بعينه ؟ إن السبب في هذا التيسر يرجع إلي ما كان سائدا في ذلك العصر من ديانات سرية مختلفة اعتنقها كثير من الناس ، لأنهم كانوا يتطلعون إلي الخلاص من حالة الفوضى والقلق النفسي والفقر الروحي الذي كان يسود العالم في ذلك الوقت ، وكانت الديانات السرية  تشبه المسيحية في بعض الخطوط الرئيسية كما مر بنا . فمثلا كانت الديانات السرية تعتقد بان الإله يموت ويقوم وان أساس الخلاص هو أن يتحد الإنسان مع ذلك الإله بطرق خاصة وطقوس سرية لا يجوز لمن خبرها أن يخبر بها أحدا من الخارج ، ولهذا أطلق عليها لقب الديانات السرية ، وهناك درجات في الاتحاد بالإله يجوز فيها الإنسان بالتدريج حتى يصل إلي

نهايتها، ولعل هذه الديانات كانت سببا في بليلة الأفكار في ابتداء الكنيسة المسيحية كما اتضح ذلك في مسالة أكل ما ذبح للأصنام وغير ذلك.  

هذه الديانات كان ينقصها عنصر واحد افقدها كل شيء وهو الحقيقة.إنها ديانات بنيت علي الأساطير والخلاص فيها كان خلاصا وهميا أو كما قال الرسول ” خرافات مصنعة : وهذا الأمر بالذات هو ما جعل المسيحية شيئا أخر . انه خلاصا حقيقيا، والمخلص ليس أسطورة قديمة ولكنه جاء إنسانا وحل بيننا وعاش مع الناس. رأوه واختبروه في موته وقيامته وصعوده . شعروا وتأكدوا في حياتهم بعمله وعرفوا السلام الحقيقي المبني علي التبرير الحقيقي، فلم يعيشوا في الوهم ولكنهم اختبروا الحقيقة التي أعلنت في زمن معين وفي شخص معروف.  

فمهما تشابهت الديانات الأخرى مع المسيحية في عباداتها وطقوسها، وفي المظاهر الخارجية، إلا إن الفرق شاسع بينهما لا يمكن أن يعبر، لأنه ينصب لا علي الدرجة بل علي النوع. فتلك الديانات وهمية بنيت علي الأساطير، أما هذه فنبتت من إعلانه الله لنفسه ولمجده في عملي فدائي عظيم في الإنسان يسوع المسيح.  

لهذا السبب نبر العهد الجديد بشدة علي تاريخ هذا الإعلان وصارت هي الحقيقة الأساسية في الإنجيل .  

2- الشهود

ولكن الحدث لا يمكن أن يكون تاريخيا لأنه حدث وكفي. فكم من حوادث وأشياء تقع ولكنها لا تدخل في حكم الأمور التاريخية. فآلاف الأشجار مثلا تسقط في غابات إفريقيا كل يوم ولكننا لا نحس بها ولا ندري بوجودها أو زوالها ، فلا يمكن أن يسمي سقوطها حادثا تاريخيا فالحادث التاريخي الحقيقي هو ما كان له صلة بالناس ، وليس ذلك فقط بل هو ما كان له معنى وتأثير في حياة الذين يتصل بهم ، وعلي هذا الأساس يمكن أن نقرر بكل تأكيد إن هذه الحقيقة : وهي إعلان الله نفسه في المسيح فادياً ومخلصا ، هي حقيقة تاريخية بكل معني الكلمة لان لها تأثير الحاسم في حياة كل من جاءوا تحت تأثيرها .  

ولعل المجموعة الأولي التي لمست وشاهدت تلك الحوادث كانوا هم الذين احتاطوا بيسوع وعرفوه ووثقوا به. هؤلاء هم تلاميذ أو كما سماهم هو ” شهود ” أعمال1: 4. وبهذا الأمر يشهد واحد  منهم في رسالته ( 1 يو 1 : 1-4 ) . لكن قبل أن يعرف شيئا عن هؤلاء الشهود يجب أن نعرف شيئا عن معني ” الشاهد ” فهم شهود ليس فقط لأنهم شاهدوا هذه الحوادث بأعينهم كما هو الحال مع شاهد المحكمة الذي يذكر ما رأته عيناه أو سمعته أذناه وكفي لان الشهادة التي يقصدها المسيح لأعظم وأعمق بما لا يقاس من شهادة شاهد المحكمة . فالشاهد في مفهوم العهد الجديد هو شخص قد اختبر تأثير ما رآه، فهو يشهد للإنجيل وهذا الإنجيل هو قوة لها تأثيرها كما يصف الرسول بولس قائلا ” انه قوة الله الخلاص لكل مؤمن ”  ( رومية 1 : 16 و 17  )  . ولهذه قال السيد لهؤلاء الذين شاهدوا واختبروا ” وتكون لي شهودا في أورشليم وفي كل اليهود والسامرة والي أقصي الأرض ” ( أعمال 1 : 5  ) . فكل ما يخبرون به أو يسجلونه إنما هو اختيارهم الحقيقي، هو تعبير عن حياتهم عندما قابلوا سيدهم وتجسم فيهم: لكن من هم هؤلاء الذين تقصدهم الذين تقصدهم عندما نتكلم عن الشهود ؟ إنهم هم الذين شاركوا في صنع الخبرة المسيحية في العصر ما بين قيامة المسيح وكتابة الأناجيل، هم الذين رأوا أو سمعوا فاثروا بذلك هذا الاختيار المسيحي العام . وبهذه الكيفية يمكننا أن نذكرهم علي إنهم:  

1- التلاميذ الإثنى عشر الذين كانوا مع يسوع الناصري هؤلاء الذين سماهم رسلا ( لوفا 6 : 13 ) . ولعل البشر لوقا كان يقصدهم عندما يذكر ” إنهم كانوا منذ البدء معانيين ( لوقا 1 : 2 ) ويذكر بطرس ” إنهم عاينوا مجده عندما جاء صوت من السماء  ” ( 2 بطرس 1 : 16 ) . هؤلاء رافقوه من الابتداء وكان لهم الامتياز الأكبر والفضل الأول في إعلان هذه الحقائق التي نراها في الأناجيل والعهد الجديد، ذلك لعدة أسباب:

أولا : إنهم رافقوه في كل شيء ورأوا كل ظروف حياته ، إنهم سمعوه عندما كان يتهلل بالروح ويقول أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض ( متى 11 : 25 ) ، وعندما قال نفسي حزينة جدا حتى الموت ( منى 26 : 37 و 38 ) . إنهم رأوا الشياطين تخضع له وتصرخ معترفة به ( مرقس 1 : 24 ثم لمسوا رفض الناس له . ليس فقط الفريسيون والكتبة ولكن أهل بلده بل وأهله هو وأخوته ، حتى إنهم حسبوه مختلا ( مرقس 3 : 21 ، لوقا 4: 6-30 ) . رأوه وهو يطعم الخمسة آلاف ويزيد بخمسة أرغفة  ( لوقا 9 : 10 -17 ) . ثم هو في حالة لا يستطيع معها أن يدفع ما عليه من ضريبة لهيكل ، حتى انه يقول للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار أما ابن الإنسان فليس له ابن بسند رأسه ( لوقا 9 : 58 ) . إنهم رافقوه في حياتهم وفي كل ظروفه وعرفوه، ومع إن أشياء كثيرة كان يقوم بها ويعملها كانت تشبه الألغاز والمعميات لهم مثل مباركته للأولاد ( منى: 19: 13 -15 ). وكلامه مع السامرية ( يوحنا 4 : 27 ) إلا إنهم عرفوا أكثر كثيرا من الآخرين عنه .

أما الامتياز الثاني فهو انه رغم ما أظهروه من جهل في فهم تعاليمه إلا انه علمهم أكثر كثيرا مما علم الآخرين. كان يعلم الآخرين بأمثلة أما هم فكان يفسر لهم كل شيء ( مرقس 4 : 10-12 ) ، ويقول لهم أعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السموات . كان يعلمهم ليس فقط بالكلمة ولكن بالعمل حتى يعمق هذه التعاليم فيهم كما فعل عند إطعامه للفقراء الجائعين الذين التفوا حوله يسمعونه اليوم كله ، وحين كان يجلس مع العشارين والخطاة ( لوقا 15 : 1 ) ، وعندما غسل أرجلهم ( يوحنا 13 ) ولعل الأمثال القصيرة التي كان يذكرها بعد كل محادثة مثل ” لا يحتاج الأصحاء إلي طبيب بل المرضي ، ( مرقس 2 : 37 ) ، السبت خلق لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت ( مرقس 2 : 27 ) ، اطلبوا أولا ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم ( منى 6 : 33 ) كانت ينبوعا من  الإعلانات لهم يؤهلهم للرسالة السامية التي تنتظرهم  

ولكن هناك امتيازا أخر كان له الأثر العظيم في حياتهم وهو إنهم أول من شاهدوه في قيامته، وظهر لهم أربعين يوما يشرح لهم كل الأمور المختصة بملكوت الله. ولقد كانت القيامة أساسا يقينيا إيمانا التلاميذ وينبوع معرفتهم وموضوع شهادتهم أمام الجميع ( أعمال 2: 24-36، 4: 10 ). لهذه الأسباب ، كانوا شهودا للرب وكانوا هم الأساس الذي قال عنه الرسول بولس ” مبنيين علي أساس الرسل والأنبياء ……. ” .

ولعل الرسول بولس نفسه يؤيد هذه الحقيقة عندما يعلن في كل المواقف انه اخذ إنجيليه من الرب نفسه . وانه أرسل بواسطة الرب، ولهذا فهو لا يقل عن كافة الرسل الآخرين في شهادته وعظا وكتابة. وحكمة في حل المشكلات إنه كأي واحد منهم. هؤلاء هم الجماعة الأولي الشاهدة للرب.

ولكن يتصل بهم جماعة أخري ، لم يكن لها مركز الإثنى  عشر من حيث الالتفاف حول يسوع والصلة العميقة بيه، والتمتع بتفسيره لتعليمه، إلا إنها كانت قريبة منه وكانت تقوم بخدمات واسعة للكلمة . يذكر الكتاب من هذه الجماعة افردا محددين من أمثال يوسف رامي ، وأليعازر وأختيه ، وجماعة النساء اللائي كن بخدمته  ( لوقا 8 : 2 و3 ) ومتياس الذي  اختبر بدلا من يهودا الاسخرويوطي ( أعمال 1 : 26 ) ثم بذكر مجموعات كبيرة . فلوقا البشر يذكر منهم سبعين أرسلهم يسوع في رحلة تبشيرية مهمة أثناء حياته علي الأرض ( لوقا 10 : 1 ) وبذكر منها مائة وعشرين شخصا كانوا يجتمعون في العلية مع التلاميذ ( أعمال 1 : 15 ) وبذكر الرسول بولس منها خمسمائة أخ ظهر لهم الرب دفعة واحدة ( 1 كورنثوس 15 : 6 ) . هؤلاء وغيرهم كانوا شهودا للرب وكانوا مصدر إثراء كبير للخبرة المسيحية  ، ولا يستبعد أبدا أن خرج منهم أنبياء ومعلمون وكارزون خدموا ، وشهدوا للحقيقة السامية في إعلان الله لنفسه فاديا في الرب يسوع  .  

2- أما المجموعة الثانية في الشهادة فكانت الكنيسة المسيحية كلها علي اختلاف عناصرها وطبقاتها وتعدد جنسياتها. ودور الكنيسة في الشهادة وإثراء الاختيار المسيحي يختلف في كيفيته عن دور التلاميذ ، فلا يمكن أن يقول إنسان ما إن  الكنيسة بكل أعضائها رأت الرب يسوع أو سمعت منه أو شاهدت القيامة أو ذاقت اختبار يوم الخمسين ، ولكن شهادتها كانت تأتي بطريقة أخري ، فعندما انتشرت الكنيسة في كثير من المجتمعات المتنوعة واجهت الرسالة المسيحية والمسيحيون عموما مواقف تختلف عن المواقف التي واجهها المسيح وتلاميذه في اليهودية ، فهناك العادات المتباينة والتقاليد المختلفة والتفاوت الاجتماعي البين ، مما كان يتطلب مواجهة جديدة وإحكاما أخري غير التي عرفها الرسل الأوائل . ومن ذلك مثلا كنيسة كورنثوس التي كتبت للرسول بولس تستقر منه عن ستة أسئلة هي في الحقيقة ست مشاكل واجهتها الكنيسة هناك ، مثل مشكلة ما ذبح للأصنام وهل يأكلونه أم لا ؟ ومشكلة  الأرامل والعذارى والزواج ، ومشكلة رفع الدعوي أمام القضاء الخارجي ، ومشكلة المواهب وتعددها . وخصوصا التكلم بالسنة، ومشكلة الرجل الذي اعتدي علي زوجة أبيه. وغير ذلك . هذه دفعت الرسول أن يكتب لهم عن أحكام المسيحية في ذلك ويعطيهم النصائح والإرشادات. ولنلاحظ هنا إن هذه الأحكام والنصائح لم بينها الرسول علي نظريات أخلاقية أو قانونية ولكن من واقع اختباره المسيحي. إنها واقع الحياة الجديدة التي نالها من تأثير عمل الروح فيه، وبهذه الكيفية كتبت الرسائل المسيحية التي اعتبرت جزءا عظيما من العهد الجديد.  

3- أما الجماعة الأخيرة فهم الكتاب أنفسهم ، وبالأخص كتاب الأناجيل الأربعة أي منى ومرقس ولوقا ( الذي كتب سفر الأعمال إلي جانب إنجيليه ) ثم يوحنا . هؤلاء الرجال كانت لهم اليد الطولي في إثراء وبلوزة الخبرة المسيحية ووضعها في صيغتها الحالية في العهد الجديد وخاصة الأناجيل الأربعة وسفر الأعمال. ونري دورهم يتضح ليس في كونهم مؤرخين يكتبون حياة يسوع ، ولا في كونهم جامعي تقليد يضعونه في كتب ، فلو كانوا مؤرخين بالمعني العصري المفهوم أو حتى كانوا واضعي سيرة عظيم من العظماء لما خرجت كتبهم كما نراها الآن ، فالأناجيل ليست تاريخيا لحياة يسوع وإلا اعتبرت ناقصة مبتورة وغير كاملة أو مرتبة . ولو اقتصر دورهم علي جمع مادة ووضعها في كتب لما رأينا الترتيب الخاص الذي نراه في الأناجيل. إن كل كتاب الأناجيل كانوا لاهوتيين بمعني الكلمة، لهم تفكيرهم الخاص وتفسيرهم المحدد الذي بنوا عليه كتابتهم. ولعل عبارة يوحنا كانت أوضح تعبير عن ذلك عندما قال ” وأشياء أخر صنع يسوع لم تكتب

 في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لكي تؤمنوا إن يسوع هو المسيح ويكون لكم إذا أمنتم  حياة باسمه ” . ( يوحنا 20: 30 و 31 ) ولهذا السبب كانوا ينتقون ويرتبون المادة التي في أيديهم لكي توافق خبرتهم المسيحية وعقيدتهم اللاهوتية، وبالأكثر لكي توافق الجماعة التي يكتبون إليها. فإذا كتب منى عن السيد علي انه موسي الثاني يأتي بالناموس الأبدي فذلك لأنه يكتب إلي اليهود المسيحيين. وهكذا.إذ يكتب إلي أفسس والي جماعة تتفقوا بالثقافة اليونانية فانه يكتب عنه انه الكلمة والنور والحق والحياة ، لأنها معان يفهمها ويعرفها اليونانيون … وهكذا .

فهذه الجماعة أيضا كانت شاهدة للمسيح وكان لها الأثر الضخم علي بلوزة هذه الشهادة .

3- الشهادة

     ماذا تقصد بالشهادة ؟ هي إعلان هذه الحقيقة للناس من خلال خبرة بشرية ، هي خبرة الشاهد . فهذا الشاهد كما عرفنا ليس شخصا محايدا . وليس كالإسفنج الذي يمتص الماء ثم يتركه وهو باق كما هو دون أي تغيير ، إنه شخص حي اختبر هذه الحقيقة بكيفية خاصة ، ولهذا فهو يشترك بخبرته في إعلان الحقيقة ، إنها شهادة حية ولقد ظهرت هذه الشهادة في الكنيسة  الأولي ، في هيئتين متكاملين :

الكرازة والتعليم:

(1 ) الكرازة:  

هي تقديم الإنجيل إلي الناس وإعلان ما فعله الله في المسيح، لكي يصالح العالم لنفسه. ومع إن الرسل عندما بدؤوا التبشير كانت القيامة هي حجر الزاوية في وعظهم وكرازتهم ، إلا أن دارس العهد الجديد يستطيع أن يتفق مع اللاهوتي الانجليزي تشارلس دود C.H.Dodd  في إن الكرازة كانت تتكون من عدة عناصر ظهرت جميعها أو بعضها في كل كتاب ورسالة من كتب العهد الجديد. وبتجميع هذه العناصر يمكن أن تتكون لدينا صورة واضحة لهذه الكرازة المسيحية هذه العناصر المختلفة تتخلص في الأمور التالية:              

  – إن مجيء الرب يسوع في التاريخ لم يكن مجيئاً في فراغ ولكنه كان مسبوقاً بنبوات كانت تشير إليه ، فكل ما عمله الرب قديماً ورتبه وقصده من خلال اختياره الشعب ، وترتيب كل نظمه كان يشير إليه ، فمجيئه إذن كان إتماماً للمواعيد والنبوات والعهد السابق ، ولكن هذا لا يمنع من أن يسوع قد بدأ عهداً جديداً ، هذا العهد الذي أنتظره اليهود قديماً أعلن فيه هو .

  -كان يسوع هو المركز الرئيسي لهذا العهد ، فهو المسيا ابن داود وهو الابن وابن الإنسان فلم يكن مجيء يسوع إعلاناً لهذا العد فقط ولكنه كان بنفسه تجسيداً له .

  – لقد أعلن يسوع العهد الجديد في حياته وفى عمله حيث كان يحول في الأرض يصنع خيراً ويشفى المتسلط عليهم إبليس ، لقد تبرهن من قبل الله بآيات وعجائب صنعها الله بيده ، وهو بنفسه قال : إن كنت أنا بأصابع الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله .

  – وإلى جانب ذلك فقد كانت لآلام المسيح أهمية خاصة في ذلك العهد فلم يكن الصليب حادثة جاءت عرضاً لسبب سياسي أو ديني ولكنه كان يعلم الله السابق ومشورته المحتومة ، وليس ذلك فقط بل أن العلامة الحقيقية لابن الإنسان في العهد الجديد ، هو أنه ينبغي أن يسلم لأيدي الرؤساء والكهنة ويقتل  ،إن الصليب وللآلام مركزاً أساسياً في عمل الفدائي .

  – أما قيامة المسيح ركناً أساسياً في هذا العمل العظيم ، ولقد بدأ الرسل كرازتهم بالتنبير عليا\ها كما سبق وذكرنا ولكنها استمرت في أهميتها كم من الله وشهادة من عنده على أن كل ما عمله في المسيح كان هو قصده وغرضه الأساسي لفداء البشر .

  – ويلي قيامة المسيح صعوده إلى السماء ، ولم يكن الصعود عملية طبيعية أو ميكانيكية ولكنها عملية تمجيد لهذا الذي تم فيه كل عمل ، لذلك رفعه الله وأعطاه أسماً فوق كل اسم لكي تجثوا باسم يسوع كل ركبة ويعترف كل لسان بأن يسوع المسيح هو رب لمجد الله ألآب (فيلبى 2 : 9  – 11 )

  – ثم أن مجيء الروح كان من ضمن عناصر هذه الكرازة فمجيء الروح القدس لم يكن عبثاً ، ولكنه كان لقصد عظيم بل كان ركناً أساسياً في هذا العهد الجديد ، فانسكاب الروح على كل بشر من يهود وسامريين وأمم كان إعلاناً من الله على أن العهد الجديد قد بدأ ، وأنه قد يجمع شعبه إلى واحد وأن إسرائيل الحقيقي قد ظهر .

  – ومن ضمن العناصر الهامة في هذه الكرازة هو أن الله يغفر الخطايا كان غفران الخطايا من ضمن البركات المنتظرة في العهد الجديد ، ولهذا كان يبشرون ” توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لمغفرة الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس .

  – كان الرجاء في المجيء الثاني لهذا المفادى الذي تمجد وصعد وجلس في يمين عرش العظمة هو أحد العناصر في الكرازة الجديدة وقال الملاك للتلاميذ ” يسوع هذا الذي رأيتموه منطلقاً إلى السماء سيأتي كما رأيتموه.

  ا- لعنصر الأخير هو الدعوة إلى التوبة والإيمان حتى يمكن أن يتمتع الإنسان ببركات العهد الجديد ، هذه هي عناصر الكرازة التي نراها واضحة في الأناجيل والأعمال والرسائل وسفر الرؤيا ، إنها تملأ كل العهد الجديد .

(ب) التعليم:

  أما الهيئة الثانية للشهادة فهي التعليم ، والتعليم كلمة متسعة تشمل في طياتها على الأقل أمرين ، بناء الكنيسة ثم الدفاع عن الإيمان .

1- بناء الكنيسة

  لا جدال في أن المؤمنين الأوائل كانوا من اليهود ، ولا جدال في أنهم اختبروا خبرة جديدة في المسيح ، ولكنهم مع ذلك فقد كانوا يظنون أن المسيح قد جاء إلى اليهود بالدرجة الأولى ، وأن اختبار الروح القدس ليس إلا لليهود فقط ، يدلنا على ذلك دهشة المسيحيين في أورشليم ، حتى الرسل أنفسهم ، لدى سماعهم أن السامريين قد قبلوا عطية الروح القدس (أعمال 8:14-17) بل وصعوبة تقبلهم حقيقة مجيء الروح القدس على الأمم (أعمال 10 : 45 ، 11 ، 12 ) ويدلنا على ذلك أيضاً تباطؤهم الشديد في نشر الكلمة إلا في اليهودية وبين اليهود فقط ، وفوق الكل فقد كان لإصرار جماعة كبيرة منهم على ضرورة خضوع الأمم للناموس حتى يمكن قبولهم في زمرة المسيحيين ( أعمال 15 : 1 ) أثر كبير على وحدة الكنيسة ثم الشعب الكثير الذي حدث ، هذا كله يدل على أن جل الكنيسة الأولى إن لم يكن كلها كانت تعتقد أنه لا فرق لبن اليهودية والمسيحية سوى تقبل يسوع المسيح على أنه المسيا ، مع عدم تمكنهم من معرفة الأثر البعيد الحاسم لهذا الفرق .

  كل هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً أن هؤلاء المسيحيين اليهود قد أخذوا اختباراً جديداً لم يعرفوه من قبل، وأن أياً من اليهود مهما كان مركزه وعلمه لا يقبل المسيح لا يستطيع أن ينال هذا الاختبار الجديد، إن شيئاً

جديداً قد حدث لهم ، هذا الشيء ليس أمراً نظرياً ولكنه عملي ، ظهرت آثاره في حياتهم وسلوكهم ، ولعل لوقا كان يقصد إظهار هذا الشيء الجديد وقوة أثره في أعمال 2 : 42 – 47 .

  هذا الاختبار الجديد ، هذا العهد الجديد ، وما يميزه من هبات وعطايا جاءت لأول مرة في حياة الناس كعطية الروح القدس والنظرة الجديدة إلى الحياة ، هذا طله كان يحتاج إلى بلورة ، إلى تعبير ، وكان لابد أن يشرح لهم الرسل حقيقة ما يحبونه ويعيشون فيه ، وهنا ظهرت آثار التأهيل الطويل الذي قام به السيد نفسه لتلاميذه ، فقد كان عليهم هم أن يعبروا للمؤمنين عن هذه الحقيقة الجديدة ، وبدءوا يعلمون وبدأ الناس يواظبون على تعليم الرسل (أعمال 2 : 42 ) .

  ليس ذلك فقط بل أن هؤلاء المؤمنين الجدد لن ينعزلوا عن الناس لكنهم خرجوا يواجهون الحياة العامة، ويواجهون مواقف خاصة، فكيف يتصرفون وفقاً لهذه الخبرة الجديد ؟ كانوا يحتاجون إلى إرشاد خاص ، ولابد أنهم حملوا هذه الحالات والمواقف إلى الرسل حتى يجد اليهودية،ً يتفق وحالتهم الجديد ( أعمال 6 : 1-8 ) وإلى جانب ذلك فقد أحس هؤلاء المؤمنون برباط خاص يميزهم كتلاميذ المسيح عن الباقين ، إن الصلوات التي كانوا يحضرونها بمواظبة في الهيكل (أعمال 3 : 1و3 ) لم تعد تشبع حياتهم الجديدة إن صلة جديدة ، ورابطة جديدة ربطهم بسيدهم الذي صلب وقبر وقام وهو حي وسيأتي إليهم ، هذه الصلة كانت تحتاج إلى تغذية ، أنهم يعبدون هذا السيد فكيف يعبدونه ؟ وهنا أيضاً بدأ الرسل يقيمون الاجتماعات الخاصة في البيوت بعيداً عن الهيكل والاجتماعات اليهودية، كانوا يكسرون الخبز ويأكلون ببساطة قلب، ويدرسون الكلمة، ولكن في ضوء جديد وموقف جديد، فصارت لهم عبادتهم الخاصة.

  وهناك موقف أخير جازت فيه الكنيسة وهو الاضطهاد ، فلم يمض مدة طويلة من بدء تكوينها حتى بدأ الاضطهاد ينصب عليها ، وقد وصل في الأيام الأولى إلى حد القتل كما قتل هيرودوس يعقوب وسجن بطرس (أعمال 12 ) ، وقبل ذلك كان هناك اضطهاد عنيف تعدى حدود أورشليم واليهودية فوصل إلى دمشق ، وكان شاول الطرسوسي هو المحرك الأول لهذا الاضطهاد المرير .

  واستمر الحال على هذا المنوال حتى انفجر الاضطهاد الأكبر الذي قادته الدولة الرومانية ، في هذه الاضطهادات المتتالية العنيفة كانت الكنيسة تحتاج إلى تعزية لما كان يحدث لأعضائها من آلام وقتل وطرد وسلب أموال وغير ذلك ( عبرانيين 10 : 32-39،121-4) ولهذا كتب رسالة العبرانيين وسفر الرؤيا والأناجيل وغيرهما تقوية للكنيسة في الاضطهادات ( مر 13 : 11 – 13) الخ .

  ولكن الكنيسة لم تقف في انتشارها إلى حد اليهودية واليهود فقط ، لقد كان قصد مؤسسها أن تضم العالم أجمع ، ولهذا أمتد التبشير إلى الأمم أيضاً . ومن قبل ذلك إلى السامري، وكان هذا الامتداد خطوة حاسمة في تاريخ المسيحية وتاريخ العالم ، فلو اقتصر التبشير على اليهودية لأنها المطاف بالمسيحية أن تكون جزءاً مصلحاً من اليهودية ، ولعلهم كانوا يسمون أنفسهم البقية ، مثلهم في ذلك مثل جماعة القمران أن الإيسنيين الذين حبسوا أنفسهم في رقعة صغيرة على ضفاف البحر الميت تاركين العالم وما فيه من ضلال ، كما اعتقدوا ، منتظرين الحرب المقدسة ، وظهور المسيا ومعلم الصلاح . لكن شكراً لله، تقدمت المسيحية إلى العالم وإلى الأمم وقبلها كثيرون وصاروا مسيحيين، وبناء على ذلك واجه المسيحيون من الأمم مواقف كثيرة معقدة

  ومختلفة، وفى بعض الأحيان متناقضة مع موقف المسيحيين اليهود، فلأول مرة ظهرت المشكلة الحادة التي تربط بين الناموس والمسيحي: فهل يجب على الأمي أن يصبح يهودياً أولا خاضعاً للناموس حتى يصبح مسيحياً ؟ هل يجب عليه أن يختتن حتى يدخل الباب ؟ وكان هذا السؤال حاداً مريراً كاد يقسم المسيحية إلى قسمين: مسيحية اليهود ومسيحية الأمم لولا أن تدار كهم رحمة الرب.

  ثم ظهرت مواقف أخرى خاصة بالأمم .. ماذا يفعل الشخص المتزوج بأكثر من امرأة إذا صار مسيحياً ؟ وماذا تفعل المرأة إذا مرت في نفس الظرف ؟ ماذا يفعل أحد الزوجين إذا صار مسيحياً ورفض الثاني أن يطيعه ؟ ثم ظهرت مشكلة ما ذبح للأوثان : هل يأكل المسيحي هذا اللحم ؟ إنه كان يعتقد وهو بعد في وثنيته إن أكله من ذلك اللحم يربطه ويوحده بالإله الوثني فهل يتجرأ ويأكل ؟

  وماذا يحدث في مسألة اللاأخلاقية التي كانت متفشية بين الأمم ؟ والمحاكمة أمام الغير مسيحية ؟ وهكذا تكشف عديد من المشاكل تختص بالمسحيين الأميين فقط ، كان على الكنيسة أو الرسل أن يحلوها لهم ، ولهذا السبب ظهرت كتابات كثيرة وضعت في العهد الجديد كرسائل كورنثوس وغلاطية وتسالونيكي وغيرها .

وهكذا أثرت الخبرة المسيحية والتقاليد المسحية ثراء كبيرة بدخول الأمم المسيحية واتسع نطاق التعاليم المسيحية وشمل أموراُ كثيرة واجهت الكنيسة لم تعرفها المجتمعات اليهودية .

2- الدفاع:

  الأمر الثاني الذي دخل في نطاق التعليم هو الدفاع عن الإيمان، لقد نبتت الكنيسة وسط معاد وكان لابد أن تقابل هجوماً شديداً من نواحي كثيرة ولأمور متعددة ، وكان على الكنيسة أن ترد على هذا الهجوم ، وإلى جانب الهجوم الصريح كانت هناك أسئلة استفسارية من بعض المتسائلين تتطلب الرد عليها بإجابات شافية تضيء الطريق أمام المفسرين .

  كان أول المهاجمين هبه.يهود في أورشليم ، فبينهم قد صلب المسيح ، وفى وسطهم قامت الحركة بكل قوة، وكان صليب المسيح حجر عثرة لهم ، فكيف يكون هذا الشخص هو المسيا المنتظر ثم يموت هكذا ؟ لقد رأوه على الصليب إنساناً لا قوة ولا طاقة له ، استسلم لضاربيه ومعذبيه فكيف نسميه المسيا ؟ لماذا لم يخلص نفسه ؟ لماذا لم يخلصه الله ؟ فلو فعل ذلك لأمنوا به.

  لقد كان هذا صدى لسخريتهم به أمام الصليب : خلص آخرين أما نفسه فلد يقدر أن يخلصها (لوقا 23 : 35 و 36 ، مي 27 : 39 – 44 ) وهنا كان يجب على المسيحيين أن يردوا ويدافعوا وكان دفاعهم متفرعاً ومتنوعاً : فهناك القيامة المجيدة التي أعقبت هذا الموت وهى دليل على أن الله لم يكن غاضباً عليه ولكنه سر به ، ليس ذلك فقط بل إن القيامة دلت على أن هذا الموت لم يكن من عمل اليهود ، ولكنه حدث إتماماُ لقصد الله ومشورته المحتومة أما دور هؤلاء في قتلة فكان دور الإثم والخطية ، ولهذا أقامة الله وأعطاه أسماً فوق كل اسم ، جعله رباً ومسيحاً (أعمال 2 : 22 – 36 13 – 16 ،  4 : 10 و 12 .. الخ ) إذا فقد كان رد المسيحيين المبدئي على هذا الاتهام هو أنه يحب أن ننظر إلى هذا الموت ليس في ذاته بل في ضوء القيامة ، التي هي ختم الله على أن يسوع برغم هذا الموت صار رباََ ومسيحاً .

  لكن ذلك لا يحجب قساوة موته ، ولقد وصفه الإنجيليون على أنه لم يكن سهلاً على يسوع الناصري أن يواجهه وينتصر عليه ، لقد وضع لوقا المواجهة

في كلمات قوية ورهيبة (لوقا 22 : 39 – 44 ) ولعل كاتب العبرانيين كان يصفها بكلمات أشد عندما قال (الذي في أيام جسده إذا قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت وسمع له من أجل تقواه ، مع كونه ابنا تعلم الطاعة مما تألم به ( عبرانيين 5:7-9) فلماذا يسمح له الله أصلاً بهذه الآلام الشديدة ؟ وهنا كان لابد لهذا الموت من تفسير ، إنه لم يحن ككل موت ، إنه موت المسيا ، والمسيا ليس فقط ابن داود إنه عبد الرب أيضاً ، ولذا يجب أن يقوم برسالة فدائية ، إن موته موت كفاري (مرقس 10 : 45) ولم يكن الرسول بولس هو أول من أعطى هذا التفسير لموت المسيح ” فإني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب (1 كو 3:15 ) وفعل ذلك فيلبس من قبله عندما قابل خصي ملكة الحبشة فقد بشره بيسوع بانيا هذا التبشير على ما ورد في (إشعياء 53) حيث يصف موت عبد الرب على أنه موت كفاري (أعمال 8 ) ولعل الكلمة المهملة في هذا كله هي كلمه (لأجل ) (1 كورنثوس 11 : 24،15 : 3 ، 2 كو 5 : 14 و 15 ، غلاطية 1 : 4 أفسس 5 : 24 ، ا بط 2 : 21 ، مرقس 14 : 24 ، لوقا 22 : 19 )  

فعلى أساس هذه الكلمة التي تظهر أن المسيح مات لأجل الآخرين فسر موت السيد تفسيراً كفارياً .

 وهكذا نجد أن الكنيسة الأولى فسرت موت السيد على أنه ليس صدفة، بل كان محتوماً ومقصوداً، بل هو عمل من أعمال الله العظيمة التي قام بها لفداء الناس من الخطية.

أما الجماعة الأخرى التي دفعت المسيحيين الأوائل إلى أن يكتبوا دفاعاً عن مسيحهم هم تلاميذ يوحنا المعمدان ، ونحن نقابل هذه الجماعة ونقابل الرسول بولس أن يواجه إلى الكنائس رسائل عديدة كغلاطية وكورنثوس ورومية وغيرها ، وفيها كان يضع الناموس في مكانه الصحيح في تاريخ الفداء ، وأنه قصد به أساساً أن يوجه الناي إلى المسيح ليس (رومية 10:4) .

  وإلى جانب ذلك كانت هناك قضايا أخرى تشغل بال الكنيسة كقضية والخارج.ء المسيح (1 تسالونيكي 5 : 1و2 ، 3 تسالونيكي 2 : 1 – 12 ، 2 بط 3 … الخ ) وغير ذلك من القضايا التي أحاطت بالمسيحية من الداخل والخارج.

  هذه هي العناصر الرئيسية التي تضمنها الشهادة في تكوينها : الكرازة ثم التعليم الذي أهتم ببناء عقيدة الكنيسة والتعبير عن اختبارهم ثم الدفاع عنها وعن مسيحها ، ولكن هذه الشهادة لم تقم في فراغ ولم يخترعها الشهود بل كانوا يبنونها على أساس متين ويفسرونها بكيفية حاسمة فعلى أي شيء بنى هؤلاء تفسيرهم لشهادتهم؟ هناك ثلاثة مصادر اعتمد عليها الشهود في ذلك ، ولكن قبل أن نذكرها يليق بنا أن نذكر شيئاً هاماً يتصل بذلك اتصالا وثيقاً وهو الخبرة الشخصية لهؤلاء الشهود ، ولعل الرسول بولس كان أعظم مثل على هذا الاختبار ، فمن يقارن ما قاله في فيلبى 3 : 4-6 مع غلاطية 3 يرى مقدار الانقلاب العظيم الذي حدث في تفكيره عن الناموس ، فبعد أن كان هذا الناموس مصدراً للفخر والتباهي أصبح أساساً للعنة ، فما الذي أوجد هذا التفسير المضاد ؟ لا شك خبرته الشخصية ومعرفته التي تغيرت بعد الإيمان لقد قابله المسيح المقام في طريقه إلى دمشق  وأعلن له أن كل ما يعلمه خاطئ وكل ما يسير فيه لا يقوده إلا للهلاك حتى ولو كان يعمل كل الناموس ، فليس بالناموس بر وإلا لكان المسيح قد مات بدون سبب ، وهذا ما جعل

الرسول يعتنق التفسير المخالف ويشهد الشهادة المضادة لما كان يشهد به ويفسره من قبل ملاقاته بالسيد.

أما المصادر الثلاثة التي أعتمد عليها الشهود في تفسير خبرتهم وعمل الله في المسيح يسوع فهي :-

1- أقوال يسوع نفسه :

  كل من يتصفح الأناجيل والرسائل يجد أن المسيحيين الأوائل من وعاظ ومبشرين ومعلمين ورسل قد اعتمدوا كثيراً على أقوال يسوع نفسه ، وقد يظن أحدهم أن هذا يصدق على الأناجيل الأربعة فقط ، ولكن الحقيقة أن الرسول بولس وكذلك بقية الكتاب اعتمدوا كثيراً على تعاليم وأقوال المسيح سواء أكانت مدونة في الأناجيل أم غير مدونة ، ويمكننا أن نضع هنا بعض الأمثلة على ذلك :

(1 كورنثوس 7 : 10 و 11 ) يقول الرسول بولس بصريح اللفظ للمتزوجين ” وأما المتزوجين فأوصيهم لا أنا بل الرب أن لا تفارق المرأة رجلها ، وإن فارقته فلتلبث غير متزوجة أو لتصالح رجلها ولا يترك الرجل امرأته ” هنا يشير الرسول بولس إلى تعاليم يسوع عن الزواج ولعله كان يقصد ما جاء في مرقس 10 .

(يعقوب : 2 : 5 ) اسمعوا يا إخواتى الأحباء أما أختار الله فقراء هذا العالم أغنياء في الإيمان وورثة الملكوت الذي وعد به الذي وعد به الذين يحبونه ” (مي 58 : 3 و 5 ) طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات .. طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض .

يعقوب (1:25) ولكن من أطلع على الناموس الكامل وثبت وصار ليس سامعاً ناسياً بل عاملاُ بالكلمة فهذا يكون مغبوطاُ في عمله  ” انظر ما جاء في يوحنا 13 : 17 ” إن علمتم هذا فطوباكم إذا عملتموه “

  (رومية 12: 14 ) ” باركوا على الذين يضطهدونكم باركوا ولا تعلنوا ” قارن هذا مع متى 5: 44.

  هذه وغيرها تدل على أن الكنيسة الأولى اعتمدت أساسا على أقوال وأعمال الرب يسوع في مواجهة الظروف الجديدة والتعبير عن الخبرة الجديدة التي اختبروها ولكن توجد كلمتان لهما الدلالة العظمى على ذلك وهما: تسلم ” و ” سلم”. ومع أنهما في اللغة العربية يأتيان من أصل واحد ، ولكنهما في اللغة اليونانية كلمتان مختلفتان ، وقد استخدمهما الرسول بولس عدة مرات مقترنين معاً مثلاً في 1 كورنثوس 11 : 23 ، 15 : 3 ، قبلت بدلاً من تسلمت ، الأولى عند رسم فريضة عشاء الرب ، والثانية في الأخبار بالإنجيل وقيامة المسيح ، وقد استخدمها أيضاً عندما تكلم عن تسليم التعاليم السلوكية في  1تسالونيكى 4 : 1 ، 2 تسالونيكي 3 : 6 ) هاتان الكلمتان لهما معنى فني وتستخدمان في تسليم الأشياء المقدسة من السلف إلى الخلف ، كما كانت تسلم التقاليد اليهودية من المعلمين إلى المتعلمين ، ويلوح أن التلاميذ الذين رفضوا أن يكونوا خدام موائد ويتركوا كلمة الله ( أعمال 6 : 2) كانوا يحفظون تعاليم وأعمال حياة المسيح ويودعونها الكنيسة للتعليم والإرشاد ، وظلت هذه التعاليم متداولة إلى أن وضعت في الأناجيل الأربعة التي بين أيدينا ، وكان الرسل يشيرون إليها في وعظهم وفى كتاباتهم ، معتقدين أن لها نفس القداسة التي للكتب المقدسة في العهد القديم ، فلا يجوز أن يتصرفوا فيها.

هذا هو المصدر الأول في تكوين العهد الجديد والتعبير عن الخبرة المسيحية .

2- العهد القديم:

  أما المصدر الثاني فهو العهد القديم الذي كان الكتاب المقدس للكنيسة الأولى وللمسيح من قبل ، بل لعل الكنيسة تعلمت من سيدها كيفية استخدام العهد القديم ، ففي الأناجيل نرى المسيح يقاوم الشيطان باقتباسه منه (متى 4 : 4 و 7 و 10 وما يقابله ) وعندما أراد أن يشرح رسالته وعمله أعلنها في إطار نبوات العهد القديم عن عمل عبد الرب في إشعياء 42 و 61 أنظر لوقا 4 : 16 – 19 وفى إظهار لبر ملكوت الله والطريقة السلوكية التي يجب أن يظهرها أعضاء الملكوت وضع كلامه في مقابل ، قيل في العهد القديم (متى 5 : 7 – 48 ) هكذا فعل عن العهد القديم في مقابل التقاليد مقتبساً من الأنبياء (مرقس 7 : 6 – 13 ) وبعد قيامته من الأموات أعلن لتلميذي عمواس أن كل ما حدث له إنما كان موجود في العهد القديم ( لوقا 24 : 25 – 27 )

  وعلى هذا الأساس بنت الكنيسة تفسيرها لتلك الحقيقة الجديدة التي اختبرتها وعرفت أنها لم تأت في فراغ ولم تقم بدون جذور ، بل  كان لها أصولها في العهد القديم ، ويلخص ذلك بطرس في خطابه في يوم الخمسين في أعمال 2 : فحياة يسوع الناصري وموته وقيامته مذكورة من قبل وحقيقة ميلاد الكنيسة وانسكاب الروح القدس كان لإتمام ما قاله الرب بفم يوئيل النبي ، ويضع اسطفانوس اليهود أمام الحقيقة الواضحة وهى إن المسيح جاء إتماماً لما قد أعلن في العهد لقديم من موسى إلى آخري الأنبياء (أعمال 7).

  ولعل عبارة الرسول بولس عن علاقة العهد القديم بما حدث في العهد الجديد هي أبلغ تعبير على ذلك إذ يقول ( وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهوداً له عن الناموس والأنبياء (رومية 3 : 12 ) وهكذا بالمقابلة بين العهدين (غلاطية 4 : 21 – 31 ) وبالمقارنة أيضاً بينهما وإظهار أفضلية العد الجديد عن القديم كما يوضحهما كاتب العبرانيين في معظم رسالته ، وبالرمزية التي تتضح في العهد الجديد ( 1 كورنثوس 10 : 1 – 14 ) ، وغير ذلك استطاع المسيحيون الأوائل أن يجدوا في العهد القديم مصدر التفسير لهذه الحقيقة الجديدة التي اختبروها في حياتهم ، لقد كانت كل ألقاب المسيح مثل أبن الإنسان ، أبن داود ، أبن الله ، عبد الرب من العهد القديم بل لم تجد الكنيسة أسماً تطلقه على نفسها أعمق من أسم إسرائيل الله (غلاطية 6 : 16 ) كل ما عمله المسيح في سبيل الفداء  والخلاص وجد تفسيراً في الذبائح والقرابين التي كانت تقدم العهد القديم : ذبيحة الفصح : هو فصحنا (1 كورنثوس 5 : 7 ) وهو رئيس الكهنة الذي يقدم ذبائح عن الناس ( عبرانيين 4 : 14 ، 8 : 1 ) وذبيحة الخطية التي كان هو أعظم منها (عبرانيين 9 :6 – 14 ) إنه هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يوحنا 1 : 2 و 36 ) وهو الخروف المذبوح (رؤيا 5 : 6 – 14 ) وعلاقة المسيح بالكنيسة لم تجد لها تفسيراً إلا العهد وسمى ذلك لعهد الجديد في مقابل العهد القديم (عبرانيين 8 : 7 – 13 ) وحتى الفرائض في الكنيسة وجدت تفسيرها في العهد القديم كما فسرت المعمودية بالختان (1 كورنثوس  2 : 11و 12 ) ولكن مع ذلك يجب أن نتأكد أن الكنيسة الأول لم تعتقد أنها نسخة أخرى محسنة من إسرائيل القديم ، ولا العهد الجديد هو فقط امتداد للعهد القديم ، كلا هناك فرق كبير ومجيد لا يمكن أن يقاس بين العهدين ، فالمسيح نفسه يقول لتلاميذه ” ولن طوبى لعيونكم لأنها تبصر ولأذانكم تسمع ، فإني الحق أقول لكم إن الأنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا (متى 13 : 16 و 17 ) ولعل قوله رسالة بطرس كان تعبيراً بليغاً أيضاُ عما فعله الله في المسيح وأنه كان جديد في العالم كله سواء أكانوا بشراً أم ملائكة ” الخلاص الذي فتش وبحث عنه الأنبياء الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم ، باحثين أي وقت وما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم إذا سبق فشهد للآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها ، الذين أعلن لهم أنهم ليسوا لأنفسهم بل لنا ، كانوا يخدمون بهذه الأمور التي أخبرتهم بها أنتم الآن بواسطة الذين بشروكم في الروح القدس المرسل من السماء التي تشتهى الملائكة أن تطلع عليها (1 بطرس 1 : 10-12 ).

  ولم يشذ كاتب أو شاهد واحد في العهد الجديد عن هذه القاعدة فالعهد القديم في اختبار المسيحيين الأوائل كان ينتظر شيئاً جديداً ويتطلع إليه ، وها هو قد حضر وهو أمر لم يعرفه أحد من أبناء القديم أبداً ، ولكن القوالب التي تصب فيه التعبيرات والمعاني لابد وأن تؤخذ من القديم حتى تفهم لابد وأن يصاغ اللفظ حتى يؤدى معنى الرسالة فالتعبيرات أبن الإنسان العهد الفداء القداسة ، الذبيحة ، الكهنوت وغيرها ملئت بمضمون أعمق وأمجد ما للرسالة الجديد من عمق وطلاوة .

3- الثقافة الهلينية :

  أما المصدر الثالث الذي اعتمد عليه المسيحيون الأوائل للتعبير عن اختبارهم وشهادتهم فهو الثقافة الهلينية التي كانت تحيط بهم في كل مكان ، فقد أمر السيد رسله أن يذهبوا إلى العالم أجمع ، وكان لابد للكنيسة أن تخرج إلى العالم الخارجي وتتصل بالثقافة اليونانية ، وكان عليها أن تعطى رسالتها بالطريقة التي يفهمها هذا العالم الجديد الكبير .

  كان أول وأهم ما عمله الرسل هو استخدام اللغة التي سادت العالم وهى اللغة اليونانية ، وطبعاً لم يكن سهلاً أن يضعوا أفكارهم ورسالتهم في هذه اللغة ، ولكن الأمر الذي جعل ذلك ممكناً لهم هو ذلك العمل العظيم الذي سبقهم فيه علماء الإسكندرية ، وهو ترجمة العهد القديم وكتب الأبوكريفا إلى اللغة اليونانية ، وهى الترجمة التي أطلق عليها السبعينية ، هذه الترجمة ساعدتهم كثيراً حتى في نقل الاقتباسات الكثيرة التي أخذوها من العهد القديم ، ومن يقرأ الرسائل والأناجيل بخلاف إنجيل متى بحد التأثير الكبير لها في العهد الجديد .

  ولكن لم يقتصر استخدام الكنيسة الأولى من الثقافة الهلينية على اللغة ، بل تعداها إلى الأفكار أيضاَ ، وهناك الأمثلة العديد على ذلك ، فندما كان الرسول في أثينا منتظراً أصدقاءه قدم الإنجيل إلى أهل المدينة مستخدماً عقيدة الإله المجهول التي كانوا يتمسكون بها ويعرفونها (أعمال 17 : 22 – 31 )

  ويقول بعض العلماء إن كاتب العبرانيين استخدام فكرة أفلاطون في المثل والظل فالمثل عنده هو الأشياء الأبدية التي أعلنت في العهد الجديد أما الظل فهو الأمور التي مرت وأنهت في العهد القديم ، ومع أن تحفظاً كبيراً يجب أن يوضح إزاء هذا التفكير لكن شكل المناقشة في هذه الرسالة والكيفية التي وضعت فيها توحي بأن الكاتب كان يعرف فلسفة أفلاطون إلى جانب معرفته الكبيرة بالعهد القديم .

  أما الرسول بولس فقد طالت المناقشات حول استخدامه للمفاهيم اليونانية لتوصيل الرسالة المسيحية ، ولعل أهم مثل على ذلك هو استخدامه للاصطلاحين (جسد وروح ( والمقابلة الشديدة التي وضعها فيها مثل ما جاء في رومية 7 ، غلاطية 5 : 16 – 26 ) الخ مما يذكى الدارس بالفكر اليوناني بخصوص الجسد الشرير الفاسد والروح الصالحة التي تقضى أيام سجنها في هذا الجسد ومع أن فكر الرسول أبعد ما يكون عن عقيدة فساد المادة وكل ما هو مادي وبالتالي اعتبار الجسد شرير يعتقد ذلك ، إن الإنسان الخاطئ الشرير تمتلكه الخطيئة كإنسان ، والشر ليس هو فساد طبيعي ولكنه علاقة قد فسدت بين الإنسان وإلهه ، وهذه العلاقة تشمل الإنسان كله وتصبح أساساً الفساد الأدبي والشر الروحي ، ولعل أهم توضيح على ذلك هو وصف الرسول بولس العالم في رومية 1 : 18 – 3 : 19 حيث يعلن أن هذا ينطق على حياة اليهود والأمم معاً .

  ولكن المثال الواضح جداً في استخدام كتاب العهد الجديد للأفكار اليونانية لتوصيل الرسالة المسيحية هو ما جاء في مقدمة إنجيل يوحنا عندما استخدم كثيراً من المصطلحات الفلسفية اليونانية مثل ” الكلمة ” وهو تعبير مشهور عند الفلاسفة وأشهرهم فيلو اليهودي الإسكندري ثم الاصطلاحات ” الحق ، النور ، الحياة ” ولعل الإنجيلي أراد أن يظهر لهذا العالم اليوناني أن الرسالة المسيحية ليست رسالة أعجمية غير مفهومة ولكنها رسالة لكل الأجيال والثقافات .

  وهكذا نرى أن الكنيسة المسيحية الأولى فد استفادت واستخدمت كثيراً من الصور والتفكير اليوناني وملأته بالرسالة المسيحية أي بالإنجيل ، وليس هذا إلا منطلق العالم التي تميزت بها هذه الرسالة السماوية ، ولكن يجب أن نلاحظ الفرق الواضح بين صلة المسيحية باليهودية وبين صلتها باليونانية ، فبينما جاءت هذه الرسالة إتماماً للهدف الأساسي الذي يظهر في العهد القديم ، وبنت كثيراً من أفكارها على ما جاء فيه مع تغيير في الاهتمام والتنبير ، إلا أن صلتها باليونانية كانت صلة عملية بحتة إذا اتخذتها وسيلة لتوصيل الرسالة ، مع أنه لم يكن لها أدنى صلة بها في أصلها ، إن الإنجيل لليهودي والأمم ، إنه كما قال الرسول ” قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولا ثم اليوناني ” (رومية 1 : 16 ) ولهذا فإنه يصدق أيضاً إذ يقول ” صرت لليهودي كيهودي لأربح اليهود .. صرت للكل كل شيء لأخلص على أي حال قوماً ” (1 كورنثوس 9 : 19 – 24 )

4- الشهادة مكتوبة

  أضحى الآن معروفاً أن الرسول بولس كان أول من كتب كتاباً كاملاُ في العهد الجديد ، وهذا الكتاب هو عبارة عن رسالة أرسلها إلى كنيسة من الكنائس التي بشرها وهى كنيسة تسالونيكي ، وتوالت بعد ذلك رسائله ، ولكن هذا لا يعنى أن كتابات الرسول بولس كانت أول ما وضع على ورق ، بل لابد أن أشياء كثيرة كتبت قبلها لم تصل إلينا في شكلها التي كتبت فيه ، ويدلنا على ذلك ما قاله البشير لوقا في مقدمة إنجيلية ” إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة للأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معانين وخداماً للكلمة ” (لو 1 : 1 و 2 ) ويهمنا هذا أن نتلمس الطريق الذي كان يمكن أن تكون قد سلكته الكنيسة في كتابة هذه التقاليد الخاصة بحياة السيد وموته وقيامته ، مسترشدين في ذلك باجتهادات بعض العلماء .

  1- من المعلوم – كما سبق وذكر – أن يسوع لم يترك أي شيء مكتوباً من تعاليمه ، وكذلك الرسل في أوائل خدمتهم إذا يلوح أنهم لم يهتموا بكتابة شيء بل كانوا يهتمون فقط بالوعظ وذكر تعاليم سيدهم ، ويمكن للدارس أن يجد سببين مهمين لعدم إسراع المسيحيين الأوائل في تدوين هذه الشهادة ، السبب الأول هو أنهم كانوا يؤمنون أن المسيح آت سريعاً ونهاية العالم قد قربت ، وهذه العقيدة كانت واحداً من الأسباب التي رفعت الرسول بولس أن يكتب رسالة تسالونيكي الثانية ليوبخ جماعة في تلك الكنيسة ظنت أن يسوع سوف يأتي في أي لحظة ، ولهذا رأوا أنه من الأفضل بحسب نظرهم – أن ينتظروه في الكنيسة عابدين بدلاً من القيام بالعمل اليومي ، ولقد احتاجوا إلى الطعام والشراب فكانت الكنيسة تعولهم إلى أن أصبحوا عالة عليها ، ولهذا كتب الرسول موبخا لهم  .

  وكان هذا الموقف أيضاً وراء رأى الرسول بولس من الزواج وعدم الاهتمام الكثير بعمل زيحات إن أمكن لأن الوقت منذ الآن مقصر ( 1 كورنثوس 7 : 25 – 29 ) وليس الزيحات فقط بل في كل اهتمامات الحياة أيضاً يطلب من المؤمنين أن يسلكوا على أساس أن سيدهم آت قريباً .

وكانت أيضاً وراء قول رسالة بطرس توبيخاً لأولئك المتشككين في مجيء الرب لأنه تأخر في مجيئه ( 2 بطرس 3 )

  هذه العقيدة كانت وراء عدم إسراع المسيحيين في تدوين شهادتهم إذا أحس التلاميذ الأوائل أنه لا داعي للكتابة مادام الرب آت سريعاً، إن الأهم هو الإسراع بالشهادة ومحاولة نشر الإنجيل.

  أما السبب الثاني فهو عقيدة الأوائل بأن الكلمة المقولة أعظم كثيراً من الكلمة المكتوبة ، وما دام الرسل الذين كانوا معاينين لازالوا موجودين ، ولديهم الحبر اليقين فلا داعي للكتابة ، فكلمتهم أعظم من أية كلمة تكتب ولقد ظل هذا الرأي سائداً حتى بعد أن كتبت الأناجيل وانتشرت .

  2- لكن بمرور الأيام بدأ بعض الناس يكتبون شيئاً عن حياة المسيح ويحتمل أن تكون قصة آلام السيد أو بالأحرى قصة الأسبوع الأخير من حياته كتب أولاً : فهي القصة التي نراها في إنجيل مرقس قصة متكاملة أو على الأقل أكثر تكاملاً من باقي قصص الإنجيل ، ويمكن بشيء من التدقيق والمقابلة أن تفصل كل أيام الأسبوع وما حدث فيها ، ويمكن أن يقال أيضاً إن قصة هذا الأسبوع كتبت لكي تتوج بقصة القيامة وقصة الظهورات التي ظهرها السيد لتلاميذه بعد قيامته ، ويمكن أن نتلمس الدوافع التي كانت وراء كتابة قصة آلام السيد ، وواحد من هذه الدوافع هي العبادة نفسها ، فوجود قصة العشاء الرباني بما فيها من عهد جديد والتنبير على أنها حدثت عند أكل عشاء الفصح يدل على أن الكنيسة كانت تعبر عن صلتها بالسيد على أنها البقية الباقية ، وهناك سبب أخر وهو تفسير موت المسيح على أنه يتمم قصد عبد الرب في آلامه والتعبيرات الكثيرة التي وقعت عليه ، مع أنه بشهادة الأمم لم يوجد في فمه غش ( إشعياء 53 : 29 متى 27 : 24 )

  ويقول العلماء أيضاً إن دراسة إنجيلي متى ولوقا وظهور كميات كبيرة من التعاليم التي لا توجد في إنجيل مرقس بدل على أن هناك نبذة أخرى كتبت ودونت فيه كثير من تعاليم المسيح ، واستقى منها متى ولوقا هذه التعاليم الكثيرة ، وربما كتبت هذه التعاليم لكي يستخدمها معلمو الكنيسة في تعليم المسيحيين الأوائل الذي يحتاجون إلى هذه لإرشادات ، خاصة في المواقف المتشابهة التي مر بها يسوع في أيامه على الأرض ، ومرت بها الكنيسة الأولى بعد تكوينها في يوم الخميس .

  وقيل أن هناك نبذة ثالثة كتبها أحد  الكتبة المسيحيين المتمكنين في الكتب المقدسة تتضمن النبوات التي جاءت في العهد القديم وتشير إلى يسوع المسيح في ميلاده وفى حياته وموته وقيامته وصعوده إن هذه الاقتباسات الكثيرة من العهد القديم التي ظهرت في العهد الجديد لتدل على مجهود دراسي واسع في الكتب، واجتهاد كبير قام به واحد أو أكثر من المسيحيين الأوائل لكي يظهر أن رجاء العهد القديم قد تم في هذا الشخص.

  وهكذا يظهر أن نبذاً وكتابات متنوعة قد ظهرت على قصص وتعاليم ودراسات في حياة يسوع وعمله، ولكن كانت الخطوة الأخيرة هي كتابة الأناجيل كما سيأتي فيما بعد.

من كل ما تقدم يمكننا أن نستنتج الحقائق التالية:

  1- إن العهد الجديد كتاب  كنسي كتب في الكنيسة وبواسطتها ولأجلها ولكن لم يكتبه جماعة من العلماء الفلاسفة الذين جلسوا في برجهم العاجي وبدءوا يقصون أو يفلسفون أو يضعون عقائد لاهوتية ، إنه كتب لمواجهة حاجات الكنيسة المتنوعة ومواقفها المختلفة فالرسائل والأناجيل والأعمال والرؤيا كلها كتبت لتسد حاجة الكنيسة الصارخة ، يدلنا على ذلك غنى الخبرة المسيحية في العهد الجديد ، فمع أن عنصراً واحداً يسير في كل الكتاب إلا أننا نجد تنوعاً كبيراً فيه ، يحس به من يقرأ الأناجيل مقارناً إياها ، نعم فهناك تنوع لبن بولس ويعقوب بين يوحنا وكاتب العبرانيين بين متى ومرقس ولوقا ،والسبب لأن الكتب إلى مجتمعات بها مشاكل واحتياجات تختلف بعضهم عن البعض ، إنه كتاب كتب لمواجهة احتياجات الكنيسة .

  2- سبقت كتابة الأناجيل فترة فيها تبلورت التقاليد عن حياة وتعاليم لمسيح ، وذلك بناء على مواقف كنيسة محددة قابلتها الكنيسة في حياتها كانت تشابه المواقف التي قابلها يسوع في حياته ، فتذكر التلاميذ هذه الأقوال والتعاليم وطبقوها على هذه المواقف ، ثم هناك كلمات وتعاليم أخرى حفظها هؤلاء الناس عن ظهر قلب نظراً لمحبتهم لسيدهم ، وقد كانت هذه التقاليد إما مكتوبة في بعض النبذ وإما شفوية يتناقلونها من مكان ومن كنيسة إلى كنيسة.

  3- هذه التقاليد ترجع أصلاً إلى يسوع فهو الأساس الذي بنيت عليه الكنيسة المسيحية سواء أكان في تعاليمه أم في حياته أم موته وقيامته وصعوده إلى السماء، إنه حجر الزاوية.

نبذة عن الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.