تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » وحدة الجنس البشري وقِدَمُه

وحدة الجنس البشري وقِدَمُه

تأليف

القس جيمس أنس

راجعه ونقحه وأضاف إليه

الدكتور القس منيس عبد النور

الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة – القاهرة

وحدة الجنس البشري وقِدَمُه

1 – ما هو تعليم الكتاب المقدس في وحدة الجنس البشري؟

* هو أن للبشر أصلاً واحداً، فجميعهم متناسلون من رجل واحد هو آدم، وامرأة واحدة هي حواء. ومعنى «آدم» إنسانٌ (تك 5: 2) وأصله من كلمة قديمة «أدما» بمعنى الأرض وحُمرتها الطبيعية، لأن جسد الإنسان مكوَّن في الأصل من تراب الأرض. واسم المرأة «حواء» بمعنى أنها أم كل حي من البشر (تك 3: 20). ولما كان كل الجنس البشري متناسلاً منهما فقد سقط بسقوطهما، بدليل قول الرسول «بإنسانٍ واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا (نتيجة تلك الخطية) اجتاز الموت إلى جميع الناس» (رو 5: 12). وقيل إن الله «خلق من دمٍ واحد كل أمة من الناس» (أع 17: 26). فدخول الخطية في العالم وتأثيرها في كل البشر مبني على أنهم من أصل واحد ونوع واحد، وكذلك تعليمه في أن المسيح تجسّد ومات لأجل جنس واحد وهو الإنسان. وتتضمّن هذه المسألة قضيتين: وحدة النوع ووحدة الأصل. ولا تدل وحدة النوع بالضرورة على وحدة الأصل، فلو شاء الله أن يخلق مقداراً عظيماً من نباتات أو حيوانات من نوع واحد في أماكن شتى، لكانت نوعاً واحداً وإن لم تكن من أصل واحد، فأشجار البلوط مثلاً في لبنان وأوروبا هي نوع واحد، مع أنها ليست أصلاً من بلوطة واحدة. وربما سلَّم الجميع أن القسم الأعظم من النباتات والحيوانات وُجد أولاً مجموعات لا أفراداً ولا أزواجاً، أي أن الأرض أخرجت أفراداً كثيرة من نوع واحد. إذاً يُحتمل أن يكون جميع البشر نوعاً واحداً، وإن لم يكونوا جميعاً متسلسلين من آدم. وهذا كان رأي بعض الطبيعيين. ولكن الكتاب المقدس يعلّمنا أن جميع البشر نوع واحد ومن أصل واحد، أولاد أبٍ واحد ولهم طبيعة كطبيعته.

2 – هل تغيّر قول أهل العلم بهذا الشأن؟

* قبل شيوع مذهب النشوء قال بعض العلماء بعدم إمكان تناسل البشر من أصل واحد لما بين أجناسهم وقبائلهم من الاختلاف الطبيعي، وحسبوا هذا دليلاً على أنهم ليسوا نوعاً واحداً، وطعنوا في صدق تعليم الكتاب المقدس أن جميع البشر متناسلون من أبٍ واحد وأم واحدة. ولما شاع مذهب دارون تغيّر رأي العلماء في هذه المسألة، وقال جمهور منهم بتناسل كل الأنواع (بما في ذلك البشر) من أصل واحد. ثم انتفى الخلاف بين المذاهب العلمية والكتاب المقدس في شأن وحدة النوع البشري ووحدة أصله. ولما كان هذا الأمر عظيم الشأن وجب البحث فيه لنُثبت وحدة البشر نوعاً وأصلاً، ليس من تعليم الكتاب فقط بل بالأدلة العلمية أيضاً.

3 – ما هو المقصود بالنوع من ذوات الحياة؟

* اختلف علماء الطبيعة في حقيقة النوع، فقال بعضهم بكثرته وقال بعضهم بقِلّته. وحقيقة النوع عندنا تقوم باتفاق جميع أفراده في الصفات الذاتية الجوهرية، في ما يأتي:

(1) بوجود صفات النوع في كل فرد منه.

(2) بدوام تلك الصفات في الأجيال المتوالية على حالها.

(3) بالقدرة على التوالد.

4 – ما هي الأدلة العلمية على وحدة النوع؟

* الأدلة هي ما يأتي:

(1) البِنية وتركيب الجسم: لا يوجد في الحيوانات المخلوقة لتعيش على الأرض أعضاء تناسب العيشة في الماء، فليس للأسد والنمر والثور والحصان ونحوها ما للسمكة من خياشيم وآلات للتنفس وحرشف وزعانف وذنب كدفّة السفينة. فالسمكة مخلوقة لتسبح في الماء بأقل ما يمكن من الجهد، وزعانفها مجاديف لها، وذنَبها يدفع جسمها ويديره، وخياشيمها أو آلات التنفس تفصل الهواء عن الماء، وآلات الهضم فيها لهضم الطعام المعد لها في الماء لتعيش به. وكذلك جميع المخلوقات الأرضية التي خلق بعضها ليأكل اللحوم، وبعضها ليأكل الأعشاب، فإن أعضاء كل فرد منها يناسب بعضها بعضاً ويوافق طبيعة الحيوان بحسب نوعه. فالدليل على النوع هو اتفاق الأفراد في الأمور الذاتية الخاصة به دون غيره من الأنواع، كهيكل العظام وتوزيع الأعصاب والعضلات والشرايين والأوردة. وأما الاختلاف بينها فهو في الأمور العرَضية، وليس مهماً.

(2) طبيعة الجسد أو وظائف أعضائه، ومن هذا كل ما يتعلق بتوزيع القوة العصبية ودورة الدم والتنفس والهضم والتغذي والتناسل ووضع العضلات وغير ذلك، فإن لكل فرد من نوع واحد طبيعة جسدية توافق بنيته الآلية، وهي لا تتغيّر في كل فرد من نوع واحد.

(3) طبيعة القوى المدرِكة في الحيوان، أي صفات ذلك العنصر غير المادي الذي به تستقر الحياة والغرائز والميول الطبيعية وقوة التمييز، وهي في بعض الأنواع أسمى درجة مما هي في غيرها، وتنمو بدرجات متفاوتة كما يُرى في بعض الحيوانات كالفيل والكلب. ولها في كل نوع صفات لازمة متفاوتة، فإن غرائز وعادات النحلة والنملة والطيور والأسماك والحشرات هي واحدة في كل من هذه الأنواع في كل الأجيال والقرون في كل أقطار المسكونة.

(4) الدوام وقابلية التوالد أو قوة إنشاء النسل لغير نهاية في كل ما يدخل تحت ذلك النوع من الأصناف والعائلات والأفراد. فالحيوانات التي من نوع واحد تقدر أن تلد كجنسها، وأما التي من أنواع مختلفة إذا خالط بعضها بعضاً فلا يمكن أن تنشئ نوعاً جديداً له قابلية الدوام بخواصه الممتزجة بواسطة التناسل كالبغل ونحوه. وذلك مسلَّم به عند كل علماء الطبيعة.

5 – ماذا يتبيّن لنا من تطبيق الأدلة الأربعة المار ذكرها في وحدة النوع البشري؟

* يتبيّن أن العائلة البشرية كلها نوع واحد فقط من الأدلة الآتية:

(1) تركيب الإنسان الجسدي واحد في كل أفراد البشر. فعدد العظام في هيكل الجسد وترتيبها ووضعها، ونظام الأوعية الدموية والدماغ والنخاع الشوكي والجهاز العصبي والعضلات والرئتان والمعدة هي واحدة في الجميع. نعم بين أصناف البشر وأفراد كل صنف اختلافات كثيرة في الحجم ولون البشرة ونوع الشعر، غير أن هذه الاختلافات: (أ) في العرَضيات فقط، فليس بين شخصين من عائلات مختلفة من البشر اختلاف قدر ما بين أصناف الكلاب والخيل. (ب) لم تنشأ تلك الاختلافات من الفرق في التركيب. (ج) نشأت كل الاختلافات من الفرق في محل السكن والغذاء وطرق المعيشة وتأثير التناسل في إبقاء الخواص العرضية. ومما يؤيد ويبيّن جيداً تأثير ما ذُكر في تغيير عرضيات الأصناف دون ذاتياتها بحيث تبقى نوعاً واحداً ما نراه في الحيوانات الأقل رتبة. وتظهر أيضاً وحدة كل أصناف البشر في بنيتهم الجسدية من اتفاق كتب علم التشريح في كل الدنيا.

(2) طبيعة الإنسان الجسدية واحدة في جميع أفراده، فلا فرق بين طبيعة الأسترالي والأسيوي والأفريقي في التنفس والهضم والإفراز والولادة، لأن جميعها تجري على نمط واحد في كل أصناف البشر.

(3) طبيعة القُوى الروحية واحدة في البشر. ولما كان هذا أعظم واسطة لتحقيق وحدة أفراد النوع، وكان العنصر غير المادي هو الأهم في بنية كل مخلوق حي، كان اتفاق الأفراد فيه دليلاً قاطعاً على أنهم نوع واحد. أما نفوس البشر فلا محل للشك في أنها تتفق تماماً في الجوهر والصفات الغريزية والعقلية، فلا تخلو واحدة منها من العقل والعواطف والإرادة الحرة والضمير، وللجميع طبيعة واحدة أخلاقية ودينية متشابهة وعلاقة واحدة بالله.

(4) الدوام وقوة التوالد لغير نهاية في كل أفراد البشر، فيمكن أن يتزاوج البشر من كل جنسية وينجبون نسلاً يحمل صفات والديه.

ويستند البرهان على وحدة النوع البشري على هذه الأمور الأربعة المتقدمة معاً لا على واحدة منها فقط، أي أن الاتفاق في كل ما تقدم (في وحدة البنية الجسدية، وطبيعة الجسد، وطبيعة البنية الروحية، والقوة لإنشاء النسل لغير نهاية) واقع في كل أصناف العائلة البشرية حيثما وجدت وفي أية حالة وُجدت عليها.

6 – هل لنا أدلة غير ما تقدَّم على وحدة النوع البشري؟

* نعم ومنها مماثلة أحوال البشر الروحية. وهذا الدليل أقوى من كل ما سواه، لأنه مبني على حالة طبيعتنا الأخلاقية والروحية الحاضرة. فتشبه طبيعة كل فرد في العالم طبيعة الآخرين، وكذلك قواه العقلية وحواسه الروحية وإرادته وضميره، بل من قابلية التربية أيضاً، وكذلك الطبيعة الفاسدة واحتياجه للفداء. ويؤيد ذلك موت المسيح عن جميع البشر، وأمره لكنيسته أن تبشر بالإنجيل كل خليقة تحت السماء، وأيضاً عدم وجود قوم على الأرض لا يحتاجون إلى الإنجيل، أو لا يقدرون أن يشتركوا في بركاته.

وجمع أحد العلماء الأدلة على وحدة النوع البشري على ما يأتي:

(1) وحدة جميع ظواهر علم وظائف الأعضاء وعلم الأمراض وعلاجها.

(2) وحدة تركيبهم التشريحي حتى أن الجرّاح الذي درس الجراحة في بلدٍ ما يقدر أن يُجري جراحة حيثما وُجد في جميع أفراد العائلة البشرية.

(3) وحدة قواهم العقلية والأخلاقية، حتى أنه إذا انحطت قبيلة لا تفقد مشابهتها لسواها من القبائل في تلك القُوى، ولا تفقد أصول أفضل الصفات ولا القدرة على تحصيل أسمى المعارف.

(4) وحدة حدود العُمر تحت أحوال متشابهة.

(5) وحدة درجة الحرارة الجسدية في الجميع وكذلك معدل عدد النبض وانقباض القلب.

(6) وحدة مدة حمل الجنين.

(7) تفرقهم إلى كل العالم حسب التاريخ من مركز واحد هو غرب آسيا.

(8) ما بين جميع الأمم من الرُّبط القوية اللغوية التي تربط العائلة البشرية معاً حيثما تشتّتت في كل أقطار المسكونة.

(9) ما تشترك فيه جميع الأمم من العادات والتقاليد.

7 – هل لنا في الكتاب المقدس ما يعيّن ابتداء وجود الإنسان على الأرض بالضبط؟

* لا نقدر أن نستدل من الكتاب المقدس على طول المدة بين إيجاد الأرض وخلق الإنسان، ولا من خلق الإنسان إلى الآن. ولا شك في أن ذلك لم يكن من مقاصد الكتاب، الذي قدَّم لنا جداول نَسَب الآباء الأوَّلين بهدف تعريفنا بتفرُّع الشعوب من آدم، وذكر شجرة نسب الأمَّة التي أتى منها المسيح. وهذه لا تكفي لمعرفة عمر الأرض أو الإنسان، فقد كان اليهود يسندون الفعل «وَلَدَ» إلى الجد وجد الجد، وعلى ذلك قد يكون مفعوله إما الابن أو الحفيد حتى الجيل الرابع. ومن أمثلة ذلك قول كاتب سفر التكوين بعد ذكر بني زلفة وأحفادها وأحفاد بنيها «هؤلاء بنو زلفة التي أعطاها لابان لليئة ابنته، فولدت هؤلاء ليعقوب ست عشرة نفساً» ثم قوله في الكلام عن بلهة «فولدت هؤلاء ليعقوب. جميع الأنفس سبع» (تك 46: 15، 18، 22، 25) وواضح أن زلفة وبلهة لم تلدا بنفسيهما هذا العدد. وقال البشير إن «يوشيا ولد يكنيا» وهو حفيده، وإن «يورام ولد عزيا» وهو ابن حفيده (مت 1: 11، 8). وقال سفر التكوين إن كنعان حفيد نوح ولد عدة قبائل كاملة «اليبوسي والأموري والجرجاشي والحويّ» (تك 15:15-20).

وقد اختلف علماء الكتاب المقدس في الحسابات المذكورة فقال البعض إن المدة بين آدم والمسيح سبعة آلاف سنة، وقال غيرهم أنها ستة آلاف سنة وقال غيرهم إنها 3500 سنة. وبما أن الله لم يقصد أن يعلّمنا في كتابه مدة وجود الإنسان على الأرض فلا يُحسب عدم ذكر هذه المدة نقصاً فيه. وأما جداول الأنساب فالقصد بها أن تثبت أن المسيح هو ابن داود ومن نسل إبراهيم، لا بيان عدد السنين من خلق العالم إلى مجيء المسيح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.