تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » وصية الوالدين – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

وصية الوالدين – عظة مكتوبة – الدكتور القس غبريال رزق الله

منقول من موقع

ghobrialrizkallah.org

 

وصية الوالدين

 

(تك 18 : 16 – 22) ، (مر 10 : 13 – 16) ، (أع 16 : 25 – 34)

“لأني عرفته لكي يوصي بنيه وبيته من بعده”، “هل أُخفي عن إبراهيم”.

ليس إبراهيم بعد، وفي سفر التكوين الأصحاح السابع عشر تغير اسمه من أبرام ومعناه الأب الرفيع المقام إلى إبراهام وهو المترجم إبراهيم، في العربية أبو راهام أي أبو عددٍ كبيرٍ أي أب جمهورٍ كثيرٍ من الأمم، “لا يُدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك (أبراهام) إبراهيم”، أي أب جمهورٍ كثيرٍ من الأمم، وحيث أنه قد أصبح أبٌ لجمهورٍ كثيرٍ من الأمم بمقتضى العهد الذي دخل فيه مع إيل شدّاي، الإله القدير الذي ظهر له وقال له: “أنا الإله القدير”، ودخل معه في عهدٍ، وهنا تأتي المسئولية،، أي مسئوليةٌ خطيرةٌ! أبٌ لجمهورٍ كثيرٍ، هذه مسئولية عُظمى نحو هذا الجمهور الكبير، وكيف صارت؟ ومن أعطاه أن يكون بهذا اللقب أبٌ لجمهورٍ كثيرٍ من الأمم؟ فُسر هذا في كلمة “عرفته” يقول الله عن إبراهيم بعد ما قطع معه العهد ولم يعد أبرام بل إبراهيم، يقول الرب قد عرفته بهذا الاسم، بدأت المعرفة، لا يُدعى بعد أبرام فلستَ أباً رفيعاً فحسب أنت أبراهام أبٌ لجمهورٍ كبيرٍ من الأمم، عرفته، هكذا قال، هكذا عينه، هكذا أقامه، هكذا اختاره إذ دعاه أبراهام أو إبراهيم، يقول: “بهذا عرفته”، دعوته، أخذته، عينته، أقمته، كل هذا متضمنٌ في الكلمة عرفته، ليس كما يعرف التلميذ المدرس، ولا كما يعرف المعلم المشكلة أو المسألة، بل هي معرفة الاختيار الأزلية بحسب القصد السماوي، للمدعوين بحسب قصده “لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم …. والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضاً”.

وهذا الاختيار بهذه المعرفة الخاصة حسب القصد الأزلي دخل أبراهام في قصد الله، عرفته، قصدته ليكون، أقمته ليكون، عينته ليكون، وماذا يكون؟ يكون وصياً “لكي يوصي”، وهل كما قال الرسول: “كان لنا آباء أجسادنا مؤدِّبين وكنا نهابهم … أولئك أدبونا أياماً قليلة حسب استحسانهم”، هل أقامه الله ليوصي بنيه بحسب استحسان أبراهام؟ بالعقل البشري بالفكر الإنساني بكل ما يتصوره الوالدون؟ ليس الأمر كذلك فقد سبق أن دعاه وهو في أرض مولده في بيت أبيه وقال له: “اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك … فأجعلك أمةً عظيمةً … وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض”، مسئولية خطيرة، موقفٌ ما أرهبه، كيف يمكن أن يكون ذلك؟ مركزٌ حرج، موقفٌ خطيرٌ، “تتبارك فيك جميع قبائل الأرض”، ولم يكن له نسلٌ في ذلك الوقت، وإذ أُعطيَ النسل الموعود به لما خرج وأطاع في إسحق، أتاه الوعد ليس “تتبارك فيك جميع قبائل الأرض”، بل “ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض”، نسلٌ لا مباركٌ فحسب بل مباركٌ فيه تتبارك جميع قبائل الأرض، أمرٌ عجيبٌ.

هنا مركز إبراهيم لا إبرام، “أبٌ لجمهورٍ من الأمم”، فيه تتبارك جميع قبائل الأمم، في نسله تتبارك جميع قبائل الأرض، مسئولية خطيرة، أن يوصي، وبماذا يوصي؟ وما هي الوصية التي  يوصَي بها؟ هل استحسان عقله؟ أهي شهادة خبرةٍ؟ أهي اختباراته الشخصية؟ كل ذلك باطلٌ فإنه من هذا القديم كان إبراهيم، أبرام أصلاً وثنياً ولد في عائلةٍ تعبد الأوثان، يعبدون الآلهة الغريبة، يعبدون أفلاك السماء وأسماك البحار وحيوانات الأرض، هل يمكن أن يُسلَّم أبرام وهو في هذه الحالة هذه المسئولية الخطيرة، أن يكون بركةً، وهذه البركة عن طريق الوصية التي بها يوصى، كيف يوصى؟ وبماذا يوصى؟ وهنا مسئولية الوالدين، أن يوصي كل أب وكل أم أولادهم.

بماذا يوصي؟ لم يكن لأبرام بعد وحيٌّ في أيامه فلم تكن الكتب المقدسة قد برزت في الوجود التي جاءت في أيام موسى الذي جاء بعد أبرام بعددٍ كبيرٍ من السنوات، لم تكن هناك كتب مقدسة يقرؤها الناس، فبأي وصيةٍ يوصي، لذلك كانت الوصية ثابتةً بالإعلانات ولا يصح أن تكون وصيةٌ ما من شخصٍ مسئولٍ إلى الذين هو مسئولٌ عنهم بغير إعلانٍ من السماء، لا بمقتضى احسانهم، “أولئك أدبونا بحسب استحسانهم”، وهل من منفعة؟ كلا، وأما هذا فللمنفعة.

إذاً فما هي الوصية التي للمنفعة؟ ولمنفعة من؟ وتعود لمن؟ كلها تعود لله ولمنفعة البشرية للحياة الأبدية. ولا يمكن أن يكون هذا إلا بإعلانٍ سماويٍّ، أما نحن الآن فعندنا الوصية التي يوصي بها  لا ننتظر إعلاناً يأتي ولا يعتمد على شهادة ضمائرنا، ولا نثق في اختباراتنا فكلها باطلة، بل في الإعلانات في الكتب المقدسة، هذا هو ينبوع التعليم والحق، “فأنت منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة (وحدها لا قوة في غير الكتب المقدسة) أن تحكمك للخلاص”، ولم يقف عند كلمة الخلاص “الخلاص بالإيمان” أي لا بالأعمال الذي هو النعمة المعطاة من الله أن نخلص لا بأعمالنا بل نخلص بإيماننا.

وأين هو الخلاص بالإيمان؟ لم يسكت الرسول بولس عند هذا الحد بل قال: الخلاص بالإيمان “الذي هو في المسيح يسوع”، فإن كان إبراهيم مسئولا مسئوليةً عظمى كانت مسئوليته أن يأخذ الإعلانات من السماء ويوصي بها بنيه وبيته من بعده لكي يأتي الله بما وعد به بالعهد المقطوع، والعهد المقطوع اليوم هو عهد الآب مع ابنه يسوع من أجل مختاريه في المسيح ليس من البشر ولا من المعلمين ولا يوجد معلمٌ مسئولٌ أن يعطي من نفسه شيئاً وإلا يبتعدوا عن التعليم الحق، الكتب المقدسة، وأية كتبٍ هي؟ لقد ألقينا جانباً كتب العهد القديم المقدسة التي هي “ناموس موسى والأنبياء والمزامير” التي استخدمها السيد المسيح ليعلن فيها ما شُهد فيها عنه حتى أنه قبل صعوده إلى السماء فتح ذهن تلاميذه ليفهموا كل ما جاء عنه في ناموس موسى والأنبياء والمزامير مفسرةً في العهد الجديد.

لا إعلانٌ جديدٌ، الكتب المقدسة التي تعلمها تيموثاوس منذ الطفولية، وكيف تعلمها؟ يقول الرسول بولس: “الإيمان الذي فيك وكان في أمك أفنيكي وجدتك لوئيس”، من أمٍ إلى جدةٍ، بيتٌ مؤسسٌ على ما جاء في ناموس موسى والأنبياء والمزامير، هكذا كان بيت تيموثاوس، هي الكتب التي كرز بها بولس لبيت السجان فآمن واعتمد هو وكل بيته فكان فرحٌ لهذا البيت بالإعلان الذي جاء في الكتب المقدسة قديماً، هذه هي الكلمة النبوية التي قال عنها بطرس: “تفعلون حسناً إن انتبهتم إليها”، وعندما يلتفتون إليها يلتقون بسرٍ، كشفٌ إلهيٌّ: “اكشف عن عينيَّ فأرى عجائب من شريعتك”، إذ ينكشف أمامنا، ينكشف شمس البر يسوع المسيح في قلوبنا “لأنه لم تأت نبوةٌ قط بمشيئة إنسانٍ بل تكلم ُأناس الله القديسون”. هذه هي الوصية الموضوعة على الوالدين أن يوصوا بنيهم وبيتهم من بعدهم.

وأساس الكتب السماوية والكتب المقدسة هل نعرفه؟ لماذا ندرس الكتب؟ لماذا نقرأ الكتب المقدسة قديماً سفر التكوين إلى ملاخي إلى يوحنا المعمدان حتى يأتي المسيح الذي هو موضوع تلك النبوات، الذي هو أساس هذه النبوات، “فتشوا الكتب التي تشهد لي لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية”.

فمسئولية الوالدين خطيرة، هل نعرف الكتب لكي نعلم أولادنا على أساسٍ متينٍ، وربوهم في الحق لينموا في الحق لتتم هذه الوصية.

المعادي – الأحد   3 / 7 / 1977

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.