تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » وظيفة المسيح الملكية

وظيفة المسيح الملكية

تأليف

القس جيمس أنس

راجعه ونقحه وأضاف إليه

الدكتور القس منيس عبد النور

الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة – القاهرة

وظيفة المسيح الملكية

1 – هل أقام الله ملكوتاً في العالم، وما قولك فيه؟

* الله هو الحاكم المطلق على جميع الخلائق، لأنه خالق الكون وحافظه، وغير محدود في ذاته وكماله، وهو يمارس سلطانه على العالم المادي بواسطة القوانين الطبيعية التي وضعها، وعلى المخلوقات التي تأتمر بشرائعه الأخلاقية. ولما عصى البشر سلطان الله العادل صاروا قسماً من ملكوت الظلمة تحت رياسة إبليس، وذلك منذ سقوط آدم إلى الآن. فقصد الله بنعمته ورحمته أن يخلِّصهم من عواقب السقوط، فأعلن لهم مجيء فادٍ يبيد قوة إبليس، وأقام في الحال ملكوتاً مضاداً لملكوت الشر، مؤلَّفاً من الذين اختارهم من العالم وردَّهم إلى طاعته بواسطة تجديد الروح القدس. وكان ذلك الملكوت في أول الأمر هو بيوت شعب الله، كل بيتٍ تقيٍ كنيسةً رأسه كاهنها، وبقي كذلك إلى زمن إبراهيم.

وأقام الله عهداً مع إبراهيم أب المؤمنين ومع نسله، ليمنع انتشار عبادة الأصنام، ويصون معرفة الحق، ويجمع مختاريه، ويجهز الطريق لمجيء الفادي الموعود به، فجعلهم ملكوته المنظور، وائتمنهم على إعلاناته. وفي هذا العهد وعد كل الذين يؤمنون بمواعيده ويطيعونه بالحياة الأبدية.

ولما أخرج موسى بني إسرائيل من مصر صاروا جماعة تحت رياسة الله الخاصة، وانتظمت شريعتهم وعبادتهم وخدمتهم الدينية، ليُبقوا معرفة مقاصد الله في الخلاص ويبيّنوا كيفية إتمامها، ويعلنوا مجيء المسيح، نسل إبراهيم الموعود به، بركةً لشعوب الأرض، ويعلنوا صفاته ووظائفه وعمله.

كان ملكوت الله إذاً في العالم منذ سقوط آدم إلى الآن، وهو مؤلَّفٌ من الذين يعترفون أن الله هو الإله الواحد الحي الحقيقي، ويعبدونه ويحبونه ويطيعونه. فالملكوت دائماً نور العالم وحياته، والملح الذي يصلحه، والخميرة التي يختمر بها. وغاية الله في كل معاملاته مع البشر، وتجسد ابنه الأزلي هي جمع شعبه في هذا الملكوت وإكماله إلى النهاية، فقد وُلد المسيح ليكون ملكاً، وعاش ومات وقام من الموت ليكون رباً للذين أعطاه إياهم الآب.

2 – بماذا يمتاز سلطان المسيح باعتباره وسيطاً عن سلطانه باعتباره إلهاً؟

* سلطان المسيح باعتبار لاهوته من مقتضيات طبيعته الإلهية، فلم يأخذه من أحد. وهو مطلق أبدي غير متغير. أما سلطانه باعتباره وسيطاً فأخذه من الآب جزاء طاعته وآلامه إتماماً لعمل الفداء، وهو سلطان خاص بوساطته لخلاص شعبه، وبهذا السلطان أجرى مقتضيات الفداء، وتمّم عهد النعمة. وهو سلطان خاص به باعتباره إلهاً وإنساناً معاً، ووسيطاً بين الله والبشر، لا باعتبار لاهوته فقط.

3 – ما معنى أن المسيح ملك؟

* قلنا إن ملكوت الله كان منذ خلق الإنسان. ولما كان كل ما يتعلق به قبل مجيء المسيح استعداداً فقط، قيل في العهد القديم إن المسيح ملك سيقيم مملكة تنتهي فيها أخيراً سائر الممالك. ولذلك كان من ألقابه «الرب» ومعناه المالك والمتسلط. فإذا استعمل هذا اللقب لله أو للمسيح كان المعنى المالك أو المتسلط المطلق. فالمسيح هو ربنا لأنه الإله المتجسد، علاوة على حقوقه وسلطانه علينا باعتباره إلهاً ونحن له لأنه اشترانا بدمه، وقد أقامه الله ملكاً على صهيون جبل قدسه.

4 – ما هي أدلة العهد القديم على أن المسيح ملك؟

* أدلته: إنه «شيلون» الذي له يكون خضوع الشعوب (تك 49: 10) وإنه هو الذي قيل فيه «يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب (صولجان) من إسرائيل» (عد 24: 17). وأقام الله عهداً مع داود بقوله «ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كرسيك يكون ثابتاً إلى الأبد» (2صم 7: 16). وإنجازاً لهذا الوعد تنبأ إشعياء بأن العذراء تلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل (إش 7: 14) «تكون الرياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً، أباً أبدياً رئيس السلام. لنمو رياسته، وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنع هذا» (إش 9: 6، 7). وقال الله في مز 2: 6، 8، 9 مشيراً للمسيح «مسحتُ ملكي على صهيون جبل قدسي.. اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض ملكاً لك. تحطمهم بقضيبٍ من حديد مثل إناء خزافٌ تكسرهم». وكل ما جاء في مز 45 و72 و110 هو في شأن مُلك المسيح. وقيل في دانيال «مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقرّبوه قدامه، فأُعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً، لتتعبّد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض» (دا 7: 13، 14). وقال ميخا «أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنكِ يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل» (مي 5: 2). وقال زكريا معزياً الشعب بعد السبي «ابتهجي جداً يا ابنة صهيون. اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليك. هو عادل ومنصور وديع، وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان» (زك 9:9). وكما كان كهنوت النظام القديم وذبائحه وأنبياؤه رموزاً إلى وظيفتَي المسيح النبوية والكهنوتية، هكذا كان ملوك إسرائيل رموزاً إلى وظيفته الملكية وكان النظام الإلهي تحت رياسة الله في العهد الموسوي رمزاً إلى النظام الروحي تحت رياسة المسيح في العهد المسيحي.

5 – ما هي أدلة العهد الجديد على أن المسيح ملك؟

* ذُكر مُلك المسيح في العهد الجديد تتميماً لما سبق من النبوات بمجيئه. قال الملاك جبرائيل لمريم العذراء لما أعلن لها قرب ميلاده «ستحبلين وتلدين ابناً وتسمّينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلي يُدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لمُلكه نهاية» (لو 1: 31-33) وأعدَّ يوحنا المعمدان الشعب لمجيء المسيح بقوله «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات» (مت 3: 2). وبشر المسيح نفسهُ عند شروعه في خدمته الشخصية في كل مكان ببشارة ملكوت الله (مر 1: 14) وكان كثير من تعليمه لإظهار حقيقة الملكوت الذي جاء ليقيمه (لو 32: 2 ويو 1: 49 وأع 2: 33، 36 و10: 36 وعب 1: 3 و7: 2 و12: 2 ورؤ 15: 3 و17: 14 و19: 16 وأف 1: 20-22 و1بط 3: 22 وفي 2: 9، 10). فلا شك أن المسيح حسب الكتاب ملك ويجب اعتباره كذلك.

6 – في أي وقت تولى المسيح المُلك قانونياً؟

* نؤمن أن المسيح وإن كان وسيطاً منذ سقوط الإنسان، إلا أنه لم يتولَّ المُلك علناً ويملك قانونياً إلا منذ صعوده بعد القيامة ليجلس عن يمين الآب. ومما يبرهن صحة هذا الرأي نبوات العهد القديم بأن ملكوته آتٍ (مز 2: 6 وإر 23: 5 وإش 9: 6 ودا 2: 44) وإعلان العهد الجديد أنه أتى في مجيئه الأول وأسّس ملكوته، وصعد ليأخذ المُلك، كما يتبيّن من قول المعمدان إن ملكوت السماء قد اقترب، ومن قول المسيح نفسه إن ملكوت الله قد حضر. وزعم قوم من القائلين بمجيء المسيح ليملك شخصياً على الأرض مدة ألف سنة أنه لم يأخذ ملكه بعد، ولن يأخذه إلى أن يأتي منظوراً ليجلس ملكاً على كرسي المُلك في أورشليم (انظر فصل 40).

7 – ما هي المعاني المختلفة لكلمة «ملكوت» في الكتاب المقدس؟

* للكلمة اليونانية المترجمة «ملكوت» أو «مملكة» أو «مُلك» في الكتاب المقدس ثلاثة معانٍ: (1) السلطان أو السلطة الخاصة بالملوك. (2) الخاضعون لهذا السلطان. فإن المملكة عند البشر هي الجماعة أو البلاد التي يتولى الملك أمرها. ويسمّي العهد الجديد الذين يعترفون بمُلك المسيح عليهم «مملكته». (3) ما ينشأ عن إجراء السلطان الملكي من خضوع اختياري لهذا السلطان، وهذا المعنى مجازي. فالمعنى الأول هو المقصود بالقول إن المسيح أُعطي ملكوتاً أو سلطاناً، وبقوله «ليأتِ ملكوتك» وقول الملاك «لا يكون لملكه نهاية». والمعنى الثاني هو المقصود بالقول إن الناس يدخلون ملكوت المسيح أو يخرجون منه. والمعنى الثالث هو المقصود بالقول إن الناس يرثون ملكوت الله أو يتمتعون به أو يطلبونه أو يفضّلونه على الكنز المخفى، ولذلك قيل إنه قائم بالبر والسلام والفرح في الروح القدس (رو 14: 17). فهذه جميعها من نتائج ملك المسيح. وجاءت كلمة ملكوت في العهد الجديد بهذا المعنى نحو 137 مرة، منها عشرٌ في الأناجيل وعشرون في الرسائل. ولم يوصف هذا الملكوت بأنه كنيسة إلا مرة واحدة في الأناجيل و88 مرة في الرسائل وسفر الرؤيا. فيتضح من ذلك أن الملكوت الذي كان المسيح مزمعاً أن يؤسسه كان الموضوع العظيم في الأناجيل، وأنه بعد تأسيسه وتنظيمه (أي جعله كنيسة) كان الموضوع العظيم في الرسائل بعد صعود المسيح وحلول الروح القدس في يوم الخمسين.

8 – ما هي أسماء الملكوت في الكتاب المقدس؟

* هي «ملكوت المسيح» و«ملكوت ابن الله» لأن المسيح تولى تدبيره، وفُوِّض السلطان الملكي عليه. و«ملكوت الله» لأن المسيح هو الله، ولأنه الملكوت الذي أقامه الله على الأرض تمييزاً له عن ممالك البشر. و«ملكوت السموات» لأن ملكه ساكن في السماء، ولأنه روحي سماوي، ولأنه سيكمل في السماء. وقد سُمي أيضاً بأسماء مختلفة بالنظر إلى ممارسة المسيح سلطانه الملكي فيه، كملكوت السلطة وملكوت النعمة وملكوت الرئاسة الكنسيّة وملكوت المجد السماوي. وهذه سنذكرها الآن بالتفصيل.

9 – ما معنى ملكوت السلطة؟

* للمسيح ما يسميه اللاهوتيون «ملكوت السلطة أو القوة» إشارة إلى سلطانه على الكون، ويريدون بذلك أنه باعتباره إلهاً وإنساناً معاً ووسيطاً بين الله والناس قد دُفع إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض (مت 28: 18). قال المرنم إن الله قصد أن يكون كل شيء تحت قدمي الإنسان (مز 8: 6) وقال الرسول إن الله أكمل هذا القصد في ارتفاع المسيح، إذ «أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه في السماويات فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يُسمَّى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضاً، وأخضع كل شيء تحت قدميه، وإياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة» (أف 1: 20-22). وجاء هذا الأمر في قول الرسول إنه لما وُضع كل شيء تحت قدمي المسيح لم يستثنِ من هذا الخضوع إلا الذي أَخضع له الكل (1كو 15: 27). وإنه إذ أخضع الكل (أي الكون) له لم يترك شيئاً غير خاضعٍ له (عب 2: 8). وهذا السلطان العام يتضمنه جلوس المسيح عن يمين الله. فالمسيح المعادل لله وقد أخذ صورة العبد رفعه الله وأعطاه اسماً فوق كل اسمٍ، لتجثو باسم المسيح كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض (في 2: 9، 10) وهذا القول شامل، لأن «كل من في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض» يعم كل الخلائق الناطقة. والذي تجثو له كل ركبةٍ هو يسوع، لا باعتباره الكلمة الأزلي، بل باعتباره الإله المتأنِّس (يو 1: 14) وهم يعترفون أنه الرب، أي ربهم وملكهم. وبهذا المعنى نفسه قال الرسول إن الله جعل الابن وارثاً لكل شيء (عب 1: 2). وباعتبار هذا السلطان على الكون سُمّي المسيح «رب الأرباب وملك الملوك» أي الذي له كل سلطان على قوات السماء والأرض.

10 – كيف يُجري المسيح هذا السلطان العام؟

* يُجريه بالعناية بكنيسته، فيرسل الملائكة لخدمة ورثة الخلاص، ويضبط ويقيِّد الرؤساء والسلاطين وولاة العالم وأجناد الشر الروحية (أف 6: 12) ويدبِّر جميع أمور الشعوب والأفراد، ويرتب كل الحوادث المتعلّقة بشعبه أفراداً وبكنيسته إجمالاً لأجل هذه الغاية. ويقول الرسول بولس إن عناية المسيح الضابطة تدبّره في جميع سبله.

فالمسيح الآن هو إله العناية، وهو الذي يضبط الكون. وهذا السلطان أو هذا الملكوت يدوم إلى أن تتم غايته، ويُخضِع جميع أعداء المسيح وكل أنواع الشر والموت، ثم يسلم هذا المُلك لله الآب. وينتهي سلطان المسيح على العالم باعتباره الوسيط بين الله والناس (1كو 15: 24). ونستنتج من أف 1: 10 وكو 1: 20 عموم رئاسة المسيح على الأرضيات والسماويات معاً.

11 – ما معنى ملكوت النعمة؟

* هو ملكوت المسيح الروحي، وهو غير ملكوت السلطة. وله جانبان: (1) علاقة المسيح بشعبه الحقيقي أفراداً وإجمالاً، أي الكنيسة غير المنظورة. و(2) علاقته بالكنيسة المنظورة أي جماعة الذين يعترفون بأنهم شعبه. وبناءً على ذلك هو ملك كل نفس مؤمنة لأنه ينقلها من ملكوت الظلمة ويُخضعها لنفسه ويتسلط فيها ويملك عليها روحياً. ويعترف كل مؤمن أن المسيح هو ملكه وذو السلطان المطلَق عليه وربّ حياته الظاهرة والباطنة، ويسلم إليه عقله وضميره وقلبه تسليماً كاملاً، ويعبده ويحبه ويطيعه ويحتمي به من جميع الأعداء المنظورة وغير المنظورة، ويتكل عليه طالباً العون في زمن الحاجة راجياً منه النصرة الأخيرة. والخلاصة أن المسيحي أمين للمسيح ضابط حياته، فيتصرّف كجندي صالح للمسيح، وينفِق ويُنفَق في خدمته وفي توسيع ملكوته.

12 – ما هي شروط الدخول في هذا الملكوت الروحي؟

* هي التوبة والإيمان والتجديد الداخلي، كما يتضح من قول المسيح «إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله» (يو 3: 5) وقوله «إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات» (مت 18: 3). ومن شروطه أيضاً طهارة الحياة. قال الرسول إن الظالمين لا يرثون ملكوت الله (1كو 6: 9، 10). وأيضاً إن الذين يرتكبون الزنا والعهارة والنجاسة والدعارة وعبادة الأوثان والسحر والعداوة والخصام والغيرة والسخط والتحزب والشقاق والبدعة والحسد والقتل والسُّكر والبَطر وأمثال هذه لا يرثون ملكوت الله (غل 5: 19-21).

ويعلّمنا الكتاب أيضاً أن مجرد الاعتراف الشفاهي غير كافٍ للدخول في هذا الملكوت. قال المسيح «ليس كل من يقول لي: يا رب، يا رب، يدخل ملكوت السموات» (مت 7: 21). ولا الصرامة في ممارسة الفرائض والطقوس، فقد قال المسيح «إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات» (مت 5: 20) وقول الرسول «لأن اليهودي في الظاهر ليس يهودياً، ولا الختان الذي في اللحم ختاناً» (رو 2: 28). «لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة» (غل 5: 6). «الذي مثاله يخلِّصنا نحن الآن أي المعمودية، لا إزالة وسخ الجسد، بل سؤال ضمير صالح عن الله» (1بط 3: 21). ولا عضوية الكنيسة المنظورة حسب قول المعمدان «لا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم إن لنا إبراهيم أباً» (مت 3: 9). وقول الرسول «ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون» (رو 9: 6). وعلى هذا فإن ملكوت المسيح هو جماعة روحية مؤلَّفة من الذين هم في الباطن شعبه بالحقيقة.

13 – ماذا تطلبه أحكام هذا الملكوت الروحي؟

(1) الإيمان بالمسيح. وهو الاعتقاد القلبي أنه ابن الله ومخلِّص العالم، وتسليم القلب له والاتكال عليه بناءً على أنه نبيُّنا وكاهننا وملكنا، وهو الأمر الأول المطلوب والأعظم. وتتحد بهذا الإيمان المحبة الفائقة حسب قول المسيح «من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني. ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني.. من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها» (مت 10: 37، 39). «إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً، فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً» (لو 14: 26) وقول الرسول «إن كان أحد لا يحب الرب يسوع فليكن أناثيما. ماران أثا» (1كو 16: 22). وتتعلق بهذه المحبة الفائقة كل العواطف الدينية الأخرى، فيطلب من المسيحيين أن يعبدوا المسيح (1كو 1: 2) ويكرموه كما يكرمون الآب (يو 5: 23) ويؤمنوا به كما يؤمنون بالله (يو 14: 1). فالذي يرفض عبادة المسيح باعتباره الله الذي ظهر في الجسد يذنب كمن يرفض عبادة الله باعتباره الإله الواحد الحي الحقيقي. فهو في الحالين يخالف ناموس الملكوت الأساسي، ويستحق أن ُيُقطع كمذنب. ولكن إذا اعترفنا أن المسيح هو ربنا وإلهنا كما اعترف توما (يو 20: 28) وجب علينا أن نعبده ونطيعه، لأن علاقتنا به كعلاقة العبد بسيده. غير أن خضوعنا له هو بالاختيار والسرور. ونحن له، لا لأنه الخالق ونحن الخليقة فقط، بل لأنه الإله الذي اتحد بالناسوت واشترانا بدمه (1كو 6: 19، 20). فإرادته هي التي تضبط سلوكنا وتحدّد لنا ما نفعله. وكل ما نربحه من المعرفة والمال والمكانة الاجتماعية هو له، ويصبح هو غاية حياتنا، وشعارنا «لي الحياة هي المسيح» (في 1: 21) فننفق قُوانا ونبذل جهدنا في تمجيد اسمه وتوسيع ملكوته.

(2) طهارة القلب والحياة: فالمؤمنون مطالبون أن يكونوا مساكين بالروح وودعاء ورحماء وصانعي السلام وطويلي الأناة وغافرين، وأن لا يطلبوا ما لأنفسهم بل يحتملوا كل شيء ويصدقوا كل شيء ويرجوا كل شيء. وأن يحفظوا أنفسهم من الطمع ومحبة المال والكبرياء ومحبة العالم (1كو 6: 9، 10). وخلاصة كل ذلك أن يماثلوا المسيح في الأخلاق والصفات.

(3) المحبة الأخوية: على أعضاء ملكوت المسيح خصوصاً أن يحبوا بعضهم بعضاً، باعتبارهم أعضاء عائلة واحدة، مشتركون في الفوائد والبركات الأخوية التي تسوقهم لمساعدة المحتاجين منهم (2كورنثوس 8). ويجب على كل مسيحي أن يجتهد حسب طاقته لا ليسدَّ احتياجاته فقط، بل ليسد احتياجات الآخرين أيضاً، «لأنه إن كان أحد لا يريد أن يشتغل لا يأكل أيضاً» (2تس 3: 10). وهكذا يعطي من عنده، ويأخذ من ليس عنده. «وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه، فكيف تثبت محبة الله فيه؟» (1يو 3: 17). وصلاتنا «ليأتِ ملكوتك» تتضمّن الطلب أن يعترف جميع الناس بأن المسيح ملكهم صاحب العزة الإلهية والسلطان الإلهي، وأن يماثلوه في الصفات والسيرة.

14 – كيف يمارس المسيح وظيفة ملك في الملكوت الروحي؟

* (1) بالعناية، فإنه يسيّر الكون كله لحماية شعبه وبنيانهم وإعدادهم للمجد المعد لهم.

(2) بإعطاء الروح القدس، لأنه يدعو الناس إلى الخلاص ويقدسهم ويعزيهم ويرشدهم ويمجدهم أخيراً في ملكوته (يو 15: 26 وأع 2: 33-36).

(3) بتعيينه نظام كنيسته والمتوظفين فيها وما يحتاجونه ليتمموا خدمتهم (مت 28: 18-20 وأف 4: 11-13).

(4) باختياره الأشخاص الذين يتولون تلك الوظائف، فيدعوهم إليها بواسطة الروح القدس، والعناية، وأصوات الإخوة (أع 1: 23، 24 و6: 5 و13: 2، 3 و20: 28 و1تي 1: 12 و4: 14).

ويقسم ملكوت المسيح الروحي إلى قسمين: (1) الذين على الأرض، وهؤلاء يحاربون إبليس وجنوده ويجاهدون الجهاد الحسن في وسط تجارب هذه الحياة (أف 6: 11-16). و(2) الذين غلبوا ودخلوا المجد الأبدي مع المسيح واستراحوا من جميع أتعابهم (رؤ 3: 21) فالمسيح يقودهم وسط الحروب الروحية (رؤ 19: 11، 16) وهو الملك المتسلط الجالس على عرشه (رؤ 21: 5، 22، 23). وفي الكتاب أن عرش المسيح عرش النعمة (عب 4: 16) وعرش الدينونة (رؤ 20: 11-15) وعرش المجد (رؤ 4: 2-5 و5: 6) وذلك باعتبار علاقات المسيح المختلفة بشعبه وبالعالم أجمع.

15 – ما المقصود بملكوت الرئاسة الكنسية أي ملكوت المسيح المنظور؟

* لما كانت الديانة الصحيحة حالةً روحية داخلية، وكان ملكوت المسيح يتكوَّن من المتجددين الحقيقيين، يكون هذا الملكوت جماعة منظورة ليظهر صلاح المسيحيين للعالم. وقد أوصى المسيح شعبه أن يُظهروا إيمانهم كالنور (مت 5: 14) فينشأ ملكوت منظور يجتمع أفراده للعبادة الجمهورية، ويضمّون للكنيسة الذين يخلصون، ويُخرِجون من شركتهم من يخطئون، ويمارسون سرَّي المعمودية والعشاء الرباني، ويحافظون على الحق ويذيعونه، وهذا ما يُلجئهم إلى تنظيم كنائس يتألف من مجموعها ملكوت المسيح المنظور على الأرض، الذي يضم كل من يعترفون بالمسيحية مع أولادهم.

16 – ما هي صفات ملكوت المسيح المنظور؟

(1) إنه ملكوت ديني: لأنه ليس من هذا العالم ولا يشابه سائر الممالك التي قامت أو تقوم بين الناس، بل يختلف عنها في المنشأ والغاية. لأن الممالك البشرية تُقام من البشر بالعناية الربانية لتنفع الجمهور. أما ملكوت المسيح فقد أقامه الله بنفسه لأهداف دينية. وهو روحي لا دنيوي، إذ لا سلطان للكنيسة على حياة أعضائها أو حريتهم أو أموالهم، بل جميع الأمور الزمنية خارجة عن دائرة سلطانها. أما مسؤوليتها فهي إعلان الحق الموحى به في كلمة الله، وإلزام كل الذين تحت سلطانها أن يعترفوا بالمسيح ويطيعوه. وليس لها أن تحكم في الأمور السياسية ولا العلمية، ما لم يكن الكتاب المقدس قد أصدر فيها حكماً.

فملكوت المسيح الآن ليس من العالم، وليس كالنظام اليهودي القديم الذي مع رئاسة الله عليه كان من هذا العالم، لأنه ضمّ بني إسرائيل كأمة واحدة، وقام بتدبير جميع أمورهم السياسية والجمهورية والدينية. وأما ملكوت المسيح فهدفه أن يعم كل الممالك، ولذلك عاش تحت كل نوع من الحكم الزمني بلا معارضة لشيء منها. ولما قال المسيح إن مملكته ليست من هذا العالم قصد أن يرد على شكوى اليهود ضده أنه يقاوم سلطان الإمبراطور الروماني، معلناً أنه لا تناقض بين مملكته الروحية والسلطان الشرعي للحكم السياسي، لأن دائرة مملكته تتميّز عن دائرته، فمملكة المسيح تعالج أموراً خارجة عن السلطة الزمنية، ولا تتعرض لشيء يختص بالحكام السياسيين. ولذلك كان من الممكن أن يقر الناس بأن المسيح ملك تحق له الطاعة وكذلك يُعطوا لقيصر ما لقيصر.

فالمَلِكُ في هذا الملكوت يملك بسلطان روحي لا جسدي، وديني لا سياسي (مت 20: 28 ويو 18: 36) وعرشه على يمين الله (أع 2: 33) وصولجانه روحي لا مادي (إش 53: 1 ومز 110: 2) وأعضاء ملكوته هم الأبرار الروحيون (في 3: 20 وأف 2: 19) وحكمه يجري بوسائط روحية (زك 4: 6، 7) وشرائعه روحية (يو 4: 24) وخيراته وأحكامه وعقوباته روحية (1كو 5: 4- 11 و2كو 10: 4 وأف 1: 3-8 و2تي 4: 2 وتي 2: 15).

(2) إنه جامعٌ: يضم كل الذين يعترفون بالديانة الحقيقية، وليس محصوراً في نظامٍ كنسي واحد، بل يشمل كل الأنظمة الخاضعة لسلطان المسيح وللشرائع التي وضعها في كلمته. ولأن جميع المسيحيين أعضاء ملكوت المسيح وجب عليهم أن يعترفوا أن جميعهم شعب مملكة واحدة، وأنهم خاضعون لسلطان واحد.

(3) إنه زمني: لأنه صار نظاماً خارجياً ذا أهداف معلومة، فمتى كملت تلك الأهداف يزول النظام الخارجي.

(4) سلطانه المطلق في يد المسيح: فهو ليس حكماً يديره عامة الشعب أو أكابرهم، بل هو في يد المسيح. وهذا يعني: (أ) أنه ليس للحكم السياسي سلطان أن يضع شرائع لتعيين إيمان الكنيسة أو تدبير عبادتها أو إجراء تأديبها، ولا أن يقيم موظفيها أو يعزلهم. (ب) ليس للحاكم السياسي باعتبار مقامه العالمي سلطان في ملكوت المسيح، فبالأولى ليس لأحد من أرباب السياسة أن يرأس الكنيسة. (ج) ليس للشعب ولا لرجال الدين سلطانٌ دينيٌ مطلق، بل سلطانهم للخدمة فقط، ويصدر من المسيح، فلا يمارسونه إلا باسمه، حسب الضوابط التي وضعها في كلمته.

17 – ما هي القوة المفوَّضة إلى حكم الكنيسة في ما يتعلق بنظامها؟

* اختلفوا في كميتها في جزئيات الأمور المتعلقة بعبادتها ونظامها. فأنكر بعضهم حرية الكنيسة في ذلك على الإطلاق، وقالوا إن كل ما يتعلق بنظام الكنيسة وأصحاب الوظائف فيها وكيفية عملهم مذكور بالتفصيل في العهد الجديد كما ذكر العهد القديم بالتفصيل الكلام على شقق المسكن وأوانيه.. وقال آخرون إن في الكتاب المقدس مبادئ عامة وقوانين شاملة فُوّض إلى الكنيسة إجراؤها على ما تستحسنه من الوسائط والكيفية. وهو الرأي الأرجح.

وعلى ذلك كان لجميع الكنائس في كل زمان ومكان حرية تنويع نظامها وكيفية عملها حسب الظروف، مع المحافظة على مبادئ الإنجيل. وهي تنويعات غير جوهرية لأنها لا تأسر الضمير، ولا يمكن جعلها شروطاً للشركة المسيحية.

ولما كان المسيح رأس كنيسته الوحيد وجبَت طاعتها له وحده. فإذا أراد الخارجون عنها أن يدبّروا أمورها، أو يحدّوا حريتها، وجب على أعضائها أن يستعملوا كل الوسائط الجائزة لمقاومة هذا التعرُّض، وأن يَثبُتوا في الحرية التي حررهم بها المسيح. وكذلك إذا ادّعى الذين داخل الكنيسة سلطاناً باطلاً، سواء كانوا أعضاء أم أفراداً من المتوظفين أو مجلساً كنسياً. وقد حاول البعض في القرون الأولى أن يضعوا نير الناموس اليهودي على المسيحيين، فقاومهم الرسل.

 18 – ما هي الشرائع التي سنَّها المسيح في ملكوته المنظور؟

* كما أن المسيح هو رأس ملكوته الأرضي فهو الوحيد المشرّع لملكوته. ومن شرائعه:

(1) شروط الدخول في ملكوته السماوي والأرضي: فلا يجوز للكنيسة أن تطلب أكثر أو أقل من ذلك، بل تلتزم أن تقبل جميع الذين يقبلهم المسيح. ولا يشترط على أحدٍ من المعرفة الدينية أو الإقرار ليكون أخاً مسيحياً إلا ما هو ضروري للخلاص، كما عمَّد فيلبس الخصي بناء على قوله «أومن أن يسوع المسيح هو ابن الله» (أع 8: 37) قيل في الكتاب «من هو ضعيف في الإيمان فاقبلوه، لا لمحاكمة الأفكار. من أنت الذي تدين عبد غيرك؟ هو لمولاه يثبت أو يسقط» (رو 14: 1، 4). «كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد وُلد من الله» (1يو 5: 1). فإذا رُفض الناس الذين قبلهم الله في كنيسته من شركة تلك الكنيسة، كان ذلك ادعاءً خاطئاً، لأن الشرط الذي وُضع لدخول شركة الكنيسة هو الإقرار الصادق بالإيمان القلبي بالمسيح، وما يوافقه من السيرة الخارجية. وكل ما هو خلاف ذلك هو تعدٍّ على السلطان الخاص بالمسيح.

(2) قطع المخالفين ومرتكبي الذنوب التي تسبب العثرة من شركة الكنيسة: «المبتدع (الهرطوق) بعد الإنذار مرة ومرتين أَعرِض عنه» (تي 3: 10) و«إن كان أحد مدعوٌّ أخاً زانياً أو طماعاً أو عابد وثن أو شتاماً أو سكيراً أو خاطفاً أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا» (1كو 5: 11). وقال المسيح إن مثل هذا المذنب إذا أبى أن يسمع من الكنيسة فليكن كالوثني والعشار (مت 18: 17).

(3) وضع المسيح سلطان إجراء التأديب وبقية حقوق الكنيسة في يد أناسٍ مختارين لتلك الخدمة: وهم القسوس والشيوخ أو المدبرون (وفي بعض الكنائس الشمامسة) وهؤلاء لهم صفات حسنة وأهلية خاصة، أُفرزوا لخدمتهم إفرازاً قانونياً، وهم ملتزمون في إتمام ذلك بالمحافظة على قوانين الكتاب المقدس ومبادئه.

(4) تفويض حق الحكم بأهلية طالبي الرسامة في الخدمة القسيسية بالذين قد دعاهم الروح القدس إلى تلك الخدمة، مع نوّاب الشعب مجتمعين معاً لذلك الهدف (1تي 4: 14 و2تي 2:2). غير أن إجراء تلك الرسامة يتم على أيدي القسوس.

(5) إقامة هؤلاء المتوظفين جميعاً خداماً لرعية الله لا أسياداً عليها، فإن سلطانهم محدود في دائرة معروفة، وللشعب حق الاشتراك مع القسوس في حكم الكنيسة بواسطة نواب منهم، هم الشيوخ أو المدبرون (وفي بعض الكنائس الشمامسة) الذين اختارتهم الكنيسة ليكونوا وكلاء للشعب في كل ما يختص بحقوقهم (1بط 5: 3 و2كو 4: 5).

(6) ضرورة أن كل عضو من ملكوت المسيح يكرم إخوته في الرب ويحترم مشورتهم، ففي ملكوت المسيح يخضع الجزء للكل، والكل جسد واحد في الرب (مت 18: 15-17). وتفصيل هذه المسائل من مباحث علم اللاهوت المختصة بالكنيسة ونظامها وسيأتي الكلام عليها.

19 – ما هو تعليم الكنيسة الإنجيلية في العلاقة بين الكنيسة والحكم العالمي؟

* هو أن الكنيسة أُقيمت من الله، وكذلك الحكم السياسي. ولكن كلاً منهما مستقل عن الآخر، أُقيم لغاية خاصة به. فإن الكنيسة وأعضاءها من رعية الحاكم السياسي، وعليهم الإكرام اللائق له وحفظ شرائعه. ويمكن أن يكون السياسيون والرعية من أعضاء الكنيسة، فيكونون مطالبين بالخضوع لأحكامها الروحية. ولكن ليس لخدام الدين سلطة في دائرة السياسة لسبب وظيفتهم الكنسية، وليس لأرباب السياسة سلطة في الكنيسة لسبب وظيفتهم السياسية، وليس للقوانين الكنسية سلطة في السياسة، ولا للشرائع المدنية سطوة في أمور الكنيسة الخاصة. فالمسيحي الحقيقي يعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

20 – ما المقصود بقولنا ملكوت المجد السماوي؟

* نقصد بذلك الملكوت السماوي، لأن الكتاب يقول إن المسيح عند مجيئه ثانيةً يجمع شعبه في ملكوته المعد لهم منذ تأسيس العالم. وصفات ذلك الملكوت هي:

(1) إنه مؤلف من المفديين فقط، فلا يدخله غير متجدد، لأن الزوان يُفصل عن الحنطة (مت 13: 3) والأشرار لا يرثون ملكوت الله (غل 5: 21 و1كو 6: 9، 10) وكل نجس وكاذب لا يدخله (رؤ 21: 27).

(2) الذين هم أهلٌ له يُرفعون بعد أن يكمَّلوا إلى المقام العظيم والقوة والمجد. فيكونون ملوكاً وكهنةً لله، ويجلسون على عروش ويدينون ملائكة ويملكون مع المسيح ويشاركونه في سلطانه ومجده (مت 19: 28 و1كو 6: 3 و2تي 2: 12 ورؤ 1: 6).

(3) إنه أبدي لا ينتهي (لو 1: 23 ودا 7: 14 وعب 6: 20).

(4) أجساد قديسيه الطبيعية تصير روحانية، فإن هذا المائت يلبس عدم الموت، وهذا الفساد عدم الفساد، لأن اللحم والدم (أي الجسد حسب بنائه الحاضر) لا يستطيعان أن يرثا ملكوت الله (1كو 15: 50).

(5) لم يُعلن مكانه بالتوضيح، فظن بعضهم أن هذه الأرض تتجدد وتُعد لهذا النظام الجديد، وقال غيرهم إن كلام الكتاب المقدس يؤكد أن السماء مكان آخر ممتاز، وهي مسكن المفديين الأخير.

(6) اختلفت الآراء في الزمان الذي يُقام فيه، فقال بعضهم إن المسيح يجيء قبل القيامة العامة والدينونة الأخيرة بألف سنة، أو بمدة طويلة، ويملك على الأرض ملكاً منظوراً، وإن هذا الملكوت هو المشار إليه على الخصوص في نبوات الكتاب المقدس ومواعيده. وهذا القول مخالف لما سبق من حقيقة هذا الملكوت لأنه يجعله ملكوتاً أرضياً يستطيع اللحم والدم أن يرثه، فيكون غير الملكوت الروحي السماوي. وأما قول أغلب المفسرين في هذا الشأن فهو أن القيامة العامة والدينونة الأخيرة وبدء ملكوت المجد تكون في زمنٍ واحد، عند انقضاء العالم (انظر فصل 40 س 11-16).

21 – بأي معنى سيُسلِّم المسيح ملكوته إلى الآب، وبأي معنى ستدوم رئاسته؟

* كل ما أُعلن لنا في هذا الموضوع أن المسيح بعد تخليص شعبه تماماً وإهلاك أعدائه، سيسلّم سلطانه على الكون باعتباره وسيطاً، ليكون ذلك خاصاً بالأقانيم الثلاثة، لا للوسيط، ويكون «الله» الكل في الكل (1كو 15: 24-28). ولكن علاقة المسيح بشعبه الخاص وسيطاً ورئيساً أي نبياً وكاهناً وملكاً تدوم إلى الأبد، ولو أنه لا حاجة لممارسة تلك الوظائف في العالم السماوي. ومما يبيّن ذلك أربعة أدلة:

(1) إنه كاهن إلى الأبد، وليس لملكوته نهاية (مز 110: 4 ودا 7: 14 ولو 1: :23 وعب 6: 20 و12: 28).

(2) الاتحاد بين الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية لا يزول أبداً (رو 8: 29 وفي 3: 21).

(3) المسيح رأس الكنيسة إلى الأبد وهي عروسه، ويحتفل أخيراً هو وكنيسته بعرس الحمل في السماء (رؤ 19: 7 و21: 2، 9).

(4) قول صاحب الرؤيا إن المسيح (وهو الحمل الذي كان قد ذُبح) جالس على العرش، وهو إلى الأبد هيكل المدينة السماوية ونورها، وإنه يرعى شعبه ويقوده إلى ينابيع ماء حية (رؤ 5: 6 و7: 17 و21: 22، 23).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.