تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » رواية قصيرة تحكى قصة كنيسة فى زمن الكورونا

رواية قصيرة تحكى قصة كنيسة فى زمن الكورونا

corona, church, religion

الكاتب

 القس صموئيل عطا

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر 

 بدايات مُوفّقة

ذهب فرحان الشاب الواعد الذي يملأ الحماس عينيه الخضراوان، وينطق جسده بالحيوية والنشاط، وتملأ قلبه الأشواق والتطلُّعات للذهاب إلى حقل الخدمة، ولأن تطأ رجليه أرض الواقع الكنسي، والخدمي، والرعوي بعد رحلة دراسية طويلة استمرت لمدة أربع سنوات بكلّية اللّاهوت الإنجيليّة، حيث كان خلال هذه السنوات يتلقى مع زملائه أصول التعليم اللّاهوتي والكتابي، وجميع المواد الأكاديمية المتاحة، والدراسات في المجالات المختلفة بالكلية، بالإضافة إلى التدريبات العملية في حقول الخدمة، وكلّ ما من شأنه أن يُعِدّ، ويُؤهل الدارسين من طلبة اللّاهوت المدعوّين للخدمة والعمل في ملكوت الله.

فكان طيلة فترة اللّاهوت نَهِمًا في القراءة والاطلاع، باحثًا مدققًا، محبًا للمعرفة، مشهودًا له من زملائه وأساتذته، وبعد أن أنهى دراسته بتفوق ونجاح، وأيضًا تم تكريمه مع زملاء دفعته في حفل التخرّج السنوي الذي تقيمه وتنظمه الكلّية لتكريم الخرّيجين، أنه توجّه بعد ذلك إلى مكان خدمته بقرية معروفة بصعيد مصر، حيث استقبله شيوخ الكنيسة الذين كانوا في انتظاره عند محطة القطار مترقبين لحظة وصوله، وعندما وصل القطار وتوقف على رصيف المحطة، كانت عيونهم تجول على أبواب عرباته باحثة بين النازلين من المسافرين عن صورته وهيئته المرسومة له في أذهانهم وفي ذاكرتهم منذ أن زارهم قبل التخرج، فحالما لمحوه نازلًا من إحدى عربات القطار حاملًا حقيبة ملابسه، أسرعوا للقائه حيث تبادلوا جميعًا السلام والترحاب.

 فتوجهوا جميعًا بعد ذلك إلى الكنيسة ومعهم حضرة المُبَشّر فرحان، حيث كانوا دائمًا يُلقّبون الخادم خرّيج اللّاهوت أو المُصَرَّح للخدمة من قِبَل مجمعه بلقب حضرة المُبَشّر، وذلك قبل رسامته قسًا، فاستقبله عم شكري حارس الكنيسة بالترحاب، ثم فتح لهم استراحة الكنيسة، حيث ضايفوه هناك كعادتهم في ضيافة القسوس وخدام الرب، متناولين الطعام معًا في شركة حُبية جميلة، شاكرين الرب، ثم قرروا أن يتركوه ليستريح بعض الساعات المتبقية قبل الاجتماع ليستعد لخدمة المساء.

وفي اليوم التالي اجتمع فرحان بحماسة ملحوظة مع القادة والخدام وبعض من شيوخ الكنيسة ليشاركهم رؤيته وتطلعاته للكنيسة، وليسمعهم أيضًا ليعرف أهدافهم، وتوقعاتهم، وانتظاراتهم، ويتحدوا معًا في رؤيا موحدة لمجد الرب وبناء الكنيسة، وبالفعل اجتمعوا معًا، وكانت حقًا جلسة مثمرة تخللها وقت من الشركة والسمر، ثم بعد انتهاء هذا الوقت الرائع، وفي نهاية اليوم، صعد فرحان ليستريح في شقته المخصصة للراعي بالكنيسة، وذلك بعد أن ودّعهم ووعدهم باستكمال الأحاديث والسهر معهم بعد اجتماع الغدّ، وهكذا قبل القادة والخدّام دعوته لهم بفرح، حيث لمسوا فيه روح المحبة والمرح.

وبالفعل في اليوم التالي بعد انتهاء اجتماع المساء أيضًا، وبعدما سلّم على الجميع مشجعًا إياهم، مُرَحَّبًا به منهم، فصعد معه بعض القادة والخدّام من الشباب وهم:

 بيتر خرّيج حسابات ومعلومات، وهو ابن الشيخ ثروت أمين الصندوق بالكنيسة، وهو يخدم في فريق التسبيح، حيث أنه عازف جيتار أيضًا، وممدوح ابن الشيخ زكي سكرتير مجلس الكنيسة، وهو أيضًا خطيب أمل ابنة الشيخ ثروت، وماركو طالب بكلّية الصيدلة، وهو ابن أحد أعضاء الكنيسة، ويخدم في اجتماع اعدادي وثانوي، ومدحت يعمل كمدرس انجليزي بالحصة، وهو من أعضاء الكنيسة أيضًا ويخدم بخدمة مدارس الأحد، وأشرف حاصل على دبلوم فني صناعي ويعمل كنقاش ماهر ومعروف في القرية، وهو من أعضاء وخدام الكنيسة أيضًا.

وهكذا فاستقبلهم حضرة المُبَشّر فرحان بترحاب وبشاشة، وبعد أن جلسوا استأذنهم فرحان  ليُعدّ لهم الشاي، فأومأ إليه مدحت بيده وهو يهمُّ واقفًا أن يقوم هو بعمل الشاي، فسمح له فرحان وهو يمزح معه بأن يترك له هذه المهمة بعد تأكيد ممدوح أيضًا على أن مدحت ماهر في إعداد  الشاي، حيث كان دائمًا يُعدّ لهم الشاي بنفسه في كل مرة كانوا يزورونه فيها في البيت، حيث كان يعيش هو ووالده وأخوه الأصغر بعد وفاة أمه.

وفي هذه الأثناء ضحك بيتر بصوت عالي عندما قال مدحت أن بيتر أيضًا يعرف أن يُعدّ المكرونة جيدًا، فقال أنه مستعد في أي وقت بشرط أن يكونوا مستعدين أيضًا للذهاب للمستشفى بعدها، فتبادلوا الهزار معًا، وتعالت أصوات ضحكاتهم ومحادثاتهم، ثم سألهم فرحان بلطف عن بقية الشباب؟  

فأجابوه بأن هناك مجموعة من الشباب كانوا موجودين ولكنهم منذ فترة طويلة منقطعين عن الاجتماعات، فقال بيتر بصوت أسيف أن هناك بعض المشادات الكلامية مع بعض الشباب وبعضهم، فقاطعه ممدوح قائلًا أن هذا ليس وقت الحديث في مثل هذه الأمور.

فأجاب فرحان موجهًا كلامه إلى ممدوح: دعه يُكمّل يا ممدوح، بالعكس أنا أحب أن أسمع وأعرف لكي نفكر مع بعضنا البعض في كيفية معالجة مثل هذه الأمور، فأكمل بيتر حديثه وهو ينظر إلى ماركو الذي كان يؤيده بنظراته وإيمائاته، ثم بعد انتهائه من الحديث شجعهم المُبَشّر فرحان أن يذهبوا معًا لافتقادهم والجلوس معهم وسماع شكواهم، فوافقه الأغلبية على ذلك، والبعض أبدوا اعتراضًا غير صريح بتعبيرات وجههم ونظراتهم لعدم ارتياحهم لبعض هؤلاء الشباب، لكن الأغلبية أقنعوهم بضرورة افتقادهم، وتقديم المحبة لهم، وقبول ضعفاتهم قدر المستطاع لأن هذا هو ما يحتاجونه، وخاصة في ظل وجود خادم جديد يريد أن يفتقد الجميع، فاتفقوا جميعًا على ذلك وابتدأوا يهمّوا في القيام واحد تلو الآخر ليستعدوا للنزول ليتركوا حضرة المُبَشّر ليستريح بعد سهرة ممتعة معهم، وهكذا انتهت السهرة ونزل الشباب من عنده فرحين، مكملين حديثهم فيما بينهم وهم في طريقهم إلى بيوتهم في الموضوعات التي أثاروها في السهرة.

أما فرحان فبعد أن نزل الشباب من عنده قام ليُغير ملابسه التي كان مقيدًا بها طيلة الوقت منذ وقت نزوله للخدمة، حيث لم تتسنى له الفرصة لعمل ذلك أثناء وجودهم، وبعد أن اغتسل بالماء البارد الذي كان يُفَضّله في الصيف عن السُخن، ولبس بيجامته الفضفاضة، وشعر بالانتعاش بعد يوم مُجهِد، ذهب ليتفقّد ثلاجته ليتناول عشائه الخفيف قبل أن يطلب خطيبته راعوث بالتليفون، والتي غاب عنها طوال اليوم لسبب انشغاله بالخدمة، حيث اطمأنّ عليها بعد أن شاركته بيومها، وأخبرته أيضًا بأشواقها إليه، وافتقادها له، وهو أيضًا قد بادلها المشاعر، فعبّر لها عن حبّه لها وأشواقه المضاعفة لها، وللحظة التي تجمعهما معًا تحت سقف هذه الكنيسة ليستكملا مشوار حياتهما وخدمتهما في بيت الزوجية السعيد، بعد فترة الخطبة التي طالما يحلمان بانتهائها ليكونا معًا منذ أن تعرّفا على بعضهما البعض، واتّفقا معًا على هذا القرار.

وهكذا كان فرحان يقضي أيامه في تلك القرية كخادمًا مُبَشّرًا بالكنيسة في فترة ماقبل رسامته، وزواجه أيضًا، بين دراسته الخاصة، وخدمته بالكنيسة، وزياراته الرعوية، ولقائاته مع الشباب، وسهراته معهم، حيث اعتادوا السهر معه بعد الاجتماعات ليتناولوا معًا العشاء والشاي في جو من الشركة والسمر، بجانب مناقشة الكثير من الأمور الكتابية واللاهوتية والخدمية وغيرها، حتى أن بعض الشباب الذين كانوا منقطعين ابتدأوا يأتوا ليسهروا معهم بعد حضور الاجتماع، كما كان أيضًا يقضي أوقاتًا في الشركة مع الشيوخ والأعضاء وباقي الشعب من أهل القرية، مشاركًا إياهم في مناسباتهم المختلفة، مما كان له بالغ الأثر في تقوية واإنعاش الاجتماعات، ونهضة الكنيسة.

وهكذا لم تمض سنة على هذا المنوال منذ أن تولّى المُبَشّر فرحان مسئولية الخدمة بالكنيسة بعد تخرجه من كلّية اللاهوت، ثم تصريحه للخدمة الدينية، حتى تمّت رسامته قسًا، وتنصيبه راعيًا رسميًا للكنيسة بعد انتخابه من شعب الكنيسة أمام اللجنة المجمعية بحسب النظام المشيخي المُتّبع والمعمول به، وهكذا كان ينمو الراعي الشاب في كل جوانب حياته، وخدمته ودراسته.

وحدث أيضًا بعد هذه الفترة بشهور قليلة أن القسيس فرحان قد اكتملت فرحته بتمام زواجه من خطيبته المحبوبة راعوث ليجمع الرب شملهما في بيتهما الجديد بعد طوال انتظار، وهكذا كانت فرحة كبيرة أيضًا للعائلتين ولشعب الكنيسة أيضًا بالكامل.

     وهكذا عاشا الزوجان الحبيبان وسط شعب الكنيسة المباركة الذين أحبوهما جدا، وكانت لهما علاقات وصداقات قوية مع شباب وشابات الكنيسة، حيث كانا يقدمان محبة للجميع على السواء دون تفرقة أو تمييز، لكن كان هناك بعض الشباب من يترددون كثيرا على بيت القسيس وقضاء أوقات معه، وهكذا أيضًا راعوث زوجته كانت تربطها علاقة قوية ببعض الشابات أبرزهم أمينة لأنها أقرب جار للكنيسة،وهى ابنة شيخ الكنيسة الراحل الشيخ عزيز، وهو أيضًا ابن أحد مؤسسي الكنيسة،والذي كانت له خدمة واضحة، وشهادة لامعة من الجميع حتى وفاته بأزمة قلبية منذ سنوات طويلة، وكانت تعمل كممرضة بمستشفى الحُميّات العام، وهى من الشابّات المواظبات على اجتماعات الكنيسة، ولها دور في الخدمة والعبادة، بالرغم من مشغولياتها الكثيرة، واهتمامها أيضًا بوالدتها من بعد وفاة والدها، وزواج أختها مريم التي تكبرها بسنتين في قرية مجاورة، والتي كانت أيضًا تأتي لزيارتهما في المناسبات، وعلى فترات بعيدة، لانشغالها ببيتها وأولادها، ولبُعد المكان أيضًا. 

        وفي أحد الأيام جلس القسيس فرحان ليحتسي قهوته كعادته على مقعده المُفضّل مرتديًا بيجامته الفضفاضة البيضاء، وهو يتصفّح الأخبار متنقّلًا من موقع إلى آخر على شبكة الانترنت عبر جهازه الالكتروني ممسكًا إياه بيده، وهو يُتابع بنظّارته الكبيرة التي تملأ وجهه الباسم، وتُغطي حاجبيه المكسيان بالشعر الكثيف، مُعبّران عن الذكاء الذي يتدفق من عينيه أسفلهما، وبعدما انتهى من احتساء قهوته، وضع الفنجان على المنضدة الصغيرة المجاورة وفي هذه الاثناء وقعت عينيه على ألبوم الصور القديم ملتصقًا به الكتاب المقدس القديم أيضًا مربوطان ببعضهما برباط خفيف، والذي طالما احتفظ بهما لسنوات طويلة، لأنهما يحملان ذكريات خاصة قيّمة وثمينة بالنسبة له، وعندما سأل راعوث زوجته عن سبب إخراجهما من مكانهما بدرج خاص أسفل المكتبة التي تكتظ بالكتب والمجلدات، فأجابته زوجته التي أتت لتجلس مُقابله على كنبة الأنتريه لتُخبره أنها كانت ترتب غرفة المكتبة وتنظمها، فوجدتهما بهذا الشكل، فدفعها فضولها لتتفرج على الصور الموجودة بالألبوم، خاصة أنه ألبوم قديم ويحتوي على صور وذكريات قديمة، فأخرجتهما وأحضرتهما هنا ليحكي لها عن هذه الذكريات، ويشاركها بأحداثها، حيث قالت له بصوت منخفض، ومشاعر فيّاضة، أنها تعلم وتُقدّر قيمة الذكريات عنده، وأن ما يحتفظ به لابد أن يحمل ذكرى غالية،  وبالفعل ابتدأ يُخبرها عن قصة الألبوم والكتاب المقدس، فقال لها بتأثر ملحوظ، ونظرات يملأُها الأسف والحزن أن هذا الكتاب خاص بشقيقه الراحل نبيل الذي لم ينسه أبدا كل هذه السنوات، والذي كان يقرأه باستمرار منذ صغره وحتى رحيله، حيث كان يُدوّن فيه أيضًا ملاحظاته الخاصة، وتأملاته، ودراساته بالقلم الرصاص على حواشي الكتاب، بالإضافة إلى اسمه المكتوب عليه بخطه الجميل، وأن هذا الألبوم يحمل ذكرياتهما معًا، ثم فتح الألبوم القديم، وجاءت راعوث لتجلس بجواره متأثرة ومتحمسة لتعرف المزيد عن ذكرياته مع شقيقه، وتسمع منه قصة هذه الذكريات وتشاركه مشاعره، فأخذ يُريها صورهما معًا في مرحلة الطفولة ثم الشباب شارحًا لها كل موقف مرتبط بالصور، حيث كانا الأخوان فرحان ونبيل لبعضهما البعض أكثر من مجرد أخوان، بل صديقان حبيبان، كم من ذكريات بينهما! إنها حياة بأكملها منذ أن وعيا على الحياة، من أكل، وشرب، ولبس، ولعب، ونوم، وخروجات، ومذاكرة، وغيرها قبل أن يأتي ذلك اليوم المشئوم الذي تلقّت فيه العائلة خبر غرقه في البحر أثناء رحلته مع أصدقائه، وهكذا واصل الزوجان حوارهما حول هذه الذكرى الغالية، وهو يُحدّق في كل صورة على حدة، ثم يشارك زوجته بلهجة يغلب عليها الحزن بما تحمله كل صورة من ذكريات، وكانت هى أيضًا تشاركه مشاعره وهى تستمع إليه، حيث أخبرها أيضًا أن خبر وفاة شقيقه نبيل جاء إليهم فجأة في ذلك اليوم الغير متوقع، وجاء معه الحزن يرفرف على كل البيت كغراب ينعق بصوته المخيف، وأجنحته السوداء، ليطفيء فرحة العائلة، ويخمد بهجتها، ويُخيّم على العائلة بظلاله المميتة.

فقالت راعوث والدموع تملأ عينيها تأثرًا بالموقف أنها تعلم مقدار هذا الألم، حيث مرّت به عائلتها في حادث وفاة ابن عمها أيضًا، وأنها تُقدّر مشاعره تجاه شقيقه، ثم استطرد الزوج مكملًا حديثه قائلًا أن هذا الخبر جاء في وقت فرح العائلة واحتفالها بنجاحه – أي نجاح فرحان – وتفوقه في الثانوية العامة، حيث لم يكن قد مضى على ظهور النتيجة آنذاك سوى أسبوع واحد، وكم كانت فرحة الاب والأم اللذان طالما انتظرا ذلك اليوم،  حيث كان حلمهما دخول فرحان كليّة من كليّات القمة، حيث لم يكن وقتها يخطر على بالهما فكرة دعوته للخدمة ودخوله كلية اللّاهوت.

واستطرد أيضًا القسيس فرحان حديثه موضحًا كيف تلقّوا هذا الخبر الذي كسر قلوب العائلة كلها، وكيف استقبلت والدته الخبر في حالة من الانهيار والحزن الشديد، وأيضًا الأب الذي انهار أيضًا عند سماعه خبر وفاة ابنه نبيل، وحتى بعد ذلك حينما كان يحاول أن يَظهر أمامهم متماسكًا، إلا أنه كان كلما خلا إلى نفسه يجهش بالبكاء على فراقه، وهكذا موضحًا أنه لولا سندة الرب وتعزيته لهم جميعًا في ذلك الظرف الأليم لكانوا قد ضاعوا وابتُلِعُوا من الحزن.

وفيما كان هو يسرد هذه الأحداث قرّبت منه راعوث أكثر معبّرة عن مشاعرها، فلفّت ذراعها برفق حول عنقه وربتت على كتفه قائلة له بنبرة مختلفة محاولة أن تهوّن عليه وهو يتذكر هذه الأحداث أنها كانت تتمنى أن ترى نبيل من كلامه عنه، وقالت له أيضًا: ليت نبيل كان حيّا الآن ليرى أخيه الكبيرفرحان قسيسًا ناجحًا، وراعيًا محبوبًا، وأن هذا ما تراه وتسمعه من كل الناس الذين يخدمهم بصدق، ويشاركهم ظروفهم المختلفة.

هنا حاول القسيس أن يبتسم لكنه لم يستطع لقسوة الموقف لأنه كان متأثرًا أثناء سرده للأحداث، لكنه اكتفى بهز رأسه بهدوء تعبيرًا عن امتنانه.

وفي الحقيقة لم تجامل راعوث زوجها القسيس الشاب، حيث كانت له بالفعل سيرة عطرة، وسمعة طيبة، ومشهودًا له من الجميع بدماثة خلقه، وأمانته، ومصداقيته، حيث علا صوت مواقفه، ومبادئه على صوت وعظه وكلامه، مقتديًا ومتمثلًا بسيده المسيح الذي كان يعمل ويُعلّم.

وفي هذه الأثناء وبعد فترة صمت طويلة كانت الزوجة خلالها قد ذهبت لتُحضر له كوبًا من الشاي الذي كان معتادًا أن يشربه، وفيما  هى تناوله كوب شاي بعدما أحضرته له إذ هو يُغمغم بصوت أسيف قائلًا لها أنه هكذا رحل شقيقه نبيل، ولم يتبقى له سوى هذه الذكريات، واستطرد ايضا قائلًا لها أنه يوافقها الرأي أنه كان أيضًا يتمنى أن يكون شقيقه حيًا الآن، لأنه هو الوحيد الذي كان معه سره، وهو الذي كان يعرف طموحه وأهدافه، حيث كان يعرف مالم يكن يعرفه عنه والده، فقاطعته راعوث متسائلة: عن ماذا؟ فقال لها بخصوص حاضري وقتئذ ومستقبلي أيضًا، فهو الوحيد الذي كان يعرف أمر دعوته للخدمة، ورغبته في الالتحاق بكليّة اللّاهوت، الأمر الذي كان مرفوضًا تمامًا من قبل أبيه، بالرغم من أنه كان شيخًا بالكنيسة الإنجيلية بقريتهم الذي تربّى وترعرع فيها، بل وكان أيضًا له دور كبير في الكنيسة حيث كان يقوم بالكثير من الأعمال الإدارية التي كانت تُسند إليه، وكان أيضًا متابعًا للقاءات المجمع التابعه له الكنيسة، وأيضًا للقاءات السنودس السنوية التي كان يحرص على حضورها، إلا أنه تحدّاه في باديء الأمر عندما علم برغبته في الالتحاق بكلية اللّاهوت، حيث كان يُريده أن يدخل كليّة الهندسة بحسب مجموعه الذي حصل عليه في الثانوية العامة.

وهنا قاطعته راعوث أيضًا بنبرة تنُمّ عن جرأتها وشجاعتها في النقاش متسائلة عن موقف راعي كنيستهم من ذلك، وهل كان يشاركه بهذه الأمور؟ فأجابها أنه بالفعل كان يعلم لأنه أي فرحان كان يشاركه بتلك الأمور، وكان راعي الكنيسة أيضًا يشجعه على الالتحاق بكليّة اللّاهوت، لأن فرحان كان يخدم بالكنيسة وهو عضو شاب، وكان مسئولًا أيضًا عن اجتماع شباب ناشيء بالكنيسة، وكان راعي الكنيسة دائمًا يُثني على خدمته مشجعًا إياه، حيث كان دائمًا يمدحه أمام شعب الكنيسة شاهدًا أن فرحان  له قلب راعي، وذلك لما يراه فيه من غيرة، وحماس، ونشاط في الخدمة، وحبّه للشباب الصغير، وكان راعي الكنيسة بالفعل قد حاول إقناع والده بذلك، لكن والده كان مُصِرًّا على موقفه، ولم يكن الراعي يريد أن يخسر علاقته بوالده بسببه، حيث أن والده كان قد سبق وذهب إليه خصيصًا في مكتبه بخصوص هذا الأمر، ليجعله يُقنع ابنه بالعدول عن هذا القرار، وأن يستمر في خدمته بالكنيسة دون الالتحاق بكليّة اللّاهوت، لكن الراعي كان يؤكد له أنه لا يستطيع أن يقف أمام  دعوته ورغبته طالما هو مقتنعًا ومتمسكًا بها.

هكذا وضّح القسيس فرحان لزوجته موقف راعي كنيسته آنذاك من هذا الأمر، حيث أنه أيضًا كان مراعيًا لظروف الأسرة الحزينة، حيث كان هذا الصراع بعد وفاة شقيقه نبيل بفترة قليلة.

فتنهدّت راعوث بعد سماع ذلك آخذة نفس عميق بصوت مسموع قائلة له بنبرة الرجاء الذي عبّرت عنه عيناها الباسمتان قبل صوتها أن كل العزاء لهما معًا أن شقيقه نبيل في السماء في مكان أفضل، وأيضًا كل الرجاء قرب اللقاء الذي يجمعهم جميعًا مع المسيح، فتبسّم الزوج في وجهها وهو يهمُّ بالقيام طالبًا منها بلطف أن تعد لهما الطعام، حيث أنهما شعرا بالجوع معًا، معتذرًا لها عن مشاركته لها بهذه الذكريات الحزينة،  فما كان منها إلا أن تُعبّر له عن مشاعرها الحُبية بإيمائة خفيفة مع ابتسامة مُعبّرة وهى متجهة إلى المطبخ لتعدّ الطعام قائلة له أنها تستمتع بمشاركته حياته وذكرياته كما يفعل هو أيضًا، وهكذا بعد أن تناولا معًا وجبة الطعام السريعة التي أعدتها الزوجة الماهرة في إعداد الطعام، قام القسيس فرحان ليذهب الى غرفة مكتبه ليجلس جلسته المعتادة على مكتبه مستدفئًا بكتبه التي تملأ أرجاء الغرفة، ثم ابتدأ في القراءة والكتابة لتحضير موضوعاته وعظاته، وهكذا كانا الزوجان يقضيان وقتهما بين الدراسة والخدمة بالكنيسة بالإضافة إلى حياتهما الشخصية والأسرية الخاصة.

ظهور فيروس كورونا وتأثيره على الكنيسة

كم كانت الاجتماعات بالكنيسة منتعشة في تلك الفترة، حيث كان الراعي لم يفتر عن عن أن يقوم بدوره بنشاط مع القادة والخدّام في إعداد البرامج والأنشطة الفعالة في جميع القطاعات، وذلك بمعاونة مجلس الكنيسة وأعضائها وخدّامها، لكن مع ذلك كانت كأي كنيسة يتخللها بعض المشكلات، لكنهم كانوا يحاولون على قدر المستطاع احتواء أي مشكلة كانت تعترضهم، ومحاولة إيجاد الحلول لها، والتعامل  بمحبة مع جميع الأطراف، وكان لاجتماع الصلاة بالكنيسة صدى مسموع، حيث كان بعض الأعضاء يواظبون أسبوعيًا على حضور اجتماع الصلاة، والمشاركة بطلبات الصلاة، بالرغم من تغيّب الكثيرين، مما كان لهذا الاجتماع بركة وتأثير إيجابي على الكنيسة.

وفي ذات يوم باجتماع الصلاة الأسبوعي إذ براعي الكنيسة القس فرحان يعلن ضمن طلبات الصلاة طالبًا من الكنيسة الصلاة من أجل أن يُعين الله بعض الدول التي قد انتشر فيها فيروس خطير، سريع الانتشار، ظهر في الصين أولًا، ومنها إلى بعض الدول يُدعى فيروس “كورونا”.

وبالفعل أخذت الكنيسة على عاتقها هذه الطلبة في الصلاة ليس في هذه الليلة فقط، بل في كل أسبوع باجتماع الصلاة، حيث كان الشعب أيضًـا يستمع إلى الأخبار والنشرات في التلفزيون وجميع وسائل التواصل التي كانت تعلن وتسجل مدى انتشار هذا الفيروس  في الكثير من دول العالم يومًا بعد يوم، ولم يكن يعلم شعب الكنيسة كباقي شعب مصر أيضًا أن هذا الوباء يمكن أن يتسلل يومًا إلى بلادنا الحبيبة حتى أعلنته منظمة الصحة العالمية وصنّفته كوباء عالمي.

وهكذا لم تمرّ أسابيع قليلة منذ ذلك الوقت حتى أعلنت وزارة الصحة المصرية أيضًا عن تسجيل عدد من الحالات المُصابة بفيروس كورونا في مصر، ومن هنا ابتدأ الخوف والقلق يصيب الجميع خاصة بعد تداول القضية في الإعلام وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع الازدياد المدهش في عدد الإصابات يوميًا، مما جعل وزارة الصحة تشدد على ضرورة اتباع التعليمات اللازمة، واتخاذ الاجراءات الضرورية للوقاية وتجنب الإصابة بالفيروس، وهكذا اضطرّت الدولة أيضًا أن تقوم بدورها في التشديد على منع التجمعات بكافة المرافق العامة، والمؤسسات المختلفة، والشواطيء، والنوادي، والكافيهات، وجميع المقاهي، وغيرها، وأيضًا دعت المؤسسات الدينية متمثلة في قياداتها ورؤسائها بتعليق كافة الأنشطة والاجتماعات والصلاة الجماعية بالكنائس والمساجد، وذلك مع فرض حظر التجوال في الشوارع بعد ساعة معينة قد حددتها الدولة حتى صباح اليوم التالي، وهكذا.

وكان نتيجة هذه الأحداث، وتجاوبًا معها، واستجابة لتعليمات الدولة، ورئاسة الطائفة الانجيلية بمصر ممثلة في رئيسها الُموقّر آنذاك وهو الدكتور القس/ أندرية زكي، أن راعي الكنيسة القسيس فرحان قد اجتمع بمجلس الكنيسة لمناقشة بعض الأمور واتخاذ الاجراءات الكنسية الواجبة، مُعلنًا للجميع ضرورة الاستجابة لتعليمات الدولة، ورئاسة الطائفة الإنجيلية، وجميع قيادات الكنيسة بمصر، حفاظًا على الأرواح، وذلك من خلال تعليق كافة الاجتماعات بالكنيسة، والتواصل من خلال الميديا، والتليفون، فاستجابت الكنيسة لتعليمات الراعي ومجلس الكنيسة رغم اعتراض البعض ممن لا يدركون خطورة الموقف.

 وفي ظل هذه الجائحة قد خيّم الخوف والهلع ليس فقط على شعب الكنيسة وأعضائها بل على كل المصريين أيضًا في كل مكان حيث كان جميع الشعب يتابعون الأخبار أولًا بأول في التليفزيون، وعلى كافة وسائل التواصل الاجتماعي، مما ساهم في سيادة حالة الرعب والذعر على كافة الشعب.   

وكان ماجد أحد أبناء وأعضاء الكنيسة، والذي يعمل طبيبًا، وكانت عيادته معروفة في القرية، حيث كان محبوبًا، وخدومًا، ومعروفًا بمهارته أيضًا، كما أنه كان مسئولًا عن الوحدة الصحية بالقرية مما جعله متابعًا لأحداث الوباء بدقة عالية، وأيضًا مجتهدًا في نشر الوعي الصحي بين جميع أبناء القرية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وموقع الوحدة الصحية، وغيرها من الوسائل الممكنة، لكن في الحقيقة كم كان هو وغيره من الأطباء على مستوى مصر يخاطرون بحياتهم كل يوم، إذ كانوا يحاربون ضد الوباء، وكم كانوا عرضة للخطر، وبالفعل كم من أطباء وممرضين فقدوا حياتهم في هذه الفترة العصيبة، وكم ممن أُصِيبوا وتم حجزهم وعزلهم مع مرضاهم، حتى قلّ جدًا عدد الأطبّاء أمام أعداد الإصابات الرهيبة التي ملأت المستشفيات وأماكن الحجز، لدرجة أنه تم الإعلان عن ضرورة الاستعانة بعدد من الصيادلة ليتكاتفوا مع الأطباء في هذه الحرب الضروس ضد كوفيد 19 أو فيروس كورونا.

فكل هذه الأمور كانت قد سببت الرعب والذعر في قلب عائلة ماجد خوفًا عليه، كباقي عائلات الأطباء أيضًا على مستوى مصر كلها، وكانت زوجته رشا تختبر ذلك الرعب يوميًا أثناء ذهابه للعمل وعودته، حتى أنها ألحّت عليه ايامًا كثيرة ليترك العمل حتى تشاجرا ذات يوم بسبب هذا الأمر، لكنه كان يرفض أن يترك موقعه، ودوره، فقال لها بلهجة غاضبة أنه لا يستطيع أن يترك العمل في مثل هذه الظروف، لأن ذلك يُعتبر هروبًا، وتنصُّلًا من المسئولية الملقاة على عاتقه، وأن هذا ليس من شيمه، بالرغم من أنه يدرك أيضًا خطورة الموقف جدًا خاصة أن هناك بعض من أصدقائه أُصيبوا، وصديقه المقرب من قرية مجاورة فقد حياته، لكنه رفض أن يترك الميدان، فضمّ زوجته بين يديه مشجعًا إياها، وأخبرها أنه يُقدّر مشاعرها، وخوفها عليه وعلى الأسرة، وهو كذلك أيضًا، وأكثر، لكنه وعدها أنه سيتخذ كافة الاجرائات الوقائية، ويتعامل بحرص مع المرضى، متكلًا على الله، فربت على كتفها أخيرًا قائلًا لها أنها فقط تصلي من أجل حفظ إلهي له ولكل الأسرة حتى تعبر هذه الفترة بسلام.

فقالت رشا والدموع تملأ عينيها أنه يكفي ما يتعرض له الأطبّاء في هذه الأيام، ليس فقط خطر الإصابة بالفيروس، أو فقدان الحياة، بل أيضًا على الجانب المعنوي من التطاول على الأطباء، واتهامهم بالتقصير والتقاعس عوضًا عن أن يشكرونهم ويقدرون موقفهم، ومخاطرتهم بحياتهم، وحياة أسرهم وأولادهم.

 فالتفت إليها ماجد بتعاطف شديد، وهو يؤكد لها أنه يتفق معها في ذلك تمامًا، وأنه يتألم كثيرًا بالفعل من التطاول على الأطباء واتهامهم بالتقصير، وخاصة عندما يخرج أحدهم على وسائل التواصل ويسُبّ الأطباء والممرضين الذين يعرضون حياتهم للخطر، لكن الله يرى ويحفظ الجميع، ثم أمسك بيديها بلطف، وقال لها بصوت أسيف أنه بالرغم من كل ذلك لا يستطيع أن يتراجع أو يتقاعس، وأن الله يستطيع أن يحفظه، ثم مدّ يديه ليمسح دموعها الغزيرة النازلة بتدفق على وجنتيها مؤكدًا على حبه لها وطالبًا صلاتها فقط لأجله.

وفي تلك الفترة كان الراعي يبثّ عظاته وخدمة العبادة والتسبيح بالكنيسة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأيضًا يجتمع ببعض أعضاء الكنيسة، أو مجلسها على برنامج (زووم)، وكان يتواصل معهم عبر التليفون، والواتساب، وغيرها من وسائل التواصل، حيث كانت الرعاية عن بعد، والكنائس مغلقة بحسب التعليمات في تلك الفترة.

وفي الحقيقة لم تكن هذه الأمور مرحبًا بها في باديء الامر، حيث أن الشعوب كانت معترضة على تعليق العبادة وغلق الكنائس، لكنهم بعدما أدركوا خطورة الموقف، ورأوا بأعينهم حالات وإصابات قريبة منهم خافوا جدًا، وأدركوا الحكمة في منع التجمعات في جميع المؤسسات، والمرافق، ودور العبادة، لكن أيضًا من ناحية أخرى كان هناك أيضًا الكثير من الناس غير مكترثين بالوباء، مظهرين لامبالاة في تزاحمهم في الأسواق، وفي وسائل المواصلات، لكن بعد ذلك بفترة قليلة مع ازدياد أعداد الحالات كان التزاحم يقلّ تدريجيًا، فكانت معظم الناس ملتزمة بعدم الخروج إلا للضرورة قبل ميعاد الحظر المقرر من الدولة، وكانت الدولة أيضًا قد أوصت بضرورة أخذ الاحتياطات، واتباع التعليمات، وضرورة ارتداء الكمامة عند الخروج من البيت، وقد قررت أيضًا فرض غرامات على من لا يرتدي الكمامة.

وهكذا كم عانى الناس من الملل والزهق خلال تلك الفترة أثناء الحظر، لأنها امتدّت لشهور طويلة، وكم توقفت فيها الأعمال والمشروعات، والمؤسسات، والقطاعات المختلفة، لدرجة أن بعض الناس كانوا يشعرون بأن الحياة بالكامل قد توقفت، وكانوا يُعبّرون عن ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي بأصعب العبارات والكلمات التى تحمل معها مشاعر الاحباط، والحزن، والاكتئاب، حتى كره الجميع سنة 2020م   وتشائموا منها بسبب قسوة هذه الأحداث، وتأثيرها السلبي عليهم، حيث امتلأت مواقع التواصل بأخبار المصابين كل يوم من الأصدقاء، والأهل والجيران، والمعارف، وممن فقدوا حياتهم متأثرين بإصابتهم بفيروس كورونا، حتى سادت صورة الموت الذي نشب مخالبه ليهدد حياة الجميع، وغابت الفرحة والبهجة من قلوب الناس، وملك الحزن، والخوف، والقلق، والاحباط على معظم الناس.

وأيضًا كم انتشرت في تلك الفترة الشائعات والفتاوى بخصوص الوباء وأسبابه، ومصدره، وغرضه، بالإضافة إلى الأفكار التكفيرية للآخر المختلف، والمغاير، حيث كان أصحاب الفكر التكفيري يرون بنظرتهم الضيّقة أن الله أنزل هذا الوباء على غيرهم من الكُفّار حتى يقضي عليهم انتقامًا منهم، وهكذا.

هذا وقد كثُرت أيضًا الأسئلة الوجودية، والتساؤلات المُحيّرة عن الله، ووجوده، وصلاحه، وعدله، ورحمته، وأيضًا عن الخليقة، والكون، والمصير، ومشكلة الألم، والشر في العالم، وغيرها من التساؤلات الوجودية.

فكل هذه الأمور جعلت بعض الوعّاظ يتطرفون في تفسير بعض النصوص تفسيرًا حرفيًا في ظل أزمة الوباء، مما تسبب ذلك في تشتيت، وارتباك الكثير من البسطاء، فكان البعضُ يُعلّم بأنّ المؤمن لا يُصاب بأي مكروه، وبالتالي سوف لا يُصاب بكورونا، وأيضًا كان هناك من يُنادي بالانتقام الإلهي من خلال الوباء، وكان البعض الآخر ينادي باقتراب يوم القيامة، ومجيء الوحش، والنبي الكذّاب المذكورين في سفر الرؤيا، مفسرين النص تفسيرًا حرفيًا، وهذا الخطأ الذي دائمًا يقع فيه بعض الوعّاظ أو المفسرين في كل ضيقة أو جائحة مماثلة.

وهنا ظهرت الحاجة المُلّحة لنشر تعاليم الكتاب المقدّس بطريقة معتدلة، تُركز على صلاح الله، ومحبته، ورحمته، وفدائه، وغفرانه، وأيضًا مشيئته الصالحة تجاه بني البشر، مع الدعوة ايضًا للتوبة وطلب وجه الرب، وبث الرجاء والأمل في قلوب الناس الذين صُعقوا تحت هذه الجائحة، وأيضًا تقديم المساندة الحقيقية لهم، وتشجيعهم، وتعضيدهم، مع المساعدة بطريقة عملية أيضًا في أرض الواقع، وذلك مع الاعتراف بدور العلم، والعلماء، والطب، والأطباء، فكانت كلّ هذه الأمور تُناقش باستفاضة بين القسوس والمسئولين في المجموعات الخاصة، والغرف المغلقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مركزين على أهمية دور التعليم الكتابي المعتدل والصحيح بجانب الرعاية والمتابعة عن بعد عبر وسائل الاتصال والتواصل، بالإضافة إلى الدور العملي في أرض الواقع مع المتألمين، والمصابين، والمتضررين، وهكذا كانت الكنيسة في مصر تنظر إلى هذه الأمور بعين الإهتمام مدركة رسالتها، ودورها، ومسئوليتها قدر المستطاع في هذه الفترة الصعبة على جميع الناس، وهذا أيضًا ما كان يفعله القسيس فرحان مع شعب كنيسته المحليّة.

 وحدث أنه بعد أسابيع قليلة، ومع تزايد أعداد الحالات والإصابات، أنه ظهرت الكثير من الإصابات في بعض القرى والمناطق المجاورة، وأخذت الناس تتداول أسماء المصابين على مواقع التواصل، وعلى الجروبات، والمجموعات الالكترونية المختلفة، وذلك بغرض حثّ الناس الذين كانوا مخالطين لهم دون علمهم أن يتوجهوا للمستشفى لعمل الاجراءات اللازمة، لكن بالطبع هذا الأمر لم يلق قبولًا عند أهالي المصابين، حيث أنّهم رفضوا أنّ أسمائهم وأسماء ذويهم تُنشر بهذا الشكل على وسائل التواصل معتبرين أن هذا الأمر بمثابة تشهيرًا بهم، وهذا ما جعل الكثير من الناس كانوا يُصابون بكورونا، ويثكتّمون على الأمر، ولا يُعرّفون أحدًا حتى يتم شفائهم.

إصابات في الكنيسة

 وفي مساء أحد الأيام التي صارت كلّها متشابهة طيلة فترة الحظر حيث الروتين اليومي، والالتزام بعدم الخروج، وعدم الزيارات، وملازمة البيوت، فقد انضمّ القسيس فرحان لاجتماع القسوس الذي كان يتم انعقاده على برنامج “زووم” الالكتروني، والذي كانوا قد اعتادوا الاجتماع عليه أسبوعيًا، وذلك بغرض الاطمئنان على بعضهم البعض، في جو من الشركة، والصلاة، وتبادل الخبرات، وفي هذا المساء قد علِم منهم القسيس بعض الأخبار الغير سارة بخصوص بعض القسوس من مختلف الطوائف وإصابتهم بفيروس كورونا المستجد، ومنهم من يقيم معزولًا في إحدى الغرف ببيته يتلقى العلاج، ومنهم من بالكاد وجد سريرًا بإحدى المستشفيات في ظل عدم وجود أماكن للعزل بالمستشفيات، وكم أحزنه هذا الأمر لأن أيضًا كان من بينهم أعز أصدقائه القس مرقس راعي كنيسة القرية المجاورة، وذلك بالإضافة إلى كافة الأخبار المزعجة التي تملأ الدنيا من حوله عن إصابة أطبّاء، وكهنة، وقسوس، وشيوخ، وغيرهم من مختلف فئات الشعب، ليس على مستوى القرية فقط بل في كل مكان أيضًا، وهكذا فبعد أن أنهى جلسته الطويلة مع زملائه من القسوس أغلق البرنامج، وقد ارتسمت على وجنتيه علامات الحزن والاكتئاب، فسألته راعوث زوجته في حيرة من أمره، وحزن أيضًا على حاله قائلة له أنها تعرف وتقدّر مشاعره خاصة أنها تعرف مدى صداقته بالقس مرقس الذي كان هو وزوجته أيضًا من أصدقاء العائلة المقربين، فكم حزنت أيضًا على زوجته منال صديقتها الودودة، لكنها كانت مستغربة أنها لم تخبرها بأمر إصابتهما حتى بالتليفون، حيث كانا على اتصال دائم ببعضهما البعض، فأخبرها زوجها القسيس فرحان أن صديقه القسيس مرقس وزوجته كانا يخفيان عن الجميع أمر إصابتهما في بداية الأمر إلى أن تطور المرض معهما وساءت حالتهما، فلم يستطيعا إخفائه أكثر من ذلك، حيث عرف الأهل، والجيران، وبعض المعارف خبر إصابتهما، وهكذا إلى أن وصل الأمر إلى شيخ الكنيسة الذي غضب بسبب علمه مؤخرًا بهذا الخبر، والذي عندما سأل ايضًا القس مرقس عن سبب ذلك، فأجابه أنه هو وزوجته فعلا ذلك عن عمد لعدة أسباب منها الخوف من نشر اسم القسيس وزوجته على مواقع التواصل الاجتماعي، وإعلان إصابته بكورونا، كما اعتاد الناس في ذلك الوقت على ذكر أسماء المصابين من أهل القرية حتى يتجنب الناس الاختلاط بهم، أو لطلب الصلاة من أجلهم من بعض المحبين، لذلك فرفضا إعلان أمر إصابتهما في بداية الأمر، حيث لم تكن هذه الأمور محببة بالنسبة إليهما.

وحدث في تلك الأثناء بينما كان القسيس فرحان يتابع الأخبار كعادته على مواقع التواصل، فوجد أمامه اسم أمينة عضو الكنيسة، والخادمة بها، فتابع القراءة باستغراب وعينيه تُحملقان في لهفة وترقب لمعرفة كل الخبرالمعلن عنها، وفيما هو يقرأ نطق اسمها بصوت عال، فسمعته راعوث زوجته فاندهشت جدًا للخبر، حيث أنها صديقتها المقربة، وهى أقرب جار للكنيسة، لكنها بسبب هذه الظروف لم تراها منذ فترة، وأيضًا لانشغال أمينة بعملها المكثّف بالمستشفى في تلك الفترة، حيث أنها ممرضة، وبسرعة أخذ القسيس فرحان التليفون ليطلب أمينة ليطمئن عليها ويتأكد من صحة هذا الخبر المفاجيء، حيث لم يكن أحد من أبناء الكنيسة يعلم ذلك، لكن للأسف كان تليفون أمينة غير متاح في ذلك التوقيت، فطلب والدتها على الفور، فردّت عليه على الفور أيضًا باكية، فأخبرها أنه عرف الخبر حالًا بالصدفة من خلال الانترنت، فأخبرته أنها هى أيضًا لم تكن تعرف، ولا أمينة حتى صباح هذا اليوم، لكنها تعبت في العمل في المستشفى فاكتشفت أنها مصابة، وأن من أخبرها بخبر إصابة أمينة هو الدكتور ماجد عضو الكنيسة أيضًا، وابن القرية، فحدث أنه بعدما أنهى القسيس مكالمته مع والدة أمينة، أنه على الفور طلب الدكتور ماجد بالتليفون، وبعدما اطمأنّ على صحته وأخبار عمله في ظل خطر الإصابة بفيروس كورونا، أنه سأله بلهفة واستفسار عن موضوع إصابة أمينة، فأخبره عن تفاصيل الأمر، مؤكدًا على صحة الخبر، حيث قال له أن هذا الأمر كان متوقعًا طبعًا سواء بالنسبة لها شخصيًا أو بالنسبة لغيرها من الأطباء والممرضين، حيث أن هذه الفترة حرجة وخطرة على الجميع، قائلًا له أنه هو نفسه مُعرّضًا للإصابة كل يوم أثناء عمله، فسأله أيضًا القسيس فرحان باستغراب عن وقت علمها بإصابتها، فقال له أنها لم تكن تعلم حتى شعرت بالتعب المفاجيء مع الارتفاع الشديد في درجة حرارتها، ووقوعها المفاجيء في المستشفى أثناء العمل، فتم نقلها بحذر إلى إحدى الغرف، وعند الكشف عليها اكتشفوا أنها مصابة بكورونا، فذهب إليها الدكتور ماجد ليطمئن عليها في الغرفة المحجوزة بها، وذلك فور سماعه الخبر أثناء عمله بنفس المستشفى، فأجابه القسيس مستغربًا للموقف قائلًا له أنه متخوف من أن تكون والدتها قد أصيبت أيضًا لأنها مخالطة لها طبعًا باستمرار، وهكذا انتهت المكالمة التليفونية بطلب القسيس فرحان الحفظ الإلهي له ولأسرته، وبالشفاء أيضًا لأمينة موصيًا إياه أن يتابع حالتها باستمرار ويطمئنهم.

وبعدما أنهى مكالمته القسيس فرحان نظر إلى راعوث زوجته في حزن ملحوظ، فإذ هى أيضًا تسمع  وتتابع في تلهف مع مشاعر الحزن أيضًا على أمينة صديقتها، فقال لها في تنهد ملحوظ أنه متخوف من أن تكون والدتها أيضًا قد أصيبت، فأكدت أيضًا أنها أيضًا خائفة عليها لأنها المخالطة الأولى لها في البيت الذي يجمعهما معًا، فأسرع القسيس وكتب الخبر على جروب الكنيسة طالبًا من الكنيسة أن تصلي لأجل شفائها، وبالفعل عندما علم أعضاء الكنيسة، وجميع أحبائها، وأصدقائها، أنهم حزنوا عليها جميعًا وطلبوا متمنين لها الشفاء، فكانوا جميعًا يصلوا بلجاجة من أجلها إلى الرب ليتنازل لها بالشفاء، حيث أن أمينة كانت محبوبة من الجميع لأنها كانت مُحِبّة وخدومة، ولم تتأخر عن أحد بشيء خاصة في مجال التمريض، أو أيضًا عند ذهاب أي أحد من أبناء القرية إلى المستشفى التي تعمل بها، فكانت دائمًا متواجدة مع الجميع.

كيفية تعامل الكنيسة مع الأزمة

كم كان للكنيسة في كل مكان في مصر خلال أزمة كورونا دورًا هامًا ومُميّزًا، حيث كانت الكنيسة تحاول أن تساعد الجميع من أبناء المجتمع قدر المستطاع، وذلك بالرغم من إغلاقها مع جميع دور العبادة في كل مصر بسبب وباء كورونا، وعدم السماح بالعبادة بها، وهذا ما زاد من هيبتها، واحترام وتقدير الجميع أيضًا لرسالتها ودورها الواضح في المجتمع.

وحدث في هذا التوقيت أن السنودس “سنودس النيل الإنجيلي” التابع له المجمع التابعة له تلك الكنيسة التي يرعاها القسيس فرحان، أنه أي السنودس كان بدوره قد كلّف لجنة معينة من لجان السنودس، وهى لجنة الطواريء، وذلك للتعامل مع الأزمة ومساعدة الكنائس في مختلف المجامع التابعة للسنودس لتتواجد مع شعوبها ومع باقي الناس أيضًا في المجتمع، وذلك من خلال مساعدة عملية على أرض الواقع بمعاونة رعاتها وقادتها وخدامها، وكان ذلك عن طريق تقديم مساعدات مادية، وعينية، ومواد تموينية للأسر المتضررة من الحظر أثناء الأزمة، ومن كانوا يعملون بالأجر اليومي لكنهم توقفوا بسبب الحظر، وغيرهم أيضًا ممن تأذّوا من جرّاء الأزمة، وقد تم تغطية ذلك من خلال مساهمات وتبرعات بعض الكنائس، والجهات المعنية بهذا الأمر، وتدبير احتياجات كل كنيسة من تلك المعونات بمعاونة رعاة وقسوس الكنائس، لتقوم كل كنيسة بدورها في توزيع تلك المعونات على الأسر المتضررة في محيط الكنيسة، هذا بالإضافة إلى أي مساعدات أخرى كالمستلزمات الطبية، أو علاجات، أو ماسكات، أو توفير بعض أنابيب الأكسجين للمصابين قدر المستطاع، وغيرها من الأمور التي كان في استطاعة الكنيسة أن تقوم بها.

وهكذا الحال أيضًا في هذه الكنيسة المحليّة كغيرها من الكنائس، حيث قام القسيس فرحان بدوره في حصر أعداد الأسر المتضررة في القرية، وقد قام بإبلاغ لجنة الطوارء بعددهم كما فعل باقي القسوس أيضًا في مختلف الكنائس.

وحدث أنه عندما جاء الوقت المحدد من اللجنة المختصة بتوزيع المعونات على مستوى السنودس، أن القسيس فرحان قام بمناقشة مجلس كنيسته عبر الجروب المخصص على برنامج “الواتساب” في أمر المعونات، وكيفية توزيعها، فقد اتفق مع اثنين من شيوخ الكنيسة وهما: الشيخ ثروت، والشيخ ذكي، على أن يذهبوا جميعًا وهو معهم إلى مقر المجمع لاستلام كراتين المعونات الخاصة بكنيستهم، فاتفقوا مع سيارة ربع نقل لتحضرهم إلى الكنيسة ليتم توزيعها على الأسر المتضررة، وبالفعل في صباح اليوم التالي قام القسيس في الصباح الباكر ليستقبل الشيخين عند باب الكنيسة مرتديًا كمامته، حيث كان الجميع في ذلك الوقت يرتدون الكمامة على الوجه خوفًا من الإصابة بالوباء، وحدث أنه بعد دقائق قليلة من انتظاره حضر الشيخان الوقوران حسب الميعاد المحدد مسبقًا ومعهما ماركو أحد شباب الكنيسة الذي جاء معهما ليساعد في هذا الأمر، فأحضروا سيارة ربع نقل ليذهبوا ليُحضروا المعونات، وبالفعل ذهبوا معًا وأحضروا الكراتين إلى الكنيسة، وقاموا بتوزيعها في نفس اليوم على الأسر المتضررة بحسب الأسماء المقيدة بالكشف.

وبمجرد أن انتهوا من التوزيع جاءهم خبرًا أفسد عليهم فرحتهم بتقديم هذه الخدمة، ألا وهو خبر إصابة والدة أمينة أيضًا كما كان متوقعًا لأنها كانت مخالطة لها دون أن تعرف أن ابنتها مصابة، فكانا يعيشان معًا يأكلان، ويشربان، ويمارسان حياتهما داخل البيت بشكل طبيعي كأي أسرة، حيث تم نقلها للمستشفى  ليتم عمل التحاليل والاجراءات اللازمة لها، وبالفعل اكتشف الأطبّاء أن حالتها إيجابية، وتم حجزها أيضًا.

حزن القسيس فرحان جدًا للخبر الذي كان يتوقعه ويخشى حدوثه، لأنه أيضًا كان يعلم حالتها الصحية، وعمرها الكبير، حيث المناعة الضعيفة، وعدم القدرة على مقاومة الفيروس، مما قد يضاعف الأمر معها، ويحدث معها ما حدث للكثيرين من أهالي القرية في تلك الفترة العصيبة، فقام أيضًا على الفور بإجراء مكالمة عاجلة للدكتور ماجد الذي كان معتادًا يكلمه دائمًا في مثل هذه الظروف، فكلمه ليُعرّفه بالأمر، وليتابع حالتها أيضًا.

وفي صباح اليوم التالي استيقظ القسيس فرحان مبكرًا كعادته، ثم جلس على مكتبه ليقرأ الكتاب المقدس، ويصلي أيضًا من أجل أمينة ووالدتها المحجوزتان بالمستشفى، ثم جاءت راعوث زوجته وقد أعدّت الفطار ليتناولاه معًا، وكان الحديث عن أمينة ووالدتها هو الغالب علي كليهما كباقي أهالي القرية، حيث أن الجميع تأثروا بقصة إصابتهما كلتيهما معًا.

ثم بعد ذلك نزل القسيس بعد تناول الفطار مع زوجته الحبيبة راعوث ليجلس كما كان يفعل أحيانًا كثيرة على كرسي من داخل باب الكنيسة، فإذا بعم شكري حارس الكنيسة يأتي إليه مترددًا في مشيته ويقول له بصوت متهدج، وبنبرة تعبر عن مدى حساسية الأمر الذي جاء ليتحدث فيه مع الراعي، فاستدار القسيس لينظر إليه باهتمام، وفي محاولة جادة للإصغاء لما يقوله طالبًا منه أن يتفضل بالحديث وكله آذان صاغية، فقال له عم شكري متأثرًا أنه يرى ظروف الكنيسة في الوقت الحالي في ظل الازمة، ويعلم مدى الأعباء التي عليها، فطلب من القسيس أن يسمح له بترك حراسة الكنيسة هذه الفترة حتى تعود العبادة مجددًا بها فتكون هناك حاجة لوجوده، فلم يستطع القسيس فرحان أن يخفي مشاعر الاندهاش والاستغراب من موقف عم شكري الغير متوقع، وحساسيته المفرطة، لكنه بعدما شكره على مشاعره النبيلة، وتفكيره في مصلحة الكنيسة دون مصلحته الشخصية، طلب منه القسيس أن لا يتحدث مجددًا في هذا الامر، لأن هذا الطلب مرفوض من الكنيسة راعيًا، ومجلسًا، وشعبًا ايضًا، حيث أنه لا أحد يقبل أنه بعدما خدم الكنيسة طيلة هذه السنوات بجدية، أن الكنيسة اليوم تستغني عنه في هذه الأيام الصعبة، فهذا الطلب مرفوض تمامًا ولا أحد في الكنيسة سيوافق عليه.

جنازة وجوازة

ثم حدث في هذه الأثناء أن ممدوح ابن الشيخ ذكي أحد شيوخ الكنيسة طلب القسيس فرحان تليفونيًا ليفاتحه في أمر زفافه على خطيبته أمل، والذي تم تأجيله أكثر من مرة لسبب ظروف البلد، وتعليق الاجتماعات، حيث كانت جميع دور العبادة بما فيها الكنائس مغلقة في ظل وباء كورونا، فأجابه القسيس باستغراب مع تعاطفه معه في نفس الوقت موضّحًا له أنه يُقدّر مشاعره هو وخطيبته أمل، وأنه أيضًا حزين بسبب تأجيل حفل زفافهما، لكن أيضًا هذا الأمر ليس بأيدي أحد، فالجميع معًا يعانون من جرّاء الوباء، كما ذكّره أيضًا ببعض أعضاء الكنيسة الذين قد أصيبوا بالفيروس وهما أمينة ووالدتها المعزولتان الآن بمستشفى العزل، هذا خلاف الكثيرين الذين قد أصيبوا وفضّلوا أن لا يعلنوا خبر إصابتهم فلازموا بيوتهم معزولين أثناء العلاج، فالأمر بالفعل خطير، وهكذا كان ممدوح يحاول معه  ليجعله يوافق على أن يكون الحفل محدود جدًا، لكن القسيس فرحان رفض بلطف موضحًا له بإقناع خطورة الموقف من ناحية، ومسئوليته أمام تعليمات الطائفة والدولة بعدم السماح بذلك من ناحية أخرى،  لكنه وعده أنه بمجرد السماح بذلك من قبل الدولة والطائفة، وفي حال صدور أية تعليمات بخصوص ذلك منهما، فإنه سيُعلِمه فورًا، ويحددوا معًا ميعاد الزفاف.

وفي فجر اليوم التالي حدث أن القسيس فرحان استيقظ على صوت رنين التليفون دون توقف، فقام على الفور مفزوعًا محاولًا أن يستفيق ليعرف من الذي يطلبه في هذا الوقت المبكر، وعندما حملق في شاشة تليفونه محاولًا بصعوبة أن يفتح عينيه، فإذ بالمتصل هو الشيخ ثروت شيخ الكنيسة على غير العادة يطلبه في الفجر ليُعلِمه بخبر وفاة والدة أمينة في مستشفى العزل، فلما سمع القسيس فرحان الخبر حاول أن يتمالك نفسه متسائلًا عن كيف علم بالخبر، فأجابه أن الدكتور ماجد علم بخبر وفاتها بالمستشفى، فتواصل مع ابنه منذ وقت قليل إذ وجده مستيقظ يكتب شيئًا على صفحته على فيسبوك، فأخبره وأوصاه أن يُخبر والده الشيخ والقسيس فرحان أيضًا، لأنه لم يستطع أن يطلب القسيس فرحان في التليفون في هذا التوقيت المتأخر من الليل، كما أوصى أيضًا الدكتور ماجد بضرورة عدم إخبار أمينة بوفاة والدتها، لأن هذا الخبر سوف يكون له تأثير سلبي عليها، وقد يقف في طريق شفائها وتعافيها من مرض كورونا، حيث أنه من المحتمل أن تسوء حالتها من جرذاء هذا الخبر، وقد كان الدكتور ماجد بدوره قد أوصى الجميع في المستشفى أن لا يخبروها بذلك، وهكذا فعل أيضًا القسيس فرحان بعد ذلك إذ أوصى الجميع أن لا يخبروا أمينة في حالة أن يتواصلوا معها.

وبالفعل لم تعرف أمينة بخبر وفاة والدتها حتى تعافت من المرض، وتحسنت حالتها بعد ذلك ببضعة أيام، حيث أقرّ الأطباء المباشرين لحالتها أنها تحولت من “إيجابية” إلى “سلبية” فأذنوا لها بالخروج من المستشفى، لكن كانت الصدمة الكبرى عندما خرجت أمينة من مستشفى العزل بفرحة كبيرة، حيث أن الله قد كتب لها عمرًا جديدًا، ففوجئت بالدكتور ماجد الذي كان يقف في حرص شديد مرتديًا كمامته، محافظًا على التباعد الاجتماعي كما هو موصى به، فوقف هكذا  في استقبالها عند خروجها ليهنئها بالشفاء والتعافي، وأيضًا ليُخبرها بحكمة، وبطريقة مناسبة بخبر وفاة والدتها قبل أن تعرف من أحد في الخارج، فانهارت بالبكاء عند سماعها ذلك الخبر، حيث كانت والدتها بالنسبة لها هى كل شيء، فلقد كانت هى الرفيق الوحيد الذي يملأ حياتها، والونيس القريب الذي يؤنس وحدتها.

وهكذا أخذ الدكتور ماجد يواسيها، ويُخفف عنها في هذا الموقف الصعب، حيث كان وجوده في هذا الموقف له دور كبير في مواساتها ومساندتها، حيث أيضًا كان معه القسيس فرحان وزوجته راعوث صديقة أمينة على التليفون يكلمونها ويواسونها في هذا الموقف الحرج، وبالفعل اطمأنوا عليها جميعًا، وساندوها، وقدموا لها كلمات التعزية، ووعدوها أنهم سيتواصلوا معها باستمرار عدة مرات في اليوم للإطمئنان عليها وعلى صحتها.

وهكذا أيضًا كم تعاطف الجيران مع أمينة بعد وصولها للمنزل، ورجوعها لبيتها بدون والدتها المحبوبة من جميع الجيران، حيث استقبلوها بالدموع والبكاء الشديد لرؤيتهم إياها باكية ترثي حالها وما حدث معها، وكان الجميع يعزونها ويواسونها من بعيد دون تلامس معها، أو مع بعضهم البعض، خوفًا من الوباء، وإمكانية العدوى، حيث كان معظم الناس في ذلك الوقت قد أدركوا خطورة الوباء، وانتبهوا لأهمية اتباع التعليمات الموصى بها للوقاية من العدوى، ولقد زاد الوعي عندهم بسبب كثرة الحالات والإصابات التي أصبحوا يرونها بأعينهم من أقربائهم وجيرانهم، بعدما كانوا يسمعون عنها فقط في التلفزيون ووسائل التواصل، وهكذا واسى جميع الجيران أمينة في وفاة والدتها، معبرين أيضًا عن مدى شكرهم لله على سلامة رجوعها لبيتها، وتعافيها وشفائها من المرض. كما تواصل جميع أعضاء الكنيسة أيضًا معها عبر التليفون والواتساب للتعزية، وكانت أيضًا صديقتها راعوث زوجة القسيس فرحان على اتصال دائم بها.  

وهكذا خيّم الخوف والرعب من الوباء في الأسابيع والشهور التالية لتلك الأحداث، وانتشرت الإشاعات بين الناس عن إصابات البعض من الأسر والأفراد، وكان السكون يعُمّ شوارع القرية التي كانت سابقًا تعجّ باصوات الأولاد يلعبون ويلهون، وبعض الناس الذين كانت جلستهم المفضلة أمام أعتاب أبوابهم، وعلى مصاطبهم الرطبة المرشوشة بالماء للتخفيف من سخونة النهار، حيث كانت عادتهم أن يجلسوا يتبادلون الأحاديث، ويتسامرون، ويشربون الشاي، هذا خلاف المارة من أهل القرية يلقون التحيات على الجالسين، ويمزحون مع البعض من أصحابهم ومعارفهم، ناهيك عن أصوات الماشية المارة في الشوارع مسوقة من أصحابها، خاصة في الصباح الباكر حيث يصطحبونها إلى الغيطان، والمراعي، والحقول المختلفة، وأيضًا أثناء الغروب وقت العودة إلى البيوت، هكذا كانت عادة القرية، لكن بسبب الوباء قُلِبَ الحال، وتغيّرت الأحوال، وانقطعت أصوات الضحكات من البيوت والشوارع، وغابت الفرحة عن أبناء القرية وشبابها الذين سُجِنوا في بيوتهم على غير عادتهم، حيث كان مرض كورونا هو حديث القرية كما كان أيضًا حديث البلد بالكامل بل العالم أجمع الذي الذي كان يعاني أيضًا من فيروس كورونا في مختلف دوله، حيث لم يكن قد تم التوصُّل إلى علاج لمرض كوفيد 19 إلى هذه اللحظة.

ولقد كان ما يُزعج الناس أيضا في القرية في تلك الأثناء ان المستشفيات المتاحة للعزل قد امتلأت من المصابين، ولا يوجد أماكن لقبول الحالات المصابة الأخرى، والبيوت امتلأت من المرضى المصابين بالفيروس، والصيدليات أيضًا قد فرغت من الفيتامينات وبعض الأدوية الضرورية لتقوية جهاز المناعة لمقاومة مرض كورونا، حتى اضطرت الناس إلى العزل المنزلي لكل من يُصاب من أفراد الأسرة، ومتابعته عن بعد مع توفير اللازم له من طعام وشراب وأدوية لازمة.

ولقد كانت الطامة الكبرى في ذلك الوقت هى حدوث ما كان يُخاف من حدوثه ألا وهو انهيار المنظومة الطبية في مصر لقلة الإمكانات المتاحة بالمقارنة مع ازدياد أعداد الإصابات يوميًا، هذا بالإضافة إلى شعور الأطباء بالاحباط والضجر نتيجة ما يواجهونه يوميًا في حربهم ضد الفيروس، وأيضًا لتعرضهم للتطاول عليهم، واتهامهم بالتقصير من بعض أهالي المصابين، وأصدقائهم، ومعارفهم، مما جعل الكثيير من الأطبّاء يتقدمون باستقالاتهم ليس فقط لشعورهم بالخطر الذي طال بالفعل الكثير والكثير من الأطباء والممرضين على مستوى المحافظات، مما جعل الدولة تلقي الضوء عليهم، وتشيد بدورهم الرائد في تلك الأزمة، حيث تم وصفهم بأبطال الحرب الذين لا يقل دورهم عن دور الجنود في الجيش، حيث أُطلِقَ عليهم أيضًا لقب “جيش مصر الأبيض” حيث كانوا بالفعل بمثابة خط الدفاع الأول ضد الوباء، هذا بالإضافة إلى اعتبار من يموت منهم متأثرًا بإصابته بفيروس كورونا أثناء هذه الحرب الضروس  شهيدًا للوطن كشهداء الجيش أو الشرطة الأبطال، مما جعل معظم الشعب أيضًا يشعر تجاههم مع نظرائهم من أبطال الجيش والشرطة بمشاعر الحب والوطنية، خاصة أن الدراما المصرية في تلك الفترة أيضًا كانت تسلط الضوء على أبطال الوطن، فكان على سبيل المثال في شهر رمضان الذي هلّ على الناس بطلعته المميزة أثناء فترة الحظر ببرامجه ومسلسلاته مما ساهم في التخفيف عن الناس، وتسليتهم، ومحاولة إزاحة الملل والزهق الذي كان يصاحب تلك الفترة، فكان أحد المسلسلات الدرامية يتناول قصة أحد الأبطال العظماء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل الوطن وهو “الشهيد أحمد المنسي” بطل معركة بئر العبد، والذي كان المصريون يتابعون أحداثه  بشغف حلقة تلو الأخرى حتى نهايته، مما كان له عظيم الأثر في إشعال الروح الوطنية في قلوب الشعب، وبثّ قيم المواطنة، والانتماء للوطن، والاخلاص له، والقتال لأجله، فكان لكل هذه الأحداث أثرًا كبيرًا، وتاثيرًا ملحوظًا بين المواطنين، فكان الشعب يجّلون أبطالهم سواء من الجيش، أومن الشرطة، أو من الأطبّاء لدرجة أن بعض المواطنين كانوا يستقبلون الأطباء والممرضين عند عودتهم من عملهم بالتحيات الحارة، والأغنيات المعبرة، والتصفيق لهم من النوافذ، والشبابيك، والبلكونات، وتقديم كلمات الشكر لهم على مخاطرتهم بحياتهم في سبيل قيامهم بدورهم البطولي في هذه الآونة الصعبة.  

وحدث بعد تلك الأيام أن أعداد الإصابات أخذت في الانخفاض الملحوظ، ومعها أيضًا عدد الوفيات أيضًا، وحدث أيضًا بعد ذلك أن رئاسة الطائفة الإنجيلية قد أصدرت بيانًا هامًا يتضمن السماح بعقد الزيجات والخطوبات في البيت أو الكنيسة بحضور عدد محدود جدًا لا يتجاوز الستة أفراد مع اتباع كافة التعليمات والاجراءات الاحترازية، وبمجرد صدور هذا البيان قام القسيس فرحان بنشره على الصفحة الرسمية للكنيسة، وأيضًا قام على الفور بإجراء مكالمة تليفونية مع ممدوح الخادم بالكنيسة ليُعلمه بالبيان الخاص بالزواج كما سبق ووعده أنه سيعلمه بمجرد صدور أي تعليمات جديدة بخصوص السماح بالزواج في ظل الوباء، فاستقبل ممدوح الخبر أيضًا بفرحة ملحوظة، حيث كان ينتظر تلك اللحظة التي تجمعه بمحبوبته أمل بلهفة بعد طول انتظار، وتأجيل، وتأخير بسبب ظروف وباء كورونا، فأسرع على الفور بمجرد أن أنهى مكالمته مع القسيس ليطلب خطيبته أمل ليخبره، ويفرّحها بهذا الخبر المُبهج، والتي أيضًا لم تستطع أن تمسك دموع الفرحة التي قفزت من عينيها بعد أن ملأتهما، في تناقض عجيب مع حزنها أيضًا على هذه الظروف التي حتى انفراجتها لم تحقق كل حلمها كعروس كأي عروس تحلم بيوم زفافها ووسط حشد من المدعوين من صديقاتها، وأصدقائها، وأهلها، ومعارفها، وجيرانها، وجميع أهل القرية، لكنها حتّمت عليها أن تكون في وسط عدد محدود جدا مرتدين كمامات الوجه تخوفًا من الإصابة بالفيروس.

وبالفعل تم تحديد ميعاد الزفاف بالاتفاق بين الراعي وممدوح وخطيبته وأهلهما، وقد تم عقد زواجهما في الموعد المحدد في قاعة الكنيسة بحضور عدد محدود جدًا بحسب التعليمات، وهكذا باركهما الراعي القس فرحان، وصلّى معهما، وصرفهما ليذهبا إلى بيتهما الجديد شاكرين الله الذي جمعهما.

وما كان من والدي العروسين إلا أن يشجعانهما على أن يفرحا بزواجهما بغض النظر عن ظروف الوباء، وعدم حضور الناس، لأن هذه الظروف على الجميع في كل مكان، وفي هذه الأثناء كان الشيخ ثروت يتحدث مع نسيبه الشيخ ذكي ويتبادلان الضحكات مع الراعي القسيس فرحان مهنئان بعضهم البعض في حضرة العروسين وووالدتيهما وإخوتهما الذين لم يستطع بعضهم أن يدخل إلى قاعة الكنيسة حسب التعليمات، فكانوا يتابعون من نوافذ القاعة المطلة على الجنينة التي تحيط بالقاعة من داخل أسوار الكنيسة، مطلقين الزغاريد، والتصفيقات العالية بعد العهود والصلاة، وأيضًا يلقون عليهما التحيّات الحارة للعروسين ملوّحين لهما بأيديهم، وهكذا العروسين، وهكذا حتى انتهى الاحتفال بعد الصلاة الربّانية، والبركة الرسولية من الراعي القس فرحان، ثم تلاها تصفيق شديد من الجميع مع أصوات الزغاريد التي اخترقت أجواء السكون التي كانت تسود القرية آنذاك التي خرج معها أيضًا الناس من نوافذهم، وعلى أعتاب بيوتهم، ليتابعوا مع فرحة غامرة تكاد أن تقفز من أعين العروسين، ومرتسمة على أوجه أفراد العائلتين، وكان أهالي القرية يلقون على العروسين التحيات والتهنئات أثناء خروجهما بسيارة العرس المزينة بالورود.

وفي الواقع كم كان هذا الأمر صعبًا على كلتا العائلتين بالرغم من فرحتهما بزواج العروسين، حيث لم تشهد قريتهم زفافًا بهذا الشكل الضيق من قبل، فالزفاف في القرية يتم في حفل كبير يحضره جميع الأهل والأقارب، والجيران، والأصدقاء، والمعارف من كل مكان، لكن بسبب ظروف الوباء، والتعليمات الصارمة من الدولة والكنيسة بمنع التجمعات، من أجل ذلك فقد تقبّل العائلتان وأيضًا كل عائلات من تزوّجوا في تلك الفترة هذا الأمر مصلّين وراجين من الله أن تعبر هذه الفترة العصيبة بسلام، وأن يرفع الرب الوباء.  

الأصعب من كورونا

وكان من أبناء القرية رجلًا في الخمسين من عمره يدعى عدلي، وكان معروفًا في القرية بخبثه وشرّه، فكان دائمًا يدبّر المكائد، ويزرع الخصومات بين الناس، حيث أنه كان لديه محلّ أدوات منزلية، فكان يجلس طوال النهار أمام محله، وهكذا يشاكس مع كلّ من يمُرّ من أمامه، لدرجة أن أهل القرية كانوا يكرهون أيضًا المرور من هذا الشارع بسببه، وذلك بالرغم من طيبة قلب زوجته السيدة أم كمال المحبوبة من الجميع، والمكروهة منه، والتي على النقيض منه كانت معروفة في القرية بطيبتها، ومحبتها للجميع، حيث كانت ربّة منزل، وأيضًا كانت تبيع الزبدة في سوق القرية في اليوم المعروف من كل أسبوع حسب عادة القرية، ولأمانتها، وتعاملها مع الجميع بالذوق الصالح، فكان أهل القرية يحبونها، ويتعاطفون معها لكفاحها من أجل أولادها بالرغم من عيشتها الممتلئة بالظلم والقهر مع هذا الزوج القاسي الممتليء بالشرّ والحماقة، وهى أيضًا كانت من المترددين على اجتماعات الكنيسة على عكس زوجها الذي لم تخطو رجله داخل عتبة الكنيسة إلا في بعض الجنازات، أو بعض الأفراح، بالرغم من زيارات الراعي القسيس فرحان وبعض الخدّام أيضًا له، لأنه كان يحلف ساخرًا أنه سوف لا يدخلها إلّا على ظهره، أي في حالة وفاته.

فكانت زوجته السيدة أم كمال تتردد على اجتماعات الكنيسة المختلفة قبل وباء كورونا، وكانت أيضًا تطلب من القسيس فرحان والخدام بالكنيسة الصلاة من أجل زوجها عدلي ليُقرّبه اللهُ إليه، ويهديه، ويصلح حاله، فكان القسيس والخدام يشجعونها ويصلون معها طالبين أن يُغير الله قلبه وسلوكه مع أسرته ومع الآخرين أيضًا.  

ولقد كان عدلي هذا معتادًا أن يذهب كل فترة إلى القاهرة قاصدًا محلّات وتجّار الجملة المتخصصين في الأدوات المنزلية لشراء مستلزمات المحلّ من بضائع وغيرها، فسافر كعادته في هذا التوقيت إلى القاهرة، وكان قد قرر لظروف انتشار الوباء، وبقاء أهل القرية في منازلهم، مما أثّر على حركة البيع بالمحل عنده أكثر مما كانت عليه من ذي قبل، لذلك فقد قرر هربًا من البيت أيضًا أن يقضي فترة أطول في القاهرة في شقة أخيه الأصغر صفوت، حيث كان أعزبًا، ويعمل بإحدى شركات المقاولات بالقاهرة، وذلك أملًا في أن يجمع الله شمله بخطيبته مريم في هذه الشقة التي كان قد اتّخذها حديثًا لهذا الغرض.

وهكذا جاء عدلي إلى القاهرة في صباح أحد الأيام، وبعدما انتهى من شراء بعض من مستلزمات المحل من البضائع من تجار الجملة المعروفين، والذي كان دائم التردد عليهم، والتعامل معهم، فذهب قرب نهاية النهار قاصدًا شقة أخيه صفوت، والذي استقبله أيضًا بحرص شديد، وتخوّف ملحوظ من إمكانية العدوى، حيث استقبله بالكحول والمطهرات اللازمة،وأيضًا كان قد جهّز له غرفة ليبيت فيها بمشترياته وبضائعه، فاستاء عدلي جدًا من تصرذف أخيه الأصغر صفوت الذي لم يسلم أيضًا من لسانه المؤذي، وكلماته القاسية التي تعبر عن جفاء قلبه، وتبلُّد مشاعره، فلا يراعي مشاعر غيره، وتعكس أيضًا أنانيته ومدى تفكيره في نفسه فقط دون اعتبار للآخر مطلقًا، لكن سبحان الخالق الذي لم يخلق شيئًا رديّا، أن صفوت أخيه كان على خلافه شخصًا مختلفًا في فكره وأخلاقه، وذوقه الصالح في التعامل مع الآخرين، فلم يردّ عليه بإساءة مماثلة باعتباره ضيفًا عليه، وذلك بالرغم من تضايقه من قسوة أخيه، وعدم تفهمه لظروفه، وخوفه من العدوى المحققة في تلك الأيام لكل من لا يتعامل بحرص شديد، لكن في الحقيقة لم يكن صفوت يُحبّذ زيارة أخيه عدلي بسبب اسلوبه الجاحد، وتعامله المُنفّر، لكنه مع ذلك كان دائمًا يستقبله واضعًا اعتبارًا لعلاقة الإخوَّة بينهما، ملتمسًا له الأعذار، فكان لا يُدقق مع تصرفاته حتى تنتهى زيارته ويعود إلى بيته.

وهكذا بات عدلي تلك الليلة في شقة أخيه صفوت، وقام في الصباح الباكر ليذهب أيضًا لشراء باقي مستلزماته من البضائع ليأتي قبل ميعاد الحظر المقرر من قبل الدولة والحكومة، وهكذا كان يفعل لبضعة أيام، فكان يذهب في الصباح الباكر، ويترك أخيه الذي كان ملازمًا المنزل في هذه الفترة متوقفًا عن العمل بسبب ظروف انتشار وباء كورونا.

وحدث في إحدى المرات أنه في نهاية يومه رجع عدلي من الخارج متعبًا تعبًا شديدًا، وإذ بحرارة جسده قد ارتفعت جدا، وصاحبها التهاب شديد في حلقه، فذهب إلى إحدى الصيدليات في طريقه قبل أن يصل إلى شقة أخيه صفوت، فوجهه الصيدلي إلى ضرورة التوجه مباشرة إلى المستشفى وإجراء التحاليل اللازمة، لأن هذه أعراض كورونا، فطلب منه عدلي بعض الأدوية اللازمة، وقال له أنه يفضل العزل المنزلي مع تناول العلاج، فصرف له الصيدلي بعض الأدوية الموجودة في الصيدلية.

واتصل عدلي على الفور عند خروجه من الصيدلية بأخيه صفوت ليخبره بنبرة صوت غير معتادة يملأها الخوف والحزن مخبرًا إياه بما حدث، فارتعب صفوت أيضًا من هذا الخبر الذي زاد على خوفه خوف مضاعف، حيث كان يخشى الإصابة لدرجة أنه لم يخرج من شقته إلا للظروف الطارئة متخذًا كل احتياطاته، فابتدأ على الفور يجهز نفسه لاستقباله، ويرتب أموره، وقد اتخذ كافة الاحتياطات والاجراءات الاحترازية الممكنة، واستعد للقاء أخيه المصاب بكورونا في خوف وذعر شديدين، حيث كان يقول في نفسه أنه كان حريصًا كل الحرص، ولم يخرج خوفًا من الإصابة بفيروس كورونا، لكن الكورونا أتته إلى داخل بيته، فكان في هذه الأثناء محصورًا من شعورين يضغطان عليه حتى كاد أن ينفجر من الحيرة وعدم القدرة على اتخاذ قرار في شأنهما، وهما إما أن يستقبل أخيه المصاب، ويعزله في إحدى الغرف بالرغم من خطورة هذا الامر، واحتمالية إصابته لأنه بذلك سيكون مخالطًا له مباشرة، وهذا مايخشاه، أو الأمر الآخر أنه يرفض استقباله خوفًا على حياته، وهذا ما لا يقبله أيضًا، لكن بعد فترة من هذا الصراع الرهيب الذي مرّت فيه الدقائق وكأنها ساعات طويلة، فقد قرر صفوت أن يستقبل أخيه المصاب ليعزله في إحدى غرف شقته التي خيّم عليها الخوف، وامتلأت جنباتها بالذعر والرعب من فوبيا الكورونا.

وهكذا جاء عدلي من الخارج، واستقبله أخوه بحرص شديد فأدخله إلى غرفته، ثم اتخذ كافة الاجراءات اللازمة لكي يُريحه، أما عدلي فكان ينظر إليه نظرات تعبر عن مدى ندمه على قساوته، وتعامله الجاف والجارح معه، فقال له ساخرًا أنه في الحقيقة كان يتوقع أنه سوف يُغلق الباب في وجهه لأنه يعلم أنه في هذه الايام عنده فوبيا من الكورونا، فأجابه صفوت الذي داهمه الرعب والخوف، وقد ارتسم أمامه شبح الموت ليُطيح بكل أحلامه وطموحاته، فقال له أنه بالرغم من خوفه الشديد من الإصابة، والعدوى، لكنه أيضًا يحبه، ولا يجرؤ أن يغلق الباب في وجهه.

وعلى الفور في تلك السساعة العصيبة أمسك صفوت بتليفونه المحمول ليطلب زوجة أخيه عدلي ليُخبرها بما حدث لزوجها، فتلقّت أم كمال الخبر أيضًا في دهشةٍ مع خوفٍ شديد، لأنها أيضًا خافت على نفسها وعلى أولادها، وفيما هى متفكرة في هذه الأمور، وهى تتحدث مع نفسها بصوت عالي، والحيرة والقلق يملآن عينيها اللتين امتلأتا بالدموع، فكانت تفكر كيف تقي نفسها وأولادها من الإصابة في حالة رجوع عدلي من القاهرة، فقضت ليلة مفزعة وهى تفكر في كل هذه الامور، وفي الصباح الباكر إذ بصوت التليفون يرن أكثر من مرة لتفتح عينيها عليه، وعندما فتحت التليفون، إذ بصفوت يُخبرها أن عدلي قام في الصباح وأعدّ حقيبته مُصرّا على السفر والعودة إلى البيت، فتسائلت أم كمال في استغراب شديد عن سبب ذلك، فقال لها أنه لا يعلم لكن هذا ما حدث، وأنه لم يستطع منعه من الخروج، حيث قال له أنه يجب أن يسافر لأنه عنده التزامات كثيرة في البيت، فأجابته أم كمال منزعجة ومندهشة في نفس الوقت أنه لا توجد التزامات تستدعي أن يأتي بهذه السرعة في مثل حالته هذه، وهذا ما زاد على خوفها خوفًا، وجعل الذعر يدبُّ في قلبها وقلوب أولادها الذين يسمعون المكالمة ويتابعون الحديث، فقامت على الفور لتجمع أغراضها، وملابسها، وملابس أولادها لتذهب بهم إلى بيت أبيها الذي يُقيم فيه وحيدًا مع والدتها.

وحدث أنه عندما عاد عدلي إلى بيته، ولم يجد زوجته وأولاده، وبعدما علم أنهم تركوا المنزل جميعًا خوفًا منه، فاستشاط غضبًا، وأخذ يسُبّ، ويلعن، ويتفوه بالشتائم عليهم جميعًا، وعلى الظروف التي وضعته في هذا الموقف، حيث كانت عادته دائمًا التذمر على كل شيء في كل الظروف، ومختلف المواقف، ولم يعرف الشكر لله طريقًا إلى قلبه، فحاول أن يتصل بهم، فردت عليه زوجته محاولة بتروّي أن تُهديء من غضبه بأن تجعله يتفهم حالة أولاده، لكنه لم يبدي أي رغبة في التفاهم، ولم يعطي لنفسه فرصة أن يسمعها، أو يتفهم موقفها وموقف أولاده، ففكرت أم كمال للحظات أن تذهب هى إليه وحدها دون الأولاد،  لكنها كانت تخاف أن تأتي إليه لئلا يمد يده عليها كعادته، وفي هذه الحالة لا تأخذ شيئًا سوى العدوى بالإضافة للإهانة والضرب، فتراجعت وقررت أن تبقى في بيت والدها إلى أن تستقر الأمور.

وحدث في هذه الأثناء أن عدلي لم يهدُّه المرض، ولم يغير فيه شيئًا، فلم يكترث لمرضه، أو لآخرته، فلا زال الشر قابعًا داخل جدران قلبه، والخبث مستوطنًا ومتملكًا على ذهنه وأفكاره، فكان في مرضه أيضًا يفكر في إيذاء الآخرين، فخطط كيف يُؤذي من يكرههم، ويحقد عليهم بأن ينقل لهم عدوى الكورونا، وبالفعل بدأ أولًا بجاره عبد الملاك المهندس الزراعي، والذي كان يعتاد أن يجلس على كرسي من الخشب مقابل بيته يتصفح الجرائد، ويشرب الشاي، ويتسامر مع أحد الجيران من حوله، أو مع زوجته وأولاده الذين قد يأتوا ليجلسوا بجواره على مصطبة صغيرة خارج البيت، فإذ بعدلي على غير عادته يأتي إليه، والشر يملأ قلبه محاولًا أن يخفيه ويداريه بابتسامة صفراء، وهويُلقي عليه التحية، ثم يجلس بجواره فجأة بطريقة غير متوقعة أذهلت جاره الطيب المهندس عبد الملاك الذي نظر إليه في ذهول واستغراب متسائلًا في داخله عن سبب هذه الزيارة المفاجئة، وهو يعلم تمامًا أن عدلي لا يأتي من وراءه خيرًا، وزاد أيضًا من استغرابه أن عدلي طلب أيضًا أن يشرب الشاي معه، فهمّ عبد الملاك لينادي على زوجته من داخل الباب لتحضر لهما الشاي، والحيرة تملأ قلبه متسائلًا عن سبب المحبة المفاجئة التي انسكبت في قلب عدلي تجاهه بالرغم من مقاطعته إياه لسنوات طويلة بسبب مُشادّة كلامية بينهما بسبب شجار الأولاد مع بعضهما البعض في الشارع، وبالفعل أعدّت الزوجة الشاي، وأحضرته باستغراب ملحوظ أيضًا وهى تنظر إلى عدلي من داخل البيت واضعة يدها على قلبها من الخوف من هذه الزيارة، فلاحظها زوجها عبد الملاك فتقدم ليتناول من يدها الشاي، وبعدما شربا الشاي معًا فإن عدلي سلّم عليه باليد دون احتراس أو تباعد، وكان حريصًا طيلة الوقت أن يكون قريبًا منه، ولم يعلم أحد أن عدلي كان مصابًا بكورونا حتى شاع بين الجيران خبر إصابة المهندس عبد الملاك بفيرروس كورونا، وذلك بالرغم من حرصه على عدم الخروج بتاتًا ولم يخالط أحدًا، فعرف الجميع بعد ذلك أن العدوى نُقِلت له من عدلي الذي كان مصابًا بكورونا أثناء زيارته له، وهنا اتضح جليّا أمام عيني عبد الملاك وأسرته لغز زيارة عدلي له في هذا التوقيت بدون مقدمات أو أسباب، وساد الذعر أيضًا بين جميع من خالطهم عدلي في تلك الأيام القليلة قبل وفاته على سريره، في بيته، متأثرًا بإصابته بفيروس كورونا.

عودة تدريجية

وفي هذه الايام أيضًا اختفى الراعي القسيس فرحان من المشهد، فلم يتلقّ أحد من أعضاء الكنيسة أو من الشعب تليفونًا منه كعادته، مما أثار قلق الناس عليه خاصة أن تليفونه أيضًا كان مغلقًا، وعندما تواصلوا مع زوجته علموا بإصابته أيضًا بكورونا، وأنه معزول أيضًا بغرفته، وعدد محدود جدًا من أعضاء مجلس الكنيسة هم من يعلموا بإصابته، ويتابعون حالته، لأنه طلب إليهم وأوصاهم كثيرًا أن لا يُشيعوا الأمر حتى يكتب له الرب الشفاء، لكن لم يستطع أحد إخفاء أمر إصابته، حيث كان الجميع يسألون عنه لغيابه عن الاتصال والتواصل مع شعبه حتى على وسائل التواصل الاجتماعي، لذلك فكانت تصير من الشعب صلوات كثيرة بلجاجة من أجله، وذلك لما له من محبة ومودة في قلوب جميع شعب الكنيسة، وسائر أهل القرية أيضًا، فكانت الناس يسألون عليه بالتليفون، ويتواصلون مع زوجته راعوث التي كانت له خير معين أيضًا في تلك الفترة الصعبة من حياته، وكان أحد شيوخ الكنيسة الأفاضل يُحضر لها ماتحتاجه من أدوية ومستلزمات ضرورية للعلاج، وغيرها.

وحدث أنه عندما اشتد به المرض، وابتدأت حالته تسوء يومًا بعد الآخر، فإن الطبيب أشار عليه بضرورة إيجاد “بلازما” من شخص ما قد شُفي من كورونا لأنه يحتاج إليها بشدة للشفاء، فكان أول من خطر بباله وبال زوجته راعوث هى أمينة جارتهم، والتي بالفعل بادرت بإعلان رغبتها في التبرع بالبلازما للقسيس فرحان حال علمها بالأمر، وذلك تعبيرًا عن محبتها، وامتنانها له ولزوجته راعوث صديقتها المقربة، وبالفعل تم هذا الأمر، وقد كتب له الرب الشفاء الكامل دون إصابة زوجته، أو أي من المخالطين له، ثم بعد فترة النقاهة قام وعاد مرة أخرى للظهور ومزاولة نشاطه، ومتابعة خدمته عن بعد من خلال التليفون، ووسائل التواصل، شاهدًا عن إحسان الرب، ومعروفه، ورعايته له أثناء مرضه، وكان أيضًا يتواصل مع المرضى، والمصابين، والمتألمين من أبناء القرية ليشجعهم، ويشددهم، ويصلي معهم.

ما أصعب تلك الفترة، حيث يشعر الفرد بتباعد أقرب الناس إليه وقت مرضه، وخوفهم من العدوى منه، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى قربهم منه، وتلامسهم معه، والعكس أيضًا ما أصعب الشعور عندما يشعر الإنسان بخطورة اقترابه من أقرب الناس إليه في وقت مرضهم، في الوقت الذي يراهم في أشد الحاجة إلى الدفء العاطفي، والحضن، والحميمية، والتلامس الجسدي، وأيضًا كم كان يصعب على الانسان المصاب أن يشعر بقرب نهايته حتى إذا كان مؤمنًا، ويعلم أنه سيذهب إلى مكان أفضل، لكن ما أصعب أن يشعر الانسان أنه سيفارق الحياة، وأسرته الغالية، وجميع أحبائه وأصدقائه، لذلك فقد كانت هذه الفترة صعبة على جميع الناس في كل مكان، وكم كانت الناس في كل مكان تتألم لإصابة وفقدان أحبائهم، فكان الجميع يصلّون من أجل عبور هذه الأزمة الجائحة بسلام، وأن يرفع الله الوباء عن الجميع.

ثم حدث بعد ذلك بفترة قصيرة أنه تم الإعلان عن عودة العبادة تدريجيًا بالكنائس والمساجد في أيام معينة من أيام الأسبوع بنسبة حضور معينة، وباتباع الاجراءات الاحترازية المشددة، مع مراعاة التباعد الاجتماعي، وعدم التلامس باليد، وارتداء الكمامات، وذلك لسبب انخفاض أعداد المصابين بمرض كورونا، تابعه أيضًا انخفاض ملحوظ في عدد الوفيات، حيث بدأ وباء كورونا في الانحسار، فكان هذا الأمر سبب فرحة كبيرة غمرت الجميع بإعادة فتح دور العبادة، والعودة مجددًا لحضور الاجتماعات كما كان قبل ذلك، وهكذا عادت الحياة تدريجيًا في كافة المجالات والمؤسسات المختلفة.

وفي ذلك الوقت كان السنودس قد شدد على ضرورة إتباع الإجراءات الاحترازية المشددة عند العودة للعبادة في الكنائس، لذا فقد قام بإصدار فيديوهات إرشادية تحتوي على التعليمات اللازمة وكيفية دخول الكنيسة، ووضعيات الجلوس بها، حيث أكد على مراعاة التباعد، وأيضًا كيفية ممارسة العبادة، وأداء الفرائض المقدسة بطرق آمنة.

وهكذا عادت العبادة بالكنائس بالتدريج كما كانت قبل ذلك، ولقد عادت الكنيسة المحليّة أيضًا لإعداد برامجها وأنشطتها لاستكمال رسالتها، وأيضًا قد عاد الراعي القسيس فرحان بنشاط ورؤية جديدة للكنيسة، وللتعليم الكتابي المناسب الذي تحتاجه الكنيسة في فترة ما بعد كورونا، وذلك من أجل تشديد الشعب، وتشجيعهم، وتعويضهم عن تلك الفترة العصيبة التى عانوا منها أجمعين على كافة الأصعدة، وتشدد معه أيضًا مجلس الكنيسة، وكل الخُدّام، وقادة الاجتماعات للعودة للخدمة مرة أخرى بالكنيسة بحيوية ونشاط، متفائلين بالخير، طالبين الله أن يعوضهم وكنيستهم عن كل الألم والضغط النفسي الذي قاسوه خلال تلك الفترة.

فبدأت الكنيسة بإعداد نهضة كرازية  كجزء من عملها الكرازي، وذلك باتباع كافة الاجراءات الاحترازية، وعند الإعلان عنها كانت فرحة كبيرة بين شعب الكنيسة الذين أُغلِقَت أمامهم أبوابها لشهور طويلة بسبب الوباء، فابتدأوا يستعدّون لها طالبين أن يباركهم الرب، وأن يضم إلى الكنيسة أيضًا الذين يخلصون.

لكن في هذه الأثناء أيضًا لم تكن خدمة مدارس الأحد قد بدأت بسبب التخوف من العدوى، فقال مدحت خادم مدارس الأحد أن الأطفال تشتاق إلى العودة لمدارس الأحد، فكم كانت فترة الحظر صعبة عليهم، ومقيدة لحريتهم، وقد حرمتهم من مدارس الأحد، وقد أيّده أيضًا في ذلك ماركو خادم إعدادي وثانوي مشاركًا بحواراته مع الشباب الصغير أثناء اتصالاته بهم، فأكدّ لهما القسيس فرحان أنه سيكون هناك تصريح بعودة مدارس الأحد أيضًا على مستوى الجمهورية بعد فترة قليلة لكن مع اتباع الاجراءات الاحترازية المشددة.

وبالفعل بعد مرور فترة قليلة من افتتاح الكنائس تم السماح بحضور الأطفال إلى الكنائس، ورجوع خدمة مدارس الأحد، فتأهّب أيضًا القسيس فرحان مع قادة مدارس الأحد بالكنيسة  بقيادة مدحت لتنظيم حضور الأطفال بالأسماء، وتقسيمهم على الفصول بطريقة آمنة للحفاظ على سلامتهم، وهكذا أيضًا قادة إعدادي وثانوي بقيادة ماركو، وكم كانت فرحة غامرة بين الأطفال عند رجوعهم مدارس الأحد حيث كانوا يعانون في تلك الفترة من الملل، والزهق، والكبت، وعدم الخروج، بالإضافة إلى التعليمات الكثيرة من الوالدين نتيجة الخوف عليهم.

ثم بعد ذلك بفترة قليلة جاء كل من الشيخ ثروت والشيخ ذكي يقترحان على القسيس فرحان أن يرتب رحلة للكنيسة حيث أن الناس ترغب في أن تخرج معًا في جو من الشركة ليشموا الهواء النقي، ويستمتعوا معًا بعيدًا عن البيوت التي ظلوا محبوسين فيها لشهور طويلة، فرحّب القسيس فرحان بالفكرة جدًا، ووعدهم أن يجتمعوا معًا في أقرب وقت لتدبير هذا الأمر، وبالفعل تم ترتيب رحلة كبيرة على دفعات مع مراعاة الإجراءات الاحترازية قدر الإمكان في جنينة إحدى بيوت المؤتمرات، حيث استمتع الجميع معًا هناك، ورجعوا إلى بيوتهم وكنيستهم بفرح مجددين طاقاتهم، ومستعدين لاستكمال حياتهم، وأعمالهم، وخدمتهم.

    وهكذا أيضًا القسيس فرحان قرر أن يأخذ زوجته راعوث في خلوة أيضًا بضعة أيام في أحد بيوت المؤتمرات التابع للسنودس، وذلك حتى يستطيعا أن يستكملا خدمتهما بطاقة، ونشاط، وحيوية جديدة في الفترة القادمة بعد كل ما قاسياه معًا أثناء فترة كورونا، وخاصة فترة مرضه وإصابته بفيروس كورونا، حيث كانت فترة صعبة جدًا عليه وعلى راعوث زوجته، لذلك قررا أن يقضيا خلوة معًا خارج دائرة الكنيسة، وبالفعل كم كان لهذه الفترة تأثيرًا كبيرًا على نفسية الزوجين، حيث استمتعا مع بعضهما البعض بصحبة بعض أصدقائهما من القسوس وزوجاتهم، وقد تقابلت راعوث هناك مع بعض صديقاتها اللّاتي لم تراهنّ منذ فترة طويلة، وهكذا بعد رجوعهما من خلوتهما أنهما عادا إلى حياتهما الطبيعية في البيت والكنيسة، واستعدّ القسيس فرحان ليرتب مع خدام الكنيسة خدمة التوزيع الخاصة بدخول المدارس كعادة الكنيسة سنويًا لمساعدة بعض التلاميذ في شراء الزي المدرسي، والأدوات الدراسية اللازمة، وبالفعل تم توزيع هذه البركة على مستحقيها، ولقد دخلت معظم المدارس في موعدها  بشروط اتباع الاجراءات الاحترازية أيضًا قدر الإمكان.

وهكذا انتظمت أيضًا اجتماعات الكنيسة في معظم الأيام، وعادت الخدمة في جميع القطاعات، والتزم القادة والخدام بالكنيسة مع الراعي، كلٌّ في مسئوليته وخدمته، محاولين معًا أن يحققوا أهداف الكنيسة ورؤيتها، وأن يتمموا رسالتها الروحية والاجتماعية، فبالإضافة إلى مدحت في خدمة مدارس الاحد، وماركو في خدمة إعدادي وثانوي، ومعهما بعض المعاونين من شباب وشابات الكنيسة، فلقد عاد أيضًا العروسان ممدوح وزوجته أمل للخدمة بقوة في الكنيسة، وقد عرضا رؤيتهما على الراعي والخدام في تأسيس  اجتماع أسرة بالكنيسة، فرحب الجميع بالفكرة، لأنها كانت احتياج حقيقي لدى شعب الكنيسة، خاصة أنه كانت هناك نسبة ليست قليلة من المتزوجين حديثًا.

وعادت أيضًا أمينة لخدمة التسبيح بالكنيسة مع بيتر وأشرف، بالإضافة إلى خدمتها  في اجتماع السيدات، وكم كان اختبار ألمها ومرضها سبب بركة وتشجيع للكثيرين ممن كانت تشاركهم به، ولقد كان لها أيضًا تأثيرًا واضحًا في حياة السيدة أم كمال التي انتظمت هى وأولادها بعد وفاة زوجها عدلي على اجتماعات الكنيسة بعد عودة العبادة فيها، وهكذا أيضًا دكتور ماجد وزوجته رشا وأولادهما قد عادوا مجددًا للمواظبة على اجتماعات الكنيسة، وممارسة الشركة مع باقي الأعضاء، ولقد كان القسيس فرحان أيضًا يُقدّمه ليعظ في بعض الاجتماعات، حيث كان موهوبًا في خدمة الوعظ، وكان القسيس فرحان في هذه الفترة بعد العودة يحرص جيدًا على اتباع التعليمات والاجراءات الاحترازية خاصة عند ممارسة فريضتي العشاء الربّاني أو المعمودية، وهكذا عاد الجميع للكنيسة بنشاط بعد فترة توقف كبيرة أثناء مدة الحظر، وشعر الجميع ببركة الرب لهم وتعويضه لهم عن تلك الفترة في الجوانب الروحية، والنفسية، والاجتماعية أيضًا حيث روح الشركة بينهم التي افتقدوها أثناء التباعد الجبري بسبب الوباء، وهكذا كانت يد الرب معهم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.