تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » عبقرية الأمل في زمن الكورونا

عبقرية الأمل في زمن الكورونا

corona, coronavirus, mask

الكاتب

القس جادالله نجيب

غطت موجة حادة من الخوف والتوتر والرعب كل العالم بسبب فيروس كورونا  ( كوفيد 19). وأخرجت من الناس بلا وعي ردود أفعال متباينة، منها البحث عن السبب، سواء كان خطأ بشر، أم إرادة إلهية. هل هذا الوباء، عقاب إلهي أم مؤامرة لصناعة توازن إقتصادي بين الصين وأمريكا القوى العظمى في العالم؟  هل هو علامة على نهاية العالم أم تأديب إلهي ليعود الإنسان إلى عقله وقلبه وربه؟ ما يقارب من مليون شخص مصابون بهذا الفيروس حتى كتابة هذه السطور، بل وعشرات من الآلاف الذين فارقو الحياة، ولا تزال الصورة قاتمة. 

كَسَر  فيروس الكورونا شموخ الكثيرين، وكشف هشاشة الإنسان، ووضع أنظمة القوى الكبرى بين قاب قوسين أو أدنى.  والخوف والقلق يلقيان بظلال كثيفة تكسر روح الحياة ومعناها، ويتسلل روح اليأس والإحباط للنفس، بل تشويه الرؤية لما بعد الكورونا، فتشل الإرادة للمستقبل.

في القرن السادس قبل الميلاد، هاجمت أرام ( سوريا الآن) مدينة السامرة،  وحاصرتها من كل ناحية. وكان الحصار عدة أشهر تسبب في  أزمة اقتصادية طاحنة، حيث سُدت كل منابع الامدادات وحركة التجارة. وحدثت حالة من العزل التام لمدينة السامرة.  فقلبت أزمة الاقتصاد كل الموازين الإنسانية والأخلاقية والدينية بشكل فج نراها في حركة التجارة، والقيم الإنسانية، السلطة والمؤسسة الدينية.

حركة التجارة

ما حدث من استغلال في حركة التجارة وقت انتشار فيروس الكورونا، ليس بالأمر الجديد. ارتفاع الأسعار وإنعدام أخلاقيات البيع والشراء في غالبية المجالات، يشهد عنها التاريخ في الأزمات التي حلت عليه. وأكبر مثال في التاريخ الديني وقت الحرب والحصار التي حاصر به جيش آرام، مدينة السامرة.  “كَانَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي ٱلسَّامِرَةِ. وَهُمْ حَاصَرُوهَا حَتَّى صَارَ رَأْسُ ٱلْحِمَارِ بِثَمَانِينَ مِنَ ٱلْفِضَّةِ، وَرُبْعُ ٱلْقَابِ مِنْ زِبْلِ ٱلْحَمَامِ بِخَمْسٍ مِنَ ٱلْفِضَّةِ”.

لم يكن ارتفاع الأسعار على السلع واللحوم غير المحرمة، بل وصل الجشع والفساد  لما هو نجس ومحرم في ذلك الوقت.  أنفرط عقد القيم التي تحكم المجتمع بعضه ببعض. وهل هذه هي سمة الأزمة؟   

القيم الأخلاقية والإنسانية

تكشف الكوارث والأوبئة أخلاقيات وقيم البشر، وتفضح الفردانية والإنانية والإنكفاء على الذات.  لقد هزمت الأزمة الاقتصادية في السامرة  أنقى فطرة بشرية في الوجود وهي فطرة الأمومة، فقد بدلت الأزمة قيمة الأمومة المتمثلة في الحب والعطف والحنان والحماية لأولادها، إلى أنانية وتوحش، وحب البقاء بلحم رضيعها، فسلقته لتأكله مع جارتها. “هَاتِي ٱبْنَكِ فَنَأْكُلَهُ ٱلْيَوْمَ ..فَسَلَقْنَا ٱبْنِي وَأَكَلْنَاهُ”. مأساة بكل المقاييس، كيف توحش قلب الأم أمام مواجهة أزمة وجود؟! وكيف إنعدمت الأخلاق الإنسانية أمام الجوع.

ربما لم تتكرر هذه الحادثة حرفيًا في زمن الكورونا، لكنها حدثت جزئيًا، حيث انكفأ الغرب على نفسه، ولم يمد يد المساعدة لأحد حتى لرعاياه في البلاد الأخرى. ووصل إلى أقصاه عندما أُطلق في البدايات مناعة القطيع، دون اهتمام بحياة كبار السن.  فالقيمة الإنسانية تشوهت، وعجزت عن أن تخرج عن ذاتها.

ولكي نعطي الحق لأصحابه، فقد عُدّلت الموازين سريعًا، حتى أن رئيس وزراء بريطانيا أطلق حملة دعم     غير مسبوق ،قدمته حكومتة للشركات والأفراد الذين تضرروا من أزمة فيروس كورونا، مما أعاد علاقة الحكومة بالشعب.  وقال مقولته “لم يسبق في تاريخنا أن أحاطت الحكومة الناس بذراعيها كما تفعل الآن لمساعدتهم على تخطي هذه الأوقات”.

السلطة والمؤسسة الدينية

ارتجف ملك إسرائيل من صرخة الأم التي سلقت ابنها وأكلته مع جارتها، بل مزق ثيابه من رهبة الموقف وسوء ما وصل إليه شعب مدينته.  لف وجهه الحزن والألم، بل بدا عليه التدين، لكنه لم يكن له إيمان لا بإله إسرائيل ولا حتى بقدرته كملك للتعامل مع الأزمة من جهة، أو وضع استراتيجية لفك الحصار والتعاطف مع شعبه من جهة أخرى.

أخلاقيات رجل السياسة تظهر في مهارة استخدامه لأدوات وآليات حل المشاكل بالطريقة الصحيحة بصناعة قرارات تكون في خدمة المجتمع. لم يتسم الملك بأخلاقيات تَحَمُل المسؤلية، والبحث عن آليات جديدة تساهم في حل الأزمة،  إلا أنه كان رد فعله غاضبًا جدًا على المؤسسة الدينية متمثلة في أليشع رجل الله.  كان الملك يعرف أن ملك آرام يطلب رأس أليشع لكي يفك حصار المدينة، وبالتالي وجه غضبه بقرار قاسٍ بقتل النبي  كحل للأزمة.  أو ربما كان يدور في فكره السؤال الطبيعي أين الله من أزمتنا؟ وكأنه يقول أن الله هو المسؤول عن إنقاذنا. فإن لم يتدخل الله فمن ينقذنا؟  احتمال آخر هو أن الملك يلقي اللوم على أليشع الذي لم يصلِ ويستحضر الله بمعجزة للحماية من هذه الأزمة، أو يرسل الله جنوده ليقتل كل جيش أرام ويخلص المدينة من الحصار.

عندما يُفقد الأمل ويمتلك اليأس على الإنسان، يضل المرء الفكر السليم، فلا يجد مجالاً للتصرف الأخلاقي السوي مع نفسه ومع الآخرين.  فقد استسلم الملك للحلول السهلة وهي القتل،  لقد هُزمت نفسه أمام التحديات والأزمة، وفُقِدَت إرادته الواعية المسئولة ليقتل النبي رمانة ميزان الموقف.

من لا يصدق لا ينال

صدمة الأزمة تعمي العين والبصيرة لؤلئك من يتنصلون من المسئولية،  وتظهر سحب كثيفة في القلب تضعف  ثقة  الإنسان في الحياة وما تحمله من ألوان زاهية رغم رمادية الواقع.

نقتل الإيمان بِغْلق الروح الذي هو الجزء الإلهي الذي فينا.  هذا الجزء الإلهي هو صلة الوصل بين الإنسان الذي يعيش الحياة على الأرض وبين الـله غير المحدود الزمان والمكان.  إنها الروح التي تشكل هوية الإنسان. ومن هنا إذا واجهنا الوباء أو الأزمة من منظور هذا الوجود الإلهي فينا، فإننا نعلم أن القادم مسئولية غير المحدود الذي فينا،  وأن الحياة قد تتعدل وتتبدل ولكنها لن تنتهي.

إنها مسؤليتنا، التي هي إحياء الجزء الإلهي داخلنا فلا نهرب منها، ولا  نسمح للأزمة أن تنسينا هويتنا.  ضاقت الدنيا بالملك وأغلقت روحه فلم يجد أمل في إفراجة للأزمة،  ولفه روح اليأس والإحباط، الذي شكل خللًا واضحًا في تقديره للموقف وإتخاذه قرارًا، بتكليف منه يسبقه لكي يلقي القبض على النبي ويقتله – والنبي كان هو الممثل للحضور الإلهي في ذلك الحين.  ويرى كاتب هذه السطور، أن الملك هنا كأنه يقرر بأن يقتل الجزء الإلهي، وأن الحل هو قطع رأس النبي، لاسترضاء غضب العدو المحاصر.  إلا أن  النبي قد  حجز الرسول حتى يحضر الملك لكي يلغي قرار القتل،  ويفجر خبر الإفراجة من الأزمة، الخبر الذي لم يصدقه حارس الملك ومستشاره، الذي حرمته روحه اليائسة -الجزء الإلهي – من الحياة. لقد اُسدلت علي روحه ستار  حجب عنها استبشار الخير، وقطعت خيط الأمل في روحه، الأمل الذي هو تجسيد لرؤية حياة أفضل بعد الأزمة.

عبقرية الأمل في الحجر الصحي

لم أجد صورة أبدع وأعمق تعبر عن زمن الكورونا، أكثر من صورة الرجال البرص الذين كانو في حجر صحي بسبب الشريعة اليهودية. فعندما تَغْلق الشريعة منافذ الرحمة للمريض فتعزله، وعندما يتجاهل الناس إنسانًا محتاجًا للرعاية والاهتمام فتظلمه، يظل الجزء الإلهي حي في قلب المعزول ليستنطق الحياة في داخله، دون خوف أو تردد.

 وَكَانَ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ بُرْصٍ عِنْدَ مَدْخَلِ ٱلْبَابِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ لِصَاحِبِهِ: «لِمَاذَا نَحْنُ جَالِسُونَ هُنَا حَتَّى نَمُوتَ؟ ٤ إِذَا قُلْنَا نَدْخُلُ ٱلْمَدِينَةَ، فَٱلْجُوعُ فِي ٱلْمَدِينَةِ فَنَمُوتُ فِيهَا. وَإِذَا جَلَسْنَا هُنَا نَمُوتُ. فَٱلْآنَ هَلُمَّ نَسْقُطْ إِلَى مَحَلَّةِ ٱلْأَرَامِيِّينَ، فَإِنِ اِسْتَحْيَوْنَا حَيِينَا، وَإِنْ قَتَلُونَا مُتْنَا». ٥ فَقَامُوا فِي ٱلْعِشَاءِ لِيَذْهَبُوا إِلَى مَحَلَّةِ ٱلْأَرَامِيِّينَ. فَجَاءُوا إِلَى آخِرِ مَحَلَّةِ ٱلْأَرَامِيِّينَ فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ” . (ملوك الثاني 7: 3 – 5)

من أين جاءت جذوة الأمل وحب الحياة عند المحجورين صحيًا، وكيف وصلت إليهم هذه المخاطرة؟ أليست الروح الامحدود الذي يشكل إنسانيتهم؟  من جند عزيمة هؤلاء الرجال لتخرج من حجرهم للبحث عن الحياة؟

أليس العقل المحصن بقيمة الإنسان المستمدة من روحه، وتثمين حياته التي تستحق الوجود؟ لقد كسروا الشريعة وأعرافها، ولم ينكسروا أمام اللأزمة ولا الحجر الصحي، بل استخدموا ملكة الوجود الإلهي في روحهم فبحثوا عن هذا الوجود بقوة دون تنازل عنه.  فهل للقارئ العزيز ولكاتب هذه السطور، أن نرجع إلى أعماقنا فنستحيي الروح التي قتلناها فينا بسبب الخوف من الحجر الصحي أو وباء الكورونا؟ وهل لنا أن ننقي نفوسنا وأرواحنا من نجاسات ما تعلق بهما من الداخل فحجرتنا، بل كبلت عزيمتنا، فعشنا في وهن البحث عن حياتنا ووجودنا؟

معنى الوجود في زمن الحجر الصحي

 وَجَاءَ هَؤُلَاءِ ٱلْبُرْصُ إِلَى آخِرِ ٱلْمَحَلَّةِ وَدَخَلُوا خَيْمَةً وَاحِدَةً، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا وَحَمَلُوا مِنْهَا فِضَّةً وَذَهَبًا وَثِيَابًا”. ( ع 8)

لم يتوقف الأربعة البرص في حبهم للحياة على أن يأكلو ويشربو فقط، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. فالحياة ليست مجرد وجود، بل وجود فاعل له معنى في مجتمع حي، لا في مجتمع الأموات.  كان من المتوقع أن هؤلاء الرجال يأكلون ويشربون ويعيشون حياة رغده دون تفكير في شئ أخر، في الآخرين من حولهم. إلا أنهم قدمو صورة حية تجاوزو فيها الظلم، والعزل، والحرمان.  فالروح النقية لا تعرف للإنتقام، أو الأناينة، أو اللامبالاة وجهة،  بل تخرج إلى دائرة أوسع من ذاتها لتفكر في الآخرين

ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لَسْنَا عَامِلِينَ حَسَنًا. هَذَا ٱلْيَوْمُ هُوَ يَوْمُ بِشَارَةٍ وَنَحْنُ سَاكِتُونَ، فَإِنِ ٱنْتَظَرْنَا إِلَى ضَوْءِ ٱلصَّبَاحِ يُصَادِفُنَا شَرٌّ. فَهَلُمَّ ٱلْآنَ نَدْخُلْ وَنُخْبِرْ بَيْتَ ٱلْمَلِكِ”.

المعزولون يبحثون عن مجتمع على حافة الموت لينقذوه، هو نفس المجتمع الذي حرمهم من أسرهم وعلاقاتهم وأقرانهم. لم يعبأو بالحجر الصحي ولا الشريعة، ولم يتوقفو عند سوء معاملة أو ظلم باتت حياتهم مقفرة بسببه، بل أنفتحت روحهم على خدمة الآخر والرغبة في وجوده والعيش في مجتمع على الأرض قبل مجتمع السماء.

قام المجتمع البريطاني عن بكرة أبيه لمواجهة أزمة فيروس كورونا، فحوالى 750 ألف شخص من أفراد المجتمع الذين تقدمو للمساعدة ودعم نظام الصحة، ومساعدة كبار السن والفئات الضعيفة من المجتمع التي تلتزم بالعزل الصحي، وعاد 20 ألف من الأطباء والممرضات المتقاعدين ومختصي الرعاية الصحية السابقين إلى المساعدة على الخطوط الطبية الأمامية. إنها ملحمة عمل مجتمعي لم تشهده بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية.  غيرت هذه الملحمة تركيبة المجتمع التي أصاغته مارجريت تاتشر التي قالت مقولتها الشهيرة “لا يوجد شيء اسمه المجتمع”.

عبقرية الأمل هو  إحياء أروحنا التي جفت منابعها، ونعيد نقاء هذا الروح الوصلة الإلهية النابضة في أجسادنا، ونتغلب على الخوف ونستنطق الحياة من وباء الكورونا المييت. أنها غمة وتزول، بروح الأمل والصبر وتجديد الروح فينا. وأختتم مقالي بمنظومة شعرية رائعة كتبها أستاذ لبناني يدعى حسن جوني قائلاً:

أحــبُّ اللــــيـلَ والنـهارُ جمــيــــلُ
ســــــأحيا دومًا فـمـوتي مســتحيلُ
روحي ستبقى وإن فنى جسدي
تــــحـلّقُ فـــي أفـقٍ لا يـزولُ

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.