تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » ماجدة اسكندر – شجاعة الابتكار والمبادرة

ماجدة اسكندر – شجاعة الابتكار والمبادرة

الكاتبة

 الدكتورة آن زكي 

مدرس مساعد بقسم اللاهوت العملي

كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة

الحلقة (13): ماجدة اسكندر – شجاعة الابتكار والمبادرة
— من سلسلة “احكي لي يا كنيسة عن أمي المصرية”
“لدي شغفين: الموسيقى والفلاحة”. قالت د. ماجدة اسكندر هذه الكلمات والضحكة ترن في نبرات صوتها.
يجوز أن أحداً لن يندهش عندما يسمع بأن طبيبةً تتحدث عن شغفها بالموسيقى؛ خاصةً الكلاسيكية منها، لكن الدهشة تعترينا جميعاً عندما يتوازى هذا الشغف مع آخر لها وهو الفلاحة. ولا أقصد بالفلاحة هنا زراعة بعض نباتات الزينة في شرفة سكنها فقط؛ إنما الفلاحة بكل ما تشمله من أبعادٍ ومعانٍ: غيطان القمح والبرسيم، محاصيل الخضار والفاكهة، تربية الدواجن والمواشي، وتصنيع المربات والأجبان والمخبوزات من نتاج الأرض والمزرعة… ربما يفسر ميلادُها ونشأتُها في مركز أبنوب بأسيوط شغفها بالفلاحة وعشقها لها.
ولكن بالرغم من نشأتها في مركز ريفي في صعيد مصر، لم تتواءم د. ماجدة مع ذاك القالب. فبحكم تعليمها في كلية الأمريكان في أسيوط، نشأت ماجدة مع إخوتها العشرة يخلطون بين اللهجة الصعيدية الشديدة واللكنة الأمريكية النقية في حوارتهم الأسرية. شكل تعليمها الغربي أيضاً في تقديرها للموسيقى فتعلمت العزف على البيانو والهارمونيكا والكلارنيت، كما أسس مناخاً سليماً آمناً لحرية الاختلاط بين الجنسين. انعكست الثقافة الغربية أيضاً على طريقة ملابسهم فكانت هي وإخوتها ضمن أول من ارتدى البنطلونات الجينز في أسيوط. كما انعكست على ديناميكية حياتها وتفانيها في تقديم الأفضل دائماً؛ فلم أقابل طوال حياتي شخصاً يرفض كلمة “معلش” بقدر د. ماجدة، لأن حيويتها واجتهادها في كل ما تمتد إليه يداها لا يترك هامشاً لهذه الكلمة المهزومة الهازمة. تخيلت ماجدة أن هذا حال كل الأسر المصرية، حتى انتقلت إلى العاصمة للالتحاق بكلية طب جامعة القاهرة، فاختبرت أولى صدماتها الحضارية.
تميزت د. ماجدة في دراستها للطب، وفضلت دراسة المعادلة الأمريكية بعكس ما اعتاده أغلب زملائها في الإقبال على دراسة المعادلة البريطانية آنذاك، لتشق لنفسها طريقاً مختلفاً بحثاً عن الاستقلالية. لم تكن رحلة دراستها في طريقها لأمريكا سهلة بسبب الظروف السياسية في المنطقة آنذاك؛ فقد تعطل تخرج دفعتها سنة بسبب حرب 1973، ومنعتها الحرب الأهلية في لبنان من السفر إلى بيروت لكتابة امتحان المعادلة الأمريكية، ولكنها ثابرت واحترفت مهارة خلق الحلول البديلة، فتحقق الحلم عندما هبطت في مدينة شيكاغو في عام 1976. وبعد سنين من التدريب العملي في المستشفيات المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية، فتنها اختصاص علم الأشعة التشخيصية إذ كانت ترى في كل صورةِ أشعةٍ لغزاً يغريها لتجتهد في تفسيره. رجعت إلى مصر في عام 1984 بعد نجاح باهر في مجالها وحصولها على درجة الدكتوراه في تخصصها؛ حيث أنشأت أقساماً للتشخيص باستخدام الموجات فوق الصوتية في مستشفى السلام بالمهندسين والمستشفى اليوناني بالعباسية، كما أسست برنامجاً تدريبياً للأطباء حديثي التخصص في التشخيص باستخدام الموجات فوق الصوتية. هذا بجانب مساهماتها القيمة مع هيئة النمرو (NMRU) للأبحاث الطبية في مصر.
عادت إلى أمريكا في عام 1989، واتقنت تخصصاً آخرَ في الطب وهو علم الجلدية والحساسية؛ الذي عملت به لمدة 3 سنوات، ثم التحقت بجامعة دايتون لدراسة ماجستير في الإرشاد الاجتماعي. وكان عام 1994 معلماً رئيسيّاً في حياتها؛ حيث قررت ترك الطب كمهنة والتحرك نحو العمل المجتمعي. رجعت إلى مصر في عام 1995 حيث شاركت في العديد من برامج التنمية والدعم في الهيئة القبطية الإنجيلية لبناء مقرهم الجديد في النزهة الجديدة، كما شاركت في برامج التنمية الإجتماعية التابعة لكنيسة قصر الدوبارة وعملت مع د. ايهاب الخراط على تأسيس “بيت الحرية” للتعافي من الإدمان في وادي النطرون. وتجاوزت خدماتها الحدود المصرية لتصل ألى فلسطين ولبنان ضمن دورها كمستشارة لبرامج الصحة المجتمعية التابعة للكنيسة المشيخية في أمريكا.
خلال هذه الفترة، واجهت د. ماجدة خبرة شخصية صعبة عندما أُصيبت أختها بوعكة صحية ولم تجد الرعاية الصحية المطلوبة بسبب نقص الأماكن المتاحة في دور المسنين من ناحية، وبسبب ضعف مجال التمريض في مصر من ناحية أخرى. فبادرت د. ماجدة بتدريب شخصين على تقديم الرعاية الطبية في المنزل. من هذه الخبرة تولد لديها حلم خلق برنامج لتأهيل الشباب والشابات ذوي التعليم المتوسط على تقديم رعاية صحية عالية الجودة للمسنين والمرضى في منازلهم. قضت 3 أشهر في جامعة أطلنطا بأمريكا لتتعمق في هذا المجال وعادت إلى مصر بمنهاج كامل لتأهيل المتدربين على مدار 60 يوماً يشمل معلومات ومهارات عن الرعاية الصحية وأيضاً مبادئ أخلاقية ميزت كل خريجي هذا البرنامج. بدأت د. ماجدة مع د. مرفت المصري برنامج “الرعاية بالمحبة” في عام 1996 تحت مظلة الهيئة القبطية الإنجيلية وفي شراكة مع بيت المسنين في مدينة نصر ومستشفى السلام بالمهندسين. من أهم ميزات هذا البرنامج هو توظيف المتدربين بعد انتهاء فترة التدريب بهدف ادخال الرعاية الصحية المنزلية المقننة من خلال مؤسسة مسئولة. قاد نجاح البرنامج إلى تأسيس “جمعية الرعاية بالمحبة” كجمعية مكتفية بذاتها ومستقلة مالياً بأحدث ممارسات التنمية المستدامة في عام 2005. دربت الجمعية منذ تأسيسها أكثر من 1300 متدرب.
تسببت خبرة شخصية صعبة أخرى في خلق حلم آخر. فعندما توفت صديقتها بسبب مرض السرطان، انضمت د. ماجدة لجمعية “أصدقاء الأطفال المرضى بالسرطان”، وسارعت مع مجموعة بتصميم منهاجٍ ثانٍ لتدريب المتطوعين في معهد الأورام على تقديم الرعاية والخدمة للمرضى. تعهدت الجمعية بتطوير دورين في المعهد لتقديم خدمة متميزة للأطفال وتعيين 8 متدربين من “جمعية الرعاية بالمحبة” لخدمتهم. استمر هذا الوضع لبضعة سنوات، بينما عملت د. ماجدة على تحويل قطعة أرض في وادي النطرون من صحراء جرداء إلى واحة راحة يتمتع فيها هؤلاء الأطفال بالهواء النقي أثناء فترات النقاهة بين جرعات العلاج وبعد الانتهاء منه، حتى يستردوا مناعتهم في مكان نظيف وهادئ بعيداً عن تلوث وضوضاء المدينة، وحيث تقدم لهم برامج ترفيهية لرفع روحهم المعنوية في مناخ مناسب لممارسة حياتهم الطبيعية وتفاعلهم مع أقرانهم. كما صممت لهم أيضاً برنامجاً غذائياً صحياً يحصل من خلاله المرضى على التغذية المتوازنة بتكلفة معقولة.
وفي عام 2012 تحول الحلم إلى حقيقية بتأسيس “واحة الصحة والأمل” بالشراكة مع “جمعية أصدقاء الأطفال المرضى بالسرطان” و”جمعية الرعاية بالمحبة”، وبدأت الواحة تستقبل المرضى وأسرهم كأول مركز في مصر لتقديم الرعاية للأطفال المصابين بالسرطان والدعم لعائلتهم. وبالرغم من مرور 10 سنوات من بداية الفكرة إلى التنفيذ على أرض الواقع، فالواحة الآن تضم مبنى للخدمات، ومطبخاً رئيسياً، وصالة طعام، ووحدات لإقامة المرضى وأسرهم، وسكناً للموظفين والعمال والمتطوعين، ومنطقة للملاعب. كما تضم الواحة أيضاً حقولاً للمحاصيل الزراعية من خضار وفاكهة، ومزرعة تشمل 50 رأس ماشية، ومزرعة أسماك، وخط إنتاج غذائي لمنتجات الألبان والفواكهة والقمح والخضروات. منذ تأسيسها وحتى عام 2020 استضافت الواحة 3201 من الأطفال المرضى، و3105 من الأخوات المرافقات تحت عمر 12 سنة، و2835 من أولياء الأمور، ليصبح إجمالي المخدومين من المرضى وأسرهم 9141.
خدمت د. ماجدة كعضو فى مجلس إدارة “جمعية حماية البيئة”، وتخدم حالياً كعضو في المجلس الاستشاري لمنظمة “هابيتات مصر”، وكنائب رئيس مجلس إدارة “معهد التمريض في الجونة”. حصلت د. ماجدة على العديد من الجوائز التقديرية بسبب مبادراتها المجتمعية، مثل جائزة صموئيل حبيب للخدمات الاجتماعية. كما تمَّ انتخابها Ashoka: Innovators for the Public fellow في عام 2003. أيضاً تم دعوتها لمشاركة خبرتها في Obama Summit في الولايات المتحدة الأمريكية في 2010، ومُنحت العضوية الفخرية لمبادرة كلينتون العالمية التابعة للأمم المتحدة في عام 2011.

1 أفكار بشأن “ماجدة اسكندر – شجاعة الابتكار والمبادرة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: