تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟

من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟

الكاتب

القس جادالله نجيب

مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟

يحتفل الشرق والغرب بعيد القيامة كل عام، بغض النظر عن اختلاف التوقيت.  بل يهتم  الناس والوعاظ بتقديم أفضل ما لديهم للبرهنة على قيامة المسيح من بين الأموات، وإظهار يقين القيامة كعقيدة ثابتة في قلوب ووجدان المسيحيين.

هذا الواقع التاريخي لقيامة المسيح جزء  حيوي في عقيدة القيامة، ويظل التطبيق العملي للقيامة في حياة البشر ليس بالأمر الهين. فرغم أن فرحة القيامة ترتسم على وجوه البشر، فقلوبهم وعقولهم عالقة بالقبر، وحياتهم تعيش في وادي الموت. وبالتالي يكون المسيح المقام في أحيان كثيرة لايزال يرقد في قبر نفوسنا وعقولنا وقلوبنا وهمومنا ويأسنا، ويبدو لنا أنه عاجز عن الحركة وتغيير الواقع الذي نعيشه.

ومن هنا يأتي السؤال:  لماذا نحيا الفجوة والهوة العميقة بين العقيدة والسلوك؟ وبين الفهم والتطبيق؟ وبين فرحة الإحتفال بالقيامة وبؤس الحياة التي نحياه؟ لماذ لا يتحرك المسيح المقام فينا؟ ولا يظهر في حياتنا؟ لماذا لم تتغير حياتنا؟ .. أسئلة كثيرة تدور في قلوبنا وأفكارنا.

إجابة هذا السؤال واضحة عند المريمات: ” في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس.أتين لتحنيط جسد الرب لكي لا ينتن!  أتيْن إلى مخلص ميت، وإلى فادي مهزوم!  كانت عواطفهم وأحاسيسهم صادقة، ولكن إيمانهم كان قد تلاشى أمام الموت والقبر! ولهذا السبب نقرأ عن مشكلتهم . من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟

عاش التلاميذ أحلك الأوقات أثناء القبض على يسوع.  “حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا” لم يقدروا على التجلد والصمود أمام المشهد المفاجئ، فهربوا جميعهم أو لنقل لم يتصدروا المشهد حتى النهاية كما فعل يوحنا، الذي ظل واقفًا عند الصليب بعد أن أحضر المريمات وقت الصلب.

لم يكتمل المشهد بهروب التلاميذ، بل كان هناك جانب مضيئ، أشرق بنوره عندما تلاشى الخوف من قلب المريمات، النسوة اللآتي كن غير ذي قيمة عند المجتمع اليهودي، مهمشات، لكن دورهن أضحى ناصعًا في التاريخ الكتابي.

قد نتساءل لماذا تجرأت  النساء للذهاب للقبر وهن يعرفن، وقد شاهدن، إن الحجر الكبير وضع أمامه؟
لقد كان عندهن محبة كافية لوصلهن للقبر.

ولأن المريمات أحببن قائدهن فقبلن المخاطرة، بالسير في الظلام خارج أسوار المدينة،  وتلاشى منهن الخوف سواء من المجهول في الطريق المظلم أو من قطّاع الطرق.  ولم يحسبن أي حساب للحراسة المشددة عند وصولهم للقبر.

فما هي الأسباب أو الدوافع التي جعلت للمريمات ريادّة في الكتاب المقدس، للوصول إلى القبر قبل التلاميذ؟!

بلاشك الدافع الأول والذي حرك المريمات هو قيمة الحب للسيد والمعلم. فالمحبة تتطلب وفاء قد يصل إلي حد بذل الحياة في سبيل من نحب، فهي ليست مجرد مشاعر قوية، بل هي التزام ووعد وتعهد.

الحب كسر رهبة الخوف، وبنى جسرًا للشجاعة، يتجاوزن  به التقاليد والأعراف التي تربوا عليها، فلم يمكثن في البيت للبكاء لمدة ثلاثين يومًا، أو لا يقبعن داخل بيوتهن دون عمل كعادة أهل الميت أنذاك في الثلاثة أيام الأولى. 

فقيمة الحب أنتزعت منهم الرثاء، وأنهضت فيهم قيمة الوفاء للسيد.  فكان واضحًا أمامهن بعض الأمور الرئيسة وهي:

الهدف

في نهاية حياة إبرهام ماسلو صاحب هرم الحاجات الإنسانية، اعترف بأن حاجة الإنسان الأولى ليس هي تحقيق الذات، بل تجاوز الذات، أي الحاجة إلى العيش من أجل هدف أعلى من ذاتك.

لم تكن المريمات يفكرن بصورة علم النفس الذي نقرأه اليوم ونتعلمه في عالمنا المعاصر، لكن قد قدمن لنا صورة لمعنى الحياة في الظروف الصعبة، وإن احتياج الإنسان ليس حماية ذاته لكن تجاوزها، بوجود هدف وسط معترك الحياة، ومفاجأتها الظالمة.

فالهدف هو النقطة التي يرغب الفرد الوصول إليها.  والهدف عند الشخص أو الجماعة أو المؤسسة يصبح الطاقة التي تغذي جهودهم وتدفعهم لتحدي كل الحواجز.  فوضوح الهدف يستنهض إرادة الفرد وفكره على إنجاز مسؤلياته. ربما يضيع حماس الفرد بسبب عدم وضوح الهدف، وتفتر الهمة عندما لا يدرك الفرد إلى أين يذهب. 

ينبع الهدف من قناعاتنا الداخلية، ويظل حاضرًا في الذهن والقلب.  وهذا يعني أننا نفكر فيه ونحسه في داخلنا، والتواصل بين الهدف والقناعات الداخلية يجعل الحماس قويًا لتحقيق هذا الهدف.

واحد من أفضل الأمثلة في الحياة بصفة عامة ووقت الأزمة بصفة خاصة هو ما قدمته لنا المريمات في حالة فقدانهن للمعلم والقائد لحياتهن.  

كانت الظروف غير مواتية لهن، فالحزن يعصرهن، وألم الفراق يمزق قلوبهن، إلا أنهن قدمن لنا نموذجًا حيًا في قيمة الحب، منها أفرزت صمود غير مسبوق لاستمراره، من خلال وضع هدف واضح أمام أعينهن هو الوصول إلى المعلم والقائد، لإكرامه.   لقد حملن الحنوط  والأطياب، وهن يواصلن المسيرة إلى الهدف دون أن يستسلمن لا للخوف بكل أبعاده أو تداعياته، ولا حتى  الحجر العظيم الذي لا يقدرن على إزاحته من على باب القبر.  

التكلفة ودفع الثمن

لكل هدف ثمنٌ، والتخلي عن دفع الثمن هو التوقف عن إنجاز وتحقيق الهدف.  فلا يوجد شخص فى هذا العالم حقق هدفه دون أن يدفع ثمنًا لذلك.  البعض يدفعون ثمن أهدافهم حياتهم، والبعض يدفعون حريتهم.

فعنصر التضحية مؤشر قوي للحب الحقيقي. هكذا فعلت المريمات مع من أحببهن وأحببناه.  لم يكن الحب الشرارة التي أشعلت في قلوبهن وجود هدف لإدارة هذا الوجدان المتجذر داخلهن فقط، بل أيضًا تجاوز الذات بدفع ثمن غليًا تمثل في شراء حنوط غالية الثمن ليكّرمْن بها يسوع ويحفظن جسد الحبيب، حيث لم يكن هناك وقت لتحنيط جسد يسوع لأن السبت قد أزف.  كان الهدف والغاية، يمتلكان قلوبهن،  فكان لهن أثمن بكثير من ثمن الحنوط، بل تافه جدًا، مقابل الوصول إلى يسوع.

فهل تجاوز الذات لا يستحق دفع الثمن لنحقق معنى حياتنا ووجودنا؟  أليس القيامة هي التخلي عن الغالي والرخيص الذي يستعبدنا، فنتمحور حول ذاتنا وشهواتنا وطمحاتنا الرخيصة.  نسكن الخوف، الذي هو واحد من المشاعر الأكثر تدميرًا للبشر؟  إننا بحاجة لزلزلة تحدث فينا تغيرًا جذريا يرفع عنا حجر الخوف من دفع الثمن، ليشرق علينا نور المسيح ويحطم الظلمة التي فينا.

استثمار الإرادة إيجابيًا (المثابرة)

الإرادة هي قدرتنا على تنفيذ اختياراتنا، التي  تأخذنا ناحية الهدف، ومستعدون أن نبذل وندفع الثمن من أجل تحقيقه. إنها منهج الشخص العادي في مصارعة الحياة للحصول على مايريد.

يقول جون ماكسويل: “إن من يعيشون أهدافهم يرفضون الاستسلام، حيث يعلمون أنهم طالما يواصلون السير فى طريقهم، محققين نجاحات صغيرة يقدرون عليها يوميًا، فسيزيد احتمال سير الأمور في صالحهم.”
من الواضح أن المريمات لم يكن لديهن إيمان ولا توقع لقيامة، ولكن كانت المحبة كافية لتدفعهم نحو القبر. تلك المحبة أوجدت عندهم التصميم لمتابعة السير نحو القبر، حتى دون أن يعرفوا من سيدحرج لهن الحجر!

لم تتوقف النساء عن المثابرة والإصرار على السير نحو الهدف، رغم يقينهن أن الحجر عظيم، لم تمنعهن الخطوات التي اتخذّنها في طريقن إلى القبر من أن ” يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ: “مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟”

النتيجة

 فما أروع المفاجئة المفرحة التي يتلقاها الفرد بعد مثابرة مخلصة. “فتَطَلَّعْنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ! لأَنَّهُ كَانَ عَظِيمًا جِدًّا” فلسنا بحاجة لأحد لكي يدحرج لنا الحجر، ومشكلتنا قد انحلت!  أظن هذا دار بخلدهن عندما وصلوا إلى القبر.

تطّوّرت مسؤليتهن من التحنيط  لميْت، إلى تحدِ  جديد، وأفاق أوسع، وقيامة للحياة في عمق معنايها. أنتن تطلبن الحي بين الأموات، قد قام!  اسرعن وبشرن التلاميذ، أنه يسبقككن إلى الجليل، هناك ترونه.

من الصعب أن نبرهن لأنفسنا أو لمن حولنا عن القيامة إلا إذا كانت قائمة فينا اليوم.   يشغلنا دائمًا السؤال من يدحرج لنا الحجر؟ كيف تحل مشكلتي؟ كيف أخرج من هذه الأزمة ؟ من ينقذني من الوحدة… من الغربة… من الفشل… من المرض… من المجهول…؟
إن المريمات أرسلن لنا رسالة قوية  من واقع الاختبار وهي: “لا تبكى من الحزن، من الأسى، من الإحباط، من الحسرة، من الخسارة، من الهزيمة، من الضعف، من العجز، من الضيقة، أومن التجربة” لتنفتح أبواب عقلونا وأرواحنا لنستمتع بحب الله، الذي بحبه يفرز حبًا فاعلاً إيجابيًا.  اصنع لك هدفًا، واستثمر إرادك بكل ما أتيت من قوة إيجابية، سُيدّحرج الحجر، وتشرق في حياتك شمس القيامة  من جديد…… فهل لي ولك أيها قارئ العزيز أن نعيد تفكيرنا من جديد؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.