تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » ميلاد السيد المسيح جعل من المستحيل واقعًا حيًا

ميلاد السيد المسيح جعل من المستحيل واقعًا حيًا

birth of jesus, nativity, adoration of the shepherds

الكاتب

القس جادالله نجيب

كانت الحياة قاحلة، مليئة بالبؤس واليأس الملفوف بغمامة قاتمة تحجب أي بصيص من الأمل والرجاء. فمن ناحية الدين، توقفت النبوة منذ 400 عام، ولم يكن هناك إلا تجار الدين ومروجوه.  

من ناحية أخرى، كانت الحياة السياسية قاسية، فبالطبع فإن الأجنبي المحتل لا يعنيه إنسانية من يملك عليهم بل مصالحه الشخصية. وبالتالي فقد كان الاستبداد في أقصى درجاته، فانتشر الظلم في كل أركان البلاد، ونال الاستغلال من الأغلبية العظمى، فصنع مجتمعًا يعاني العبودية والاستعباد،  وأصبحت الحياة خانعة بلا حراك إنساني ولا مجتمعي. من ناحية ثالثة، اختلط الدين بالسياسة،  فزادت الاجتهادات الدينية المغرضة، وأصبح حكم الدين وحكم السياسة كحجري رحى يعصران المواطن الأصيل. وزادت الحياة قسوة، الفقر الذي استوطن البيوت، وصنع لنفسه مكانًا في قلوب مكسورة وبطون خاوية تبحث عن كسرة خبز.

في هذا الجو الكئيب والحياة المرة، توقفت عقول الكثيرين عن التفكير على أن تعيش حياتها، أو تفكر في غدها كيف يكون!  والأصعب من ذلك هو توقف الحوار مع النفس، الأمر  الذي يساعد على الاستشفاء الذاتي الداخلي على التخلص من عبئ الضغوط السياسية، ومن آلام ووجع الاحتياج المادي، ومن الحرمان للقاء مع الله الذي يبدو غائبًا بسبب تجار الدين، وتوقف النبوة.  لذا بدت الحياة بوجهها القبيح، مستحيلة العيش، ولا يوجد هناك أي إمكانية للخلاص.

إلا أن الملفت للنظر، كانت هناك أقلية نادرة الوجود من البشر، احتفظوا بحياة هانئة، وسلام داخلي، ورؤية لله في الحياة اليومية العادية، على الرغم من كل الضغوط التي كانت تحيط بهم في المجتمع. وتعرفنا كلمة الله عن بعض من تلك النوعية مثل، زكريا الكاهن، وزوجته أليصابات، ويوسف النجار وخطيبته مريم، والشيخ سمعان. وبالتاكيد كانت هناك أسماء أخرى يعيشون الحياة في بساطتها ويتصالحون مع أنفسهم غير عابئين بموجات الحياة اللآفحة.

رغم أنهم كانوا يرزحون تحت الآلام والمعاناة، إلا أن قلوبهم كانت عامرة بالتحدي العميق، ويتسلحون بإيمان صامد، قناعة منهم أن الحياة تستحق أن تُعاش رغم أنها تعطيهم ظهرها. وذلك، لأن قلوبهم وعيون أذهانهم كانت ترى فيما وراء الأفق البعيد – وخلف الحياة غير المريحة – الله غير المنظور الذي ينتظرونه مع الكثيرين للإنقاذ والخلاص.

خلقت قساوة الحياة وظلمها عند العامة، عدم توقع الأفضل، ولا حتى القدرة على تغيير الواقع ولو بشكل بسيط.  فعليًا، الحالة كانت تحتاج إلى تدخل إلهي وعمل معجزي.  ومن الغريب، أن حتى أؤلئك الطيبون الذين تصالحوا مع أنفسهم وعاشوا حياة يرون من خلالها الله في الأفق البعيد أنه هو مصدر أمانهم وحياتهم، لم تلوح لهم في الأفق إمكانية تدخل الله، وصناعة معجزة لتبديل هذا المستحيل الذي ارتسم في قلوبهم وقناعاتهم.  

كان المستحيل في ذلك الزمان هو الأكثر قوة طاغية على حياة الناس وأفكارهم.  نرى هذه الصورة الطاغية التي شكلت عقلية الاستحالة بوضوح في حياة  زكريا الكاهن الشيخ وزوجته المسنة أليصابات العاقر، اللذان استمرا في الصلاة لطلب طفلاً، إلا أن المستحيل منع الكاهن من أن يصدق كلام الملاك الذي بشره بإنجاب طفل، فكانت النتيجة أنه عجز  عن الكلام حتى ولد الطفل.

قد يبدو  أن ولادة عاقر كانت صعبة في ذلك الزمان،  إلا أنها حدثت في قديم الزمان.  فقد كان إسحق ابن إبراهيم الشيخ وسارة التي أنجبته في سن الشيخوخة المتأخرة. كذلك صموئيل النبي ابن حنه، وآخرين.. إلا أن عذراء تحبل وتلد بدون أن يكون لها رجل، فهذا المستحيل بعينه، وإذا تغير هذا المستحيل وولدت العذراء طفلاً،  فتكون معجزة المعجزات، وكسر للمستحيل وتحطيم قوته.

لا العِلْم يقبل بفكرة حدوث معجزات، ولا حتى العقل في أحايين كثيرة لا يقدر أن يستوعب حدوث معجزة خارج اطار المألوف، كما حدث مع زكريا الذي كان ينتظر تدخل الله في حالة زوجته العاقر.  

ورغم أن العلم لا يقبل المعجزات، إلا أن في عام 1984 نشرت صحيفة التايمز في لندن خطابًا موقعًا من 14 أستاذًا للعلوم في الجامعات البريطانية، مكتوب فيه: “ليس من المنطقي استخدام العلم كحجة ضد المعجزات. إن الاعتقاد بأن المعجزات لا يمكن أن تحدث لهو عمل إيماني أكثر من أن يكون مجرد اعتقاد بإمكانية حدوثها”.  وفي تزييلهم للخطاب أعلنوا: “إننا نقبل ولادة المسيح بكل سرور ومعجزات الإنجيل وقيامة المسيح كأحداث تاريخية”.

أما في تناولنا لولادة طفل من عذراء،  نجد أن موقف السيدة العذراء له معانٍ كثيرة، ويأخذ عقولنا لأبعاد عميقة في كيف حدثت المعجزة.  ألم تكن مريم وهي الفتاة الريفية الفقيرة البسيطة، تعيش في ضوء نعمة الله لحياتها، وكانت تعاني ما يعانيه الآخرون، لكن كان للحياة قيمة عندها، وكانت تتحدى الحياة بعزيمة الواثقين المتصالحين مع أنفسهم وظروفهم؟

لم تتوقع العذراء أبدًا أن تكون هي الشخصية التي من خلالها يحوّل الله المستحيل إلى واقع حي، وأنه يجسد نورًا يضيء على حياة الناس، فلا تنقشع الظلمة من حولهم فقط، بل يضئ داخلهم فيدركوا أن الله خلف الظروف والأحداث بجفافها وقسوتها، وفي تدخله يصنع من المستحيل وقعًا حيًا.  

إن ميلاد السيد المسيح، أي أن العذراء تحبل وتلد طفلاً، جعل من المستحيل واقعًا حيًا ملموسًا ليس فقط لذلك الزمان ولتلك الأقلية التي عاشت بإخلاص، بل لكل العالم حتى يومنا هذا.

كيف أصبح المستحيل واقعًا؟

كانت الرسالة مفاجأة مدوية على أذن السيدة العذراء، “دَخَلَ إِلَيْهَا ٱلْمَلَاكُ وَقَالَ:”سَلَامٌ لَكِ أَيَّتُهَا ٱلْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي ٱلنِّسَاءِ”.كانت مريم ومازالت نموذجًا فريدًا للبشرية، تفاعلت مع الصوت، فرأت شخصًا غريبًا، في هيئته مختلف عن البشر، إلا أنها انزعجت واضطربت، وتحير قلبها، وفكرت بعقلها، ما هذه التحية الغريبة؟  وكيف دخل هذا الشخص إلى البيت بلا استئذان؟  “فَلَمَّا رَأَتْهُ ٱضْطَرَبَتْ مِنْ كَلَامِهِ، وَفَكَّرَتْ:”مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ ٱلتَّحِيَّةُ!”.

لكن الملاك قطع عليها حيرتها، واضطرابها قائلاً: “لَا تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لِأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ ٱللهِ. ٣١ وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ٱبْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. ٣٢ هَذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَٱبْنَ ٱلْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، ٣٣ وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى ٱلْأَبَدِ، وَلَا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ”.

 في حوار مريم مع الملاك، يتضح لنا واحدة من أهم الصفات التي تميزت بها مريم الفتاة الريفية البسيطة، هي حسن الاستمتاع والقدرة على هضم الكلمات ومعانيها.  فقد فهمت مريم الرسالة، واستوعبت مفهومها.  لم تتردد مريم أن تناقش الملاك، وتستفهم، كيف يحدث ذلك دون أن ترتبط برجل.  وكأنها تقول له هل كلامك منطقي؟ أرى خيالك واسع سيادة المتحدث، وسألته:”كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟”.

لم ينتظر الملاك كثيرًا على هذا الجدل المنطقي من العذراء، فرد عليها بقوة أقنعتها وأشبعت فضول سؤالها. إن على جسر المنطق يُبنى الواقع، والمستحيل يصبح أمرًا ملموسًا، وذلك لأنه لا يستحيل على الله شيء.  فَأَجَابَ ٱلْمَلَاكُ وَقَالَ لَها:”اَلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ ٱلْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذَلِكَ أَيْضًا ٱلْقُدُّوسُ ٱلْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ٱبْنَ ٱللهِ. ٣٦ وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِٱبْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهَذَا هُوَ ٱلشَّهْرُ ٱلسَّادِسُ لِتِلْكَ ٱلْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، ٣٧ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى ٱللهِ”.

كانت مريم بقلبها وعيون ذهنها ترى الله خلف كل الأحداث والظروف، وفي كلمات الملاك لها تلامست مع صوت الله، وتجاوبت مع دعوته لها، بصوت مفعم بالثقة والثبات أجابته: هُوَذَا أَنَا أَمَةُ ٱلرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ”. وبهذا الجواب تعلن العذراء مريم أنها لم توافق على أن تحبل فقط، لكنها صدقت وآمنت بكلمات الملاك وكانت تتوقع مجيئ المولود بقوة وإيمان.  ويعتقد بعض علماء الكتاب المقدس أن مريم بهذا الجواب وهذا التصديق والتسليم الكامل لله، قدمت نفسها كنبيّة، وأن السيد المسيح هو الوحي الإلهي الذي نطقت به.

أي نوع من البشر هذه العذراء؟! إنها لم تعبأ بما يُقال عليها، أو مواجهة الأسرة البسيطة الشرقية الطباع والتقاليد.  ولأنها تيقنت أن الله يبني بالمستحيل جسرًا للعبور إلى البشر وأن يمسك بيد المتألمين ويخرج المهمشين والمنبوذين والمحرومين من خلف الأسوار التي بناها مجتمع الظلم والاستبداد والقهر إلى صناعة واقع حي يقاوم الظلمة التي تسود، ويضئ ومضات من النور الذي يجدد الأمل في الحياة، ويجبر الكسور التي أصابت النفس، ويبني مجتمعًا حيًا يعيد للحياة قيمتها ومعناها. لقد عبرت أليصابات عن هذا الواقع الجديد ببراعة في تعبيرها :” هَكَذَا قَدْ فَعَلَ بِيَ ٱلرَّبُّ فِي ٱلْأَيَّامِ ٱلَّتِي فِيهَا نَظَرَ إِلَيَّ، لِيَنْزِعَ عَارِي بَيْنَ ٱلنَّاسِ”.

واختم رسالتي لك أيها القارئ العزيز، هل تثق أن ما تراه عائق ومستحيل في حياتك يمكن أن يتبدل بواقع حي، وحياة مفعمة بالأمل والقوة؟ إذا كنت تستصعب هذا، أدعوك أن تعيد تفكيرك متأملاً فيما أحدثه ميلاد المسيح، فقد حوّل المستحيل إلى واقع حي. وأدعوك أن تجدد تفكيرك فيكون المستحيل جسرًا تعبر منه إلى ذاك الواقع الحي  …….

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.