تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » ثورة الإصلاح والتدمير

ثورة الإصلاح والتدمير

people, police, protest

الكاتب

القس جادالله نجيب

دوت أصوات الشباب المصري في الخامس والعشرين من يناير لإحداث ثورة غير مسبوقة عبر التاريخ الإنساني.  ولم يكن يخطر على بال الثوار لحظة واحدة، بل ولم يخططوا أو كانوا يحلمون  بالوصول إلى ما وصلت إليه نتائج هذه الثورة.

   لاشك أنها ثورة بيضاء، وثورة فريدة من نوعها.  الثورة التي نظفت الشوارع وأعادت ما قد تهدم قدر ما استطاعت. وأكثر من ذلك، فقد حفزت كل طبقات وألوان الشعب في الاشتراك معها، بل وجعلت حتى أولئك الذين كانوا يودون الحرية والتغيير والكرامة الإنسانية والقضاء على الفساد، وهم الأقلية غير الراضية على الطريقة ولا الشكل الذي آلت إليه الأحداث، فبحسب اعتقادهم أن ماحدث لا يعبر عن طبيعة الإنسان المصري الأصيل الذي اعتاد عليها في ترتيب أوراقه بالمطالبة بالحقوق أو التغيير،  ورغم هذا الإحساس لديهم إلا أن الثورة ألهبت فيهم  قوة إيجابية داخلية للتفكير في المستقبل أكثر من البكاء على الشكل والطريقة.

   قد تابعت الأحداث عن كثب وتفرغت لمتابعة الثورة ساعة تلو الأخرى كغيري من المهتمين والمخلصين لبلادهم. وكانت أحشائي تتمزق كلما استمرت الثورة وتوقفت معظم أجهزة الدولة، ونحن البعيدين عن الوطن بالجسد، كنا نسمع ونرى ونتعايش مع ما امتلك الناس من خوف ورعب وضعط نفسي وعصبي واقتصادي، حتى جاءت اللحظة العصيبة التي اختلط فيها الحزن العميق على ما سوف تواجهه بلادنا في الفترة القصير بعد الثورة، والأمل الذي يمتلكنا لبناء بلدنا بشكل يواكب القرن الحادي والعشرين من حرية وديمقراطية، طالما اشتد ساعد كل الشعب المصري  للمطالبة بها والصمود لتحقيقها. 

   وبالفعل فإن الشعب بإرادته القوية  قد استطاع أن يحقق هذه المطالب ويمتلك الآن حاضره، وتواجهه  تحديات جمة في صُنع مستقبله بوعي تام وباجتهاد في صياغة منظومة جديدة لتخطي أزمة الواقع.  ففي تاريخ ثورات العالم كان الأهم ليس فقط الثورة في ذاتها بل هو ما بعد الثورة.

    ومسيرة التاريخ الإنساني مليئ بالثورات، فعندما تطفوا أحاسيس ثقيلة بالظلم والذل والمهانة ، بسبب  زيادة معدلات الفقر و البطالة و الضغوط المعيشية، وزياد معدلات الفساد، وانحدار الأخلاق والعدالة في الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية، وفشل عناصر الخير في أن تشفي الوجدان والعواطف اليومية تبقى هناك وسيلة واحدة للتنفيس ألا وهي الثورة.

ما معنى ثورة؟

  تأتي من الأصل اللآتيني الذي يحمل معنى التغيير الجذري في  طريقة Revolution    فالكلمة الإنجليزية للثورة التفكير والسلوك، وتأتي بمعنى انقلاب.  وهذه الحالة تنتج من خلال عدم الرضى على الواقع المؤلم، من فساد وظلم…..إلخ، كما سبق القول. ويوضح هذا المعنى ثورة الرب يسوع  في الهيكل، الذي قلب موائد الصيارفة وطرد باعة الحمام. كما نراها بصور فردية بوضوح في طريقة التفكير الجذري في ثورة مع النفس في قصة الابن الضال.

ثورة  شاب

في عام 648 ق.م، أعتلى يوشيا ملك يهوذا سدة الحكم، وهو في الثامن من العمر. كان يوشيا نموذجًا رائعًا لشاب ثائر يحتذى به، ورث الشاب يوشيا تركة ثقيلة جدًا من رواسب فساد جده الملك منسى في حكمه الطويل الذي دام خمسة وخمسون عامًا، وأبيه آمون الذى اغتيل بعد عامين من حكمه.   

     فقد كانت تركته بلد يرزح تحت سيادة الأجنبي آشور، وكانت للمناورات الدبلوماسية والمقاومة والتدخل السافر تأثير حيوي على كيان حكومة نصف أوتوماتيكية، علاوة على الفساد في الحكومة والشعب على حد سواء، وتفشي العنصرية والدسائس، والحكم الدكتاتوري الذي كمم كل الأفواه على مدار سنين حكم منسى.

   أما عن يوشيا فقدكان شابًا واعدًا وطنيًا مخلصًا لبلده، عزم على أن يقضي على الفساد والظلم والقهر والتهميش، الذي خيم بظلاله المعتمة على حياة المملكة حكومة وشعبًا، وأن يعيد للأمة مرجعياتها الفكرية والثقافية والروحية، التي افتقدتها عبر السنين الطويلة.

فلسفة حكم يوشيا

  رغم صغر سن يوشيا إلا أنه كان ملهمًا، جسورًا واعيًا ومدركًا ماذا يفعل في المستقبل.  لقد أدرك جسامة المسؤولية في إدارة البلاد، وحجم التحديات التي تواجهه لبناء مستقبل حر، وكرامة وتحقيق النهضة والتنمية للوطن. لا يجانبني الصواب إذا قلت أنه كان واحد على قمة قائمة العظماء كخبير استراتيجي في قيام الثورة والاصلاح في ذات الوقت، فوضع خارطة لطريق الإصلاح. فماذا فعل يوشيا؟

      من يقرأ كلمة الله في أخبار الأيام الثاني والأصحاح الرابع والثلاثون، نجد مفتاحين أساسيين لثورة الإصلاح التي قام بها يوشيا. المفتاح الأول: الإرسالية وهي معرفة وجهته الصحيحة التي يتحرك إليها.

                                                      Mission

والمفتاح الثاني:  الرؤيا وهي القدرة على قراءة الواقع قراء صحيحة، للوصول إلى تحقيق الإرسالية.

Vision

أولا:  الإرسالية

 (وفي السنة الثامنة من ملكه إذ كان بعد فتى ابتدأ يطلب إله داود أبيه) 2 أخبار 34 : 3.

كانت الخطوة الأولى التي اتخذها الملك الشاب وهو في عمر يناهز السادس عشر، أن يتأكد من إرساليته تجاه الوطن والشعب، وما هو دوره. كان يوشيا، شأنه شأن كل شاب عظيم، يدرك أن الحياة رسالة، وكان عليه أن يتعرف على دوره كبطل. فأدرك أنه لم يولد ليستولي على عرش يأمر ويحكم، ويستبد ويطغى، أو يقتني الثروات ويبني القصور، أو يمتلك الأطنان من المجوهرات والذهب، خلفًا لوالده وجده. ومن هنا كان عليه أن يطلب إلهه، ليتحقق من رسالته ومن إرساليته.

ثانيًا: الرؤيا

  قبل التفكير في الإصلاح تأتي مرحلة قراء الواقع وتحديد الاحتياجات، وفي خلال أربع سنوات تبلورت الرؤيا لدى يوشيا، فتطلب منه الإصلاح هو أن يقضي أولاً على عناصر ومواقع الفساد فيهدم ويعزل الفاسدين عن مواقعهم.

  فلكل ثورة فاتورة تدفع على مستوى القيادات والقاعدة الشعبية أيضًا. كما دفعت ثورة شباب مصر فاتورة ولا تزال تدفع جزءًا منها، على مستوى الثوار هم الشهداء، وعلى مستوى الحكم هو إسقاط النظام، وعلى مستوى القاعد الشعبية ما يحدث من ركود اقتصادي، وزياد بطالة، وأيضًا نوع نسبي من الفوضى على مستويات كثيرة.

ثورة التدمير

    كان الإصلاح يتطلب إجراءات حاسمة لتحرير البلاد من الفساد،  فانفتحت عيناه على رؤية الخيانة والخداع والفساد والظلم.  هكذا كانت حالة الآداب العامة وكانت حالة الدين مملوءة بالأغلاط والشرور بعضها تقادم على مر الزمن. فقد أنشأها وأقامها سليمان وتركها حزقيا قائمة رغم الإصلاح الذي قام به.

    فيوشيا كان الثائر المصلح الذى يحمل المعوْل لينقّض على المرتفعات والسوارى والتماثيل والمسبوكات ويحطمها على رؤوس الكهنة يوقدون لها. فقد جاء بثورة تهدم قبل أن تبني، تصل في التدمير إلى حد  التكسير والدق والرش فهو لم يبق على شئ من أُس الفساد وقد امتلأ قلبه من الغضب والغيظ والانتقام!، فأمر بالقبض على كهنة المرتفعات الذين يقومون بخدمة البعل. وعزل الكهنة، المعينون لعباد الأوثان، من مناصبهم، وكانوا مكلفين رسميًا للقيام بهذه المهمة ( بأمر ملكي) إي الحكومة السابقة. وبالرغم من أن يوشيا عزلهم عن الخدمة الكهنوتية، إلا أنه التزم بتأمين مستقبلهم بسد احتياجاتهم المادية من مصادر دخل اليهكل!

    فقد قام يوشيا بحركة تطهير شامل في طول البلاد وعرضها. فكل ثورة إصلاح لا يمكن أن تبدأ إلا بالهدم والتحطيم، والاقتلاع والإبادة، فى حياة الفرد أو البيت أو الأمة على حد سواء!

ثورة الإصلاح

  في دراستنا لتاريخ الثورات نجد أن أي ثورة حدثت قد عقبها حالة من عدم الاتزان حتى تبدأ خطوات البناء. وهذا واضح جدًا في من تسجيل كلمة الله لتاريخ يوشيا السياسي والديني، فقد كانت ثورة التدمير في  العشرين من عمر الملك، واستمرت حالة اللإتزان ست سنوات خلالها كان الإعداد للبناء.

      كتب أحمد سيد أحمد بجريدة الأهرام بصدد ثورة الشباب مقال بعنوان : لكي تقود الثورة مصر إلى تغيير حقيقي قال: “إن الإعلام والتعليم والخطاب الديني المستنير هو الثالوث الذي يشكل قاطرة التطور والإصلاح في المرحلة المقبلة في إعادة صياغة عقل ووجدان المصريين في ترسيخ قيم الديموقراطية الحقيقية التي تمثل صمام الأمان والضمانة الاساسية في عملية البناء والتطوير”.

  وهذا ما فعله يوشيا، حيث شكل حكومة لتسيير أعمال المملكة مكونة من شافان بن أصليا مستشار الملك، ومعسيا رئيس المدينة، ويوأخ بن يوأحاز السكرتير العام للمملكة.

قامت الحكومة بالدور الإعلامي المتميز في بتكليف اللآويين بالإعلان عن فكرة بناء الهيكل وجمع الأموال الأزمة لبناءه.  ثم  قامت الحكومة بتحويل الأموال إلى خزانة اليهكل، وتكليف حلقيا الكاهن العظيم بترميم بيت الرب.

   وكانت هناك خلية عمل من كل القدرات والإمكانات التي كانت في المدينة، من عمال ونجارين وبنائين…. الخ وتوفير لهم مواد البناء، وكان الجميع يشعرون بالوطنية وحب البلاد والروح الإيجابية في عملية البناء، فكان الكل يعملون العمل بأمانة.

     قضى يوشيا على كل الفساد بما فيه حالة تغييب العقل والجهل الذي ساد الشباب، فلم يكن  ترميم الهيكل مجرد مبنى فخم، بل قصد أن يكون مركزًا تعليميًا وتنويريًا للأمة كلها. ففي أثناء ترميم الهيكل حدثت مفاجأة غير عادية، فلقد وجدوا كتاب الشريعة.  ومن هنا كانت لكلمة الله قوة في تنوير عقل الملك والشعب معًا. فبدأ يوشيا من وقتها في إحياء وتنشيط الأمة  بحركة التنوير قوية، من خلال الخطاب الديني المستنير، و التعليم، وتدريب قيادات فاعلة. وتأسيس المرجعية الفكرية لقيادة البلاد.

   لم تكن ثورة الإصلاح والتدمير قد حدثت بين ليلة وضحاها، لقد استمرت سنوات من الإخلاص والوطنية، والجهد وقراءة الواقع، قد عاش يوشيا أيامًا عصيبة، لكن بإدراك إرساليته والقدرة على الرؤيا الصحيحة وتنفيذها وصل إلى حركة التنوير وتحرير البلاد من الفساد الأمر الذي لا ينساه له التاريخ.

     فهل ثورة الشباب ستنتج حرية وكرامة وتنوير وتقدم للبلاد في وقت قصير؟ وهل لرجالات الكنيسة أن تفكر الآن في ضوء الأحداث المجتمعية في معرفة إرساليتها داخل الكنيسة وخارجها، وتحديد رؤيتها والعمل بها قبل فوات الأوان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.