تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » قيامة المسيح: لقاح ضد الموت

قيامة المسيح: لقاح ضد الموت

jesus, christ, god

الكاتب

القس جادالله نجيب

اجتاح العالم فيروس متناهي الصغر قبل بداية عام 2020، تفشى الزعر بعنف في القلوب، وعانى كثيرون من قسوة احتلاله في جسم الإنسان، بل حصد الموت أعدادًا غير مسبوقة بمنجله اللعين. كان ولا يزال شبح الموت يتماثل في عيون العالم فقد عشش في العقل الجمعي، وإن كان العالم يحاول أن يتعايش معه، لكنه لا يسلم من أنيابه الحادة التي تنهش كل يوم أجساد الكثيرين.  لم يستطع العلم أن يتعامل مع هذا الفيروس بشكل قاطع حتى كتابة هذه السطور. وعلى الرغم من عدد اللقحات التي صنعها العلماء، إلا أن العالم لا يزال يعيش المعاناة الحادة لهجمات هذا الفيروس الشرس واللعين على أجساد وحياة الكثيرين. البعض ينجوا، وآخرين يقضي الفيروس على حياتهم.  يتطلع العالم إلى قيامة جديدة في بيئة تتطهر من هذا الوبأ أو الجائحة، ليعيش الإنسان حرًا من مخاطره وآمنًا بعيدًا عن تهديداته.  ومن هنا جاء عنوان هذا المقال ليربط بين قيامة السيد المسيح من الأموات واللقاح الذي يقضي على الموت؟  فالموت نتيجة فيروس الخطية. كان فيروس الخطية ولا يزال هو الأقسى على الإطلاق في حياة البشر، حيث تسلل إلى جسم البشرية “باختيار آدم الحر” وأسْكَنَ الموتَ في الجسد.  فكان لزامًا وجود لقاحٍ مأمونٍ وناجعٍ يدخل للجسد يقتل الموت ويحرر البشرية منه. وقبل أن نشرح كيف أن قيامة المسيح هي لقاح ضد الموت علينا أن نعرّف أولاً ما هو اللقاح؟

يُعرف اللقاح بأنه مستحضر بيولوجي يجعل جسم الإنسان قادر على محاربة عدوى أو فيروس أو مرض معين، فهو يساهم في إنشاء المناعة الفاعلة المكتسبة للجسم تجاه أي هجمة مرض عليه، كما أنه يعمل على تحفيز مناعة الجسم وتشجيعه من أجل إنتاج مضادات الأجسام للوقاية من الأمراض.

وتحتوي اللقاحات على أجزاء غير نشطة أو ضعيفة من الكائن الحي الذي يسبب المرض، أو الشفرة الجينية التي من شأنها خلق نفس الاستجابة لدى جهاز المناعة. ويُعرف علميّا إن أقوى اللقاحات هو لقاح الميكروب الميت. (Inactivated or killed vaccine) فالتلقيح هو إجراء وقائي يقوم على حقن جسم غريب في جسم الإنسان من أجل حمايته والوقاية من بعض الأمراض.

أحقيقة قيامة المسيح لقاح ضد الموت؟

خلق الله آدم في أحسن صورة، “قَالَ ٱللهُ: نَعْمَلُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، ….. فَخَلَقَ ٱللهُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ ٱللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ”. ( تكوين 1: 26 و 27).  خُلق الإنسان بإرادة خيّرة وحرة، فهو مسؤول عن حياته وعن اختياراته، بل وتطوير البيئة التي وجد فيها ( الجنة) واستثمار ملكات الإبداع لديه للخير “وَأَخَذَ ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا”.( تكوين 2: 17).   لقد كان وجود الإنسان في الجنة فاعلاً حيث أن مسؤليته تطويرها وخلق بيئة يستثمر فيها قدراته، ويعي معنى وجوده.

ومقابل الاختيار الحر الخيّر في حياة الإنسان المخلوق، كان هناك تحدٍ واختيار آخر وهو الشر الذي تمثل في وجود شجرة معرفة الخير والشر في الجنة “يَوْمَ أن تَأْكُلُ مِنْ شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ ٱلْخَيْرِ وَٱلشَّرِّ مَوْتًا تَمُوتُ”. وهنا أمام آدم أن يعيش مع الله في عشرة الخالق مع المخلوق ليحيا الوجود في كل معانيه، بمسؤولية خيّرة أو أن يعيش ليُشبع غرائزه وينحسر حول نفسه فاقدًا معنى الوجود.  

دخل فيروس الخطية إلى عقل الإنسان وقلبه، فأحدث انسدادًا في الشرايين التي تُغَذي الإرادة الخيّرة عند الإنسان، وتسيّد الموت وتسلّط على البشر جميعًا.  فكانت النتيجة هي العجز التام وشلل للإرادة وتشويه معنى الوجود.  فلم يَعُد الإنسان على صلة بمصدر الوجود، وبالتالي  فإنه فَقَدَ القدرة على العودة إلى حالته الأولى ولا حتى القدرة على أن يتذوق طعم الحياة.   لم تقو حتى الشرائع أن تقضي على الموت ولا على سلطانه فقد استعصى عليها. فأي لقاح يقدر أن يكون جسمًا مضادًا للموت، والجسد كله ميت؟!. 

إذًا فالحاجة كانت ماسة إلى لقاح من الجسد الميّت أي أن الحاجة كانت إلى  شفرة جينية تخلق نفس الاستجابة لدى جهاز المناعة في الجسم، كما رأينا في تعريف اللقاح عاليه.  لذا فجسد البشرية الذي أخذه المسيح يسوع، إذا جاز التعبير، هو الشفرة الجينية، ليخلق جهاز مناعة جديد في جسم الإنسان. 

وعليه فقد أخذ المسيح نفس الجسد ( شفرة جينية) ضد الفيروس (الخطية ). من داخل الموت ( الجسد) يقتل الموت ويكسر سلطانه. يضع كاتب العبرانيين هذا المفهوم ببراعة “فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ ٱلْأَوْلَادُ فِي ٱللَّحْمِ وَٱلدَّمِ ٱشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِٱلْمَوْتِ ذَاكَ ٱلَّذِي لَهُ سُلْطَانُ ٱلْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ،  وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ ٱلَّذِينَ- خَوْفًا مِنَ ٱلْمَوْتِ- كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ ٱلْعُبُودِيَّةِ. ( عبرانين 2: 14 و15)

فما عَمِلَه الله جل جلاله هو أنه أخذ جسد الإنسان ( يسوع المسيح بلا خطية)، الكائن الحي غير النشط، ليصنع منه لقاح القيامة فلا يكون بعد سلطة للموت ولا خوف في قلب الإنسان منه.  يعيش الإنسان معافى في تحدٍ مع الحياة بكل معطياتها، مدركًا أن الجسد خُلق من مادة أي من التراب، ولأنه مادة، فالمادة لها وقت صلاحية.  وبالتالي الموت الجسدي هو انتهاء صلاحية عمر الفرد على الأرض، طالت مدته أو قصرت، وتبقى إرادة الإنسان الخيّرة تتحدى نقائص الأرض وقسوتها عليه، وتحدي نتاج شر الإنسان الذي يرفض أن يأخذ لقاح القيامة الذي يشفي شلل الإرادة الخيّرة، ويفتح آفاق الروح على توظيف ملكات الفرد في البناء لا الهدم، بل ويعيد له معنى الوجود.  فقيامة المسيح إذًا، هي اللقاح الذي جدد الطبيعة المشوهه واستبدلتها بوعي إلهي يدوس الخطية والموت. لقد أعطى السيد المسيح من الموت حياة.

مات السيد المسيح بالفعل، قبل أن يطعنه واحد من العسكر بحربة في جنبه. وقد تسببت الطعنة في خروج دم وماء من جنب المسيح، وهذا الأمر لا يتوافق مع جسد ميْت.  ففي حالة الأجساد الميتة يتجمد الدم ولا يخرج من الأجساد ماءًا نقيًا.  إلا أن في حالة الجسد الميْت للسيد المسيح قد خرج الدم والماء النقي.  يفسر  الأسقف وستكوت  “Westcott”: “أن خروج الدم والماء من جنب المسيح يُعتبر علامة حياة من موت”.  مات المسيح وقد اجتاز بالبشرية الموت، وأحياها بقيامته حاملًا حياة جديدة للإنسان. صوّر العلامة القديس ترتليانوس موت المسيح قائلًا: “لقد مات المسيح وبعد الموت طُعن فجُرِح، لم تزد الطعنة بالحربة موتًا على موت المسيح، بل ولدت من الموت حياة!

إذا فالقيامة هي اللقاح الإهي “حق إلهي” دخل في صميم كيان الإنسان ليغيّره ويُجَدِده، هذا الحق الإلهي المصنوع بالقيامة هو ملك للإنسان إن أراد.  فهو اللقاح الناجع الذي يَقي الإنسان من فيروس الخطية والموت المستعبد الجسد. فٱللهُ … وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ”. ( 1 بطرس 1: 3)

المسيح القائم من الأموات

قام السيد المسيح من الموت حيًا بجسده المجروح ويديه ورجليه المثقوبتين حيث لم تُشف الجروح بعد، فقد تركت الجروح بصماتها وندوبها على جسد السيد المسيح وقد رأوْها التلاميذ عندما أَظْهر المسيح نفسه لهم”أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ ٱلتَّلَامِيذُ إِذْ رَأَوْا ٱلرَّبَّ”. (يوحنا 20: 20)

فالجنب المفتوح لم يلتأم، والجسد قَبِلَ روح الشفاء، واحتفظ بندوبه  كعلامة للموت الذي اجتازه.  فلما ظهر المسيح للتلاميذ وأراهم يديه ورجليه وجنبه، بهذا قد أَخْضَع المسيح الجسد المقام للرؤيا واللمس فأصبحت القيامة عند التلاميذ محسوسة، فانفتحت عيونهم لواقع جديد، واتسعت مداركهم المحدوده لاستيعاب معنى القيامة وانفتحت قلوبهم لخبرة جديدة، وآذانهم للغة جديدة تلامست مع أعماقهم.  أتضحت لهم علامات الموت وصارت برهان وصدق القيامة. “وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلَامٌ لَكُمْ. ٣٧ فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا. ٣٨ فَقَالَ لَهُمْ: ….. ٣٩ اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَٱنْظُرُوا، فَإِنَّ ٱلرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي. ٤٠ وَحِينَ قَالَ هَذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. ٤١ وَبَيْنَمَا هُمْ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ مِنَ ٱلْفَرَحِ، وَمُتَعَجِّبُونَ، قَالَ لَهُمْ: «أَعِنْدَكُمْ هَهُنَا طَعَامٌ؟. ٤٢ فَنَاوَلُوهُ جُزْءًا مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ، وَشَيْئًا مِنْ شَهْدِ عَسَلٍ. ٤٣ فَأَخَذَ وَأَكَلَ قُدَّامَهُمْ”. ( لوقا 24: 36 – 43)

كان الموت عقاب، قوته ترسخت في كيان الإنسان، وبالتالي، قتل الموت فكرة الحياة بعد الموت، مما رسخ فكرة القيامة أي الحياة بعد الموت ( القيامة في الآخرة).  وهذا هو الاعتقاد الذي كان سائدًا عند التلاميذ خاصة وعند كل اليهود عامة.  كان صعب على عقليتهم أن يفهمون نبوات العهد القديم أو حتى كلام السيد المسيح أنه سيغير ناموس الطبيعة المحدود، من قيامة عامة لقيامته هو ليقيم البشرية من موتها.

القيامة لقاح إلهي ناجع، وفعل حاسم هزم الموت وقضى على الشبح  والمارد المخيف الذي أدخلته الخطية إلى البشرية، ووضعت البشر تحت عبودية الموت من وقت اختيار آدم الحر للأكل من شجرة معرفة الخير والشر.  القيامة ليست مجرد حدث تاريخي فحسب، بل هي تشكيل لوعي الإنسان وصقل لخُلقه وترتيب لعقله وانضباط لروحه. القيامة هي لقاح إلهي مُستَحدَث جَدَدَ وجدان الإنسان، وفك أَسْر الإرادة التي تكبلت، واستعاد الإنسان من اغترابه عن نفسه وعن إلهه، وحرر القلب من إرهاب الخطية وشبح الموت. إذًا لازال الاختيار لي ولك أيها القارئ العزيز، إما أن نظل كما كان آدم تائها يلهث باحثًا عن معنى الحياة، أو أن نقبل لقاح القيامة الذي يقتل مفعول الموت ويشَكّل وعْيِنا الإنساني والاجتماعي والروحي فنحيا الحياة في ملئ معناها! 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.