تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » ميلاد المسيح.. ثورة علي المجتمع ابتعدت فيه المسافة بين الأرض والسماء

ميلاد المسيح.. ثورة علي المجتمع ابتعدت فيه المسافة بين الأرض والسماء

nativity, jesus, manger

الكاتب

القس جادالله نجيب

ميلاد المسيح.. ثورة علي المجتمع ابتعدت فيه المسافة بين الأرض والسماء

وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الجنْدِ السَّمَاوِي مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: ” لمجْد للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَي الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ”. (لوقا 2: 13 و14). يحتفل الشرق والغرب كل عام بميلاد السيد المسيح، ويستعد الكثيرون لتجهيز احتفالات الكريسماس بشكل مجتمعي أو بمظهر ديني علي حد سواء. وتجتهد الكنيسة وشعبها – الكنائس المحلية والعامة- في أن تُخرج أفضل ما لديها من إبداعات في الترانيم والبرامج تعبيرًا عن الفرحة بالطفل المولود منذ أكثر من ألفي عام. وقد أطل علينا عام 2011م في الدقائق الأولي من وصوله، بظلامه الكئيب علي الكنيسة والبلاد في حادث كنيسة القديسىْن، في الوقت الذي كانت تتمخض فيه البلاد استعدادًا لولادة تعسرت سنين طويلة، لكنها أعطت طفلها الأول في 25 يناير 2011م. إنه واحد من سيناريوهات التاريخ، الذي يحتم علينا أن نفتح ملفاته ونقرأ عن سيناريو ماقبل مجيء المسيح. ونعرف ما الحالة السياسية والدينية؟ وهل من شَبَه بين ذلك الزمان وزماننا الحالي؟ وأي احتفال نسعي لنحتفي به هذا العام؟ أسئلة دارت في خُلدي، أود أن أشاركك بها عزيزي القارئ في السطور التالية. الوضع السياسي قبل الميلاد استقبل اليهود ملك السلوقيين أنطيوخوس الثالث استقبالاً حارًا بعد انتصاره علي البطالمة سنة 198 ق.م، والسلوقيون هم سلالة سلوقس الأول أحد قادة الإسكندر الأكبر. مقابل ترحبيهم بأنطيوخوس رد لهم جميلهم، إذ بدأ معهم حكمًا متسامحًا. ودعا اللاجئين للعودة إلي بلادهم، وسمح لهم العيش بمقتضي ناموسهم. وأعفاهم من الضرائب المتأخرة لمدة ثلاث سنوات. وخفف عنهم عبء الضرائب، وساعد في ترميم الهيكل علي حساب الدولة ففرح به اليهود فرحًا عظيمًا. ويذكر التاريخ هو أن الشعب اليهودي آنذاك لم يكن له كيان سياسي مستقل خاص به، ولم يكن يتمتع حتي باستقلال داخلي. فما عاشه مع انطيوخوس لم يدم طويلاً، حيث ساعدت عوامل كثيرة داخلية وخارجية علي تفكك المجتمع اليهودي، أكثرها تاثيرًا هو انتشار الثقافة الهللينية. وبالطبع كان هناك من تمسك وبشده بتراثه اليهودي مهما كان الثمن حتي لو أدي هذا إلي التضحية بحياة الشخص، في المقابل كان هناك جماعة أخري شعرت بأنها جماعة صغيرة أضعف من أن تقاوم تيار الهللينية، فارتموا في أحضانها، فنشأ التيار المحافظ المتعصب للشريعة، والتيار الليبرالي بحسب التسمية المعاصرة اللذين انفتحا علي الثقافة اليونانية. لقد دغدغ الانفتاح علي الثقافة اليونانية المشاعر والأحاسيس البشرية الداخلية لليهود، فساعد علي تفسخ المجتمع. فعلي سبيل المثال، لم يستطيع الشباب اليهودي مقاومة مغريات الثقافة، أو حتي فهمها في ضوء واقعه الديني والاجتماعي، المغريات التي تدعوه إلي الاستمتاع باللذة والتحرر من آلاف القيود الضيقة الثقيلة؟ وبالتالي بدأ الشباب يسخرون من الكهنة ويصفونهم بأنهم يسعون إلي المال، كما يصفون الأتقياء من أتباعهم بأنهم حمقي، وأنه قد عفي عليهم الزمن دون أن يستمتعونا بمباهج الحياة. وانضم إليهم في هذا الأغنياء الذين كانوا بمالهم يستطيعون أن يستجيبوا للغواية. وشعر كثيرون من الذين كانوا يسعون للمناصب بأن الدخول في السياسة يعني التكلم باللغة اليونانية، وأن يعيشوا كما يعيش اليونانيون، وأن يكون لهم فكر إيجابي يقدمون الثناء بعض الوقت لآلهة اليونان. في عام 175ق.م، اعتلي أنطيوخوس الرابع سدة الحكم، وانقلب مائة وثمانين درجة ضد اليهود، فلم يرَ في بلادهم إلا أنها مصدر للدخل المادي، وكان وقتئذ يستعد لحروب تستلزم الكثير من الأموال، ففرض عليهم أن يؤدوا إلي خزانة الدولة ثلث محصولاتهم من الحبوب، ونصف ما تُثمره أشجار الفاكهة. بل أصدر أمرًا مشددًا قاسيا بإبطال كل مراسيم وطقوس العبادة. في عام 168ق.م، اقتحم أنطيوخوس الرابع الهيكل ونهب أمواله، بل أقام مذبحًا للإله اليوناني زيوس. وأكثر من ذلك اتبع سياسة القمع والقهر ضد اليهود في أورشليم. فعمت الدسائس، والرشوة للسوقيين لتعيينهم رؤساء كهنة، ثم زعماء سياسيين بالإضافة لمنصبهم الديني. ماذا ننتظر من مجتمع القمع والقهر والقسوة والدسائس والاضطهاد والتدين الظاهري إلا الغليان الداخلي والتمرد، وظهور العنف ضد انطيوخوس ونظام حكمه، في شكل حرب عصابات من المكابيين. استمر هذا العنف عدة شهور إلي أن قام رجل شجاع مقتدر، يدعي يهوذا المكابي الذي حوّل حرب العصابات إلي حرب مقدسة تطالب بالتحرير والاستقلال. واستطاع يهوذا أن يطّهر الهيكل من مذابح الوثن وأرجع العبادة وهو من بدأ عيد التجديد المذكور في العهد الجديد. وتولي الحكم بعد المكابيين الرومان، حيث حكم هيرودس أورشليم من سنة 37 – 4 ق.م، وهي السنة التي قيل إن السيد المسيح ولد فيها. وكان هيرودس رجلاً قاسيا منحلاً فاسدًا تحكمه الغيرة والشكوك المرة، فقتل عمه، وزوجته المكابية التي كان يحبها، وابنها. كانت الحياة السياسية لا تحتمل، رغم أنه حاول التقرب إلي اليهود إلا أنهم كرهوه ولم يتجاوبوا معه، بل كانوا ينتظرون بفارغ الصبر أن يأتي المخلص. الفكر الديني قبل الميلاد لم يتاثر المجتمع اليهودي سياسيا وفكريا بالثقافة الهللينية فقط، بل أيضًا تأثر بالتيارات الدينية في زمانه. فقد ظهرت آثار عقيدة زرادشت بوضوح في فكر الأقلية اليهودية. والتي كانت تعتقد في إلهين – واحد للخير وآخر للشر الخير. عندما يسود إله الشر فحتمًا ينتهي زمانه وىُقضي عليه ويبدأ زمان جديد هو زمان الخير. وبالتالي فكانت عقيدة الأقلية المحافظة من اليهود هي أن العالم فاسد شرير لا رجاء منه، ولا يمكن أن يكون الله كلي القداسة له صلة به. وليس من المعقول أن يترك الله العالم الفاسد ضحية الشر بل سيأتي وسيتدخل ويخلص شعبه بعد أن يحطم الشر. ومن هنا برز لاهوت الفرد، والذي يعني أن كل فرد مسئول أمام الله دون باقي الناس. ويختلف هذا اللاهوت عن لايمانهم الذي عرفوه ومارسوه، فقد كان الفرد يشعر أنه مرتبط بأمه ارتباطًا عضويا بحيث أنه يشعر أنه مذنب عندما تخطئ الأمة، وهذا نجده بوضوح في سفر دانيال. أما السبب في هذا التحول من لاهوت الجماعة إلي لاهوت الفرد هو التحول من فكر الذبيحة والهيكل إلي فكر الناموس. فالارتباط بالهيكل هو إيمان وعقيدة الأمة مرتبطة معًا كفرد واحد، أما الناموس فهو لاهوت الفرد، لأن الناموس قادر علي خلق الضمير الفردي. ومن هنا بدأ دور الكتبة يزداد بعد أن انخفض صوت النبوة، وأصبحت الحاجة الملحة إلي النظر للمستقبل، وانتظار المخلص الذي ينقذهم من العالم الشرير. وروح الانتظار تعمق وزادت في أيام أنطيوخوس أبفانيس، لكنها قلت في أيام المكابين عندما شعر اليهود بأنهم نالوا الاستقلال والسيادة. لقد عاش شعب الله في حالة من البؤس والتعاسة، في ظل سياسة القمع وانحلال المجتمع أخلاقيا ودينيا. فقاموا بثورة سياسية ليتحرروا، لكن الحرية لم تدم إلا سنوات وعاد القمع والظلم والفساد مرة أخري تحت حكم هيرودس. ومازالت أحداث التاريخ تكرر نفس السيناريو في حقب وأماكن مختلفة حول العالم، وصرخات الإنسان تدوي عالية تطلب مخلصًا وتنتظره بفارغ الصبر. ميلاد السيد المسيح ولد السيد المسيح في مجتمع كان يتسم بالبؤس والفقر والظلم والقمع، مجتمع ابتعدت فيه المسافة بين الأرض والسماء، مجتمع استعدي الأرض ضد السماء بأحداثه المزرية، واتجاهاته المشوهة وأفعال العنف السياسي والانحلال الأخلاقي. تجسد الحضور الإلهي في طفل المزود، فالتقت محبّة السماء بعداوة الأرض، وفجأة ظَهَرَ مَعَ الملاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِي مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: “الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَي الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ.” تميز ميلاد طفل المزود بغمرة الفرح والسلام في الأرض وإعلان مجد الله في السماء، وتفرد بلقاء المجموعات المختلفة من الناس، وكسر حواجز المجتمع المألوفة، وولّد فكرًا جديدًا في قلب الكثيرين. لم يتهلل يترنم جمهور جند السماء لمجرد أن طفل المزود قد وُلد، بل لأن في ميلاده يولد مجتمع!! لم ينتظر المولود حتي يكبر ليؤسس حركة تحرير ليخلص بها البشر، أو من خلال حركة تأسيسية يبني مجتمعًا جديدًا. لم ينتظر ليكّون حزبًا ليقوم بثورة حتي ينقذ البشر من القمع والظلم والبؤس والفقر، بل ميلاده كان ميلادًا لمجتمع جديد. مولود المزود أعاد قيمة الحياة للمهمشين فأخرجهم من عزلتهم وتهميشهم، فأعطي للرعاة المهمشين والمنبوذين قيمة. لم يكن يسمح للرعاة في ذلك الوقت بالشهادة في المحاكم، أو قلما لا يعتد بشهادتهم. لقد خلق فيهم معني جديدًا للحياة، فأخذتهم الهمة والشهامة للبحث عن طفل المزود رغم بعد المسافة وعناء الطريق، لكنهم كانوا أمناء في أن يشهدوا عن المخلص. مولود المزود كسر حاجز الخصوصية الدينية والتزمت، فأعلن أعظم قيمة للحب الإلهي، وهي قبول الآخر أيا كان موقعه وحالته الإجتماعية أو الثقافية أو الدينية. فأسس قيمة التعددية الفكرية والثقافية والدينية. إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَي أُورُشَلِيمَ 2قَائِلِينَ:”أَىْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْىَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَىْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَىْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ”. بمجيء المجوس وسجودهم للمولود، هو بمثابة إعلان عن الحاجة الماسة إلي مخلص. فلم يكن ميلاد طفل المزود مجرد طفل كباقي الأطفال، لكنه ميلاد لمجتمع تعددت فئاته، مجتمع جديد يعرف كيف يخرج من ذاته للآخر كما فعل الرعاة، والانفتاح علي الآخر بما لديه من مكونات مجتمعية واتجاهات فكرية كما فعل المجوس الآتين من بلاد الفرس. فهل تحتفل الكنيسة هذا العام بميلاد طفل المزود كما كانت تحتفل من ذي قبل؟ أم تحتفل بميلاد مجتمع جديد نتيجة ثورة اجتماعية وسياسية؟ أم أن الكنيسة في جو القمع والبؤس والظلم تحتفل بميلاد جديد لقلوب متجددة ولدت من رحم المعاناة، ليولد معها مجتمع جديد متخلص من الفردية ونعرة الأنانية التي أصابتها، شاهدًا عن المخلص رغم معاناة الطريق، بل وينفتح علي الآخر ويقبله ليأتي ويطلب أين هو المولود لنسجد له؟!! 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.