تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » كيف فسّر المصلح كلفن وعد الله لابراهيم بأرض الموعد؟

كيف فسّر المصلح كلفن وعد الله لابراهيم بأرض الموعد؟

بقلم

 القس سهيل سعود

السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان

 
“وقال له: أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملا . فأجعل عهدي بيني وبينك”
(تكوين 17: 1- 2)
نظر كلفن الى كامل الكتاب المقدس في سياق لاهوت العهد. رأى موضوع “العهد” النقطة الجامعة التي تربط وتجمع لكل صفحات الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد. ذكر في تفسيره للأصحاحات الثلاثة الأولى من سفر التكوين: “يرجع العهد، بين الله وشعبه في التاريخ إلى ما هو أبعد بكثير من العهد مع موسى. فهو يرجع إلى آدم، الذي ابتدأ الله عهد النعمة معه، بعد سقوطه في الخطيّة. ثم تقدَّمت إعلانات الله تدريجيًّا، من خلال العهود المتلاحقة التي أقامها الله مع شعبه. ابتدأ الله عهده الأوَّل مع آدم حين قال الله للحيّة: “وَأضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْاةِ وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأسَكِ وَأنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” (تكوين 3: 15). شدّد كلفن على أن هذا الإعلان، كان الشرارة الأولى الضعيفة، لكن الإعلان الإلهي سار عبر تاريخ الخلاص بشكل منتظم من خلال إدارة الله لعهد رحمته. وكلما تقدّمت العهود في التاريخ، كلما زاد إشراقها ولمعانها، إلى أن اكتملت إشراقًا في نور شمس المسيح، شمس البرّ التي أنارت كل الأرض، مقتبسًا قول النبيّ ملاخي: “وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا ” (ملاخي 4: 2).
توقف كلفن عند النص الذي يذكر عهد الله مع ابراهيم. “ولما كان ابرام ابن تسع وتسعين سنة، ظهر الرب لابرام ، وقال له، “أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملا . فأجعل عهدي بيني وبينك، وأكثّرك تكثيرا جدا…أقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أجْيَالِهِمْ عَهْدا أبَدِيّا لأكُونَ إلَها لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا وأكون الههم” (تكوين 17: 1-3 و7-8) . رأى كلفن أن عهد الله مع ابراهيم ونسله تضمّن بركات روحيّة وسماويّة، وليس بركات وامتيازات أرضيَّة. فالآباء الذين كانوا في علاقة مع الإله الحي، آمنوا بأن لهم حياة أفضل في مكان آخر. لهذا، لم يهتمّوا كثيرًا في الحياة الأرضية، لأنهم كانوا ينظرون إلى الحياة السماوية. آمن الآباء أن صلاح الله هو أقوى من الموت. وصف كلفن حياة الآباء، من آدم وحتى داود، بأنها كانت حياة بائسة. لهذا علّمهم الله أن ينظروا إلى مكانٍ آخر أفضل. أوحى إليهم الله بعدم الاهتمام كثيرًا في هذه الحياة الأرضية، بل أن يتأمّلوا البركات الروحية السماوية. قال: “يصف سفر التكوين حياة الآباء بأنهم كانوا غرباء ونزلاء على هذه الأرض”. اقتبس قول أحد الآباء يعقوب: “ايَّامُ سِنِي غُرْبَتِي مِئَةٌ وَثَلاثُونَ سَنَةً. قَلِيلَةً وَرَدِيَّةً كَانَتْ ايَّامُ سِنِي حَيَاتِي وَلَمْ تَبْلُغْ الَى ايَّامِ سِنِي حَيَاةِ ابَائِي فِي ايَّامِ غُرْبَتِهِمْ” (تكوين47: 9). كما اقتبس قول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: ” بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي. الإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِناً فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهَذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ، أَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ… فِي الإِيمَانِ مَاتَ هَؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ. فَإِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ وَطَناً. فَلَوْ ذَكَرُوا ذَلِكَ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، لَكَانَ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلرُّجُوعِ. وَلَكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذَلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلَهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ مَدِينَةً” (عبرانيين 11: 8- 10 و 13- 16).
تحدَّث كالفن، عن ضرورة التمييز بين العهد والوعد، في سياق التعاليم التي كان يعلمها راديكاليو الإصلاح “الأناببتست” (وهي مجموعة انجيلية راديكالية انتشرت زمن الاصلاح في القرن السادس عشر)، الذين شدّدوا على أن عهد الله مع ابراهيم ونسله من بعده أي اليهود، يتضمن بركات أرضيّة أي امتلاك أرض الموعد. علّم الأناببتست ان الله وعد الشعب اليهودي بالأرض، والازدهار، والتميّز، والقوة، وغيرها من الامتيازات الأرضية المادية. لكن علّق كلفن بالقول، ” لم يكن أبونا إبراهيم ينتظر من الله أيّة وعود ماديّة أرضيّة، منذ أن أعطاه وعده الأبدي له ولنسله في العهد القديم”.
قال كلفن، “صحيح أن الله ميّز نسل إبراهيم عن نسل باقي الأمم. لكنه لم يقم عهده مع نسل ابراهيم الطبيعي، أي الذين ولدوا من سلالة إبراهيم البيولوجية، وانما مع نسل ابراهيم الروحي، أي الذين عاشوا الإيمان الذي عاشه إبراهيم”. قال: “يمكن للإنسان اليهودي أن يشترك في العهد، ولا يشترك في بركات الوعد. فقبول اليهودي لكلمات الوعد، لا يخوّله الاشتراك في بركات وعود الله المرافقة للعهد ومع تبعاتها ونتائجها، لأن الله يختم عهده في داخلنا بروحه القدوس”. نظر كلفن إلى كامل الكتاب المقدَّس نظرة “كريستولوجية”، تتمحور حول شخص يسوع المسيح، لأنه آمن أن يسوع المسيح هو المحور الذي يوحِّد الأزمنة والشعوب في كنيسة واحدة. اعتقد أن الأوقات المختلفة بين العهدين القديم والجديد، تجد وحدتها في ملكوت المسيح، النسل الحقيقي لإبراهيم، مقتبسًا كلمات الرسول: “وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي «إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ». لاَ يَقُولُ «وَفِي الأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ. وَ«فِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ” (غلاطية 3: 16).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.